الخميس, 08 شباط/فبراير 2018 21:21

لنمجد شهداءنا في ذكرى شباط الأسود / 1963

 

لمذا تمجد الشعوب شهداءها ؟ سؤال يطرحه الكثيرون ،أهو تمجيدا" للموت البطولي ؟ أم هو محبة وعشقا" للجود بالنفس وهل كان الشهداء زاهدين بحياتهم بمعزل عن الأهداف التي ناضلوا من أجلها ؟ الجواب بالتأكيد كلا، فلم يكن العظماء من البشر ومن بينهم الشهداء، على مدى التأريخ عشاقا" للموت. بل كانوا من عشاق الحياة الكرامة والدفاع عن القيم الأنسانية التي آمنوا بها وضحوا بحياتهم من اجل تحقيقها، وهكذا تظل ذكرى الشهداء ساطعة تنير درب المناضلين وتعطيهم المثل والقوة في الصمود دفاعا" عن القضايا النبيلة في وجه أعتى الدكتاتوريات.

بعد أيام قليلة وفي الرابع عشر من شباط من كل عام يحتفل الشيوعيون العراقيون بيوم الشهيد الشيوعي. هذا اليوم الذي أصبح تقليدا" يلتقي فيه الشيوعيين وأصدقائهم لأحياء ذكرى شهداء حزبهم الذين سقطوا في ساحات النضال المختلفة، دفاعا" عن قضايا شعبهم ووطنهم في مواجهة الدكتاتوريات المتعاقبة. فهذا الأحتفال ليس احتفالا" عابرا" بل أحتفالا" تحتشد فيه المعاني والرموز العميقة، انه يوم ذكرى البطولة والصمود والأستشهاد من أجل القيم والمبادئ السامية، ذكرى قادة الحزب الشيوعي العراقي الذين قدموا أنفسهم قرابين للمبادئ التي آمنوا بها من اجل حرية الشعب واستقلال الوطن والغد الأفضل .

ففي الرابع عشر من شباط / فبراير 1949 وفي العهد الملكي البغيض تعهد الطاغية نوري السعيد بالقضاء على الحزب الشيوعي العراقي وجماهيريته وذلك بأعدام قادته الأبطال. حيث صعدت الى المشانق أول كوكبة خالدة من الشهداء هم قادة ومؤسسي الحزب الشيوعي العراقي يوسف سلمان يوسف ( فهد )، زكي بسيم ( حازم )، وحسين محمد الشبيبي ( صارم ) وهم يهتفون بحياة وطنهم وحزبهم وشعبهم. ففي هذا اليوم وفي ذكرى أستشهادهم دأب الشيوعيون أينما وجدوا على تمجيد هؤلاء القادة وهم يقفون إجلالا" لأرواحهم الطاهرة. وفي لحظات الخشوع يتطلع الشيوعيون وكل الوطنيين بإكبـار إلى الأرادة الصلبة التي حملها هؤلاء الأبطال والتي واجهت المشانق برجولة وشرف متحدية الطغاة والجلادين.
وكانت مأساة الأنقلاب الفاشي في الثامن من شباط الأسود / 1963 محطة من أكثر المحطات سطوعا" في تأريخ الحزب، ففي هذا اليوم تعهد قادة حزب البعث الفاشي بعد تسلمهم السلطة بأنقلابهم الدموي الأسود بتحقيق نفس الأمنيات بعد تسلمهم السلطة. حيث إمتزجت دماء العرب والأكراد والكلدوآشوريين والمندائيين والتركمان والأيزيدين في جنوب الوطن وفي جبال كردستان العراق، حين أصدر الحاكم العسكري للأنقلابيين رشيد مصلح التكريتي البيان رقم 13 الذي يدعوا ويخول رؤساء الوحدات العسكرية وقوات الشرطة والحرس القومي إبادة الشيوعيين..
ثم تبعه قانون رقم 35 لسنة 1963 الخاص بتشكيل فرق الحرس القومي. ومنذ الساعات الأولى لتشكيله بدأت عصابات الحرس القومي بألقاء القبض على الآلاف من الشيوعيين والديمقراطيين من كافة القوميات والأديان، عسكريين ومدنيين، من قادة الحزب وكوادره وأصدقاءه. وتحول العراق على يد هؤلاء القتلة في تلك الأيام الى سجن رهيب بأستعمالهم كافة أدوات التعذيب البشعة في سراديب قصر النهاية وبيوت المخابرات السرية والنادي الأولمبي في الأعظمية وملعب الأدارة المحلية في المنصور ومركز شرطة الفضل وبناية محكمة الشعب وغيرها بحق الشخصيات الشيوعية والوطنية، وأمتلئت تلك السراديب ببرك الدماء والجثث المقطعة للضحايا ، وجرى إغتصاب النساء. في حين كانت تواصل بقية قطعان البعث تنفيذ عمليات الأعدام في النادي الأولمبي في الأعظمية ببغداد ومعتقل رقم واحد في معسكر الرشيد وغيرها. وقضى عدد كبير منهم وهم يسطرون ملاحم بطولية خالدة ومن هؤلاء الشهداء :
سلام عادل، جمال الحيدري، محمد صالح العبلي، جورج تلو، محمد حسين أبو العيس، طالب عبد الجبار، وعبد الرحيم شريف، عبد الجبار وهبي، نافع يونس، وحسن عوينة، عزيز الشيخ، ومهدي حميد، وحمزة سلمان، شريف الشيخ، لطيف الحاج، عبد الرحيم شريف والمئات من الشهداء من كافة القوميات والمذاهب والشخصيات النقابية والأجتماعية.
وبما أن الصابئة المندائيين هم أحدى المكونات الأساسية للشعب العراقي فقد تعرضوا منذ مئات السنين الى الأضطهاد الديني والأجتماعي، فهم أبناه هذا الوطن وقدموا كل شئ من أجل بناءه، هم الشريحة المتعلمة والمثقفة المسالمة المحبة للخير والسلام، ووجدوا في الأفكار الوطنية والأشتراكية الوافدة الى العراق خير وسيلة للدفاع عن حقوقهم المفقودة لذلك ساهموا بالحركة السياسية الوطنية منذ نشأتها في العراق، وأرتبط المئات منهم بالأحزاب الوطنية وخاصة الحزب الشيوعي العراقي وساهموا في النضال الشاق طيلة تأريخه الطويل وتعرضوا أسوة برفاق الدرب الآخرين الى البطش والتصفيات الجسدية والتعذيب في الثامن من شباط الأسـود / 1963. ففي هذا اليوم دخل المئات منهم السجون والمعتقلات وتعرضوا الى أبشع أساليب التعذيب الجسدي وأستشهد العشرات منهم تحت التعذيب ومنهم من إستشهد وهو يتصدى ببطولة وبسالة لجلاوزة الأنقلاب الفاشي في ذلك اليوم المشؤوم ..
وفي ذكرى يوم الثامن من شباط المشؤوم ويوم الشـهيد الشيوعي لابد للصابئة المندائيين أن يتذكروا شهدائهم الذين سقطوا في تلك الأيام، يمجدوهم ويفتخروا بهم كرموز لطائفتهم المندائية ولشعبهم العراقي، ومن حقهم ان يقفوا دقيقة صمت اجلالا" لأرواحه هؤلاء الشهداء الأبطال....( صبيح سباهي خلف، مهدي عودة الوالي( شنور )، حواس حلو بندر الزهيري، سميع جاني سهر الناشي، شاكر نعمة هليل البريجي، ماجد عبداللة خلاوي الزهيري، عبد الواحد راشد الزهيري، فرج شجر منصور الزهيري، كريم خلف داخل، نعيم عنبر منشد، وعبد الجبار الزهيري ) وغيرهم من الأبطال المجهولين الذين تمت تصفيتهم أو إختفت آثارهم ...
ليكن الثامن من شباط ويوم الشهيد الشيوعي مناسبة لوقفة إجلال وإكبار أمام تلك الدماء الزكية التي أضاءت الدرب. ولابد أن نقول لكل الشهداء من الصابئة المندائيين وشهداء الحركة الوطنية العراقية أننا نفتخر بأسمائكم فقد صنعتم عهدا" جديدا" للوطن وكنتم الصخرة التي دفعت النظام الدكتاتوري الى مزبلة التأريخ، أليكم المجد أيها الأبطال .. يا من قدمتم حياتكم ودمائكم قربانا" للمثل النبيلة التي آمنتم بها، اليكم المجد أيها الأحبة فأنتم في الوجدان والضمير.

