الثلاثاء, 13 كانون1/ديسمبر 2016 15:28

دموثاي

قصيدة لميعة عباس عمارة

حين تتحدث مع لميعة عباس عمارة، وإلى الآن، تأخذك إلى عميق بحورها، حيث المياه زرقاء شفافة، والنقاء الذي فيه يرى المرء شغافه، وتكشف لك عن كنوز كلام من اللؤلؤ والمرجان، تشتهيها العيون والآذان، دررٌ جَلتها أمواج عمر لم يستقر.
ولا ينتهي معها الحديث، وهي المُحبَّة التي يَسرُّ مُحدثها حديثها مثلما يَسرّها، وإن طال ما أجمل ما تقول: "لا ينتهي الحديث معك يا قيس دائما بعده ثلاث نقاط ..."
وأعود بعد كل حديث لأقرأ في دواوينها التي تشرفت بإهدائها لي وأغوص في البعيد، وأخرج كل مرة بلؤلؤ ومرجان جديد.
هذه المرة دخلت بحر قصيدتها " شفياهي" التي كتبتها عام 1977 ونُشرت في ديوانها "لو أنبأني العرّاف". كانت الشاعرة لميعة تقصد بكلمة " شفياهي" شبيهي لقربها من العربية في اللفظ. واستسمحتها في النقاش تصويب الكلمة إلى "دموثاي" ذلك أن القصيدة تتحدث عن الـ "دموثا" وهو الشبيه لكل الخلق في عالم الحق "مشوني كشطا". هو نظير الإنسان، بحسب المعتقد المندائي، وهو الذي تسعى إليه نيشمثا لتقترن به بعد أن يتم تنقيتها في المطهرات وتعبر وتلتحق به ويلتقيان. أما كلمة "شفياهي" فهي دمج لكلمتي " شُبا آهي" بمعنى الأخوة السبعة، والقصد المندائي بها الكواكب ثم إنسحبت لما هو شر في التأثير.
القصيدة في معانيها ومقصدها من أجمل ما قرأت في تصوير شوق العَود والإلتقاء، وراحة الإنسان وتوقه إلى عالم النقاء الذي لم يجده في عالمه الأرضي، والأجمل أنها مشبعة بالرّوح المندائي.

أعود إليكَ شبيهي
وأنتَ تعودُ إليَّ
تُمازجُني، تحتويني
وَتفنى وَتـَنحَلُّ فيَّ

أُقبِّلُ وَجهَكَ،
أدريْ
شفاهُك من شَفَتَيَّ
مرايا بغيرِ زجاجٍ
أثيريَّةٍ سرمدية

ضَفَرتُ لشَعريَ إكليلَ آسٍ
وتاجَ ضياءِ
وَحَدَّقتُ في نجمةِ القطبِ
كُلَّ ليالي الشّقاءِ
أحنُّ إلى مَوطني الخالدِ النورِ
عَبرَ السّماءِ
إليكَ حنيني- شبيهي-
لعالمِ ذاكَ النقاءِ

تُراكَ انتظرتَ "اللقاءَ المُرَجَّى"
سنيناً طويلة؟
وَحدَّقتَ عَبرَ الأسامي
وَعَبرَ الوجوه الجميلة؟
تَمنَّيتنيْ
إذ يُلاقي المُحبُّون كُلٌّ خليله؟

أأنتَ الحبيبُ التَوَهَّمتُ
في الناسِ ألقى بديله؟

الثلاثاء, 03 آذار/مارس 2015 14:20

خلط العامية بالفصحى عند الكتابة

من الاخطاء الشائعة عند كتابة القصة القصيرة او المقالة او القصيدة في خبص وتطعيم العامية بالفصحى او بالعكس ، وشتان ما بين الفصحى والعامية ، فاللغة العربية هي لغة الضاد اي لغة كل العرب ، اما العامية فهي لا تصلح إلا لكتابة المدلولات الشعبية العامة في الفكاهة والشعر والامثال والالغاز، فخلط الفصحى بالعامية يمثل إهداراً لحقوق المتلقي الذي ينبغي ان يخاطبه الكاتب او القاص او الروائي باللغة العربية التي يفهمها جيداً ، أما اللهجة العامية التي احيانا تحشر حشراً في بطن القصة او المقالة ، فهي تسبب عسر فهم للقاريء الذي لا يجيد فهم مصطلحاتها ولا اسلوبها خصوصا لجيل الشباب ، الذي لا يجيد التعامل مع مثل هذه اللهجة واللهجات العربية الاخرى و حلَ رموزها وطلاسمها ، واستيعاب ما يرمي اليه القاص اوالكاتب والشاعر .
وهناك امثلة كثيرة بهذا المعنى وما نلاحظة هذه الايام في ما ينشر على المواقع المندائية الا تاكيد على هذه الحالة ، لان الفكرة لا تصل بالصورة المطلوبة وبشكل واضح ، ليس هذا فقط بل عدم تدارك الاخطاء الاملائية في اغلب الرسائل الواردة ، اضافة الى هناك قلة نادرة وراء استخدام الحركات اللغوية لان الحركات تلعب دور كبير في عكس معنى الكلمة المراد ايصالها الى القراء الكرام بصوتها الصحيح لما تحمله الكلمة الواحدة من معاني مختلفة ، وردود القول ليس بصدد استخدام النحو الصرف او القواعد اللغوية ، كما ماهو موجود في المؤسسات التعليمية الإنسانية ، لكن يفضل ان يكون الاعتناء وتدارك الاخطاء بالاسلوب اللغوي باعتباره يعطي الصورة الجمالية للفكرة المراد ايصالها للمتلقي ، وما نراه اليوم من متابعة واهتمام واضح من قبل بعض الاساتذه الكرام من ذوي الخبرة والاختصاص في مجال اللغة الا تاكيد على هذه الحالة الشائعة .
ان اللغة العربية لغة ثرية ليست بحاجة ماسة لخلطها باللهجة العامية المتداولة ، حتى وان كانت من اصول هذه اللغة ، وهذا يمكن اعتباره بالمنظور العام خطر كبير يتلف حقول اللغة ويشوه جمالها و يقلل من رونقها وابداعها .
لكن هناك ملحوظة في هذا المعنى ان الاهتمام بقواعد اللغة العربية مسألة جوهرية وضرورية كونها ظاهرة تنطبق على كافة اللغات العالمية ومنها اللغة المندائية ايضا ، لان معرفة اساسيات اللغة ايٍ كان مصدرها تدفعنا الى تعلم منهجية ونواميس اللغة وفتح رموزها والمباديء المعمول بها وبالتالي تسهل لنا الاندماج السريع مع المجتمع الذي نتواجد فيه مثلا .
يمكننا ان نوجد نوع من التوافق الضمني بين العامية والفصحى عند المحادثة او الكلام ، لكن هناك فرق واضح في الربط والمعنى عند الكتابة .
لابد ان تكون هناك مساحة تفصل الادب عن الواقع ، وبما ان الأدب فن الكلمة فيجب ان تكون الكلمة منتقاة والعامية تكاد تخلو من المرونة التي يحتاجها النص الادبي .
البعض يقول ، لا عيب مطلقاً بل بالعكس يصل الحوار باللهجة العامية المحكية لما لا يصل اليه الحوار بالفصحى من تأثير في نفس القارىء او المتلقي من إيحاءات الالفاظ والحروف ، فهناك كلمات فصحى نظنها عامية وهناك كلمات عامية هي نفسها تنطق باللغة الفصحى ، نعم هناك كلمات دخيلة على اللغة العربية سواء كان مصدرها من اللهجة العامية او غيرها ، وهذه اغلبها اراء فردية قد تخطىء او تصيب ، لكن كلمة الفصل ترجع بالاساس الى اراء من ذوي الاختصاص اوالمتبحرين والمتنورين في اصول وقواعد لغتنا العربية الجميلة ، دمتم بخير .

المصادر :
* الكاتب المصري صلاح الدين حسن موسى / اللهجات العامية .
* موسوعة الحرة ( اوكيبيديا ) / إجابات


