الأحد, 05 شباط/فبراير 2017

الأخوات السبع

  عماد حياوي المبارك
تقييم هذا الموضوع
(0 عدد الأصوات)

ربما فقط نحن العراقيون ننام على سطوح المنازل لسببين أثنين، أننا نعيش ببيوت ذات سطوح مستوية وأن قيظنا شديد يدفعنا لتجنبه قدر الإمكان.
لنتذكر كيف كانت (نومة) السطح تعني لنا متعة ما بعدها، نفرش السرير عند العصر ونقوم برش الأرض، هكذا وبسهولة كنا ننجح (بمكافحة) القيظ مستمتعين ببرودة المخدة وعذوبة النسيم. حينما كنّا نستلقي على ظهورنا، كنا نتأمل السماء السوداء ونغوص بأعماقها ونعد ونرصد حركة نجومها المتلألأة، كان يَلفت نظري (سبع) نجمات تترتب على شكل رقم 6، ولما سألنا عنها قالوا أنها... الأخوات السبعة. ورغم أنها نجوم جبارة في السماء، إلا أن ثمة أخوات على الأرض أقوى منهن وأصلب وأدهى، سنسمح لأنفسنا اليوم أن نكون بضيافتهن، بضيافة شركات النفط العملاقة المُسماة (الأخوات السبع)*.
× × ×
في بداية القرن العشرين، التقى ثلاث رجال برحلة صيد في (أسكتلندا) شمال المملكة المتحدة، ما كانت غايتهم الظفر بطيرٍ هائم في السماء ولا أرنب ضال بين الجحور، كان تصويبهم أبعد من ذلك بكثير تخَطـّوا به الجزر البريطانية والبحار حولهم، عيونهم ترنوا إلى سائل لزج أسود لا تُطاق رائحته ولا ملمسه ولا شكله، كلّ ما يميزهُ أنه... قابل للإشتعال. رجل هولندي وآخر بريطاني وثالث فرنسي خططوا لتأسيس ما يستحوذ اليوم على ربع تجارة البترول في العالم... (شِل الهولندية وبريتش بتروليوم البريطانية وتوتال الفرنسية).
برغم أننا نعلم جيداً كيف يتوزع النفط جغرافياً على الخارطة، لكن الأهم من ذلك هو كيفية توزيعه (سياسياً)، ويكون ذلك على النحو التالي... الأول يقع في أيدي العالم المتقدم، معظمه في روسيا (سيبيريا وبحر قزوين) والولايات المتحدة (خليج المكسيك وولايتي تكساس وألاسكا) وفي إنكلترا والنرويج (بحر الشمال)*. وجزءه الثاني لدى أنظمة مستقرة ومدعومة، دول الخليج والمكسيك وكازاخستان ويسمى بالنفط البارد. وثالث ساخن، إما أن يقع في بلدان ثورية كإيران وفنزويلا أو غير مستقرة كالعراق وليبيا والسودان واليمن أو بلدان أنظمتها (متأرجحة) مثل الجزائر ونيجيريا.
بإمكان (الأخوات السبع) أن تُسخن بلداناً بنيران نفوطها أو تبردها كيفما ومتما تشاء، فلو رضخت هذه البلدان كان نفطها برداً وسلاماً، وإن شقـّت يد الطاعة وعصت وتمرّدت أوقدته سعيراً تحت أقدام شعوبها، مثال ذلك اسقاط حكومة مصدق في إيران بداية الخمسينات. بهذه الطريقة وحدها هيمنت (الأخوات) على إنتاج وتسويق الذهب الأسود بالعالم!
× × ×
لما قام العراق بطرد ثلاث من الأخوات في قرار التأميم عام 1972، كانت حساباته قصيرة مدى تقتصر بالإعتماد على البنى التحتية المتاحة وإمكانية أستمرار الإنتاج والتسويق بقدراته الذاتية، وقد نجح الكادر العراقي بذلك، وقد ساعده تنامي الطلب على النفط عالمياً وعلاقته بالأتحاد السوفيتي عدو الغرب، فكسر الحصار الذي فرضته الشركات في وقته، لكن ما غفل عنه العراق، ظنه أن (كارتل) الشركات قد أستسلم ونسي الإهانة، وهذا لم يحصل، فبرغم أن فائض واردات العراق أواسط السبعينات جعله خامس أغنى بلد في العالم، أختلقت له مشاكل أضطرته أن يوظـّـفها لشراء أسلحة، إما لاستعراض قواه أمام إسرائيل أو لردع الأكراد، ثم أدى تكدّسها لتحدي إيران الأكبر منه بأربعة الأضعاف حجماً وسكاناً، فتجرء بدخول حرب معها، ولتعود أثمان النفط وبطريق أقصر لجيوب الغرب. لو كانت لا تزال هناك مصلحة للأخوات في العراق لدى قيام حرب إيران، لدفعت هذه الشركات حكوماتها لإخماد الحرب ووئد نيرانها منذ أيامها الأولى. ولكي لا نخوض في مآسي العراق وشؤم نفطه عليه، لنذهب بعيداً إلى أفريقيا، ولنا فيها مثال مأساوي يشرح بشاعة سلوك (الأخوات) هناك ويدينها بشدة.