أن من واجب الصابئة المندائيين في هذا اليوم أن يشعروا عوائل الشهداء ... آبائهم وأمهاتهم وأراملهم وأطفالهم اليتامى بأن طائفتهم لم ولن تنساهم يوما"، وليبدأ الجميع وخاصة ذوي الشهداء ومعارفهم بأحياء ذكراهم سنويا" بالكتابة عنهم، وعن تأريخهم وبطولاتهم وهذا أقل ما يمكن أن نقدمه لأرواحهم الطاهرة فهل سيتم تحقيق ذلك ؟ أنها أمنية نتمنى ان تتحقق وأملنا كبير بذلك.
المجد كل المجد لشهداء الصابئة المندائيين ، لشهداء الحزب الشيوعي العراقي ، لشهداء الحركة الوطنية، ولكل شهداء الشعب والوطن.
لنمجد شهداءنا في ذكرى شباط الأسود / 1963

لمذا تمجد الشعوب شهداءها ؟ سؤال يطرحه الكثيرون ،أهو تمجيدا" للموت البطولي ؟ أم هو محبة وعشقا" للجود بالنفس وهل كان الشهداء زاهدين بحياتهم بمعزل عن الأهداف التي ناضلوا من أجلها ؟ الجواب بالتأكيد كلا، فلم يكن العظماء من البشر ومن بينهم الشهداء، على مدى التأريخ عشاقا" للموت. بل كانوا من عشاق الحياة الكرامة والدفاع عن القيم الأنسانية التي آمنوا بها وضحوا بحياتهم من اجل تحقيقها، وهكذا تظل ذكرى الشهداء ساطعة تنير درب المناضلين وتعطيهم المثل والقوة في الصمود دفاعا" عن القضايا النبيلة في وجه أعتى الدكتاتوريات.

بعد أيام قليلة وفي الرابع عشر من شباط من كل عام يحتفل الشيوعيون العراقيون بيوم الشهيد الشيوعي. هذا اليوم الذي أصبح تقليدا" يلتقي فيه الشيوعيين وأصدقائهم لأحياء ذكرى شهداء حزبهم الذين سقطوا في ساحات النضال المختلفة، دفاعا" عن قضايا شعبهم ووطنهم في مواجهة الدكتاتوريات المتعاقبة. فهذا الأحتفال ليس احتفالا" عابرا" بل أحتفالا" تحتشد فيه المعاني والرموز العميقة، انه يوم ذكرى البطولة والصمود والأستشهاد من أجل القيم والمبادئ السامية، ذكرى قادة الحزب الشيوعي العراقي الذين قدموا أنفسهم قرابين للمبادئ التي آمنوا بها من اجل حرية الشعب واستقلال الوطن والغد الأفضل .

ففي الرابع عشر من شباط / فبراير 1949 وفي العهد الملكي البغيض تعهد الطاغية نوري السعيد بالقضاء على الحزب الشيوعي العراقي وجماهيريته وذلك بأعدام قادته الأبطال. حيث صعدت الى المشانق أول كوكبة خالدة من الشهداء هم قادة ومؤسسي الحزب الشيوعي العراقي يوسف سلمان يوسف ( فهد )، زكي بسيم ( حازم )، وحسين محمد الشبيبي ( صارم ) وهم يهتفون بحياة وطنهم وحزبهم وشعبهم. ففي هذا اليوم وفي ذكرى أستشهادهم دأب الشيوعيون أينما وجدوا على تمجيد هؤلاء القادة وهم يقفون إجلالا" لأرواحهم الطاهرة. وفي لحظات الخشوع يتطلع الشيوعيون وكل الوطنيين بإكبـار إلى الأرادة الصلبة التي حملها هؤلاء الأبطال والتي واجهت المشانق برجولة وشرف متحدية الطغاة والجلادين.
وكانت مأساة الأنقلاب الفاشي في الثامن من شباط الأسود / 1963 محطة من أكثر المحطات سطوعا" في تأريخ الحزب، ففي هذا اليوم تعهد قادة حزب البعث الفاشي بعد تسلمهم السلطة بأنقلابهم الدموي الأسود بتحقيق نفس الأمنيات بعد تسلمهم السلطة. حيث إمتزجت دماء العرب والأكراد والكلدوآشوريين والمندائيين والتركمان والأيزيدين في جنوب الوطن وفي جبال كردستان العراق، حين أصدر الحاكم العسكري للأنقلابيين رشيد مصلح التكريتي البيان رقم 13 الذي يدعوا ويخول رؤساء الوحدات العسكرية وقوات الشرطة والحرس القومي إبادة الشيوعيين..
ثم تبعه قانون رقم 35 لسنة 1963 الخاص بتشكيل فرق الحرس القومي. ومنذ الساعات الأولى لتشكيله بدأت عصابات الحرس القومي بألقاء القبض على الآلاف من الشيوعيين والديمقراطيين من كافة القوميات والأديان، عسكريين ومدنيين، من قادة الحزب وكوادره وأصدقاءه. وتحول العراق على يد هؤلاء القتلة في تلك الأيام الى سجن رهيب بأستعمالهم كافة أدوات التعذيب البشعة في سراديب قصر النهاية وبيوت المخابرات السرية والنادي الأولمبي في الأعظمية وملعب الأدارة المحلية في المنصور ومركز شرطة الفضل وبناية محكمة الشعب وغيرها بحق الشخصيات الشيوعية والوطنية، وأمتلئت تلك السراديب ببرك الدماء والجثث المقطعة للضحايا ، وجرى إغتصاب النساء. في حين كانت تواصل بقية قطعان البعث تنفيذ عمليات الأعدام في النادي الأولمبي في الأعظمية ببغداد ومعتقل رقم واحد في معسكر الرشيد وغيرها. وقضى عدد كبير منهم وهم يسطرون ملاحم بطولية خالدة ومن هؤلاء الشهداء :
سلام عادل، جمال الحيدري، محمد صالح العبلي، جورج تلو، محمد حسين أبو العيس، طالب عبد الجبار، وعبد الرحيم شريف، عبد الجبار وهبي، نافع يونس، وحسن عوينة، عزيز الشيخ، ومهدي حميد، وحمزة سلمان، شريف الشيخ، لطيف الحاج، عبد الرحيم شريف والمئات من الشهداء من كافة القوميات والمذاهب والشخصيات النقابية والأجتماعية.
وبما أن الصابئة المندائيين هم أحدى المكونات الأساسية للشعب العراقي فقد تعرضوا منذ مئات السنين الى الأضطهاد الديني والأجتماعي، فهم أبناه هذا الوطن وقدموا كل شئ من أجل بناءه، هم الشريحة المتعلمة والمثقفة المسالمة المحبة للخير والسلام، ووجدوا في الأفكار الوطنية والأشتراكية الوافدة الى العراق خير وسيلة للدفاع عن حقوقهم المفقودة لذلك ساهموا بالحركة السياسية الوطنية منذ نشأتها في العراق، وأرتبط المئات منهم بالأحزاب الوطنية وخاصة الحزب الشيوعي العراقي وساهموا في النضال الشاق طيلة تأريخه الطويل وتعرضوا أسوة برفاق الدرب الآخرين الى البطش والتصفيات الجسدية والتعذيب في الثامن من شباط الأسـود / 1963. ففي هذا اليوم دخل المئات منهم السجون والمعتقلات وتعرضوا الى أبشع أساليب التعذيب الجسدي وأستشهد العشرات منهم تحت التعذيب ومنهم من إستشهد وهو يتصدى ببطولة وبسالة لجلاوزة الأنقلاب الفاشي في ذلك اليوم المشؤوم ..
وفي ذكرى يوم الثامن من شباط المشؤوم ويوم الشـهيد الشيوعي لابد للصابئة المندائيين أن يتذكروا شهدائهم الذين سقطوا في تلك الأيام، يمجدوهم ويفتخروا بهم كرموز لطائفتهم المندائية ولشعبهم العراقي، ومن حقهم ان يقفوا دقيقة صمت اجلالا" لأرواحه هؤلاء الشهداء الأبطال....( صبيح سباهي خلف، مهدي عودة الوالي( شنور )، حواس حلو بندر الزهيري، سميع جاني سهر الناشي، شاكر نعمة هليل البريجي، ماجد عبداللة خلاوي الزهيري، عبد الواحد راشد الزهيري، فرج شجر منصور الزهيري، كريم خلف داخل، نعيم عنبر منشد، وعبد الجبار الزهيري ) وغيرهم من الأبطال المجهولين الذين تمت تصفيتهم أو إختفت آثارهم ...
ليكن الثامن من شباط ويوم الشهيد الشيوعي مناسبة لوقفة إجلال وإكبار أمام تلك الدماء الزكية التي أضاءت الدرب. ولابد أن نقول لكل الشهداء من الصابئة المندائيين وشهداء الحركة الوطنية العراقية أننا نفتخر بأسمائكم فقد صنعتم عهدا" جديدا" للوطن وكنتم الصخرة التي دفعت النظام الدكتاتوري الى مزبلة التأريخ، أليكم المجد أيها الأبطال .. يا من قدمتم حياتكم ودمائكم قربانا" للمثل النبيلة التي آمنتم بها، اليكم المجد أيها الأحبة فأنتم في الوجدان والضمير.