المانيا

الأربعاء, 16 تموز/يوليو 2014 11:10

لغتنا المندائية ... هويتنا الحقيقية ج10

يقول الاستاذ يوسف زيدان في روايته المعروفة (عزازيل ) : والتي تعني جن الصحراء كما جاء في سفر اللاويين 8,16 و26,10 ، ( ان سموا اهدافنا ونبل غاياتنا الاخلاقية والروحية التي هي تاكيد لقيم التسامح وتقبل الاخر ، واحترام حق الاختلاف ، ورفض مبدا العنف .. والمغالطة ) . وهذه من اهم مقومات الديانة المندائية .
( ان المندائيون قوم اتخذوا من الصمت سبيلا في الحفاظ على كيانهم الديني ، ولغتهم المندائية عبر دهور طويلة ، خدمتهم رطنتهم ، التي لا يفهمها مواطنوهم من الاديان الاخرى ، يتهامسون بها للرد على سخرية متعصب يحاول ان ينال من عقيدتهم ، او معتد قصد ديارهم لغرض ما لا يريدون وما لا يطيقون ) ، بهذه العبارة الجميلة الهادفة افتتح فيها الاستاذ رشيد الخيون كلمته في المؤتمر المندائي الثاني الذي عقد في العاصمة السويدية - ستوكهولم من (9- 11 ) اب -2002 م .
فاللغة المندائية كما هو معروف للجميع لها ابجديتها الخاصة بها والتي تنفرد بها دون غيرها من حيث شكل الحروف ويطلقون عليها ال ( أ – با – كا - دا ) ، لكن قواعد الصرف والنحو تخضع لنفس المقاييس المتبعة في اللغة الارامية والتي تعتمد في كتابتها على الحروف الصحيحة اكثر من اعتمادها على حروف العلة والتي يعبر عنها بعلامات مقتبسة من الابجدية نفسها كما في اللغات الاوربية . واغلب كلماتها ترجع في اشتقاقها الى اصل ثلاثي الحروف ، كما انها تكتب مثل جميع اللغات السامية من اليمين الى اليسار ، واللغة المندائية تتكون من اثنين وعشرين حرفأ وتخضع لابجدية ( أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت اد أ ) ، وهي تبدا بالالف وتنتهي كذلك بالالف وهي خالية من الروادف ( ثخذ, ضغط ) ، اي البداية كالنهاية ( العودة الى بدء ) ، هو تعبير صادق عن الانسان ووجوده في الحياة ومرجعيتة مرة اخرى الى عالم الخلق الاول الذي جاء منه اول مره ، الوارد في الموروث الديني المندائي .
من القواعد المهمة في اللغة المندائية هو كيفية لفظ الكلمات وحسب القاعدة التالية : (1)- تلفظ باللفظ القاسي او الشديد احرف ( بكد كفت ) اذا جاءت في بداية الكلمة على سبيل المثال – بية – بيضة ، كدابة – كتاب ، ديبة - ذيب وهكذا . (2) تلفظ باللفظ القاسي او الشديد اذا جاءت في وسط الكلمة وقبلها حرف صحيح اي من حروف العلة ( الضمة ، الفتحة ، الكسرة ) مثال : مشكنة – مسكن ، دهبة – ذهب ، بهداذي – تبادل السلام وهكذا . (3) يلفظ لفظ قاسي شديد اذا كان الحرف مشدد( حرف مضاعف ) مثل : لبه – قلب .(4) اللفظ اللين : تلفظ احرف بكد كفت باللفظ اللين اذا جاءت في وسط الكلمة وكانت مسبوقة باحد احرف العلة او الحركات مثل : طبوثة – طعام الغفران . (5) احرف بكد كفت ( حرف الكاف ) اذا جاء في نهاية الكلمة كضمير يلفظ باللفظ الخفيف مثل : قالخ – قولك انت ، قاليخ – قولك انتي وهكذا . (6) حرف الثاء : اذا جاء في نهاية الكلمة المؤنثة في حالة الجمع يلفظ باللفظ الخفيف : ترميذه- تلميذ ، ترميذاثه - تلميذات - جمع . (7) حرفين ساكنين وهي قاعدة السكون : اذا جاء حرفان ساكنان في بداية الكلمة وكان الحرف الثاني احد حرف بكد كفت فانه يلفظ باللفظ الخفيف وذلك بسبب كون السكون يعتبر سكون متحرك مثل : انهورا – نورا . وهذه من الاساسيات المهمة في بداية معرفة اللغة المندائية ودراستها عن قرب . فالحرف المندائي له قدسية خاصة لدى المندائيين وتكمن في طريقة رسمه رمزية النور والصراع مابين الخير والشر ، كما ان لهذه الحروف قيماً عددية فحرف الالف قيمته واحد ، والباء اثنان والدال خمسة ، وهكذا. فلو اخذنا جذر كلمة (الناصورايي) فالكلمة تطلق على الروحانيين ( رجال الدين ) الذين يراعون تطبيق الاحكام والاوامر الدينية المندائية قبل غيرهم ، والمؤمنون الحقيقيون (النقاة ) ( فالناصورايي) هم الاشخاص الذين يفهمون ( الناصيروثا ) التي هي فلسفة الديانة المندائية ، وتعرف ( الناصروثا ) بانها علوم التبحر في الدين والفلسفة الروحانية ، عميقة الجذورالهية حقا ، علوم الحقيقة الكامنة والمعرفة اللامتناهية وكلمات الحق والصدق الاسمى ، جلبت من كنز عوالم النور واعطيت للنفس التي دخلت الجسد المادي عند اتمام خلقه لتكون له السلاح النوراني الذي به سوف يقاوم الشر والظلام القابع في العالم الفاني ( الما اد تيبل ) العالم الارضي ، وهي علوم ازلية موجودة بوجود سيد العظمة ( الحي العظيم ، هيي قدمايي ) . ( و كان النبي يحيى (ع ) ناصورائيا وكذلك والديه والسيد المسيح ايضا ) . يكونوا ذا كرامات او معجزات تعالج بصورة رئيسية شفاء ابدان الناس وارواحهم كما جاء عنهم في الاحاديث . وكلمة ( ناصورائي ) من الجذر السامي (ن ص ر ) ويعني ( راقب ، حدس ، صان ) او نظر بمعنى الناظرين الى السماء وفي الاكدية نجد معناها نفسه في طقوس الكهنة الاكديين ، وفي البابلية (nasaru) بمعنى ( مراقب السماء او حافظي الاسرار ) وفي العربية ( نصر ، نظر ) وفي العبرية نصر ( نظر ) وفي الاشورية تأتي بمعنى نظر او الناظر الى السماء . فالصيغة المندائية تعود الى الصيغة الارامية القديمة العهد ، لذلك لا يمكن ابدا ارجاع كلمة ناصورائي المندائية الى المصطلح السرياني ( ناصراي – ناصري ) اي مسيحي ( ناصري ) ومن ناحية اخرى اعتبر الباحث الالماني ( ماتسوخ ) ان لفظة ( ناصورائي ، ناصورايا ) هي الدليل القاطع على قدم الناصورائية المندائية واصلها .

مبارك انت الناصروثا : مقطع من دعاء النبي سام بن نوح ( ع ).
مبارك انت الناصروثا . الذي منك تعلم المختارون .
مواعظ النبي يحيا للناصورائيين : اذا اصبحت ناصورائيا . فكل فضيلة من فضائلك سلاح . يعين باهري الصدق . انك تعينهم بالايمان والاستقامة والمعرفة والحكمة ، والتعليم ، والرجاء ، والصلاة ، والتسبيح ، والصدقة ، والطيبة ، والتواضع ، والاتقان ، والرافة ، والحنان ، والتبصر ، ومحبة الحق .
يتبع لطفا

المصادر
-( الكنزا ربا - يمين - الكتاب التاسع ) كتاب الصابئة المندائيين / طبعة بغداد - العراق .
- غوته - رواية ومسرحية فاوست – ترجمة د. عبد الرحمن بدوي / سلسلة الاعمال الخالدة / ط2 / 2007 – دار المدى للثقافة والنشر ( بغداد - دمشق - بيروت) .
- محمد نمر مدني - الصابئة المندائيون / العقيدة والتاريخ / ط1 / 2009 / موسوعة العقائد والاديان - دار ومؤسسة رسلان للطباعة والنشر - سورية - دمشق - جرمانا .
- يوسف زيدان - رواية عزازيل / ط8/ 2009 - دار شروق للطباعة - مصر - القاهرة .
- مجلة المدار - العدد/ الثالث / 2004 - المجلة شهرية عامة صادرة في بغداد / عن التجمع الديمقراطي المندائي . م/ اكو ... ماكو مفردتان فصيحتان مندائيتان . بقلم الاستاذ الدكتور قيس السعدي .
- فاروق عبد الجبار عبد الامام - مفردات عربية - ارامية - مندائية - مشتركة .

 

الأحد, 07 تموز/يوليو 2013 15:43

المدرسه المندائيه المباركه‏

 

مشبا ماري اد نهورا 

بلبا دخيا 

بشميهون أدهيي ربي

وأعلموا أن معلميكم يعلمونكم كلمة الحق فلا ترفعوا رؤوسكم عليهم وكونوا هادئين متواضعين 

هيي زكن 

كنزا ربا _اليمين 

منداادهيي مسبح أسمه يحفظ المندائيون جميعا 

أبناء النهورا الكرام 

 بقوة هيي ربي قدمايي مسبح اسمه وبتاريخ 5/7/2013 تم أفتتاح المدرسه المندائيه في المندي المبارك  ببغداد _العراق 

وطنكم الأم 

وبثلاثه مراحل الأطفال والمبتدئه والمتقدمه وبرغم كل الأمكانيات المتواظعه التي لم تشكل أي عائق لنا 

فرواه الماري 

وذلك بفظل الهيي قدمايي مسبح أسمه والشرشا المندائي المبارك 

وبفظل تعاون أخواني المدرسين الآفاظل الذين لبوا نداء الواجب من اجل خدمة مندائيتهم 

وأبناء مندائيتهم ومن أجل ترسيخ العقيده المندائيه الفذه 

بعقول وقلوب وظمير 

أطفالنا وشبابنا وكبارنا نساء ورجال 

متبرعين بجهدهم ووقتهم وبدون أي مقابل مادي أو دنيوي 

فشكرا جزيلا لهم وبارك الحي العظيم بهم وبكل من يقدم خدماته من اجل خدمة طائفته 

وهم كل من 

الأستاذ/ أسامه سليم زرزور مدرس قواعد اللغه المندائيه 

الأستاذه /أشواق نصرت الشاوي مدرسة قواعد اللغه المندائيه 

الأستاذ /عبد المنعم ليلو مدرس أطفال 

الأستاذ /أرسلان زهير معاون مدير المدرسه 

الأستاذه / عتاب زهرون جباره  مدرسة تربيه مندائيه 

وهنا أقدم شكري وأمتناني الى الدكتورعادل شريف مسؤل قسم البحوث والدراسات المندائيه  

لتعاونه معنا من أجل تسهيل أداء واجبنا التدريسي فألف شكر له 

والف شكر لكل مندائي شريف غيور على مندائيته 

هيي زكن من ريش بريش 

عبد الهيي والماري والمنداادهيي الآوحد مسبح أسمه 

وخادم الشرشا المبارك

وخادمكم مدير المدرسه المندائيه

الترميذا فرقد صباح خيون 

 

نشرت في اخبار عامة

كثر الكلام عن الصابئة (تاريخهم ودينهم وطقوسهم). وماتزال وجهات النظر التي تدور حولهم مختلفة، لابل متناقضة احيانا من خلال الابحاث والدراسات التي ما تزال متواصلة حولهم. وان لم يبق اليوم الا القليل منهم، ممن يعتنق هذا المذهب ويمارس طقوسه، الا ان ذكرهم في القرآن يدل على وجود اناس، عند ظهور الاسلام في مكة والحجاز، كانوا يعتنقون هذا الدين ويمارسون طقوسه. الا ان خلافات كثيرة في وجهات نظر الباحثين القدامى والمعاصرين ماتزال تثار حول تسميتهم.

 لقد وردت كلمة (الصابئة) ثلاث مرات في ألقرآن [ سورة البقرة، الاية 62 والاية 69 وسورة الحج، الاية 17]. غير ان علماء اللغة العربية اختلفوا حول اصلها. بعضهم اعتبر كلمة (الصابئة) اسم فاعل، ورأى ان الصبأ يعني الرغبة. واطلقوا صفة الصابئي على الشخص الذي يترك دينه ليعتنق دينا اخر. ومن هنا وجدوا الصلة بين هؤلاء وبين الاحناف.

 واعتبر البعض الاخر هذه اللفظة مصدرا لكلمة السباحة، بمعنى معرفتهم بالسباحة، حيث يقولون ان قسما من اليهود ممن آمنوا بيحيى بن زكريا (يوحنا المعمذان) وتم تعميدهم، اطلق عليهم لقب " السابحون " وبمرور الزمن تحولت الكلمة الى الصابئة او الصابئين.

 اما الجماعة الثالثة فترى ان الكلمة مشتقة من سبأ اليمانية، وان هذا الدين كان الدين الاول لاهل سبأ [ تفسير ابو الفتوح الرازي ج1 وتفسير الطبري ج1 وتاريخ العرب قبل الاسلام ج5 والملل والنحل للشهرستاني ص 210].

