السبت, 21 كانون2/يناير 2017

سوناتات هايدن

  ثائر صالح

كتب الموسيقار النمساوي العظيم فرانس يوزف هايدن (1732 – 1809) عدداً من سوناتات البيانو زادت عن الستين، منذ بداية حياته الفنية حتى 1794، عام كتابة آخر ثلاث سوناتات. دراسة هذه السوناتات أمر مثير، إذ نلمس فيها تطوره من ناحية التأليف الموسيقي ومن ناحية التكنيك كذلك، والأكثر اثارة هو تأثير التغييرات التي حصلت على الأدوات الموسيقية خلال تلك الفترة. فقد كان الهاربسيكورد الأداة الشائعة في مطلع حياة هايدن، لكن مع انتهاء عصر الباروك وظهور الاتجاهات الفنية المختلفة والبحث عن الجديد في الفن، عاد الموسيقيون إلى استعمال أداة الكلافيكورد لأن مفاتيحها أكثر حساسية من مفاتيح الهاربسيكورد، بالتالي قدرتها على التعبير أفضل من الهاربسيكورد، لكن صوتها أضعف بكثير. ثم كان هناك سلف البيانو الحديث الذي ابتكره بارتولوميو كريستوفوري (1655 – 1731) في مطلع القرن الثامن عشر، وهو الفورتَبيانو الذي تميز عن أدوات المفاتيح القديمة باستعمال تقنية مبتكرة للمضارب مما يمكن العازف من تغيير قوة ضربه للوتر بالاضافة الى إدخال الدواسات بالتالي تسهيل التحكم في لون وطبيعة الأصوات. وكانت السوناتات الأخيرة التي كتبها هايدن تؤدى على الفورتَبيانو. لكن هذه الأداة كانت لاتزال في مراحل نشوئها الأولى، ضعيفة الصوت، حتى أن الهاربسيكوردات الكبيرة التي صنعت في 1775 كانت تعطي أصواتاً أشد قوة منها. وبحلول ثمانينات القرن الثامن عشر ترك صانعو الأدوات صنع الهاربسيكورد واتجهوا لصناعة الفورتَبيانو الذي تطورلاحقاً الى البيانو بعد معالجة عيوبه الطفولية.
تأثر هايدن كثيراً بأشهر أبناء يوهان سباستيان باخ، الموسيقار المجدد كارل فيليب إيمانويل باخ (1714 – 1788) الذي كتب الكثير من السوناتات لأدوات المفاتيح (خاصة للكلافيكورد). ففي حوالي 1749 حصل هايدن على سوناتات باخ مطبوعة. قال هايدن "لم أنهض من أمام أداتي قبل أن أتم عزفها كلها [السوناتات]، وكل من يعرفني بصورة جيدة يجب أن يعرف أنني مدين بالكثير إلى إيمانويل باخ، وبأنني قد درسته بكل مثابرة وفهمته. إيمانويل باخ كتب لي تحية على هذه المجموعة المطبوعة بخط يده ذات يوم". لكنه لم يتوقف عند ما تعلمه من باخ، بل أبتكر لنفسه اسلوبه الخاص المتميز في كتابة السوناتات رغم الحياة الروتينية التي عاشها في خدمة الأمير ميكلوش (نيكولاوس) أسترهازي، حيث كات صلاته بالحياة الموسيقية الأوروبية محدودة، بينما قام زملاؤه بجولات إلى المدن الأوروبية لتقديم أعمالهم وتمكنوا من التعرف على موسيقى تلك البلدان عن كثب. وجاءت زيارتا هايدن إلى لندن في شيخوخته لتعوضه عن بعض ما فاته، فاستمع إلى عزف كلمنتي ودوسك وبالذات جون فيلد على الفورتَبيانو ودرس تقنيتهم في العزف، وطور بالتالي اسلوبه في التأليف والعزف وهذا ما لحظه الباحثون في سوناتاته التي كتبها في لندن (رقم 60 - 62).
××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××

عازف البيانو المجري دجو رانكي يقدم أربع سوناتات في تسجيل حي لحفل في بودابست (2015).
https://www.youtube.com/watch?v=ZeDpjfrIoW0

 

في رحاب الموسيقى

Thaier Salih

 

مقالة أسبوعية (كل سبت)
بقلم ثائر صالح

 

شرعت في كانون الأول 2010 بكتابة مقالات اسبوعية عن المقطوعات الموسيقية التي أحبها، والتي أود أن يشاركني متعة الاستماع اليها أصدقائي ومعارفي متذوقي الموسيقى والمجموعة المندائية على الانترنت الياهو الذين أرسلت اليهم هذه الكتابات القصيرة بهيئة رسالة بالبريد الألكتروني. ثم اتفقت مع صحيفة المدى البغدادية على نشرها كزاوية اسبوعية في صفحة ثقافة، فأصبحت لي زاوية صغيرة فيها بعنوان موسيقى السبت منذ خريف 2011.

ولا أخفي سروري لهذه الفسحة في النشر والتوسع في نشر هذه الكتابات القصيرة المتنوعة، إذ أعتبر هذا مجهوداً بسيطاً أُسهم به في إشاعة مفاهيم الجمال ومقاومة انتشار القبح والسطحية والفن الركيك مقابل تراجع مساحة الفن الرصين في كل المنطقة العربية. وقد سعيت إلى أن تكون هذه الكتابات واضحة وبسيطة، وتحوي أقل قدر من المصطلحات الموسيقية التخصصية التي حاولت شرحها بطريقة مبسطة ومفهومة. وقد استعملت في كتاباتي التسجيلات الموسيقية الموجودة على الانترنت، وبنيت هذه الكتابات حول الأعمال الموسيقية المتميزة.

قراءة المزيد