أن من واجب الصابئة المندائيين في هذا اليوم أن يشعروا عوائل الشهداء ... آبائهم وأمهاتهم وأراملهم وأطفالهم اليتامى بأن طائفتهم لم ولن تنساهم يوما"، وليبدأ الجميع وخاصة ذوي الشهداء ومعارفهم بأحياء ذكراهم سنويا" بالكتابة عنهم، وعن تأريخهم وبطولاتهم وهذا أقل ما يمكن أن نقدمه لأرواحهم الطاهرة فهل سيتم تحقيق ذلك ؟ أنها أمنية نتمنى ان تتحقق وأملنا كبير بذلك.
المجد كل المجد لشهداء الصابئة المندائيين ، لشهداء الحزب الشيوعي العراقي ، لشهداء الحركة الوطنية، ولكل شهداء الشعب والوطن.

لمذا تمجد الشعوب شهداءها ؟ سؤال يطرحه الكثيرون ،أهو تمجيدا" للموت البطولي ؟ أم هو محبة وعشقا" للجود بالنفس وهل كان الشهداء زاهدين بحياتهم بمعزل عن الأهداف التي ناضلوا من أجلها ؟ الجواب بالتأكيد كلا، فلم يكن العظماء من البشر ومن بينهم الشهداء، على مدى التأريخ عشاقا" للموت. بل كانوا من عشاق الحياة الكرامة والدفاع عن القيم الأنسانية التي آمنوا بها وضحوا بحياتهم من اجل تحقيقها، وهكذا تظل ذكرى الشهداء ساطعة تنير درب المناضلين وتعطيهم المثل والقوة في الصمود دفاعا" عن القضايا النبيلة في وجه أعتى الدكتاتوريات.

بعد أيام قليلة وفي الرابع عشر من شباط من كل عام يحتفل الشيوعيون العراقيون بيوم الشهيد الشيوعي. هذا اليوم الذي أصبح تقليدا" يلتقي فيه الشيوعيين وأصدقائهم لأحياء ذكرى شهداء حزبهم الذين سقطوا في ساحات النضال المختلفة، دفاعا" عن قضايا شعبهم ووطنهم في مواجهة الدكتاتوريات المتعاقبة. فهذا الأحتفال ليس احتفالا" عابرا" بل أحتفالا" تحتشد فيه المعاني والرموز العميقة، انه يوم ذكرى البطولة والصمود والأستشهاد من أجل القيم والمبادئ السامية، ذكرى قادة الحزب الشيوعي العراقي الذين قدموا أنفسهم قرابين للمبادئ التي آمنوا بها من اجل حرية الشعب واستقلال الوطن والغد الأفضل .

ففي الرابع عشر من شباط / فبراير 1949 وفي العهد الملكي البغيض تعهد الطاغية نوري السعيد بالقضاء على الحزب الشيوعي العراقي وجماهيريته وذلك بأعدام قادته الأبطال. حيث صعدت الى المشانق أول كوكبة خالدة من الشهداء هم قادة ومؤسسي الحزب الشيوعي العراقي يوسف سلمان يوسف ( فهد )، زكي بسيم ( حازم )، وحسين محمد الشبيبي ( صارم ) وهم يهتفون بحياة وطنهم وحزبهم وشعبهم. ففي هذا اليوم وفي ذكرى أستشهادهم دأب الشيوعيون أينما وجدوا على تمجيد هؤلاء القادة وهم يقفون إجلالا" لأرواحهم الطاهرة. وفي لحظات الخشوع يتطلع الشيوعيون وكل الوطنيين بإكبـار إلى الأرادة الصلبة التي حملها هؤلاء الأبطال والتي واجهت المشانق برجولة وشرف متحدية الطغاة والجلادين.
وكانت مأساة الأنقلاب الفاشي في الثامن من شباط الأسود / 1963 محطة من أكثر المحطات سطوعا" في تأريخ الحزب، ففي هذا اليوم تعهد قادة حزب البعث الفاشي بعد تسلمهم السلطة بأنقلابهم الدموي الأسود بتحقيق نفس الأمنيات بعد تسلمهم السلطة. حيث إمتزجت دماء العرب والأكراد والكلدوآشوريين والمندائيين والتركمان والأيزيدين في جنوب الوطن وفي جبال كردستان العراق، حين أصدر الحاكم العسكري للأنقلابيين رشيد مصلح التكريتي البيان رقم 13 الذي يدعوا ويخول رؤساء الوحدات العسكرية وقوات الشرطة والحرس القومي إبادة الشيوعيين..
ثم تبعه قانون رقم 35 لسنة 1963 الخاص بتشكيل فرق الحرس القومي. ومنذ الساعات الأولى لتشكيله بدأت عصابات الحرس القومي بألقاء القبض على الآلاف من الشيوعيين والديمقراطيين من كافة القوميات والأديان، عسكريين ومدنيين، من قادة الحزب وكوادره وأصدقاءه. وتحول العراق على يد هؤلاء القتلة في تلك الأيام الى سجن رهيب بأستعمالهم كافة أدوات التعذيب البشعة في سراديب قصر النهاية وبيوت المخابرات السرية والنادي الأولمبي في الأعظمية وملعب الأدارة المحلية في المنصور ومركز شرطة الفضل وبناية محكمة الشعب وغيرها بحق الشخصيات الشيوعية والوطنية، وأمتلئت تلك السراديب ببرك الدماء والجثث المقطعة للضحايا ، وجرى إغتصاب النساء. في حين كانت تواصل بقية قطعان البعث تنفيذ عمليات الأعدام في النادي الأولمبي في الأعظمية ببغداد ومعتقل رقم واحد في معسكر الرشيد وغيرها. وقضى عدد كبير منهم وهم يسطرون ملاحم بطولية خالدة ومن هؤلاء الشهداء :
سلام عادل، جمال الحيدري، محمد صالح العبلي، جورج تلو، محمد حسين أبو العيس، طالب عبد الجبار، وعبد الرحيم شريف، عبد الجبار وهبي، نافع يونس، وحسن عوينة، عزيز الشيخ، ومهدي حميد، وحمزة سلمان، شريف الشيخ، لطيف الحاج، عبد الرحيم شريف والمئات من الشهداء من كافة القوميات والمذاهب والشخصيات النقابية والأجتماعية.
وبما أن الصابئة المندائيين هم أحدى المكونات الأساسية للشعب العراقي فقد تعرضوا منذ مئات السنين الى الأضطهاد الديني والأجتماعي، فهم أبناه هذا الوطن وقدموا كل شئ من أجل بناءه، هم الشريحة المتعلمة والمثقفة المسالمة المحبة للخير والسلام، ووجدوا في الأفكار الوطنية والأشتراكية الوافدة الى العراق خير وسيلة للدفاع عن حقوقهم المفقودة لذلك ساهموا بالحركة السياسية الوطنية منذ نشأتها في العراق، وأرتبط المئات منهم بالأحزاب الوطنية وخاصة الحزب الشيوعي العراقي وساهموا في النضال الشاق طيلة تأريخه الطويل وتعرضوا أسوة برفاق الدرب الآخرين الى البطش والتصفيات الجسدية والتعذيب في الثامن من شباط الأسـود / 1963. ففي هذا اليوم دخل المئات منهم السجون والمعتقلات وتعرضوا الى أبشع أساليب التعذيب الجسدي وأستشهد العشرات منهم تحت التعذيب ومنهم من إستشهد وهو يتصدى ببطولة وبسالة لجلاوزة الأنقلاب الفاشي في ذلك اليوم المشؤوم ..
وفي ذكرى يوم الثامن من شباط المشؤوم ويوم الشـهيد الشيوعي لابد للصابئة المندائيين أن يتذكروا شهدائهم الذين سقطوا في تلك الأيام، يمجدوهم ويفتخروا بهم كرموز لطائفتهم المندائية ولشعبهم العراقي، ومن حقهم ان يقفوا دقيقة صمت اجلالا" لأرواحه هؤلاء الشهداء الأبطال....( صبيح سباهي خلف، مهدي عودة الوالي( شنور )، حواس حلو بندر الزهيري، سميع جاني سهر الناشي، شاكر نعمة هليل البريجي، ماجد عبداللة خلاوي الزهيري، عبد الواحد راشد الزهيري، فرج شجر منصور الزهيري، كريم خلف داخل، نعيم عنبر منشد، وعبد الجبار الزهيري ) وغيرهم من الأبطال المجهولين الذين تمت تصفيتهم أو إختفت آثارهم ...
ليكن الثامن من شباط ويوم الشهيد الشيوعي مناسبة لوقفة إجلال وإكبار أمام تلك الدماء الزكية التي أضاءت الدرب. ولابد أن نقول لكل الشهداء من الصابئة المندائيين وشهداء الحركة الوطنية العراقية أننا نفتخر بأسمائكم فقد صنعتم عهدا" جديدا" للوطن وكنتم الصخرة التي دفعت النظام الدكتاتوري الى مزبلة التأريخ، أليكم المجد أيها الأبطال .. يا من قدمتم حياتكم ودمائكم قربانا" للمثل النبيلة التي آمنتم بها، اليكم المجد أيها الأحبة فأنتم في الوجدان والضمير.