 وتعني الصبأ في اللغة العربية : الرحل او الميل للانتقال من مكان الى اخر، وبالتالي تعني تغيير الدين [ الدكتور ماتسوخ " مسألة التاريخ الاقدم لدين الصابئة " ] ويلاحظ ان قريشا اطلقت على الرسول تسمية " الصابي " ايضا [ تاريخ العرب قبل الاسلام، المجلد 5 ] وعلى الصحابة الذين كانوا يتخلون عن دين ابائهم ويعتنقون الدين الاسلامي، اطلقت تسمية " الصباة " [ ابو الفتوح الرازي 1:197]. ويروى انه بسبب اعتناق قبيلة بني جذيمة للاسلام [ جذيمة بن عامر، من الكنانة التي تقاتل معها خالد بن الوليد في السنة الثامنة للهجرة (غزوة القميط)] فانها كانت تقول" صبأنا، صبأنا ". ولان عمر بن الخطاب اعتنق الاسلام ، سمي ب " الصابي ". وعندما اسلم ابوذر الغفاري، كان اهل مكة يضربونه لانه خرج عن الدين واثار الفتنة واصبح صابئيا. وعندما اراد (معصم بن عدي) وهو من اشراف قريش، ان يزوج ابنه من بنت ابي بكر، خشي ان يؤثر " الصبأة " على ابنه، لان المشركين كانوا يسمون المسلمين ب " الصبأة ". وفي غزوة حنين قال دريد بن الصمة [ كان من اشراف بني حشم ] لاحد كبار القوم : " ثم القى الصباء على متون الخيل ". ولبيد الذي كان ايضا قد ذهب الى الرسول ليطلع على الامور، حدث اهله، لدى عودته، عن القيامة والجنة وجهنم، وسمى شاعر يدعى (صرافة) هذا الدين " دين الصابئين "[ هو صرافة بن عوض بن الاحوض: الاغاني للاصفهاني 15:131] كثيرة هي النماذج التي تدل على تسمية اهل الجاهلية، المسلمين بالصابئين. بيد انه ليس من الواضح اذا كان المسلمون قد قبلوا بتسمية كهذه. لكن يذكر انه عندما اسلم عمر بن الخطاب، نشر جميل بن معمر [ كان يطلق عليه صاحب القلبين لقوة ذاكرته وفكره الثاقب – مجمع البيان 4:334 ل] وسط قريش ان عمر بن الخطاب صار صابئيا. بيد ان عمر نفى ذلك معلنا اعتناقه الاسلام. لكن قريشا قالت: " صبأ عمر "[ سيرة ابن هشام 1:349 ] وان دل هذا النفي على شيئ فانما يدل على عدم تقبل المسلمين هذه التسمية، في حين انهم لم يعارضوا اطلاق تسمية " الحنيف " او " الاحناف" عليهم. غير ان هذه المسألة جديرة بالمزيد من البحث، وهذا ماحدا باللغويين العرب ان يشتقوا كلمة "صابيئ" من "صبأ" التي تعني تبديل الدين. بيد ان علماء اللغة المعاصرين سلكوا طريقا اخر.

 يقول الدكتور رودلف ماتسوخ، المتخصص في اللغة والادب المندائي : ال"صابيئ" هو الاسم العربي لهذه المجموعة، وهو مأخوذ من الارامية. وان ال" صبع" يعني التعميذ، لان اساس دينهم هو عملية التعميد. فالشخص الذي يرتكب خطيئة ما يجب ان يعمد بماء جار، ليدل ذلك ان المذنب عاد ثانية الى جادة الله واصبح طاهرا من جديد. والماء في المذهب المندائي هو عنصر مقدس يسمونه " يردنه " وتعني الاردن. ويطلقون اسم الاردن على اي ماء جار صالح للتعميد.ويعتبر بعض العلماء، امثال جون باليس وبوركيت، ان مفردات المذهب الصابئي المتعلقة بالتوراة والانجيل، مأخوذة من المسيحيين السريان (النساطرة).

لقد جمع ليتزمن عدة نماذج من النصوص السريانية، التي استخدمت فيها كلمة الاردن بمثابة اناء للتعميد زاعما ان الصابئة اخذوا هذه الملمة من المسيحيين السريان. بيد ان باحثين اخرين لم يقتنعوا بهذا الاستنتاج ، واعتبروا (الاردن) بلغة الصابئة ، كلمة اصيلة واساسية واصطلاح حيوي ومهم في دينهم. ومما يثير الخلاف ايضا هو ان الصابئة يطلقون على التعميد في ماء جار (ماسويتا) ولاعلاقة بين هذه التسمية و" المعموذية" السريانية، والتي تطلق على تعميد المسيحيين.

 يسمي الصابئة انفسهم بالمندائيين، وهي صفة مشتقة من كلمة "مندا" الارامية والتي تعني (العلم والعرفان). فالمندائي يعني العارف. واللغة الصابئية او المندائية هي احدى اللهجات الارامية – البابلية. ولقد تم الحفاظ على كلمة " ماتدا " من اجل المصطلح الديني البحت والذي يعني " معرفة الوجود ". واشتقت كلمة " مندا " من اصل والتي تقابلها كلمة " جنوسيس " Gnosis اليونانية كلمة Manda d’ Hayya لايمكن للمذهب المندائي ان ينوجد بمعزل عن " معرفة الوجود "، كالمسيحية التي لاوجود لها بدون المسيح. ان هذا العرفان او التصوف هو اساس الدين الصابئي، ويعتمد تماما على مانعرفه من انواع العرافان والتصوف المختلفة. فالتصوف هو احد فروع واوجه العرفان. والتصوف نهج وطريقة وسلوك عملي استمد مصدره من ينبوع العرفان. اما العرافان فهو مفهوم عام واكثر شمولية، يشتمل على التصوف ومناهج اخرى ايضا. وبعبارة اخرى، ان الفرق بين التصوف والعرفان هو كالفرق بين العام والخاص. بالاحرى يمكن ان يكون المرء عارفا وان لايكون متصوفا. كما يمكن ان يكون متصوفا في الظاهر، وهو لايمت بصلة الى العرفان. ويعتبر البعض العرفان، الجانب العلمي والفكري للتصوف. اما التصوف فهو الجانب العملي من العرفان.

وحول العرفان، يذكر المؤرخ السرياني تيودور برخونائي، الذي عاش سنة 792 ميلادية، ثلاث طرق الت الى ظهور المذهب الصابئي.

 كما كان العرب يسمون المندائيين ب " المغتسلة " ارتباطا بممارسة هذه الجماعة، غالب الاحيان اداب وطقوس الاغتسال. ويبدو ان هؤلاء هم " الصابئون " انفسهم الذين ورد ذكرهم في القران والكتب الاسلامية. وهم في الواقع قدامى المندائيين. الا ان هناك من لم يوافق على ان المغتسلة هم المندائيون انفسهم. بيد ن ابن النديم اعتبر المغتسلة هم " صابة البطايح " صابئة ناحية ميسان تحديدا.

 كما اطلقت تسمية " النصورائي " على المندائيين. الا انهم كانوا يستخدمون هذه التسمية للروحانيين (رجال الدين) والمؤمنين الحقيقيين (التقاة). وفي كتبهم الدينية عنت الكلمة رجال الدين الذين يراعون تطبيق الاحكام والاوامر الدينية، قبل غيرهم. وقد اشار البروفيسور ليدزبارسكي، الى ان هذه الكلمة هي نفس كبمة (الناصري) التي وردت في انجيل متى، كلقب للسيد المسيح. فانجيل متى يعتبر ان الاسم مشتق من مدينة الناصرة، مكان اقامة السيد المسيح. بيد ان اشتقاقا كهذا غير صحيح ، والمعنى الحقيقي لهذه الكلمة هو " حافظ القوانين والاوامر الدينية ". ويبدو ان هذه الكلمة ادت بالبعض الى ان يعتبروا مجموعة منهم نصارى، وان يعتبروا النصرائي، نصرانيا.

في القرن السابع عشر ادى عدم فهم البحارة البرتغاليين للمعنى الصحيح لاسم هذه لطائفة، ادى في اوروبا الى اعتبارهم " المسيحيين الذين عمدوا يحيى " [ حسب ماورد في كتاب خولسون(الصابئون وصبأ) المجلد الاول ص 100]. وربما يعود هذا الالتباس الى ان يحيى بن زكريا هو اول من عمد المذهب النصراني، ولان احد مبادئ الدين المندائي هو التعميد ايضا. اضافة الى ذلك فأن قصص الصابئة المتعلقة ب " يحيى المعمدان " كزعيم لهذا الدين، جمعت في كتاب يحمل عنوان " دراشي د يحيى "Draschi d' Jhia، والتي تعني " دراسات يحيى ". بيد ان هذا الكتاب حديث تماما، وقد تم جمعه بعد الاسلام. بالاضافة الى ذلك فان اسم يحيى بالارامية هو يوحنا، اي ان الاسم الاول كلمة معربة. وهذه شهادة على حداثة هذه الدراسات [ حسب الدكتور ماتسوخ في قاموسه (ايران زمين) 8:26 ] ومن الاسماء الاخرى التي سمي بها الصابئة "المسيحيون المنحرفون". اذ يرى اتباع هذا الرأي ان الصابئة يعتبرون السيد المسيح نبيا كاذبا، والروح القدس ام السياطين، وابليس و"الاعور" قائد جند الظلمة. وكذلك ترى ان ام المسيح وكذلك انبياء الاقوام السامية قد ولدوا جميعا من الروح القدس مع الشياطين من ام واحدة.

 وعلى الرغم من وجود اختلافات كبيرة فيما يخص ظهور الصابئة والدين الذي يعتنقونه، الا ان تأريخهم، على مايبدو، اقدم من تاريخ الدين المسيحي في فلسطين. ويعزى التشابك والتداخل والتعقيدات المتداخلة في هذا الدين متأتية من ان كتب الصابئة الدينية كتبت في وقت متأخر نسبيا.

 يقول الدكتور ماتسوخ في قاموس (ايران زمين) ج8 ص25 : "بعد هجرة الصابئة من فلسطين الى بلاد مابين النهرين، فأن اديانا عديدة كالدين البابلي والزرادشتي والمسيحي واخيرا الاسلام، قد اثرت على هذا الدين، الى درجة انه اصبح من الصعب جدا فرز العناصر الاصلية عن التأثيرات البعيدة ".

 ومما يلفت الانتباه ايضا، ان بعض العلماء كانوا يتصورون، ان هذا لدين وجد في بلاد مابين النهرين نفسها، وان عناصره الفلسطينية جاءت نتيجة العلاقة مع اليهود البابليين والمسيحيين السريان – حسب المصدر نفسه.

 بيد ان التمعن في عناصر هذا المذهب الاصلية منها تشير الى ان الدين الصابئي ظهر في فلسطين.

