الإثنين, 14 آب/أغسطس 2017

فورته بيانو

  ثائر صالح

لم يدر في ذهن بارتولوميو كريستوفوري (1655 – 1731) مخترع سلف البيانو المسمى فورته بيانو أنه سيحدث ثورة في الموسيقى فيما بعد. فقد تركز اختراع هذه الأداة بحدود سنة 1700 على تغيير تقنية العزف على أوتار الهاربسيكورد (بالايطالية تشمبالو وبالفرنسية كلافسان) من النقر بريشة إلى الطرق بمطرقة صغيرة. فكان هذا نقلة نوعية في طريقة إصدار الصوت تطورت لاحقاً الى شكل معقد يتيح للعازف بالتحكم بنوع ولون الصوت، وجاء اختراع الدواسات فيما بعد ليوسع من مجالات التعبير عند المؤلف والعازف على حد سواء.
وفورته بيانو كلمتان ايطاليتان تعنيان مرتفع – خافت، في دلالة على قدرة هذه الأداة الجديدة على التحكم الكبير في ديناميكية الصوت، وهو أمر لم يكن في مثل هذه السهولة في حالة الهاربسيكورد. إذ كان استعمال عتلات تنقل القوة التي يضرب فيها العزف على المفتاح إلى المطرقة التي تطرق على الأوتار أثر كبير في ذلك. بهذا غدا من الممكن ضرب المفاتيح برفق للحصول على صوت لين خافت، أو بعنف للحصول على صوت مرتفع، وما بين الاثنين في كل درجات قوة الصوت. وكان هناك نوع من أدوات المفاتيح يشبه الهاربسيكورد في تقنية العزف يسمى كلافيكورد قادر على إصدار الأصوات بديناميكية حساسة ومتنوعة، فأخذ المؤلفون يفضلونه على الهاربسيكورد، وكتب له كارل فيليب ايمانويل باخ الكثير من الأعمال. لكن ضعف صوته جعل الموسيقيين يهجرونه وينتقلون الى البيانو تدريجياً مع تطوره. في البداية كانت أدوات الفورته بيانو واهنة الصوت بالمقارنة مع الهاربسيكوردات الكبيرة، خاصة تلك التي صنعت بعد منتصف القرن الثامن عشر. لكن مع تطور ميكانيكية نقل القوة عبر العتلات، وبادخال تحسينات مستمرة ظهرت أجيال جديدة من البيانو (الذي أصبح اسمها بيانوفورته ثم ببساطة بيانو) أزاحت كل أدوات المفاتيح القديمة منذ أواخر الفترة الكلاسيكية.
لكن الفورته بيانو ليس مثل الأدوات الوترية كالكمان والتشيلو، يرتفع سعرها كلما كانت أقدم لجودة صناعتها وجمال صوتها، لأن تقنيتها لم تتغير كثيراً منذ ذلك الحين. إذ تباع اليوم الأدوات التي صنعها ستراديفاري وآماتي وغيرهم في القرن السابع عشر بمئات الآلاف أو حتى ملايين الدولارات. أما البيانوات القديمة فليس لها قيمة مشابهة. فكلما قدم البيانو كلما كانت التقنية المستعملة أقل تطوراً ويمكن الحصول على بيانوات من القرن التاسع عشر بأثمان قليلة. مع ذلك، هناك استثناءات، إذ تعد أولى الأدوات التي صنعها كريستوفوري وغيره من أوائل صانعي البيانو ثمينة بل قد لا تقدر بثمن لأسباب تتعلق بتاريخ تطور الفنون، فالبيانوات الشخصية لبيتهوفن أو موتسارت أو ليست أو مؤلفي آخرين مشهورين ثمينة وعادة ما توضع في المتاحف. كما ترتفع قيمة الأدوات الأولى، إذ لاتزال هناك ثلاث أدوات من تلك التي صنعها كريستوفوري موجودة إلى يومنا هذا، إحداها في متحف متروبوليتان في نيويورك صنعت سنة 1720.

×××××××××××××××××××××××××××××× ×××××××××××××××××××××××××××
سوناتا رقم 9 لدومينيكو سكارلاتّي يعزفها دونغسوك شين على فورته بيانو صنعه كريستوفوري (1720) - متحف المتروبوليتان:

 

https://www.youtube.com/watch?v=A2WdjyKQ57A

 

بيتهوفن: سوناتا رقم 8 من مجموعة رقم 13 في دو الصغير على بيانوفورته من انتاج روزنبرغر سنة 1820:

 

https://www.youtube.com/watch?v=FG-RGk_QN-U

 

 

في رحاب الموسيقى

Thaier Salih

 

مقالة أسبوعية (كل سبت)
بقلم ثائر صالح

 

شرعت في كانون الأول 2010 بكتابة مقالات اسبوعية عن المقطوعات الموسيقية التي أحبها، والتي أود أن يشاركني متعة الاستماع اليها أصدقائي ومعارفي متذوقي الموسيقى والمجموعة المندائية على الانترنت الياهو الذين أرسلت اليهم هذه الكتابات القصيرة بهيئة رسالة بالبريد الألكتروني. ثم اتفقت مع صحيفة المدى البغدادية على نشرها كزاوية اسبوعية في صفحة ثقافة، فأصبحت لي زاوية صغيرة فيها بعنوان موسيقى السبت منذ خريف 2011.

ولا أخفي سروري لهذه الفسحة في النشر والتوسع في نشر هذه الكتابات القصيرة المتنوعة، إذ أعتبر هذا مجهوداً بسيطاً أُسهم به في إشاعة مفاهيم الجمال ومقاومة انتشار القبح والسطحية والفن الركيك مقابل تراجع مساحة الفن الرصين في كل المنطقة العربية. وقد سعيت إلى أن تكون هذه الكتابات واضحة وبسيطة، وتحوي أقل قدر من المصطلحات الموسيقية التخصصية التي حاولت شرحها بطريقة مبسطة ومفهومة. وقد استعملت في كتاباتي التسجيلات الموسيقية الموجودة على الانترنت، وبنيت هذه الكتابات حول الأعمال الموسيقية المتميزة.

قراءة المزيد