أن من واجب الصابئة المندائيين في هذا اليوم أن يشعروا عوائل الشهداء ... آبائهم وأمهاتهم وأراملهم وأطفالهم اليتامى بأن طائفتهم لم ولن تنساهم يوما"، وليبدأ الجميع وخاصة ذوي الشهداء ومعارفهم بأحياء ذكراهم سنويا" بالكتابة عنهم، وعن تأريخهم وبطولاتهم وهذا أقل ما يمكن أن نقدمه لأرواحهم الطاهرة فهل سيتم تحقيق ذلك ؟ أنها أمنية نتمنى ان تتحقق وأملنا كبير بذلك.
المجد كل المجد لشهداء الصابئة المندائيين ، لشهداء الحزب الشيوعي العراقي ، لشهداء الحركة الوطنية، ولكل شهداء الشعب والوطن.

نشرت في تاريخ

كنتُ طالبا في الصف الخامس الإعدادي من ثانوية الناصرية، عندما سمعتُ من جهاز الرايوالبيان الأول المشؤوم، فهرعتُ الى بيت عمي ( ناهي طلاب) القريب من دارنا، حتى نُصغي سوية للحدث الاجرامي الجلل، أخذ الواحدُ منّا ينظر للآخر باندهاش، واستمر الحالُ الى أنْ أخذتْ جموع الناس تزحف الى مركز المدينة ليلا ، وهنا كانت مناوشات لمناضلي الحزب مع اعوان تلك الزمر الشرسة.
كنتُ أحد الموقوفين في سجن شرطة الناصرية الذي يتوسط المدينة، بعد ليلة موحشة ومؤلمة بين لكمات وصفعات فصائل الحرس اللاقومي خصوصا من بعض الطلبة الذين كانوا معي في الثانوية ، تفاجأتُ بعدد الموقوفين المندائيين في السجن الذين بعثوا في نفسي الاطمئنان والهدوء والأصدقاء الآخرين وفي ساعة متاخرة من الليل ، في النوم لتلك الليلة كنتُ معلقا بعض الشيء بين الأجساد المتراصة مع بعضها لاحدى جنبيّ، كلّ هذا كان يبدو تمرينا لقادم الأيام .
خرجتُ من التوقيف بعد مدة الخمسة أشهر بعد تنقلات متعددة في سجون الناصرية والبصرة بفعل أنّ المحاكمة التي أجريت للطالب الذي طعنني بالسكاكين وكنتُ حينها على شفى الموت ، قبل حدوث الانقلاب باسابيع على اثر الإضرابات الطلابية ، جرتْ المحاكمة في محكمة كبرى في البصرة ، وكان المرحوم المندائي (خيري والد الابن الطيب حكمت) المسؤول عن ذلك السجن فوجدتُ راحتي بفعل مساعدته لي ، فضاعتْ عليّ سنة دراسية كاملة من الدراسة .
بعد أشهر من خروجي من التوقيف أعادوني الى مركز الحرس اللاقومي ، وجدتُ أمامي المرحوم شاهين بدن وابنه المرحوم مانع، فصعب عليّ تمييز قسمات وجهيهما واحمرار كل القسمات في كل زاوية منهما، فكان هذا تعريفا لمصيري ليلا أيضا ، وهو الذي حدث .
لكنّ تلك الليالي والساعات الأصعب في حياتي عندما أخذوني ليلا الى مركز الحرس ونقلوني بسيارة مع بعض الموقوفين ليلا الى الضفة الثانية من نهر الفرات وهي المنطقة التي تقابل محلتنا (محلة الصابئة) في وسط أشجار النخيل، كانت هناك مدرسة ابتدائية أفرغتْ من الطلاب ، في صفوفها ترى أنواع الأدوات للتعذيب فشبّ الذعر فينا وشعرنا بدنو اجلنا فحتى الرصاص لا يُسمع له صدى ، استمرّ التحقيق بعد أنْ جيء باعداد أخرى وكانت التهمة توزيع منشورات جديدة ووجوب معرفة منْ قام بالكتابة والتوزيع، كانت الأساليب الأولية في التعذيب يمكن تحملها للأجساد القوية التي وهبها لنا الله (بغير رضانا) شؤم علينا .
بعد ليلتين تفاجأنا باجساد معلقة من الايدي من جهة الظهر والدماء تسيل والجسد بحركات اقرب الى السكون، قال لنا احدهم اليوم ليلا سيكون مصيركم هكذا .
ليلا جاء احدهم وشواربه كثة قصير القامة بدين قليلا ويبدو عليه السكر محاطا بحماية يحملون الرشّاشات ، قال بتهكم واستهزاء ساطلق الرصاص عليكم ببساطة وأخذ بالسب والالفاظ النابية ونحن مصغون لا حراك فينا .
فُتحتْ الباب وجاء أحدهم مخاطبا هذا المجرم : لقد اكشفنا سيدي من قام بالتوزيع وهما اثنان خبازان في احد الافران في الناصرية .
لم نكن ندري، نحن الواقفين امام هذا المجرم، في السماء ام الأرض ، استدار هو وذهب و حراسه الى صف آخر حيث الشهيدين ( دفن هذان الشهيدان وهما لا يزالان على قيد الحياة وتم اخراجهما من مقابرهما بعد الإطاحة بزمرة البعث من قبل عبد السلام عارف وتم تشييعهما ) ، قضينا تلك الليلة وعيوننا مسمرة الى الباب خشية أنْ تنفتح مرة أخرى .
للآن يرن أنين أولئك الذين التقيتهم في تلك الاقبية من الأستاذ مدرسي (فائز / مدرس اللغة الإنكليزية ، والأستاذ العضاض مدرس الاقتصاد (نسيتُ اسمه) وكثيرون غيرهم .
بعد ليلتين تقريبا لا أتذكر بالضبط ارجعونا الى مركز الحرس وبكفالة من الخيرين سمحوا لنا بالرجوع الى بيوتنا .
لكم الخلود أيها الشهداء دماؤكم لا تزال تروي ارض العراق، ولولا تضحياتكم لما كتب لسجل انتسابكم، الشرف الرفيع في التاريخ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

طيلة تلك السنوات لذكرى مجازر البعث المجرم لم استطع كتابة تلك الذكريات المؤلمة لأرتجاف جسمي في تذكرها، لكن ما كتب الأساتذة والاخوة قبلي هذه السنة من تلك الذكريات ، دفعني للكتابة .

نشرت في تاريخ
الخميس, 08 شباط/فبراير 2018 20:03

خمسة وخمسون عام على شباط الاسود

خمس وخمسون

وفي العيون

ماجفت دموعي

يا وطني

يا من صمدوا

يا من رحلوا

يا الف "ليلى"

يا الف "دحام" مضى

خمس وخمسون

والنار في داري

لما تزل

والعار في وطني

لما يزل

يا اخوتي

هل " تغسلوا عاري" ؟

هل يعود الخير يا وطني ؟

هل يعود الحب يا وطني ؟

وهل اعود ؟

ملاحظه

" ليلى " اشاره الى ليلى الرومي

" دحام رومي" ابو جمال ،الرجل الطيب الذي عرفته هناك

نشرت في تاريخ
الخميس, 08 شباط/فبراير 2018 19:35

جرحٌ لا ولن يندمل

الثامن من شباط الاسود

 

