الإثنين, 13 آذار/مارس 2017

السمفونية الثامنة

  ثائر صالح

ش

السيمفونية الثامنة

هناك سيمفونية واحدة في تأريخ الموسيقى يمكن القول عنها أنها السيمفونية "الثامنة" بحق. هذه السيمفونية من تأليف التشيكي أنتونين دفورجاك (1841 - 1904)، والسبب بسيط لكنه عجيب بسبب تراكم الصدف. فسيمفونيته الثامنة في صول الكبير تحمل رقم 88 بين تسلسل أعماله، وأنجزها في آخر سنة من عقد ثمانينات القرن التاسع عشر (1889)، بعد عام واحد من سنة 1888.
بدأ اهتمام دفورجاك بالموسيقى متأخر نسبياً، في صباه. بعد الابتدائية درس ليصبح قصابا، ثم درس اللغة الألمانية قبل أن تستهويه الموسيقى فدخل مدرسة دينية في براغ ليدرس الأورغن وهو في السادسة عشرة. لكنه سرعان ما تعلم العزف على الكمان. عمل عازف فيولا في المسرح البوهيمي المؤقت (الذي أصبح لاحقاً المسرح الوطني التشيكي في براغ) تحت قيادة بيدريخ سميتانا، وبدأ يعمل في التدريس ليكسب قوته، قبل أن يترك العمل في الفرقة سنة 1871 ليتفرغ للتدريس. لكنه بدأ في الوقت نفسه بتأليف الأعمال الموسيقية، وتعاظم نشاطه في التأليف شيئاً فشيئا. ألّف في سنة 1874 لوحدها 15 عملاً، بينها ثلاث سيمفونيات، تقدم بها لنيل منحة الامبراطورية النمساوية التي فاز بها. إلى جانب المنحة المالية فاز كذلك بدعم يوهانس برامز عضو لجنة التحكيم ولاحقاً بصداقته.
عين في أكاديمية براغ وكتب هذه السيمفونية عرفاناً "لقبوله عضواً في أكاديمية الامبراطور فرانس يوزف لدعم الفنون والآداب"، وقدمت السيمفونية في 2 شباط 1890. وهي بذلك سيمفونية مشرقة اللون متفائلة وغنائية الطابع. بدأ السيمفونية بلحن وقور باستعمال الأدوات متوسطة الطبقة في سلم صول الصغير، ألا أنه سرعان ما ينتقل إلى صول الكبير ليستمر في باقي أجزاء السيمفونية بالسلالم الكبيرة على الأغلب، مع تحويلات قصيرة بالسلالم الصغيرة. تذكرنا الحركة الثانية بموسيقى فاغنر الذي تأثر به دفورجاك إلى جانب برامز، وهما خصمان لدودان سيطرا على الحياة الموسيقية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، الأول مثل التيار القومي الرومانتيكي، والثاني الرومانتيكي الذي نهل من التراث الكلاسيكي. الحركة الثالثة للسيمفونية تتميز بنكهة الموسيقى الشعبية، مع شيء من مسحة الحزن. يعتبر قسمها الوسطي بين أجمل ما كتبه دفورجاك من موسيقى شعبية الطابع.
تبدأ الحركة الرابعة بنفير النحاسيات الاحتفالي، يتبعه مقطع غنائي راقص الطابع، لعله بين أكثر الألحان التي استعملها دفورجاك في سيمفونياته التسع حميمية وأصالة. تتميز الحركة الأخيرة بشكل التنويعات التي يقطعها جزء قصير عارض بالسلم الصغير. أنها أشبه بجولة في الريف البوهيمي الساحر ذات يوم صيفي مشمس.
تبع دفورجاك هذه السيمفونية الجميلة بالسيمفونية التاسعة (من العالم الجديد) التي ألفها أثناء إقامته في الولايات المتحدة مديراً لكونسرفاتوار نيويورك لثلاث سنوات (1892-1895)، استعمل فيها الموسيقى الشعبية للسكان الأصليين الهنود الحمر، كذلك بكونشرتو التشلو الشهيرة. من أعماله المعروفة كذلك الرقصات السلافية (مجموعتان)، التي كتبها متأثراً بعمل صديقه برامز رقصات مجرية، وهي 21 رقصة تعرف برامز على مادتها الموسيقية عبر أصدقائه المجريين وأثناء زياراته العديدة إلى المجر بعد انتقاله إلى فيينا.

كان دفورجاك يدرّس علم الهارموني (التجانس الصوتي) في أكاديمية الموسيقى في براغ، ثم أصبح مديرها سنة 1901.
××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××
هربرت فون كارايان وفرقة فيينا الفيلهارمونية مع سيمفونية دفورجاك الثامنة (1974):
https://www.youtube.com/watch?v=zfP29uN33L8

 

في رحاب الموسيقى

Thaier Salih

 

مقالة أسبوعية (كل سبت)
بقلم ثائر صالح

 

شرعت في كانون الأول 2010 بكتابة مقالات اسبوعية عن المقطوعات الموسيقية التي أحبها، والتي أود أن يشاركني متعة الاستماع اليها أصدقائي ومعارفي متذوقي الموسيقى والمجموعة المندائية على الانترنت الياهو الذين أرسلت اليهم هذه الكتابات القصيرة بهيئة رسالة بالبريد الألكتروني. ثم اتفقت مع صحيفة المدى البغدادية على نشرها كزاوية اسبوعية في صفحة ثقافة، فأصبحت لي زاوية صغيرة فيها بعنوان موسيقى السبت منذ خريف 2011.

ولا أخفي سروري لهذه الفسحة في النشر والتوسع في نشر هذه الكتابات القصيرة المتنوعة، إذ أعتبر هذا مجهوداً بسيطاً أُسهم به في إشاعة مفاهيم الجمال ومقاومة انتشار القبح والسطحية والفن الركيك مقابل تراجع مساحة الفن الرصين في كل المنطقة العربية. وقد سعيت إلى أن تكون هذه الكتابات واضحة وبسيطة، وتحوي أقل قدر من المصطلحات الموسيقية التخصصية التي حاولت شرحها بطريقة مبسطة ومفهومة. وقد استعملت في كتاباتي التسجيلات الموسيقية الموجودة على الانترنت، وبنيت هذه الكتابات حول الأعمال الموسيقية المتميزة.

قراءة المزيد