 ان مفردات هذا الدين الاساسية مثل: معرفة الوجود والنصورائي والاردن، والتي بدونها لايمكن تصور هذا المذهب، تدل وحسب مؤشرات لغوية-حضارية، على ظهور هذه الطائفة في فلسطين اول الامر. مما يؤكد ذلك على ان وثائق الصابئة القديمة منها تعتبر فلسطين مملكتهم الاصلية، وجميع الاماكن المقدسة المذكورة في الكتب الدينية، كالكرمل ولبنان وحران... وغيرها، هي فلسطينية وليست بابلية [ جينزا Genza يمينا 231:5 ] يتذكر الصابئة، اليهود بالكره وروح التبشير بالانتقام والضغينة. وان دل ذلك على شيئ، فانما يدل على الاهانة والتعذيب الذي تعرضوا له على ايدي اليهود " ومن الطبيعي ان تقع احداثا كهذه في فلسطين، اذ كانت اورشليم مكان تعذيب الصابئة ومعاناتهم. وقد غادر هذه الديار وبسببهذا الاضطهاد 365 كاهنا صابئيا [ نفس المصدر السابق ].

في علم 1953 اصدرت سيدة انكليزية تدعى (ليدي دراور) في الفاتيكان، وثيقة مهمة عن الصابئة تحت عنوان " حران الداخلية " تحكي قصة تاريخية عن الصابئة تعود الى هجرة اتباع هذا المذهب الى حران في عهد الملك الفرثي ارتيانوس الثالث، الذي يعتبره الدكتور ماتسوخ معاصرا للسيد المسيح، وقد حكم من سنة 12-38 للميلاد. ويعتقد ان يكون قد هاجر الصابئة الى مدينة حران في السنوات الاخيرة لحكم هذا الملك [ ماتسوخ (ايران زمين) 8:30 ] ان ما يلقى اهتماما كبيرا في النقاشات الدائرة حول الصابئة، هو التأثير الكبير للمذهب الصابئي على المذهب المانوي. فبعد ان شعر الاب ماني تغيرا وثورة في روحه وقلبه وناداه الوحي داعيا اياه لاحتراز الخمر واللحم ومعاشرة النساء، رحل الى الجنوب واستقر في ناحية ميسان او سهل ميسان، وانضم الى فرقة " المغتسلة " الدينية. وترعرع ماني وسط القوم هناك. ولهذا يمكن القول ان قسما من افكار ماني هي انعكاس شديد لافكار الصابئة الدينية.

اضافة الى ذلك، فهناك الكثير من الافكار والمفردات الدينية المشتركة بين المذهبين الصابئي والمانوي، كالتضاد بين النور والظلام وملكها على يد منجم، والايمان بنبي النور او الوجود الذي ارسل الى ادم – الانسان الاول، ومصير الروح بعد الموت ورحيلها الى عالم النور.... وغيرها.

وانطلاقا من كون المذهب الصابئي اقدم من المذهب المانوي، فأن هذا الشبه يدل على تأثير المذهب لصابئي على المذهب المانوي [ كتاب المندائيين (سدرا ربا) Sidra Rabbai] يقول ماتسوخ في قاموسه المذكور، ان الصابئة هي الطائفة العرفانية الوحيدة قبل الاسلام التي بقيت لحد الان. وانها حافظت بدقة، لحسن الحظ، على جميع كتبها الدينية. واستادا الى ذلك فان هذا المذهب هو من احسن الوسائل لمعرفة الغنوصيةGnosticesim، والتي تعني العرفان القديم. وان ما يلفت النظر هو تشابه الافكار الاساسية للصابئة مع اصل العرفان المسيحي المثبتة بشكل خاص في انجيل يوحنا، وهي متساوية ومترابطة الواحدة بالاخرى، دون شك [ ماتسوخ 8:23 ] بيد ان ماذكر في القران حول الصابئة معقد بعض الشيئ. فقد رافقت كلمة " الصابئة " ثلاث مرات مع كلمتي اليهود والمسيحيين [ يقال ان المراد من " الصابئين " في سورتي البقرة والمائدة، هم القوم الموحدون. ومن " الصابئين " في سورة الحج، هم الصابئون المشركون (اعلام القران، 39) ] فقد صنف علماء الاسلام " الصابئين " الى مجموعتين: احناف ومشركين. واعتبروا الحنفاء اتباع ابراهيم، اما المشركون فهم الذين يؤمنون بالنجوم.

 يتحدث ابن النديم في فصل " اسماء كتب الشرائع " ايضا عن " الصابئين الابراهيميين" ويبرز الخلاف بين المفسرين حول هذه الجماعة. لقد وردت كلمة " الصابئين " في القران بمستوى واحد مع اصحاب الكتاب. اي ان الاسلام اعتبرهم من اهل الكتاب ايضا اسوة بالمسيحيين واليهود. وتشير الرقاق والالواح المعدنية الموجودة اليوم في المتحف البريطاني، الى وجود الخط الصابئي في القرن الرابع الميلادي، كما هو الحال بالنسبة لقصص الصابئة الدينية اتي كانت محفوظة في هيئة كتاب، قبل الاسلام.

كان المندائيون يتحلون بشيئ من الايمان حيال التوحيد. ومن هنا تأتى اعتقاد بعض العلماء، كون ان المقصود بالصابئين في عهد الرسول، هم المندائيون. بيد ان الذي ادى الى ملابسات الموضوع فهو وجود صابئة حران، الذين كانوا مشركين وعبدة نجوم.

 ومن هنا لايد من التمييز بين هاتين الفئتين من الصابئة. وكما رأينا فان المندائيين كان لهم اصل فلسطيني. بيد ان ما قيل عن عبدة الاوثان السريان الذين اشتهروا في حران يختلف عن ذلك تماما. وكان لهذه الفئة من الصابئين في حران، حتى النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، مدارس وكتب باللغة السريانية، وكانت وسيلة لايصال الحضارة اليونانية. واشتهر في وسط هذه الفئة علماء كبار تركوا اثرا كبيرا على الحضارة العربية. وكان هناك تداخلا كبيرا بين هاتين الفئتين من الصابئة والى يوم قريب. واول من ميز بينهما هو خولسون استنادا الى ابن النديم.

 وقد ظهر هذا الاشكال لدى عبور الخليفة العباسي المأمون، في المعركة الاخيرة مع الروم الشرقيين، من اقليم حران، وملاحظته بين المستقبلين اناسا بمظهر فريب وشعر طويل وملابس ضيقة، فأستفسر عن اصلهم ومعتقدهم، الا انه لم يلق جوابا شافيا، فامهلهم فرصة الى عودته من المعركة: اما الاسلام او اعتناق احد الاديان السماوية المذكورة في كتب الله. مما ادى هذا الى اعتناق البعض منهم الدين الاسلامي، اما البقية فقد انتابهم قلق شديد الى ان جاءهم فقيه مسلم ليريهم، مقابل القليل من الذهب، الطريق لحل معضلتهم، بأن يعرفوا منذ ذلك الوقت كطائفة من الصابئين. مؤكدا لهم بذكر اسم هذه الطائفة في القران. وهكذا احتفظ هؤلاء ومنذ ذلك التاريخ باسم الصابئين.

 يقول ابو ريحان البيروني " يطلق احيانا على الحرانيين، بقايا المؤمنين بدين مغرب الارض القديم، والذين تخلى عنهم الروم بعد المسيحية، بالصابئة، رغم انهم اطلقوا على انفسهم هذه التسمية في الدولة العباسية سنة 228 هجرية، وذلك لتراعى شروط الذمة بحقهم كذلك " ان وضع الحلول لهذه الاشكالية ليس بالشيئ السهل. فحسب كتابات ابيفانيوس وهيبوليثوس (من كتاب قبل الاسلام) ان اسم الصابئة كان قبل الاسلام يستخدم للمشركين مابين النهرين ومدينة حران كذلك.

 واستنادا الى كتب الصابئة انفسهم، كانت مدينة حران نحط اهتمام كبير من الصابئة وعبر تاريخهم. فبعد ان هرب الصابئة اثر اضطهاد اليهود لهم، لجأوا الى حران وشيدوا معبدا لهم فيها. وهذا يدل على وجود صلة بين الحرانيين والصابئة.

يقول الدكتور ماتسوخ : يبدوا ان حران كانت تتمتع بحرية المعتقدات، مما حدا بها الى قبول اللاجئين المندائيين وممارسة معتقداتهم الدينية بحرية. وان تحتاج دقائق الامور الى تسليط اضواء اخرى لتبيان الحقائق. وهذه من مهام المتخصصين في تاريخ الاديان.

 

نشرت في وجهة نظر
الإثنين, 15 نيسان/أبريل 2013 23:38

هل تأثر المغاربة بدين الصابئة؟

الحفر في الأوساط السوسيوثقافية المغربية يكشف عن بقايا المعتقدات القديمة. وربما يفيد ما تحويه من قيم التسامح والثواب في الحد من قيم العنف والإرهاب أو التقليل منها. فالمغاربة القدماء, بحكم موقع وطنهم جنوب البحر الأبيض المتوسط وشمال غرب أفريقيا يتعرضون دوما للغزو, لذلك تراهم يبحثون دوما عن قيم التحصين والمقاومة والدفاع الذاتي التي تتجلى في التسامح بين أفراد العشيرة الواحدة ,والتحالف مع أفراد القبيلة أو الكونفدرالية القبلية. لذلك وجدوا في دين الصابئة خير معين لمواجهة أهوال الحاضر والتنظير لما سيحمله الغيب في طياته. و ما كنا هنا لنربط الصابئة بثقافة الخوف التي دعمتها , أيضا, اليهودية الأمازيغية , بقدر ما نود الحفر في النسق القيمي المعياري المغربي والكشف عن وجهه المتعدد.ولأن سلاح ا الحاضر لا يختلف في شيء عن سلاح الماضي مادام المغاربة يقاومون الغزو الثقافي ويبحثون عن قيم تمكنهم من الصمود,فإن النبش في المسكوت عنه أولى من البحث في النصوص التي يصدرها المشرق للمغرب والإيديولوجيات التي تأتي من الغرب الاستعماري.

تتجلى الصابئة في مظاهر متعددة يصعب القيام بمسح جغرافي لبيان مواطنها ففي الأطلس الكبير الشرقي نجد الأورنيطومانسيا Ornithomancie وهي ممارسة صابئية تعود إلى العصر التاريخي القديم(1).ولقد تعايشت الصابئة وأجواء الإسلام منذ الفتح إلى عصر الطرقية وتأسيس الزوايا التي ساهمت, بشكل واسع , في تأطير المجتمع المغربي وصيانته وتحصينه .إن صمود الصابئة كديانة وكطريقة مؤسس على بعض الآيات القرآنية منها مثلا( إن الذين امنوا والذين هادوا والنصارى والصابين من امن بالله واليوم الأخر فلبهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون ) (2).أما الموقف الذي تضمنته إحدى الأحاديث التي تخرج من الإسلام كل (من تطير أو تطير له ) فلم يصمد كثيرا في المغرب البلد الذي يكيف الدين ليناسب مضمون الثقافة العالمة. وفوق ذلك لم يربط الحديث الرافض للتطير والسحر والتكهن هذه الممارسة بالصابئة, ولم يحدث أن انهزمت ديانة فرضت نفسها في النسق الثقافي المغربي ولها حصتها في الممارسة اليومية والمناسباتية. إن ما يحدث حينما يشتد الصراع بين القديم من القيم والأفكار والحديث منها أن القديم يمارس في الخفاء ليترك المجال الواضح للحديث ليمارس فيه.لذلك أن حضارة الغالب حينما تسود , يظهر المغلوب تأثره بها حفاظا على سلامته وأمنه .لأجل ذلك تجحد معظم الديانات (ظلت تحافظ على وجودها مستترة من بربرية ( أمازيغية ) وفينيقية ويهودية ومسيحية إلى جانب الديانة الشعبية اليوم والدين الرسمي الإسلامي (3) ).