****************************************************

في ذاكرتي ان بدايات عام 1963 شهدت سجالاً متشنجاً على صفحات صحيفة ( صوت الاحرار) بين البعض من كتابنا وادبائنا التقدميين الناشطين وقتها في المجال الاعلامي والادبي ومنهم الراحل( عدنان البراك) واسماء اخرى وكان محور هذا السجال يدور حول( هل ان عام 1963 سيكون عام نحس وشؤم ام عام سعد وانفراج على مسيرة الوطن الديموقراطية ). ان ذلك في وقته جعل قلوبنا تنقبض وعكر المزاج العام لنا نحن الذين كنا نامل خيرا وولد في قلوبنا شحنة من التشاؤم . ومما زاد الوضع ارباكا ان الاخبار اخذت تأتينا من بغداد نحن سكنة المدن القريبة او البعيدة عن العاصمة ( وكنت وقتها اسكن مدينة الحلة وادرس في ثانوية المحاويل) بأن قوى الردة قد بدأت عمليا واعدت العدة للاجهاز على ثورة الرابع عشر من تموز 1958 فافتعلت حادثة معينة مع نجل رئيس (محكمة الشعب) الطالب في الثانوية الشرقية في بغداد لتتخذ من ذلك الحادث المفبرك وسيلة للقيام باضراب طلابي لطلبة جامعة بغداد وثانوياتها من اجل ارباك الوضع العام وللقيام بتآمرهم والقضاء على السلطة الثورية القائمة . وكنا وقتها منغمرين في استعدادتنا نحن قطاع التعليم في التهيؤ لانتخابات نقابة المعلمين التي ستجري في شباط من ذلك العام فكانت اجتماعتنا تمضي على قدم وساق من اجل جرد القوى المؤيدة ل (قائمتنا المهنية الموحدة) وكذلك التوجه والتحرك نحو الوجوه التقدمية والمقبوله في اوساط المعلمين والمدرسين الذين سيتم ترشيحهم كأعضاء في القائمة المهنية .

وفي يوم الجمعة الاسود وهو يوم الثامن شباط 63 وبعد الساعة التاسعة والدقيقة العشرين من صباح ذلك اليوم المشؤوم انقطع بث اذاعة بغداد وتوقعنا ان ذلك كان بسبب انقطاع الكهرباء ولكن سرعان ماعاد البث الاذاعي ولكن بدأ صوت اجش يلثغ بحرف الراء بقراءة بيان انقلابهم الغادر ولتبدا بعد ذلك حمامات الدم ومجازرهم الوحشية التي عمت الناس المخلصين الشرفاء الذين آمنوا بالمباديء النبيلة التي جاءت بها ثورة الرابع عشر من تموز الخالدة ودافعوا عنها بكل بسالة ونكران ذات .

وعندما سمح بدوام المدارس يوم الاثنين 11/2 والتحقت بوظيفتي كمدرس في ثانوية المحاويل تم اقتيادي منها في ذلك اليوم بواسطة ثلة جبانة من حرسهم اللاقومي حيث ادخلت معتقل شرطة المحاويل ثم نقلت الى سجن الحلة والذي افرغ منه جناح على شكل رواق ضيق وزج بنا نحن الوجبة الاولى من موقوفي مدينة الحلة والاقضية والنواحي التابعة لها وحشرنا في ذلك الرواق وكان عددنا يزيدعلى 300 شخصا جلهم اطباء ومهندسين ومدرسين ومعلمين وذوي مهن وكفاءات اخرى وفي مقدمتهم رئيس غرفة تجارة الحلة وآخرون من الشخصيات المعروفة في المدينة والمدن الاخرى التابعة ، وامعانا بالاذلال فقد خصص مرفق صحي( تواليت) واحد تابع له ، لهذا العدد الكبير من الموقوفين فقد كان احدنا يحتاج الى نهار كامل حتى يصل دوره الى ذلك المرفق الوحيد ومما اتذكره بهذا الصدد ان معلما من الموقوفين معنا قد كتب قصيدة شاعت بيننا لوصف معاناتنا حيال الدور( السرة ) للوصول الى المرفق الصحي الوحيد الملحق بالرواق وكذلك عدد المرات التي يقوم بها شرطة السجن لتعدادنا وجلوسنا ارضااو ما يسمى ب (المسطر) ويقول مطلعها

روحي تظل متحيرة=== مابين مسطر والسرة

ومما اتذكره ونحن في ذلك الرواق ليلة ان استدعي الرفيق الباسل( شهيد محمد سعيد خوجة نعمة ) من مناضلي مدينة الحلة لاجراء التحقيق معه ( وكان منامه قريبا من منامي) فانتصب واقفا ساعتها مودعاً ليقول وباعلى صوتهّ

رفاق الوداع ...!انا ذاهب للتحقيق ولن ادلي باي اعتراف للقتلة الاوغاد... حتى لو تطلب هذا ان اضحي بحياتي، وفعلا ذهب ولم يعد ....لقد ضحى بحياته تحت تعذيب الجلادين الاوباش، وسجل صموده موقفا بطوليا لن يمحى من ذاكرتنا ابد الدهر .

ويوما بعد يوم يحشر معنا اعداد اضافية من خيرة ابناء شعبنا جيء بهم من المحافظات المجاورة ومدنها ككربلاء والنجف مما اضطرهم الى نقلنا الى جناح

واسع من اجنحة السجن توزعنا على غرفه العديدة والتحقت انا بغرفة ضمت ابناء مدينة ( المدحتية) البواسل تلك المدينة التي احتضننتني في طفولتي وشبابي وارضعتني حليب ا لوطنية والثقافة التقدمية ولقد عشت بينهم معززا مكرما

وسادت بيننا في تلك الغرفة الروح الرفاقية التضامنية .

ومن المشاهد التي لن انساها ماعاناه المربي الفاضل الاستاذ( حسين صالح ) من

تعذيب وحشي والدماء تسيل من منا طق جسمه كافة، بعد كل جلسة تحقيق معه ، وكل جريرته انه استضاف في بيته لعدة مرات ممثل الهيئة التحضيرية لقائمتنا المهنية وممثل قائمتهم المتآمرة من اجل تقريب وجهات النظر بحيث قد يؤدي ذلك الى اتفاق وخوض الانتخابات المقبلة لنقابة المعلمين بقائمة موحدة والتي لم تنته الى تحقيق ذلك الاتفاق نظرا لما عرفوا به من حقد ولؤم وخبث طوية .لقد بنوا حدسهم على ان موقفه هذا يعبر عن مستواه التنظيمي الرفيع في الحزب رغم انه في واقع الحال بعيدا عن تصوراتهم الحاقدة على شخصية تتمتع بسمعة واعتزاز كبيرين بين اوساط الاسرة التعليمية لشخصية المربي الاستاذ الفاضل (حسين صالح) لقد عانى العديد من الذين شملتهم جلسات التحقيق تلك صنوفا من العذاب والهوان تقشعر لها الابدان عند تذكرواسترجاع تلك المشاهد .

ومماا تذكره ايضا عن تلك الايام السود انه عندما ذهبت للتحقيق معي في مقر الحرس القومي عجبت لطلب القائمين بالتحقيق معي ان اقوم لهم بضبط افادة احد الفلاحين الذين كانوا قد اعتقلوه بتهمة الانتماء الى الجمعيات الفلاحية، ولكني رفضت ذلك الطلب الذي ان دل على شيء فانما يدل على غبائهم وجهلهم الفاحش وتخبطهم بامور كهذه .

لقد امضيت قرابة الثلاثة شهور في التوقيف اطلق بعدها سراحي بكفالة شحص ضامن .

وبعد حوالي اسبوع من اطلاق سراحي وعندما كنت في احد اسواق الحلة للتبضع احاطت بي ثلة من حرسهم غير الشريف وطلبوا مني ان ارافقهم الى مديرية الشرطة وبعدما وصلنا المبنى المقصود سلمني واحد من الذبن اعتقلوني الى احد ضباط امن المديرية المذكورة قائلا لهّ (ّان هذا الشخص ويقصدني انه كان مسؤولا المنطقة الجنوبية للحزب الشيوعي فكيف يطلق سراحه) ويبدو ان ضابط الامن هذا ذا كان شريفا فقد طلب منهم الانصراف ليتدبر هو امري وفعلا اتصل بادارة سجن الحلة وهاتفهم هل توجد ادلة جرمية ضدي، فنفوا ذلك عندها طلب ذلك الضابط مني الانصراف والعودة االى البيت. لقداستمروا في جرائمهم بحق الشعب وقواه المناضله حتى اختلفوا فيما بينهم فدبر عبد السلام عارف انقلابه في 18 تشرين الثاني من ذلك العام وقضى على سلطة ذلك الحرس الفاشي .

 

 

نشرت في تاريخ
الإثنين, 22 كانون2/يناير 2018 21:34

العراقيون وقيلولة الظهيرة

 

خلال دراستي الجامعية في قسم الآثار/ كلية الآداب قبل سنوات طويلة مضت، وضمن مادة الانثروبولوجي (علم الانسان)، القى علينا يوماً مُدرس المادة آنذاك أستاذ الآثار القديمة الراحل الدكتور وليد محمود الجادر (شقيق الفنان الراحل خالد الجادر) محاضرة ً عنوانها (أثر البيئة والطعام على سلوك الانسان). أحتدم خلالها نقاش أكاديمي حاد في منتهى المتعة... على أثرها سرد لنا أستاذنا الراحل الذي عُرف بروحه المرحة وأحاديثه الشيقة، حادثة ً في غاية الطرافة جرت معه لدى إكماله دراسته العليا في جامعة باريس عند ستينيات القرن الماضي... حيث يقول الدكتور الجادر.....

