الخميس, 19 شباط/فبراير 2015

بيــن الصبــاغــة والتعــميــد

  د. قيس مغشغش السعدي
تقييم هذا الموضوع
(0 عدد الأصوات)


" مصبوتا، ماميدوتا"

 

هذان المصطلحان معتمدان في النصوص الدينية لعدد من الأديان، ولذلك نجد أن استخدامهما يزيد على مجرد المعنى اللغوي الذي كان الأساس في الإشتقاق والإعتماد. فكيف نفهمهما ونفرق بينهما؟
أما كلمة صباغة "مصبوتا" فتقوم على الفعل صبغ "صبا" الذي ترد له إستخدامات عديدة في اللغة العربية يتأسس أغلبها على التغيير. وهذا التغيير يكون في اللون، ولكي يحدث لابد من الغمس في مادة الصبغ. وعلى هذا صار الصبغ يعني الغمس. ومن ذاك ما يرد: صبغت الناقة مشافرها في الماء إذا غمستها، وصبغ يده بالماء إذا غمسها به (لسان العرب). والإستخدام في العامية العراقية مازال معتمدا في تعبير (سبع إيدك) بمعنى إغمسها في الماء والـ( سبع والصبغ كلمة واحدة بقلب العين غينا). ويشير البعض إلى أن الصبغ يجب أن يتضمن التغيير والإ ما الفائدة فيه! وهم بذلك يرون أن أساس الكلمة يقوم على التغيير ويستندون إلى ما يرد في كلام العرب: صبغوني في عينك بمعنى غيروني عندك. وصبغ الثوب، فإن لم يتغير لونه فلم يصبغ. واصطبغ بمعنى إتخذ الصبغ.
ويجدر التنويه هنا إلى أن الصبغ غير الطلاء. فالصبغ هو أن ينفذ الصبغ في المصبوغ. أما الطلاء فهو إكساء خارجي للمصبوغ بمادة الصبغ. الأول يتضمن القبول باستعداد موجود أصلا للتشرب بمادة الصبغ حتى يكون اللون جزءا من الشيء. أما الثاني فمفروض ولا يشكل إلا طبقة خارجية طلائية دون أن تتغلغل في المادة أو الشيء. ولذلك يقال صبغة الشعر وطلاء الأظافر. أما صبغة الشعر فلآن الشعرة هي عبارة عن أنبوبة ماصة تقبل تشرب السائل بلونه، وهي كالفتيلة المصنوعة من القطن أو الصوف أو البردي (مواد عضوية) التي تتشرب النفط فتشتعل دون أن تحترق وتكون موصلة لمادة الإشتعال. أما الأظافر وأمثالها، فمادة متقرنة وغير مسامية وهي لا تقبل الصبغ، بل تقبل الطلاء. ومثلها مثل الأسلاك الصناعية إذا وضعت في النفط فإنها تحترق ولا تشتعل، بل يزيد النفط من سرعة إحتراقها. واكتساب اليد الصبغة بالحناء مثلا لا يزول بالقشط مثل إزالة طلاء الأظافر بالقشط أو بمادة مزيلة ( كالأسيتون)، وذلك لأن أدمة الجسم قد تشربت الصبغة، وإزالتها يتطلب الحك الذي يزيل بعضا من الأدمة، أي تكون بإزالة المصبوغ وليس الصبغ.
وعلى هذا فإن الصباغة في المندائية إنما هي لإكتساب لون جديد أو تجديد اللون. ولكن أي لون يكون فيها؟ إنه لون الماء. أليس الماء عديم اللون والطعم والرائحة، وهذا سر إعجازه؟ بل اللون فيه هو الشفافية لكي لا يتمايز الناس فيه بألوان خارجية حسب ما يشربون، أو يتوحدون باللون حين يرتمسون أو ينغمسون فيه. وأكثر من ذلك أن لونه لون النور ذلك أن الماء من النور، والإنغماس فيه يعني الإنغماس في النور وكسب لونه لمن يعمد الإصطباغ به واكتساب صبغته.
من هنا صارت الصباغة في المندائية أساسية، فهي شعيرة لإكتساب النور وقبول صبغة الحي النورانية الشفافة. وتذكر النصوص المندائية أن هذه الصباغة إنما هي رسم قائم في عالم الأنوار أولا، أصبغ بها ملك النور من نوره الملائكة والأثريين وأبرزهم الملاك هيبل زيوا. ومما يرد في هذه النصوص:

حينما صبغ ملك النور السامي من ضيائه ونوره
كد صبا ملكا راما اد نهورا من زيوا ونهوارا اد قايمبي
واصبغوا أنفسكم بالصباغة الحية التي أتتكم من عوالم النور
واصبون نشماتكون بمصبوتا هايثا اد إتيتلكون من آلمي اد نهورا.
ومن اصطبغ بصباغة نهر ماء الحي وعلى اسم الحي الأزلي.
ومصبوتا اد يردنا اد ميا هيي اد إل شوم هيي قدمايي إصطبا