1- الصابئة ممارسة مناسباتية

هناك ممارسة ذات ارتباط بالصابئة أتباع النبي يحيى أو يوحنا المعمدان.فطقوس عاشوراء مازالت تحوي مظاهر التعميد الجزئي كالرش بالماء المرتبط باليهودية الأمازيغية إلى جانب التعميد الكلي للعرائس. وللتعميد أشكال متعددة فهناك تعميد ما قبل ليلة الدخلة ,حيث تغسل العروس بدنها, ربما لأول مرة, وتلبس زي امرأة. فالتعميد على شاكلة الصابئة يشكل قطيعة بين مرحلتين فيزيولوجيتن مختلفتين, الطفولة والشباب,أ وبين هيئتين مختلفتين ثقافيا التخلي عن زي البنت لارتداء لباس المرأة (4). وهناك تعميد آخر يصادف عاشوراء بواسطة ماء منسوب للنبي نوح (5) و هناك من يشاء أن ينسبه للنبي موسى لأن طقوس عاشوراء تناسب أيضا نجاة اليهود من الغرق ,أو بالأحرى انتصارهم على فرعون . وهناك تعميد ذو ارتباط بالمزارات المائية والنباتية والصخرية وله أشكال متعددة في حاجة إلى الرصد والتوضيح. ولما كان التعميد مناسباتيا فإنك تلمس في بعض الأوساط نساء يغتسلن مرتين في حياتهن الأولى يوم دخول بيت الزوجية والثانية قبيل دفنها في القبر.وبالمقابل هناك أوساط منعزلة لا ترى مبرر الاغتسال إلا إذا تعلق الأمر بجنابة الزنا. صحيح أن الكثير من هذه الطقوس في طريق الانقراض ابتداء من منتصف السبعينات من القرن الماضي لكن الحاضر منها لا يزال يظهر الوجه الثقافي المتعدد للمغرب.

2- طعام الثواب بين ديانة الصابئة والثقافة الأمازيغية

ماتزال معظم القبائل تهيئ طعام الثواب , ومكوناته خليط من الحب يصدق ترحما على أرواح ضحايا النبي نوح(6) وإعداد غذاء الثواب في الثامن من الشهر الهجري محرم ممارسة تعود إلى الصابئة. يوزع طعام الثواب بقرية زاوية سيدي بوكيل , غرب الريش , شمال إقليم الرشيدية على الأطفال , ويسمى ( بويانو ) وهي كلمة مركبة من(بويا )وتعني بالصابئة ) الأرامية ) (7) الحبة و(نو) تفيد بالأمازيغية النسب. يطوف الأطفال لطرق أبواب المنازل طلبا لطعام الثواب (بويانو ) مرددين النشيد التالي بالأمازيغية :

Buya nu

Assa nu

Ixes n'wadife

Taqrumte inu

تفسيره:

حبتي, حبتي,

عليكم سلامي

عظم زهم

هديتي من فضلكم

وللإشارة فإن لفظ( أسا) بالصابئة الأرامية السلام والعافية (8). ولسكان واد تودغة إ أعني القرى المحيطة بمركز تينغير والمجاورة للانكسار الأطلسي الجنوبي ) نظام آخر لإعداد طعام الثواب حيث يطوف الأطفال بأزقة القرى طلبا للحب الجاف. وحينما ينهون جولتهم يعرضون ما جمعه من الحبوب المباركة في السوق ويشترون بقيمتها المالية ما يكفي ليطعمهم أسبوعا كاملا يقضونه في منزل الحفل. ويعنينا هنا أن أطفال تودغة يرددون نشيدا مشابها للنشيد المردد في قرية زاوية سيدي بوكيل متنه كالتالي:

Buya nu

Krya nu

Xfaxtide a lalla

Waxa igga arektu

معناه:

حبتي

هديتي

امنحيها لي يا سيدتي

ولو كانت عجينا

ولا عجب في تشابه الطقوس في القرى المتأثرة بالديانات القديمة من يهودية وصابئة غرست في المنطقة الكثير من العادات الغذائية. وإلى جانب غذاء الثواب يحتفل معظم المغاربة بالعنصرة التي تصادف ميلاد النبي يحيى أو يوحنا المعمدان (9). ولايزال يحيى لقب كل الجدات والأمهات التي تصادف من يناديها يوحنا وتجد من يوظف المقطع( يو) فقط وهناك من يطلق عليها( حنا). وباختصار نجد الألقاب المرتبطة بيوحنا المعمدان ترمز إلى العطف والحب والحنان.

3-التطير ممارسة الصابئة

يعد التطير ممارسة واضحة ومكشوفة في معظم القرى الزراعية المغربية. ولاتزال القصص الشعبية والحكايات زاخرة بما للطير من قدرة على رصد الخطر. والتطير أحد العناصر الثقافية التي غرستها الصابئة. ويحتل الدجاج والغربان والبوم مكان الصدارة فيه ممارستها. وللطائر الأمازيغي (بيقشة) حضور قوي في الرجم بالغيب. أما الطيور المهاجرة فلاحظ لها في التطير إذا استثنينا دور الهدهد في الاستشفاء وإزالة السحر. ومن المفيد تفصيل القول في ذلك قليلا.

أ-بيقشة

بيقشة اسم أمازيغي لطائر الأمازيغ بالجنوب المغربي يحمل أسماء متعددة, وله دوي يقرأه الكل قراءة إيجابية في الصباح. فما أكثر الذين بشرتهم بيقشة بقدوم ضيف عزيز أو بحدوث ما يثلج الصدر.وكل من سمع دويها يقول خيرا وسلاما يابشار الخير بيقشة.

ب-الدجاجة المؤذنة

الأصل في عالم الدجاج أن يصيح الديك في أوقات معلومة, في الإبكار وفي الزوال.أما زقاء الدجاجة على شاكلة الديك فصوت مكروه.ومعلوم أن للدجاجة دويا يتخذ أشكالا مختلفة حسب لحظات الخصوبة لدى الدجاج ,فهناك دوي الاستعداد للوضع, ودوي التخلص من وضع البيض وهناك أصوات الحضانة والتفريخ أعني باختصار أن لكل صوت دلالة مناسبة لوظيفة الدجاجة في التكاثر الطبيعي ككائن بيوض. وكل الأصوات طبيعية ومقبولة إلا الصياح. فحينما تصيح الدجاجة تذبح فورا وإلا سيحدث مالا يحمد عقباه في منزل صاحبها. 

ب-البومة 

يتطير القوم بواسطة صوت البومة.ولاغرو فهي طائر الخراب والدمار والهلاك. ولانعتقد أن الأمم الأخرى تخالف المغاربة الاعتقاد فصوت البومة طالع سوء(10). 

ج-السنونو 

يزور السنونو الأطلس الكبير الشرقي في أواخر شهر شتنبر وبداية مارس ويتم التطير به كثيرا. فحينما يطير قريبا من سطح الأرض يستبشرون بقرب سقوط المطر وحينما تصادف يعلو في طيرانه فزرقة السماء ستدوم طويلا وربما يسود القحط والجفاف. ولا نعتقد أن هناك تصورا مخالفا لدى الأوروبيين(11) . 

إن الحضور القوي للتطير يدل على تأثير المغاربة بالصابئة. ولاتزال الهوامش تختزن ممارسة أخرى تستدعي الكشف, قد تختفي في الطقوس الجنائزية والمزارات المائية والنباتية وقد تظهر في الأعراس والختان والحفلات الزراعية. 

لحسن ايت الفقيه

الهوامش: 

1-أنظر الموقع التالي على الأنترنيت: 

www.le carrefourdelislam. com/diabolus/ muthos.

2-انظرسورة البقرة الأية 61, انظر كذلك سورة الحج الأية17وسورة المائدة الأية17

3-عز الدين عناية فاعلية بنى المقدس في المغرب العربي,دراسات عربية , غشت 1998 ص57. 

4-هناك من يفصل بين النوع الجنسي الواحد وفق النمو البيولوجي: الطفل والرشد, البنت والمرأة.ويعد الزواج فاصلا بين المرحلتين كما هو الحال لدى ايت إبراهيم بواد أسيف ملول. 

5- هناك من يرى الرش بالماء بالماء ظاهرة يهودية محضة وهناك من ينسبها إلى النبي نوح. 

6-سليم برنجي , الصابئة المندائيون, دراسة في تاريخ ومعتقدات القوم المنسيين, ترجمة جابر أحمد , دار الكنوز الأدبية , بيروت 1997 ص211.

7-المرجع نفسه ص103. 

8-المرجع نفسه ص97. 

9-انظر لحسن ايت الفقيه: نبات الحرمل بالأطلس الكبير الشرقي: نبتة ساحرة في بناء البيئات المتدهورة أم نبتة سحرية مقدرة في القرى المتخلفة المنهارة, جريدة المنظمة, العدد74-28 غشت 199 ص13. 

Thierry Grain, oiseaux de mauvais et de bon augure ,10- vivre avec les oiseaux n06-10 page 46

Op-cit page 49-11-

 

دراسات حول الأطلس الكبير الشرقي

 هذه المدونة تتناول الأحوال الاجتماعية والثقافية والتنموية لجزء كبير من جبال الأطلس الكبير الشرقي المغربية. و بالتحديد من غرب مركز إملشيل إلى حدود مركز تالسينت و من أعالي ملوية إلى المراكز العمرانية الحضرية جنوب الانكسار الجنوبي الأطلسي وهي بالتحديد الرشيدية، بودنيب، كلميمة، تنغير. و بما ان هذه الجبال تابعة ثقافيا لمنطقة تافيلالت الكبرى فإن مجال المدونة يمكن أن يمتد ليغطي كل الجنوب الشرقي المغربي.

نشرت في وجهة نظر
الإثنين, 15 نيسان/أبريل 2013 18:55

وقفة جريئة إنقراض المندائية وهم أم حقيقة

الحلقة الأولى 

سبق وكتب البعض من الأخوة المندائيين مقالات عديدة حول إنقراض اللغة المندائية والأسباب التي أدت الى ذلك ، وقدموا أقتراحات لذوي الأمر من المندائيين والجهات ذات العلاقة لغرض إحيائها ، كما ويدرك الجميع إن مسألة إحياء اللغة بالوقت الحاظر هو بالتأكيد خارج إمكانيات الطائفة المتواضعة نفسها ، لذلك عرض الأمر قبل عدة سنوات على المنظمات الدولية وخاصة منظمة اليونسكو لغرض تقديم المساعدة الممكنة لما تملكه من إمكانيات مادية وعلمية وخبرة في هذا المجال ، ولكن مع الأسف لم نلاحظ أي إجراء عملي هام قد تم إنجازه من قبل تلك الجهات خلال السنوات الأخيرة ولغاية اليوم . 