الفرنسيون هم أول من تيقـّـنوا بوجود النفط في الشمال الأفريقي ـ في ليبيا ـ فساندوا حليفهم نظام (السنوسي) الملكي، لكن في الجزائر لم يجدوا من بُـدّاً سوى أستعمارها مباشرةً (بمباركة) الدول الأوربية الأخرى شرط ضمان أستمرار تدفق النفط لأسواقها. وحتى لما منحت فرنسا الإستقلال بعد أن قدّم الجزائريون مليون شهيد، كان شرطها أن تبقى آبار النفط المتواجدة على طول حدودهم الشرقية المتاخمة لليبيا وأنابيب نقل النفط وميناء تصديرها على المتوسط بإدارة وحماية فرنسية.
والآن لو توجهنا جنوباً وعبرنا الصحراء الأفريقية الكبرى، سنصل إلى بلدٍ لا علاقة له بصراع العرب مع إسرائيل ولا نظامه ثوري ولا يهدد موقعه بلد غربي يبرر موقف عداء له. نيجيريا، بلد غرب أفريقي فقير يقع على خليج غانا، أكثر بلدان القارة من حيث السكان (130 مليون نسمة)، تحدّه الصحراء من الشمال وخليج غانا من الجنوب ودول فقيرة من شرقه وغربه، ينبع من مرتفعاته أحد أعظم أنهار أفريقيا ـ نهر النيجر ـ مشكلاً عند مصبه دلتا غنية بالأراضي الزراعية، سكانه خليطاً من المسلمين والمسيحيين، وهي تعتبر ـ وهذا ما يهمنا ـ أكبر بلد منتج للنفط بأفريقيا.
أكتُشف نفطهم في الخمسينات في وقت أعطى نفط الأميركيان مؤشرات بإمكانية نضوبه، وصار عليهم إما شفطه بواسطة المضخات أو ضخ مياه تحته وهي عمليات مكلفة، ثم جاءت أزمة الصواريخ مع كوبا بداية الستينات لتجعلهم يبحثون عن مصدر غير فنزويلا القريبة من كوبا، يكون بعيد وأمين. كانت العيون (الزرق) ترنو لهذا البلد الأسمر الفقير ـ نيجيريا ـ وجاء دور (بعض الأخوات) في التلاعب بمصيره، غذّت أنقسامات عرقية وطائفية، موّلت حرب أهلية بين الشمال والجنوب، بين كنائس ومساجد، أغتصاب وأختطاف تنفذها أطراف تم تَسليحها بمعدات أشترتها لهم (الأخوات) بأموال نفوطهم، تـَلويث وتَدمير دلتا النهر الجميل من أجل خفض كلف الإنتاج. لقد باع هذا البلد من نفطه على مدى خمسون عاماً ما قيمته 350 مليار دولار ـ تعادل اليوم أضعاف هذا المبلغ ـ كان نصفها يذهب صافي لحساب (الأخوات) والنصف الآخر ثلثه تنفقه هذه الشركات لشراء أسلحة لجميع الأطراف المتناحرة يوزّع عليهم (بالتساوي)، وثلث ثانٍ يذهب كـُلف وبناء بنى إنتاج تحتية، والثالث أي 15% فقط من العائدات يُسلـّم بيد طغمة حاكمة فاسدة لا تخجل أن تعلن وبدون حياء إنما نيجيريا عبارة عن مركبة تسير بوقود نيجيري لكن بفضل قائدها الأوربي!
قامت (الأخوات) بمد طرق وجسور لخدمة عمليات إنتاجها، مُحرم على المواطن البسيط أستخدامها، خربت من أجلها الطبيعة وجُرفت الغابات ولوِّثت الأنهار وأضرّت بالثروة الحيوانية والسمكية وبالتوازن البيئي بشكل ملحوظ وتحت تعتيم شديد.
× × ×
هذا مثال لما تقوم به سياسة الأخوات السبعة المدعومة من الغرب والتي جعلتها سنوياً تتحرك برأس مال يبلغ 1500 مليار دولار، أكبر من مجموع خزينة بلدان يفترض أن تكون غنية كالعراق وإيران والخليج، وأضعاف دَخل أكبر منتج ومصدر للنفط (السعودية)* وما يعادل ضعف مجموع تجارة الأوبك.
هذا الكارتل الرهيب لا يتردد اليوم بقلب كرسي حاكم أو إخلائه وإشغاله بأشخاص (مفصّلة) على القياس الذي يريدوه، وهو الوجه الآخر للسياسة الرأسمالية ومثال للاتجار بمصائر الدول الفقيرة، مثلما تتحكم أمريكا اليوم بأقتصاديات بلدان بأمريكا اللاتينية (نيكاراغوا وهندوراس) المسماة مزرعة الموز الأمريكية.
وبينما يظهر اليوم ظل لهذه الأخوات، سوف يحتدم صراع وتنافس سرّي (غير شريف) لسحق من يقترب من نفوطها، فهل يمكنها مستقبلاً أغتيال التنين الصيني الشره القادم من بعيد أو أحتواء أخواته الوصيفات وهنّ يزاحمن الحصص في الكعكة البترولية (اللذيذة)*؟ فالصين تدخل اليوم بذكاء في أروقة (أوبك) في (فينا) ولها عيون وآذان في كل وزارة بترول وفوق كل حقل عملاق* يـَنتج النفط، وسيكون لديها الإستعداد للذهاب حيث يتواجد آخر برميل نفط في العالم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