والصباغة لا تكون إلا على اسم الحي الأزلي الخالق، وهذا ما يتأكد في الحدث الذي ظهر فيه الملاك مندا اد هيي ليوهانا الصابغ حيث طلب منه أن يصبغه بصبغته وأن يذكر عليه من الأسماء التي يذكرها وهو يعلم أن يوهانا إنما يذكر اسم الحي العظيم.
ولأن في الصباغة إكتساب الصبغة كما يحصل في أول صباغة وتسمى " زهريثا: الحافظة/ الناطرة "، أو تجديد الصبغة كما يحصل في الصباغات اللاحقة كلما أراد الفرد تجديدها واكتساب لون النور بكامل كيانه، ولأنها تأخذ كامل قوامها وتمامها بالإرتماس بمادة الصبغ (الماء)، فقد صارت لدى المندائيين بالإرتماس الكامل. ولأنها تعبير عن ولادة جديدة علامتها الصبغ فقد تحدد لباسها باللون الأبيض الذي يشير إلى شفافية النور فيبقى أبيضا، وبالدخول كاملا تحت الماء حد أن ينقطع التنفس لموت ودحر الخطيئة والولادة الجديدة. ولأن في الصباغة تجديد الصبغة فقد صارت تجرى لأكثر من مرة ولم تتحدد بمرة واحدة كما في المعمودية الماميدوتا المسيحية.
أما التعميد (ماميدوتا) فيقوم على الفعل عَمدَ الذي ترد له معاني عديدة في اللغة العربية أغلبها يشير إلى القصد كما في القتل العمد، والسند كما في العميد والعمدة، والرفعة كما في العمود وأرم ذات العماد. ولم أجد في العربية التعميد بمعنى الإرتماس بالماء، بل يرد: عـَمـِدَ الثرى يعمد عمدا: إذا بلله المطر، فإذا قبضت على شيئ منه تعقـّد واجتمع من ندوته، وكأن التعميد في هذه الحالة هو البلل والنداوة.
ويرد في اللغة السريانية الفعل عمد بمعنى غطس، إغتسل، ومنها أخذت كلمة معمودية بمعنى الغطس أو الغسل. ويشار إلى أن الكنيسة الشرقية قد إعتمدت المعمودية غطسا بالماء لكن الغربية وصلت حد رش الشخص بالماء. أما الكلمة باللغة الإنكليزية
Baptize
فتقوم أساسا على الكلمة الإغريقية
Baptizo
التي تعني الوضع في الماء من أجل التنظيف والتطهير وهي لا تحدد إن كان ذلك بالغمس أو الطمس تحت الماء. وقد اعتمدت الكلمة وشاعت تأسيسا على الصباغة التي قام بها يوهانا الصابغ لعيسى المسيح، مع ان النص في المندائية الذي يطلب فيه عيسى من يوهانا الصابغ يذكر كلمة مصبوتا كما يرد في الكنزا ربا:
جاء عيسى المسيح طالبا بتواضع صباغة يوهانا الصابغ
أتي إيشو مشيها بمخيخوتا ماسكي بمصبوتا اد يوهانا مصبانا.

ويميز المندائيون بين المصبوتا والماميدوتا بأن الأولى تكون في المياه الجارية في حين أن الثانية تكون بمياه مقطوعة. فيرد في النص المندائي:
ويعمدهم بمياه مقطوعة: وبميي فسيقي ماميديلون.
كما ان الأولى تكون باسم الحي العظيم، أما الثانية فتكون باسم الروح القدس فيكون تعميدا مخجلا: ماميدوتا اد هِزدا.
ومع عشرات المرات التي يرد فيها مصطلح مصبوتا في الكنزا ربا والإشتقاقات القائمة على الفعل (صبا)، الذي يرى الصابئة المندائيون أنه الأساس الذي قامت عليه كلمة "الصابئين" في القرآن الكريم، إلا أن كلمة (ماميدوثا) لا ترد إلا مرة واحدة ( ومصبوتا اد إصطبوبي بيردنا نِترِصا لماميدوتا اد هِزدا: الصباغة التي يصطبغونها بالماء الجاري أصلح من المعمودية المخجلة.
يقوم الفرق إذن على أن الصباغة مصبوتا إنما لغرض إكتساب صبغة جديدة أو تجديد صبغة الفرد بالماء الحي، ولذلك هي صبغة حية لونها شفاف من النور، في حين أن التعميد ماميدوتا هو مجرد غمس في الماء أو طلاء فيه ليس باسم الحي ولا بإجراءاته المثبتة المعتمدة بطقس كامل بما يقرب النفس والروح من الإيمان. ونحن اذ صرنا نستخدم كلمة تعميد في لغتنا، فنرى أن الأصوب دينيا هو إعتماد كلمة صباغة أو الكلمة المندائية مصبوتا كما يعتمدها الأكاديميون الغربيون عامة.
أما في القرآن الكريم فيرد النص "صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون" البقرة 138. وتشير التفسيرات أن معنى كلمة صبغة هو الدين والفطرة والأصل، والبعض يذهب إلى أن الصبغة بمعنى العلامة وإشارتها الإختتان مع أن الإختتان لا يرد في القرآن.
والأصوب أن صبغة الله بمعنى فطرة الإيمان بالخالق التي فطر عليها خلقه، وهي داخلية بالإيمان وليست خارجية بالألوان. ويتفق نص الآية مع ما يرد في المندائية من أن الصباغة إنما يجب أن تكون باسم الحي، لتكون صبغة الله، وبمادة الحياة الماء الجاري، فإن توقف الماء صارت الصباغة فيه طلاءً.

الدخول للتعليق