وبودنا التطرق اليوم الى ما يتناقله بين الحين والآخر البعض من المندائيين ومن ظمنهم بعض رجال الدين لمستقبل المندائية المهدد بالخطر خلال بضعة عقود قادمة ، وذلك بسبب الظروف المعقدة التي تمر بها الطائفة . ما لم يتم وضع خطة عمل فعالة يساهم فيها كافة أبناء الطائفة المندائيين وعلى إختلاف إخصاصاتهم العلمية والأدبية والفنية ، وتسخر لها كافة الأمكانيات المتاحة لهذا الغرض . 

نود أن نطرح وجهة نظرنا لواقع حال الطائفة المندائية بصدق وواقعية ، وقد يختلف الكثير من الأخوة المندائيين معنا بما نطرحه اليوم ، أو لربما يتهمنا البعض بإتهامات شتى ، ولكننا نعتقد إن الواجب يحتم علينا دق ناقوس الخطر وأن نكون صادقين مع أنفسنا ، وتبيان الحقيقة وتدارك مواقع الضعف في مسيرة الطائفة الحالية إن كنا جادين في المحافظة عليها وأن يكون شعارنا العمل المشترك الفاعل وليس ( نستنكر ونشجب وندين ) كما نلاحظه من كتابات البعض من الأخوة في هذه الأيام بعد أي حدث أو مصيبة تحل بالطائفة . ولا نود أن نكون من المتشائمين بمستقبل المندائية ، ولكننا نطرح الحقائق كما نلمسها وهي على أرض الواقع ، ونطرح السؤال الذي قد يخشى الكثير من المندائيين طرحه على أنفسهم وهو .. 

( هل إن إنقراض المندائية وهم أم حقيقة ؟؟؟ ) 

وما هو دور المندائيين في هذه المرحلة للحفاظ على هويتهم الدينية وعراقة طائفتهم . 

أنها مجرد وقفة جريئة لمراجعة الذات ووضع الحلول المناسبة قبل فوات الأوان ، وقفة تتطلب من كافة الأخوة أبداء آرائهم وأفكارهم في هذا المجال . 

فمن حق أبناء الطائفة أن يرفعوا أصواتهم أمام المسؤولين في قيادة الطائفة ومؤوسساتها في داخل الوطن وخارجه وتنبيههم إلى الأخطاء التي أرتكبت أو لا زالت ترتكب ، وبذل كل الجهود من أجل تصحيح مسيرة الطائفة المهددة بالخطر . 

إن الطائفة المندائية تتعرض اليوم الى نوع بشع من الإبادة الجماعية وفق مقاييس المنظمات الدولية ، وهي بحاجة إلى إعادة النظر بمسيرتها بما يتناسب وبطبيعة هذه المرحلة التي تمر بها في داخل الوطن وخارجه ، وإن العكس في ذلك يعني استمرار الضعف والتدهور والإضمحلال وخسارة المزيد من أبناء الطائفة يوما" بعد يوم مما يهدد مستقبل الطائفة ككل . 

يدرك الجميع إن الصابئة المندائيين هم بناة حضارة وادي الرافدين ، هم أصل العراق وملحه ، ديانتهم تعتبر من أقدم الديانات الموحدة التي إنتشرت في بلاد الرافدين و فلسطين ما قبل المسيحية ، لغتهم هي المندائية وهي أحدى اللغات الآرامية الشرقية القديمة ، أتخذوا مدن جنوب العراق والأهواز في إيران وبالقرب من الأنهار موطنا" لهم منذ قرون عديدة لأهمية الماء في حياتهم الإجتماعية وإقامة الطقوس الدينية ، عاشوا في تلك المنطقة فأثروا فيها وتأثروا بها ، إنتشرت فلسفتهم الدينية ولغة التوحيد أينما حلوا . وفي فترة ما قبل الحكم البريطاني وخلاله وبسبب الأوضاع الأقتصادية والأجتماعية والأضطهاد والقتل الذي مورس ضدهم من قبل جيرانهم المسلمين ، بدأت هجرة المندائيين الى المدن الكبيرة كبغداد والموصل وكركوك والفلوجة والرمادي والحبانية وديالى ليعملوا في الصياغة والنقش والحفر على المعادن . وتبع ذلك هجرات عديدة أخرى في الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي وتجست بشكل أكبر ما بعد سقوط النظام الدكتاتوري في عام / 2003 

الشعب والأمة المندائية ... الهوية 

قد يتسائل البعض ما هي هوية الصابئة المندائيين ؟ وهل هم شعب أم أمة ؟ وهل يمكن أن نطلق عليهم ( شعب مندائي ) أم ( أمة مندائية ) كما يحلوا للبعض من الأخوة أن يذكرهم إعتزازا" بالنفس !!! ووصل الأمر للدكتور تيسير الألوسي ليقترح أطلاق تسمية ( قومية الصابئة المندائيين ) بدلا" من ( طائفة الصابئة المندائيين ) بإعتبار إن المندائيين هم ( قومية تلتزم بدين معين ) ( 1) ، ناسيا" بذلك شروط القومية وهي وجود الأرض واللغة والدين المشترك والعادات والتقاليد . 

ماذا نعني بالشعب

( يعرف الشعب بأنه مجموعة من الأفراد أو الأقوام يعيشون في بقعة جغرافية واحدة ( أرض واحدة ) ولهم لغة واحدة وتأريخ واحد وعادات مشتركة وثقافة واحدة ودين واحد ويعيشون ضمن مجتمع واحد ، ويتميزون بشكل العلاقات الإجتماعية التي تجمعهم في ذلك المجتمع ) . 

فهل ينطبق هذا التعريف على المندائيين ؟ بالتأكيد هناك إختلاف في وجهات النظر تعتمد على مدى ثقافة القارئ وسعة أطلاعه على تأريخ الشعوب عامة وتأريخ المندائيين !! خاصة فيما يتعلق ( بلغة ) ذلك الشعب و( الأرض الواحدة ) التي يعيش بها ذلك الشعب وثقافته . 

ما نعني بالأمة ؟ 

تعرف الأمة بأنها ( عبارة عن جماعة من الناس يرتبط أفرادها بروابط معينة مثل اللغة أو التاريخ أو الجنس ... من ناحية ، والمصالح المشتركة والغايات الواحدة من ناحية أخرى ، ويقطنون بقعة من الأرض حتى لو لم يخضعوا لنظام سياسي معين ) . 

ووفق هذا التعريف يأتي السؤال هل المندائيون ( أمة ) فعلا" ؟ وأذا كان الجواب بنعم ؟ فأين لغة تلك الأمة حاليا" ؟ وأين علم تلك الأمة ؟ وماذا خلفت لنا تلك الأمة من آثار ؟ وأين المصالح المشتركة لهذه الأمة ؟ أين حضارة تلك الأمة وأين جنسها وتراثها لمئات من السنين الماضية ؟ وهل لدينا تراث مكتوب ومنشور يدل على تلك الأمة المندائية ؟ أنها مجرد أسئلة تطرح وتحتاج الى أجوبة علمية مقنعة وقد تحتاج الى دراسة مفصلة من قبل الباحثين المندائيين . 

واذا كنا أمة في السابق ؟ فأين هي الأن ؟ ولماذا انقرضت الأمة المندائية ؟ إن المتتبع للتأريخ يدرك إن بقاء الأمة وأستمرارها يكون بالأنفتاح على الحضارات ، وفي مدى قدرتها على مواكبة متطلبات الحياة وهي التى تملك شروط منافسة باقي الأمم والتي تقتضي التفاعل مع المعطيات الحضارية والتأثر بها وبقدرتها على الإبداع والعطاء ، إن مقدرة الأمة على التنافس هو الذي يؤكد وجودها ويجسد فعاليتها بين الأمم . 

وطالما لسنا بشعب أو أمة ، فمن نحن إذن ؟ 

يؤكد الباحثون المختصين بالمندائية ومن أبرزهم البروفسور نولدكة ، البروسفور ليدباسكي ، البروسفور كورت رودولف ، البروسفور ماتسوخ ، الليدي دراور ، البروسفور ديفيد ديرنجر ، والبروفسورة يون بكلي ، وغيرهم العشرات من الباحثين الأوربيين والمندائيين ، إن المندائيين هم ( طائفـة دينيـة ) وليس شعب أو أمة وأصبح أسمهم المتعارف عليه رسميا" هو( طائفة الصابئة المندائيين ) . فلو كانوا أمة أو شعب بالمعنى العلمي الحقيقي لكانت لديهم كيان دولة ، وإن هذا كيان يحتاج الى مؤوسسات عسكرية للدفاع تحمل السلاح المحرم في التعاليم المندائية ، ولذلك بقي المندائيون يمارسون طقوسهم الدينية فيما بينهم تحت وطأة الأضطهاد والقتل والأجبار على تغيير الدين على مدى قرون عديدة ولحد الأن ، ولذلك نرى إن أعدادهم آخذة بالنقصان سنة بعد أخرى مما يهدد وجودهم ومستقبلهم ككل خلال عقود قليلة قادمة . 

وفي هذا الصدد يؤكد المرحوم الأستاذ والمربي ( نعيم بدوي ) ، إن الدين المندائي لا يؤمن يالمادة ، ولكن يؤمن بالروحانيات . والسلطة هي من ماديات الدنيا . وكلنا نعرف إن هناك ثلاث أركان أساسية لأي دولة وهي : الجماعة البشرية ( الشعب ) ، الإقليم أو الأرض ، السلطة السياسية . ( وفي هاذا الجانب طالما إن السلطة هي من ماديات الدنيا ، فأعتقد لم يفكر المندائيون يوما" أن يكونوا لهم دولة ، بأعتبار إن وجدود الشعب هو أمر أساس في تكوين أية دولة ، وليس هناك دولة بدون شعب . وتؤكد الفلسفة المندائية على إن الحياة هي الطريق الى الحياة الخالدة في عالم الانوار وبذلك كانوا غير مهتمين بالحياة الدنيوية الفانية فمالوا الى التقشف والزهد والبساطة وإنصرفوا لعبادة الخالق ولم يفكروا يوما" بأقامة كيان سياسي خاص بهم وعاشوا كأقلية دينية في ظل دول وعشائر سائدة في مناطق سكنهم ، وطالما لم يفكروا بأقامة دولتهم التي تتطلب وجود الشعب ، والسلطة ، وحدود الدولة والجيش فليس هناك حاجة لكتابة تأريخهم أيضا" . أما تجمعاتهم في أماكن مختلفة مثل الطيب وحران وسهل ميسان وميديا فكانت أساسا" هي تجمعات دينية يقودها رجال الدين للحفاظ على روحية الدين ) ( 2 ) . 