× الاخوات السبع: إكسون موبيل، أيوك (حالياً آي بي البريطانية)، إيسو، كولف اويل، شيفرون، تكساكو ورويال داتش شل.
Mobil , AIOC , ESSO , Culf oil , Chevron , Texaco , Shell
× الشركات السبع (الوصيفة) التي تضع لها اليوم موطئ قدم هي (أرامكو السعودية وبتروناس الماليزية وغاز بروم الروسية وبتروبراز البرازيلية والوطنية الصينية والإيرانية الوطنية ونفط فنزويلا). وتخلو القائمة من شركة عراقية ذات نفوذ.
معلومات أضافية قد تهمك...
× يُنتج ثمانون مليون برميل من النفط الخام يومياً (برميل النفط يعادل 220 لتر) تستهلك الولايات المتحدة 25% منه، بينما يشكل سكانها 4% فقط من سكان الأرض.
× حقول العراق وإيران والخليج هي من الحقول السهلة (قريبة من سطح الأرض)، وتكاليف أستخراجها منخفضة وأقل بكثير من أنتاج البحار (خليج المكسيك أو بحر الشمال) وأقل كلفة من نفوط تُنتج وتُنقل من أماكن نائية، سيبيريا وألاسكا.
× الأوبك تنتج ثلث النفط المستهلك يومياً وهو بحدود الثلاثون مليون برميل، أما روسيا وفنزويلا والمكسيك وأنكلترا والنرويج ومصر فهي دول منتجة ومصدرة للنفط من خارج منظمة الأوبك ولا تلتزم بقراراتها.
× تنتج السعودية 10 ملايين برميل يومياً وتصدر منه 8 ملايين، بينما تنتج الولايات المتحدة 8 ملايين وتستورد 12 مليون أي تستهلك عشرون مليون.
× لدى (شل) وحدها (43 ألف) محطة تعبئة وقود حول العالم، وألوف الشاحنات الحوضية وأسطول ناقلات عملاقة مسجلة بعشرات البلدان.
× أكبر حقل بترول في العالم هو حقل (الغوّار) وينتج (خمس ملايين برميل يومياً) أي نصف إنتاج السعودية، وهو بطول 260 كلم وعرض 25 كلم وكان حين اكتُشف بالخمسينات بسعة مائة مليار برميل، ولم يتبقَ منه اليوم سوى 40 %، ويراهن خبراء شركة (أرامكو) السعودية الراعية للبئر على أستمرار إنتاجه بنفس الكفاءة وذلك بضخ ملايين ألتار ماء البحر للمحافظة عليه.
× الحقول العملاقة التي لا تزال نشطة: خريص ـ السعودية، البرقان (ثاني أكبر حقل في العالم) والروضتين ـ الكويت، بوليفار ـ فنزويلا، خوزستان ـ إيران، كاشاغال ـ كازاخستان.
× عراقنا الحبيب... الحقول العملاقة (المكتشفة): الرميلة 17 مليار ومجنون 13 مليار والقرنة 10 مليار والبزركان ـ غير محدد ـ ولم يتبقَ من نفط كركوك سوى 9 مليار لأنه أستنزف بشكل جائر بسبب عدم التخطيط وسوء الإنتاج.
× يَحرق العراق الآن 60 % من الغاز المصاحب الذي يُفترض أنه إما يُكبس كسائل للتصدير أو يُعاد للبئر للمحافظة على عدم تخلخل الضغط بالداخل.
× لنلاحظ عملية حساب غريبة: أسعار المحروقات في أوربا تخضع لمعادلة فريدة، فكلما يزداد سعر النفط عالمياً بنسبة، ترفع هذه الشركات أسعار محروقاتها (ضعف) هذه النسبة، بينما حين ينخفض السعر تقوم هذه الشركات بخفض السعر (بنصف) نسبة النزول. هذه العملية إذ تجري، فإنها تحت مرأى ومسمع ورضا الحكومات الأوربية لأنها تتقاضى نسبة 20% تقريباً من حجم المبيعات، وبالتالي فأية زيادة بالأسعار، مزيد من الدخل لخزائن تلك الدول.

الدخول للتعليق

مسابقة القصة القصيرة جداً

إلهام زكي خابط - حبات اللؤلؤ - 4.9%
فارس السليم - حال الدنيا - 2.4%
جمال حكمت عبيد - لمسة إصبع - 17.1%
عزيز عربي ساجت - اليمامة - 0%
فاروق عبد الجبار - موسيقى - 56.1%
هيثم نافل والي - الراقص - 19.5%
د. نصير عطا - حادثة تحصل يومياً - 0%

Total votes: 41
The voting for this poll has ended on: حزيران/يونيو 15, 2014