كان له زميل دراسة من النمسا شديد الحنق كثير التهكم على العراقيين، متهماً إياهم بالكسل وقلة العمل، معللاً ذلك بأنهم شعب بليد يقضي ساعات طويلة في النوم عند فترة الظهيرة، يدّعون في التاريخ ما ليس لهم وإن كل ما يقولوه وما نسبته اليهم كتب الآثار والحضارة عن أمجاد أسلافهم السومريين والبابليين والاشوريين زوراً وبهتاناً، أذ كيف استطاعوا من تشييد تلك الحضارة (المزعومة) التي يتفاخرون بها، بينما هم يقضون نصف يومهم نياماً، لذلك فحضارة ما بين النهرين لابد أنها قد شيُدت من قبل شعب آخر عمل ليلا ً ونهاراً ليتمكن من بناء حضارة بهذه العظمة.. كان ذلك الحديث يثير سُخط وغضب الطلبة العراقيين بشكل لا يوصف، خاصة أن الزميل النمساوي لم يقتنع بكل المبررات التي قدموها له، بأن مناخ العراق الحار وطول فترة نهاره، أضافة الى طبيعة ونوعية طعامه المُميز، قد حتّمت على أهل الرافدين هذه الممارسة... لذلك قرر الدكتور وليد وبعض زملائه أثبات تلك الحقيقة لزميلهم الحانق حسب قاعدة الاقناع الآثارية (أن ترى الشيء بعينك وتلمسه بيدك).. فدعوه في احد الأيام الى تناول وجبة غداء عراقية خالصة في محل اقامة بعض الطلبة العراقيين.

بالطبع لبى زميلهم الدعوة شاكراً غير داري بـ(المكيدة) التي دُبرت له. كانت تلك الوجبة عبارة عن (مرقة بامية بلحم غنم مع الأرز، أضافة الى رقي ولبن) أعدّها أحد الزملاء المتمرسين في الطبخ.. وعند المائدة أخذ صاحبنا يتناول الطعام بشراهة غير طبيعية كحال جميع الأوربيين حين يكون الطعام مجاناً، حتى أمتلئ تماماً.. ولم ينتظر به (الغادرون) فقدموا له بعدها مباشرة ً صينية مليئة بشرائح الرقي البارد (المجرّش). وما كاد يُنهي ما تيسر له حتى باغته زميل آخر بـ(دولكة لبن أبو الثلجاية)، ليحتسي منها بعد الحاح شديد كأس وأخرى، لتظهر بعد ذلك نتائج المؤامرة بشكل سريع وفعّال، حيث أخذت جفون الزميل النمساوي بالانغلاق تدريجيا ً مثل ستارة المسرح، حتى أسدلت تماماً (حسب وصف الدكتور الجادر)، فلم يعد يشعر بشيء من ما كان يدور حوله من ضحكات وكلمات سُخرية. وبعد دقائق أستعاد الرجل شيئاً من توازنه ليقول فقط كلمتين لا غير (كم الساعة)، ثم ما لبث أن أنطرح على أريكة كانت بجانبه ليغط في نوم ٍ عميق أستمر لأكثر من ساعة، أستيقظ بعدها ليرى الزملاء يُحيطون به ضاحكين مليء أفواههم، ففهم الموضوع برمته، ليشاركهم الضحك هو الآخر معترفا ًبالحقيقة (المُرّة).

وفي اليوم التالي مباشرة ً أنقلب الزميل النمساوي مائة وثمانون درجة، حيث أخذ يقول بصوت عال وبين الجميع وأينما حّل، أن أهل العراق أعظم شعوب الدنيا، فبالرغم من ساعات نومهم الطويلة شيدوا أروع حضارة في التاريخ.

رحم الله أستاذنا الراحل الدكتور وليد محمود الجادر، فقد كان أستاذاً رائعاً وعالماً فذاً، ومُربياً فاضلاً، وموسوعةً لا تُمل للأحاديث الطريفة.

نشرت في تاريخ
الإثنين, 30 تشرين1/أكتوير 2017 19:52

لُغة الفايكنج* (الرونيّة)