كما ويؤكد الأستاذ الباحث ( عزيز سباهي ) على المندائيين هم طائفة دينية بقوله : ( أن الصابئة آثروا الأبتعاد كليا" عن مجرى الأحداث دفعا" للمخاطر التي قد تهددهم ، وأيثارا" للنجاة ، لا سيما إنهم كانوا مستهدفين بضغط متصل ، لحملهم على أعتناق الأسلام وإن ردة فعلهم كانت مزيدا" من الأنغلاق على النفس والأيغال في تصليب القشرة الطقسية لمعتقداتهم الدينية ، والكثير منهم أعتنق الأسلام والمسيحية . ) ، ( واثر غزو المغول للعراق ، وتدهور الخلافة العباسية ، تشتت الصابئة الحرانيون الذين ألتجأ أغلبهم من قبل الى بغداد ، وآثر بعضهم العودة الى ديار مضر ( حران وما جاورها ) ، ديارهم السابقة في أعالي الفرات وما بين النهرين ، بينما أنصرف آخرون الى ممارسة الزراعة شرق بغداد ، وضمنوا لأنفسهم السلامة من بعد بأعتناق الأسلام ، ولا يزال أحفاد هؤلاء يواصلون الزراعة في مناطق ديالى ويعرفون بأسم الزهيرات . 

وبناء على ما سبق ذكره ، وبما إن الديانة المندائية غير تبشيرية ومحصورة بين أبناء الطائفة فقط ، وبما إن نسبة الوفيات كما تشير الأرقام هي أعلى من نسبة الولادات ، خاصة وإن الكثير من المندائيين الشباب وبسبب هجرتهم الى بلدان عديدة ، وعدم أستقراهم في المهجر ، وأبتعاد الكثير منهم عن عوائلهم ، ولتكاليف الزواج الباهضة والخارجة عن قدرتهم ، تراهم اليوم يفكرون أكثر من مرة قبل الأقدام على الزواج وتكوين أسرة لهم ، ولو نظرنا بعيدا" وبحسب هذا الواقع نرى إن الطائفة تخسر المئات من أبنائها سنويا" فما بالنا والعقود القادمة ، وهذا يحتاج الى حل سريع وأحدها هوالتشجيع على الزواج وزيادة الأنجاب لقلب المعادلة ، وإلا فنحن نسير بطريق الأنقراض التدريجي ( 3 ) . 

الهوامش 


 

1 ـ الندوة التي عقدتها قناة الفيحاء في يوم الأربعاء 11 حزيران / 2008 وفي برنامج قراءات عراقية مع الدكتور قيس السعدي

2 ـ مجلة آفاق مندائية ، العدد 10 ، مايس 1999 ، في رده على المرحوم الأستاذ نعيم بدوي حول صابئة حران

3 ـ عزيز سباهي ، أصول الصابئة المندائيين ومعتقداتهم الدينية ، دار المدى للثقافة والنشر ، الطبعة الأولى 1996 

نشرت في وجهة نظر
الإثنين, 15 نيسان/أبريل 2013 18:21

هنهنات لغوية : لام التزلف والتزحلق

1- فـُجّرَ.. دُمرَ.. قـُتلَ.. سُرقَ... نـُهبَ

 

كلُ هذا في العراق

 

يا للهول!

 

أهو زمن المبني للمجهول؟

 

2- كلٌ يريدُ أن يكون فاعلا ً

 

أنا، أنت، أنتم، هو، هم، هنَّ

 

نحنُ جميعا فاعلون

 

تـُرى

 

متى نفكر بالفعل؟

 

3- أتعملينَ في العراق

 

يا حروف الجر؟

 

جَررتِ لفظ الجلالةِ

 

فهل تقدرين على جرِّ رئيس الوزراء؟

 

4- كـُثرٌ هم المبنيونَ على الضّم

 

سواكَ أنت منفتحٌ

 

فاحذر أن تقبل الكسرة

 

واحذر إلتقاء الساكنين

 

هكذا تبقى العراق

 

5- كـُنتَ المبتدأ

 

وكنا جميعا لكَ الخبر

 

حتى دخلتْ حروفَ العِجمة

 

فانخســفت الشمس!

 

وانكســـف القمر!

 

6- لا تعملوا جداولا ً بـ

 

الكلمة: معناها

 

فقد غيّروا معانيَ الكلمات

 

صارت حسبما يشتهـــون

 

العراق: العراك

 

7- مزدهرٌ سوق الصفات في العراق

 

بضاعة ٌكاسدة ٌ

 

لندرة الموصوف!

 

8- كلُ شيءٍ في العراق" أكو"

 

كلُ شيءٍ في العراق" ماكو"

 

فهل سألنا أنفسنا:

 

ما حلّ بالصابئة المندائيين

 

أصحاب هاتين المفردتين؟

 

9- بُحّ صوتُ حروفِ النداء

 

وضميرهم ما زال مستترا

 

أواه!

 

لقد استجاب الجماد

 

فهل يعدون أنفسهم بشرا؟

 

10- نعم، أنتَ اسمٌ مرفوعٌ

 

لكن بأي علامة، يا عراق؟

 

أبفتح الأبواب للنهب

 

وكسر الخاطرِ؟

 

11- كلُ الجموع صارت جمعُ تكسير

 

ليس فيهم سالمات.. سالمين

 

صارالكوفيون كفأة

 

وصار البصريون بصاروا

 

فهل هذا هو الدرس الأخير؟

 

12- لم ينصبوا الماء ولا الكهرباء

 

لم ينصبوا الجسر ولا الدار

 

قد أبطلوا علامات النصب

 

فصارت علامة الكلِّ إنفجار

 

13- ساستنا

 

ألغوا جميع اللامات

 