(اللُّغَةُ هي نسقٌ من الإشاراتِ والرموزِ، تشكّل أداةً من أدواتِ المعرفةِ، تعتبر اللُغَة أهم وسائل التفاهم والاحتكاك بين أفراد المجمتع في جميع ميادين الحياة، وبدون اللغة يتعذر نشاط الناس المعرفي). هكذا جاء تعريف اللغة في موسعة المعرفة (ويكيبيديا )العربية.
لم أكنْ على معرفةٍ بموعدٍ مسبقٍ للأُمسيةِ الثقافيةِ، الساعةُ الرابعة والنصف مساءً دَلفتُ لمكتبةِ( روزنكورد) قبلَ موعد إغلاقها بنصفِ ساعةٍ، لغرضِ أغادةِ استعارة (رواية) كنتُ قد استعرتها من المكتبةِ قبل عامٍ تقريباً، وارغبُ بإعادةِ مراجعتها لما تحويه الرواية من أحداثٍ وأسماءٍ وأماكنٍ ومعلومات مهمة عن الوضع السياسي العراقي لفترة مفصلية بتاريخِ اليسار العراقي، الرواية طويلة جداً أسمها (ليلة الهدهد) للكاتبِ العراقي المقيمُ بالسويد (إبراهيم أحمد)، صدرت عام 2013.
عند دخولي مدخل المكتبة شاهدتُ إعلاناً بارزاً باللغةِ السويديةِ وضعَ في منتصفِ صالةِ المدخل، يعلنُ عن أمسية ثقافية هذا المساء. دنوتُ من الإعلانِ وبدأتُ بقراءةِ محتواه (هذا اليوم، مؤلفٌ في زيارةٍ لمكتبةِ روزنكورد ، خريف 2017 وصورة متميزة للكاتب ( قريب الشبه إلى صورة ِطرزان)رجل يناهز الستين من العمرِ، بشعرٍ طويلٍ مسترسلٍ ترك على طبيعتهِ، وذقن غير حليق؛ مدون اسمه الكامل:
Lars Magnar Enoksen
ومن ثم يوم الأمسية الثلاثاء 24-10-2017 الساعة 1700
وشرحٌ مختصرٌ عن الكتاب ِومؤلفاتهِ التي تشير إلى (26) كتاباً عن اللغةِ الرونيّة والحياة الأجتماعيّة التي زامنتها....
فتحتُ جهاز (الموبايل) ودونتُ اسم الكاتب في المنقذِ ( كوكل) أنه كاتبٌ سويدي من مواليد السويد/ مالمو(1960) يُقيمُ في مدينةِ (مالمو) مهتم باللغة (الرونيّة )، وبتفاصيل الحياة الاجتماعيّة والطبيعة في تلك الفترة التي انتشرتْ فيها هذه اللغة؛ قلتُ لنفسي أنها فرصة طيبة أن أدخل هذا العالم ، دخلتُ المكتبة كانت للتوِ قد اكتملتْ الاستعدادات من قبلِ موظفي المكتبة لتهيئة مكان المحاضرة (رُصفت مجموعة من الكراسي في وسط الصالة الرئيسة للمكتبة بحدود (20 ) كرسياً وأمامها وعلى بعدِ حوالي مترين في الجانبِ الأيمنِ وضعَ لوح للكتابة لغرضِ التوضيح ِوالشرح ِوالى جانبها الاخر وضعتْ منضدة رصفت عليها مجموعة من مؤلفاتِ الكاتبِ.
المقاعد معظمها غير مشغولة، الجمهور بدأ للتو بالتوافدِ اخترتُ احد المقاعد في الصف الثاني، أحد موظفي المكتبه يحاول مساعدة المؤلف الضيف (لارس) في تثبيت لاقطة الصوت على رأسه، أخرجتُ هاتفي النقال و التقطتُ لهُ صورة وهو يحاولُ وضعَ اللاقطة ؛ دونتُ أسم أول كتاب أمامي على المنضدة وأسم المؤلف:
Runor/ Lars Magnar Enoksen
وبدأتُ أقرأ شيئاً عن المؤلفِ وحول اللُغَةِ (الرونيّة)، وأتابع الصور على اغلفةِ الكتبِ التي اصدرها وكذلك اللوحات والشواخص والأحرف المكتوبة فيها....
في الساعةِ الخامسةِ وقفَ إلى جانبهِ موظف المكتبة وقدمهُ بتعريفٍ مختصرٍ للحضورِ، موضحاً إنَ هذا النشاط من ضمنِ نشاطات فصل خريف 2017 في مكتبةِ روزنكورد/ مالمو، متمنياً للحضورِ أوقات طيبة.
عدد الحضور لا يتجاوز (15) فرداً من كلا الجنسين،الجميع سويديون.
بابتسامةِ غير متكلفة رحبَ ( لارس) بالحضور وبدأ يتحدث عما سوف يقدمه هذا المساء، ثم بدأ يسأل الحضور الواحد تلو الأخر عن مدى معرفتهم بالموضوع ، وعندما وجه سؤاله ليَّ:
ــ أجبتهُ أني لا أعرف أي شيء عن موضوعِ المحاضرةِ، قرأتُ الإعلان الآن وأنا أدخل المكتبة ورحبت بالفكرة ان اسمع وأشاهد.
فيما كان معظم الحضور من المهتمين في الموضوع هذا ما لاحظته إذ كثير منهم كان مهتمين بتدوين ما كان يشرحه في حديثه في دفاتر ملاحظاتهم.
اللُغَةُ (الرونيّة)هي احدى أسماء الأبجديات للغة الجرمانيّة القديمة والتي تعود الى العائلة اللغوية الهندية الأوربية وتكتب كمصطلح (اللغات الهندو أوربية).وتعتبر الابجديّة (الرونيّة) من اقدمِ الحروفِ الأبجديّةِ التي استعملتها القبائل الجرمانيّة القديمة وخاصة الدول الاسكندينافية، وأقدم المدونات لها تعود بعد ميلاد المسيح بـ ( 100) عام.
تحتوي اللُّغة الرونيّة الجرمانية القديمة على (24) حرفاً
وفي احدى الفترات اختصرها الفايكنج إلى(16) حرفاً وأطلقَ عليها اسم( فوثارك) بعد أن جمعوا الأحرف (الرونيّة) السبعة الأولى كما مبين في اناه الأحرف (الرونيّة ) وما يقابلها بالأحرف الانكليزية
http://www.ungafakta.se/vikingar/grafik/vardag/futhark.jpg
Futhark
وأعطوا لكلِ حرفٍ من الحروفِ اسم لأحدِ أيام الأسبوع ، وكانوا يحسبونَ السنة على عدد الأسابيع( 52) أسبوعاً، يبدأ الأسبوع من يومِ الاثنينِ وينتهي في يومِ الأحد ثم يعاد حساب الأسبوع الذي يليه...
وعندما تناول فنون عَصْر الفايكنج كانتْ الفقرة المفاجئة التي فيها الغناء، عندما قررَ أنْ ينشدُ لنا مقاطعاً من الغناءِ في اللُغةِ الرونيّة ، عدّلَ من وقفتهِ ، وقفَ بشكلٍ مستقيمٍ ، مبرزا ً قليلاً إلى الأمامِ صدره للأعلى، وعلى مهلٍ أخذَ نفساً عميقاً وهو في حالةِ استرخاءٍ تام، وبدأ غناؤه بصوتٍ جهوريٍّ، أنهُ غناء أشبه بالصراخِ بلحنٍ متميزٍ، كانَ يُغني من أعماقٍ بعيدةٍ ، يسحبُ انفاساً متتالية عميقة خلال الغناء، كان الصوت الجهوري العالي، لا ينقطع لكن اللحن يتغير بشكلٍ واضحٍ من وقفةٍ إلى أخرى، كانت طبقات صوته من الطبقات العالية في أصوات الغناء الرجالي(التينور والباريتون).
كانَ صوتهُ رخيماً قوياً عميقاً ممتداً يشقُ عنان السماء، صوت الصراخ الفطري البدائي، كشخص يريد الاستغاثة أو النجدة أو التوسل بمسك ِشيء بعيد قصيّ لايريد أن يرحل عنه، أو أنهُ يريد اثارة الرعب في صفوفِ من يناديهم كنتُ اتصور إنهُ يريد بصوتهِ هذا أن يعبرَ المحيطات والبحار والجبال عبر الغابات الممتدة على مد البصرِ؟ أو أنه يحاكي السماء يتوسلها وينذرها ..
كيف لا وهو الإنسان البدائي الطليق الذي يعيشُ في الشمالِ الاسكندنافي، الذي تحيطه البحار وتتقاسم تضاريسه الغابات والوديان الجبال ...
انشدَ لصوته الحضور و صفقوا لهُ بحرارةٍ بعد الانتهاء من مقاطعِ الغناءِ.
عندما سألتٌ عن أسم الأغنية التي غناها كان عنوان ترجمتها الى اللغة السويدية :
Ett minne för livet
أنه فعلاً كانَ يناجي ذكرى من الحياةِ لا يريد أنْ ينساها
خلالَ المحاضرة تحدثَ المحاضر بشكلٍ عامٍ حول اللُغَة( الرونيّة) والتغيرات التي رافقتها بينَ مدينةٍ أو مقاطعةٍ ومدينةٍ أخرى، وكذلك تحدثَ المحاضر عن المرحلِ الثلاثة التي مرت بها الأبجديّة (الرونيّة) ،حيث أختلفتْ فيها أعداد الحروف المستعملة، وكذلك اختلفت اللهجات معها، وأوضحَ أن معظم مدونات اللغة (لرونيّة) وكذلك النقوشات التي عثر عليها كانت مدونة على الصخورِ والأشجارِ وشواهد القبورِ الحجريّةِ، خصوصاً في فترةِ عَصْرِ الفايكنج.
خلال فترة ساعة وربع كان قد نقلنا الى عالمٍ سحريِّ أخر، كانتْ محاضرة غنيّة بالمعلومات الجديدة المفيدة.
في ختامِ الأُمسيةِ قدمتْ للمحاضر هَديّة (كتابين) باسم موظفي مكتبة (روزنكورد في مالمو).
التقطتُ بعضَ الصور للمحاضرِ(لارس) وهو يدون على كتبهِ ـ المعروضة للبيع ـ التي اقتنى منها بعض الحضور، توقيعه واسمه واسم المقتني باللغَةِ (الرونيّة)، وكذلك طلبتُ من أحدِ موظفي المكتبة أنْ يلتقطَ ليَّ مع الضيفِ المحاضرِ صورة، ووعدته أنْ أكتبَ مقالة باللغةِ العربيةِ عن هذهِ الأمسيةِ الممتعة.
أبرز المواضيع التي كتبَ فيها المؤرخ والباحث(لارس) كتبه الـ (26) والتي اصدرها :
اللغَة الرونيّة
عَصْر الفايكنج والأساطير القديمة
الدليل في قراءة وكتابة وتفسير الرونيّة
الحيوانات والطبيعة في الاساطير القديمة

مالمو في 28-10-2017
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عَصْرُ الفايكنج: وهيَ الفترة الزمنيّة التي تمتدُ من أواخرِ القرنِ الثامنِ حتى منتصفِ القرنِ الحاديِ عشر،ويُعتبر عَصر الفايكنج كفترة غير حضاريّة من تاريخِ بلدان ِالشمالِ والتاريخ الاسكندنافي، فقد سادت فيها الوحشيّة و كثرت فيها الغزوات والحروب وأريقت فيها أنهار من الدماء،ويعد شعب(الفايكنج) من الشعوبِ العنيفةِ،وقد عرفوا وذاع صيتهم بركوب البحر والقرصنة.

نشرت في تاريخ
الثلاثاء, 18 نيسان/أبريل 2017 20:25

أهوار ميسان


لعيبي خلف الاميري
دجله (يمينها) واهمها هور السنيه وهور عودة واسماء محلية هور الخْراب وهور الصحين وهور الصيگل والگبيبة والهدام وام گعيدة .. الخ. اما اهم الانهار التي تغذيها هي الدجيلة والسفحة والسفيحة ونهر البتيرة ونهر الطبر (نهر المجر الكبير) ورواضع صغيرة كثيرة تأخذ من دجلة وتصب في هذه الاهوار وهي مساحات شاسعه تمتد من قرب ناحية شيخ سعد حتى تصل الى اهوار الناصرية قرب البدعة.
القسم الشمالي من هذه الاهوار ضحلة قليلة النبات تسمي (البرگ) مثل هور السنية وهور عودة وهور الخْراب..
القسم الجنوبي يکون اعمق غزير النبات.
اما القسم الايسر من دجلة ، فأهم الاهوار فيه هور الحويزة والذي يفصل بين العراق وايران (منطقة عربستان) ويمتد من شمال ناحية المشرح (الحلفاية) من نواحي ميسان الي قرب البصرة. اما أهم الانهار التي تصب فيه وتغذيه هي نهر سعد ونهر المشرح والکحلاء والمچرية وتوجد رواضع صغيرة لا عدُّ لها تأخذ من دجلة وتصب في هذا الهور الکبير والذي يکوِّن مجموعة اهوار متصلة مع بعض ومن اسمائها المحلية هور الطيب والشيب وهور العظيم وام نعاج والسودة والبيضة والدبن والخسف والچکة وهور مجنون واسماء محلية کثيرة.