وأبقوا على لام التزلف والتزحلق

نشرت في وجهة نظر

تعتبر نصوص التعاويذ المكتوبة باللغة والحروف المندائية من أقدم النصوص التي وصلت إلينا التي دونت بهذه اللغة الآرامية المميزة لجنوبي وادي الرافدين، ولهذا تكتسب دراستها أهمية عظيمة في تحديد تطور اللغة المندائية ومقارنتها باللغات المعاصرة لها، ناهيك عن أهميتها في تسليط الضوء على بعض جوانب تكون الدين المندائي. ونصوص التعاويذ متنوعة أهمها تلك المكتوبة على ألواح من الرصاص، والنصوص الوقائية المكتوبة على الأواني الفخارية التي يحدد العلماء تأريخها بالفترة بين 600-800 ميلادية، أو أقدم (بين 350-500 ميلادية حسب كاوفمان ). وقد درس العلماء نصوص الأدعية المختلفة في أوقات مبكرة، منذ أواخر القرن التاسع عشر، وكان بين أبرزهم مارك ليدزبارسكي، وسيروس غوردون، وليدي درور، وروبرت ماتسوخ، ومؤخراً أريكا هنتر وكريستا مولّر – كسلر. لكن أهم المتخصصين في هذا الموضوع هو البروفيسور أدوين ياماوتشي (من جامعة ميامي في أوكسفورد، ولاية أوهايو بالولايات المتحدة) والذي أعد رسالة دكتوراه بهذا الموضوع ونشرها في سنة 1967 .
ويمكن المخاطرة بتصنيف هذه النصوص المكتوبة باللغة المندائية إلى ثلاثة أقسام: الأول نصوص وتعاويذ هي من نتاج أتباع الديانة المندائية أنفسهم، تنسجم مع الرؤيا الدينية المندائية لحد ما. وفيها يجري الإبتهال إلى الخالق وطلب العون من ملائكته للتخلص من الضرر أو الوقاية منه. القسم الثاني نصوص بابلية وتلمودية لا علاقة لها بالدين المندائي، لكنها افتتحت وختمت بنص ديني مندائي (بشميهون د-هيي مثلاً). والقسم الثالث نصوص سحرية لا علاقة لها البتة بالدين المندائي وتصورات المندائيين الدينية، والقسمان الثاني والثالث استعملهما سكان وادي الرافدين القدماء وقد دونوها باللغة والحرف المندائيين المنتشرين في ذلك الوقت. ومثلما يعتقد علماء غربيون أن بعض النصوص السحرية المكتوبة بالسريانية هي نصوص كتبت لوثنيين، فمن المنطقي تماماً إفتراض أن بعض النصوص المكتوبة باللغة المندائية قد كتبت لزبائن وثنيين .
وينبغي لنا هنا التأكيد أن الدين المندائي بصفته دين سماوي موحِّد يرفض أعمال السحر، ويتوعد السحرة بعذاب شديد في المطهر. والمندائيون، على الضد من بعض ما يشيع عنهم، لا يعبدون الكواكب، فهي عندهم خاضعة لقوى الظلام والشر، وتوجههم صوب النجم القطبي في الصلاة لا يعني عبادة هذا النجم، بل لأنهم يعتقدون بوجود بوابة عالم الأنوار (الجنة) في جهة الشمال، حيث يجري وزن النفس في ميزان الملاك أباثر، فمن تغلبت حسناته على سيئاته، انطلق فوراً نحو الإتحاد بصنوّه السماوي، ليسكن في عالم الأنوار، ومن رجحت كفة السيئات عنده، ذهبت نفسه إلى المطهر لتكفر عن ذنوبها قبل الإنطلاق إلى عالم النور. ويحذّر الدين المندائي من الوقوع تحت سيطرة الكواكب والبروج (شفياهي أي الكواكب السبعة وترسّر أي الأبراج الإثني عشر)، وهي مصدر كل الشرور والبلاء.
تستند التعاويذ إلى القوانين الدينية وإلى ممارسة الطب الشعبي والشعوذة التي تكاد تختلط به. وظيفتها حماية الإنسان من الآلام والكوارث والمشاكل المتعلقة بالأمراض. فالمرض والمصائب والكوارث كلها من صنع الجن ونتاج الحسد حسب الفهم الشعبي .
ضمن هذا التعريف نجد في علم الآشوريات ما يعرف بأواني العفاريت البابلية، وهي أوان خزفية كتبت عليها الأدعية وفي بعض الأحيان رسمت عليها أشكال تمثل العفاريت. انتشر استعمال الأواني هذه في وسط وادي الرافدين (بابل) وفي جنوبه (بضمنه الأهواز) خلال الفترات المتأخرة من العصور القديمة. فقد عثر على هذه الأواني في مناطق مختلفة، يعود معظمها إلى ما بين القرون الرابع والسابع الميلادي، وهي عادة غير معروفة خارج هذا النطاق الجغرافي. وعثر في بلاد الشام وفلسطين وآسيا الصغرى على ما يقابل هذه الأواني من الأدعية اليهودية المكتوبة على الألواح المعدنية المصنوعة من الرصاص أو النحاس أو الفضة باللغة الآرامية، لحماية الحوامل وعلاج الأمراض والسيطرة على الآخرين، تعود إلى نفس الفترة. ودرس كل من نافيه وشيكد بعض النصوص اليهودية وترجما العديد منها . وقد استعملت اللغات اليهودية الآرامية (التلمودية) والسريانية والمندائية، وفي حالات نادرة الفهلوية للكتابة على الأواني. إلى جانب هذا نجد الكثير من اللقى التي نقشت عليها خرابيش أشبه بالكتابة، إما لأن صانعها لا يحسن الكتابة، أو لأن النص السحري معروف ويمكن تلاوته شفاهاً، وأنه ثانوي الأهمية مقارنة بالوعاء وطقس وضعه في مكانه. تدفن الأواني عادة تحت عتبة الدار أو في زوايا البيت، مقلوبة إلى الأسفل أو يلصق وعاءان أحياناً بالقير، وفي هذه الحالة توضع بعض الحاجات بينهما مثل قشور البيض أو العظام. الهدف من استعمال الأوعية هذه هو حبس العفاريت (الديوي) أو طردها أو إخافتها ومنعها من إيذاء أهل البيت. بالتالي يمكن التعبير عن هذه الأواني بأنها "مصيدة" للعفاريت، وتندرج ضمن مفهوم الأدعية الوقائية.
مثال: وعاء طيني من مدينة سلوقيا (على دجلة قرب سلمان بك) يعود إلى القرن السادس أو السابع الميلادي (متحف كلسي رقم 19504). وهذه ترجمة تقريبية لمقاطع النص الانكليزي (الأصل باللغة المندائية):
"نغراي بنت دنداي وأولادها ... سمعت وصوت .. الرجال المحاربين .. والمرأة الغاضبة التي تلعن وتؤذي، نزل عليهم أزداي ويزدون ويقرون وفرائيل الكبير وروفائيل وسحتئيل، ومسكوهم من شعورهم وضفائرهم وكسروا العظام... وعلقوهم من ضفائرهم وقالوا لهم: "جعلتك تحلف بأن تطلق وتحرر .. نغراي بنت دنداي و .. الرجال والنساء من .. كل اللعنات .. المنطلقة ومن لعنة .. الأم ولعنة المومس ... والجنين ومن لعنة الصانع والأسطة الذي سرق أجره ومن لعنة الأخوة الذين لم يتقاسموا بينهم بالحق ومن لعنات كل الناس الذين يلعنون بأسم عفاريت باطلة ومن بطاناتها ، أنت الشافي أنت الشافي الذي يشفي من المرض بالكلمات أنت الشافي الذي يبعد المرض ولعنات الذين لعنوا نغراي بنت دنداي بأسم أزداي ويزدون ويقرون وفرائيل وروفائيل وأشف وأمح لعنات الذين يلعنون نغراي بنت دنداي.
جلست على حجر لم ينفلق وكتبت كل اللعنات على صحن جديد من طين وأرجعت اللعنات الموجهة ضد نغراي بنت دنداي إلى حيث أتت. ويبارك بأسم صاريئيل الملاك وبرخئيل الملاك وبأسم صاريئيل وبرخئيل تتحررون من لعنات الذين لعنوا نغراي بنت دنداي مثل الرجل مثل الرجل الذي تحرر من بيت القيود ونت بيت السلاح، آمين آمين سيلاه لتحل الصحة والمنعة على بيت نغراي بنت دنداي وأولادها.."
ويتكرر هذا النص في العديد من الأواني الأخرى، ويجري تغيير أسم المستفيد حسب الحاجة. نلاحظ أن النص وإن كتب باللغة المندائية، فهو لا يرتبط بالدين المندائي إطلاقاً، بل بالمحيط الحضاري القديم لجنوب وادي الرافدين، بالذات بالنصوص البابلية. فهو يخلو من العبارات الدينية المعتادة في الدين المندائي. ومن الطبيعي أن يجلس الكاتب على صخرة غير مشققة، لأن العفاريت تسكن الشقوق حسب التصور الرافديني القديم.
وفي نص ثان ترجمه البروفيسور ياماوتشي نجد أن الصحن يبدأ بعبارة "بشما د-هيي نخرايي من آلمي د-نهورا .." وكتب لحماية فروخزاد بن كوماي وزوجته بسبب موت أطفالهما، وفروخزاد اسم فارسي. وفي هذا النص نعثر على اسم بوزناي بنت أغليما الجنية ( أي ليليث، وهي كائنات اسطورية سومرية-بابلية اقتبسها التلمود كذلك، ويرتبط اسمها بالليل والظلام)، وولدها العفريت غيداق وزوجها أبوغدانا (بوغدانا). والأخير عفريت أو ديو هو بغدانا اقتبسته الميثولوجيا الرافدينية من الميثولوجيا الإيرانية . هناك مئات من هذا النوع من الأواني في متاحف وجامعات العالم، بينها نحو 200 لقية عثرت عليها بعثة جامعة بنسلفانيا في تنقيبات نفّر في العقد الأخير من القرن التاسع عشر. وقد حصل متحف اسطنبول على عدد مماثل جرياً على العادة القديمة التي تقاسمت بموجبها البعثات الغربية "الغنيمة" مع السلطات العثمانية مناصفة. ولا يزال الكثير من هذه الأواني دون دراسة وترجمة، وتجري في السنوات الأخيرة محاولات لدراسة بعضها، منها تلك المحفوظة في المتحف العراقي في بغداد. وقامت المستشرقة د. كريستا مولّر – كسلر من معهد اللغات والثقافات الشرق أوسطية في جامعة فريدريش شيلر في يينا الألمانية بالإشراف على بحوث لدراسة نصوص 66 إناء من اللقى التي جلبتها بعثة جامعة يينا من تنقيباتها في مدينة نفّر خلال السنوات 1890-1900. وتستند الباحثة مولر – كسلر إلى النصوص المندائية القديمة ومن بينها هذه الأدعية لتستنج أن الدين المندائي إنما تكون في بيئة جنوبي وادي الرافدين. كما قامت الباحثة فريال زهرون الخميسي بإعداد إطروحة حول نصوص محفوظة في المتحف العراقي (1996) وقد نشرت عنها مجلة الصدى الصادرة في ستوكهولم مقالة في العدد 15 (1998).
وعن العلاقة بين اللفافات الرصاصية المندائية وأواني التعاويذ تقول د. كريستا مولّر – كسلر: "لأغلب العفاريت الذين نصادفهم في التعاويذ أصول رافدينية قديمة أو إيرانية. وأحياناً أخذت أسماءها من أسماء الآلهة القديمة" .
وتتكرر في النصوص المكتوبة بهذه اللغة الآرامية أسماء الآلهة البابلية ليبات (وهي عشتار التي تقابل فينوس) ونيبو أو إنبو (اله الحكمة) وكيوان وبيل (بعل أو مردوخ كبير آلهة بابل) ونيرغ إله الحرب. وهي في هذه الأدعية ملائكة نافعة "ببيل وإنبو ونيرغ بشوميهون إد هالين تلاتا مالاكيا مروميا" . وتورد درور "أنا هو بيل الاها ربا د-بابل" (DC 40:680). ويتكرر كذلك اسم أدوناي صبابوث كثيراً، وهو أحد أسماء يهوه اله اليهود (وعندهم أدوناي صباؤوت، أي سيد أو رب الجنود)، ونقرأ في الأدعية التي ترجمتها ليدي درور الإستنجاد بالملاك روفائيل الشافي وبياهو "بشوما د- روفئييل اسيا ربا د-ملاكي د-الاهوثا بشوما د-ياهو ياهو اشاد ياهو ياهو ادوناي اسرئييل ياهو بياهو جابرا.." وهذا نص يهودي كتب باللغة المندائية دون شك. ويكثر استعمال يا وياهو (من حروف يهوه) إلى جانب ادوناي. ونجد في القاموس المندائي لدرور وماتسوخ أن "أدوناي اسم اعطي إلى الشمس حيث يصور اليهود كعبدة للشمس". وفي الجانب الأيمن من الكنزا " شامش إد أدوناي قريلي" أي شامش الذي يسمى أدوناي.
إلى جانب هذه الأسماء نجد أخرى أقل شهرة، مثل صاورئيل (وهو ملاك الموت)، روفئييل (رافائيل ملاك الشفاء)، هاربئييل (ملاك القتال من حربة، سيف)، اسرئييل (إسرائيل)، ماركيئيل (؟) جابرئييل (جبرائيل كبير الملائكة، واسمه مركب من انسان واله). كما نصادف أسماء غير معروفة: بلياييل (من بيل-إيل؟ في القاموس المندائي يعني روح الفساد)، زرزياييل (ملاك الحماية؟ زرز يعني يسلّح)، سيماييل وعشرات غيرها. وفي نص الصحن السابق نجد أزداي ويزدون ويقرون وفرائيل وسحتئيل وبرخئيل. كما يكثر استعمال مصطلحات السبعة والإثني عشر (أي الكواكب: شفّا ومنها الشفياهي، والأبراج: ترسّر)، وهي معتقدات رافدينية موغلة في القدم لا نزال نجد أصداءها في التقاليد الشعبية (تعبير الشِفِيّة مثلاً). ويوجد في النصوص الدينية المندائية تعبير الروها (الروح المادية للعالم).
جميع نصوص التعاويذ تحمل بصمات الأصل البابلي بوضوح، وهي أحياناً يهودية- -تلمودية. ورغم كتابة الكثير منها باللغة المندائية وبالحرف المندائي فالكثير منها ليس نصاً مندائياً، بل هو بابلي أو بابلي-يهودي. مثلاً تبدأ بعض تعاويذ الحب بأسم ليبات سيدة الآلهة والرجال، أو بأسم الملائكة. ونعرف أن المندائيين يبدأون نصوصهم الدينية عادة بالبسملة: "بشما د-هيي وشم د-مندا د-هيي" أو "بشميهون د-هيي ربي"، ويختتمونها بعبارة "هيي زاخن" ، لذا فهذه التعاويذ ليست مندائية سوى في لغتها.
ونجد في تعويذة للحب "ليبات إسترا" . وإسترا هي عشتار البابلية التي انتقلت إلى العبرية بشكل عشتروت، لكننا نجد بين كتب اليهود سفر استر، واسم استر الذي دخل أوروبا عن طريق العهد القديم هو في الحقيقة اسم عشتار البابلية (أي ليبات، فينوس باللاتينية). والأدهى من ذلك أن كلمة star الانكليزية التي تعني نجمة، هي من نفس الأصل البابلي، وكذلك المصطلح العلمي المستعمل للدلالة على علم الفلك، الأسطرولوجي Astrology.
الكاتب ممتن للبروفيسور أدوين ياماوتشي لتفضله بإرسال عدد من الدراسات القيمة التي كتبها عن موضوع الأواني البابلية والمندائية.

الصفحة 1 من 4