النباتات
----------------
في الاهوار نباتات مائية کثيرة اهمها :-
القصب ، البردي ، الگعيبة ، الگاط ، الشمبلان ، الچولان ، الحليان ، وانواع آخري مثل (السِيل) السعد.
آ - القصب : نبات مائي يشبه الخيزران اصفر اللون ذو سيقان طويلة مجوفة ذات عقد غليضة من الاسفل رفيعة من الاعلي يصل ارتفاعها الي خمسة او ستة امتار تعلوها العذْبة وهي الزهرة. قليله يسمي الشهف (نايملي بالشهفات) صغيره يسمي الزّل واخضره يسمي (العنگر) وهو علف مهم للجاموس والابقار جذوره يسمونها (المحداد) وهي حلوة الطعم . يدخل القصب في صناعات محلية عدة سأذكرها لاحقاً .
ب - البردي : نبات مائي طري ليّن يصل علوه الى ثلاثة امتار او اكثر بقليل. اخضر اللون وحينما يجف يكون رمادي اللون باهتاً وهو على شكل حزم تلتف على ساق طري يسمى (العگيّد) ويخرج من بين الاوراق ورقة ملفوفة صلبة تشبه بوگة البصل تسمى (الضربوط) في اعلاه الزهرة وهي مطوية على الضربوط كشيش كباب مدور طول الزهرة يصل ثلاثين سنتميتر او اكثر قليلاَ تحمل حبوب اللقاح وهي ناعمة كلپودر صفراء اللون وقبل تفتح الزهرة تعمد النساء لجمع هذه المادة الناعمة وبعد طبخها بقليل من الماء المحلى بالتمر او السكر او بدونهما تجمد و تؤكل وتسمى (الخرّيط) او (طابگ خريط) . وان تفتحت الزهرة تتطاير البذور مع الريح ويسمى (النفّاش) يستعمل مع الطين لصنع ادوات يحتاجها المواطن . وفي الاونة الاخيرة استعمل البردي كمادة اولية لصناعة الورق (معمل صناعة الورق قرب البصرة) والذي دمرته القادسية قادسية صدام.
ج - الگعيبة : نبات مائي عريض الورقة دائرية الشکل سائب الجذور يطفو على السطح متحرك ونظراً لکثافته وتشابکه مع النباتات الاخري فهو يغطي مساحات واسعة تعيق سير الزوارق. وفي الربيع تظهر منه زنابق جميلة وکبيرة تملأ المكان بأريجها وتسمى محلياُ (زهير البط) تجمعها بعض النساء لتقطيرها كماء ورد.
د - الگاط : نبات يشبه الگعيبة الا ان اوراقه رفيعة وطويلة يستعمل کعلف للجاموس وصغيره (الفرافير) تؤكل بعد غسلها وتمليحها وهي حامضيه المذاق.
ه - الشمبلان : نبات مائي كثيف جداُ متشابك الجذور سائبها ايضاُ ملتفاٌ على بعضه ومع الگعيبه والگاط يکون عائقاً لوسائل النقل والمجرى المائي.
و- الحليّان : نبات حشيشي في اطراف الهور يکون مرعي ومرتعاُ للاسماك والطيور والحيوانات.
ز- الچولان : يکثر علي ضفاف الهور علي شکل سيقان ناعمة رفيعة يصنع منه الحصران والموائد.
الحيوانات
--------------------
أهمها الجاموس وهو معروف بکبر حجمه وغزارة انتاجه من الحليب وهو دسم تصل نسبة الدهن الي 10% ، غذاؤه متوفر من العنگر والگاط والحليّان وحشائش آخري يرعي في الاهوار وخاصةُ الضحلة وفي أشهر الشتاء الباردة (الچلّة) تبني له بيوت من البردي تسمي (الستَر) جمع (استره) يقضي فيها شتاءه فإذا ما دفئ الطقس قليلاً نزل الي الماء. صغارها تسمى (الشفوجة) جمع (شفج) والجاموس عماد الثروة الحيوانية بعد الاسماك.
تعيش في الاهوار بعض الحيوانات الغريبة عن بيئتنا يسمونها محليا (چليب الماء) وهي قليلة العدد ذات فراء جميلة كما تعيش علي اطراف الهور كثير من الخنازير البريه تأكل (السِعد) . ولا تخلو بيئة الهور من بعض الا فاعي
الأسماك
---------------------
ان هذه الاهوار بمائها ونباتاتها واشناتها کإنما خلقت وتکونت لتغذي ملايين الاسماك المتنوعة. فهي بيئة طبيعية لتربية وتکاثر هذه الثروة التي لا يحتاج فيها الانسان لعناية او جلب غذاء (غذائها منها وبيها) کما يقول المثل الدارج. انواع الاسماك کثيرة واهمها الگطان والبني والشبوط والشلج وانواع کثيرة من الاسماك الصغيرة الحجم کألحمري وابو خريزة و احياناً نجد سمك البز.
طرق صيد السمك : هناك طرق كثيره لصيد السمك ابسطها بواسطة الفالة واکثرها بواسطة الشباك جمع شبك ويسمونه محلياً (طفاحية) ويکون الصيد عادة في المناطق التي لا توجد فيها النباتات وغالباً يکون الصيد في البرك او المناطق العميقة الخالية من النبات.
من طرق الصيد الاخري صيد السراج
(السراج) ويكون الصيد ليلاً حيث يخرج مجموعة من الصيادين بزوارقهم ويعمل سراج من النفط يوضع امام الزورق يضرب بضوئه علي صفحة الماء. يصطف الصيادون بنسق في کل زورق صياد بيده الفالة وهو واقف علي الدوسة (منصّة الزورق) وعيونه علي صفحات الماء اللامع الصافي وآخر في مؤخرة الزورق يغرف (يجذف) بقوة وحينها تجفل الاسماك وعلي ضوء المشاعل او السراج يصطاد الصيادون کثيراً من الاسماك وخاصة الکبيرة منها حيث يرونها واضحة.
صيد المحرّج
---------------------
نوع آخر من الصيد حينما يمتلئ الهور في الماء خاصةً في موسم الفيضان يزحف علي الاطراف اليابسة ويسمي امتلاء الهور بالماء (التياس) ينبت بغزارة حشيش الحليّان ويطفو فوق السطح فتخرج الاسماك من اواسط الهور العميق لترعي في مناطق نمو الحليّان الضحلة وفي سيرها تحرك بذنبها الدغل النابت فيري الصياد وبيده الفالة حرکة السمك فيصطاد الکثير منها.
ان انسي لا انسي تلك الحادثة الطريفة : کنت اصطاد ومعي احد طلابي وهو تلميذ ذکي (خبيث) فکنت ارمي الفالة بقوة علي الحرکة ولا اتمکن من الصيد فکان يضحك عليّ ثم بعد ذلك قال يا استاذ اضرب امام الحرکة بقليل وانت تصيد ، وفعلاً اصطدت وافراً من السمك.

الطيور :
---------------------
ما ابدعها محلقةً سابحةً وما اکثرها. قسم منها مهاجراً الينا من الشمال البارد واخر مستوطن تطيب له الاقامة يتغذي علي خيرات الهور من نباتات واسماك صغيرة وديدان وطحالب الخ.
من انواع هذه الطيور :
الخضيري ذو الرقبة الخضراء الزرقاء والالوان الزاهية الجذابة وانثاه (المسِّکة) (يمسّکة اشسواچ اخضيري) وهناك الکوشر والکوشم والبربش والحذّاف وابو زلّه والمصو ودجاج الماي وانواع کثيرة من الاوز والبجع (نعيج الماي) والزرگي والبيوضي والهليچي والسميچي والحمِر والغرانيق واللقالق (درويش علي) ومن الطيور الحلوة الجميلة البراهين جمع (برهان) وهناك طيور صغيرة لا حصر لها کألزرازير والعصافير ويوجد طير صغير بألوان زاهية براقة ولجماله يسمونه (طوير بنت الشيخ).
طرق صيد الطيور:
-----------------------
الطيور غذاء رئيسي ومهم بعد الاسماك يعتاش عليه الکثير من الصيادين واهم طرق صيده بالشبك وتسمي محلياً الدوشه او (النوجه) في مناطق آخري.
يأتي الصياد الي اطراف الهور الضحله ويعمد علي تسوية وتبيض بقعه صغيرة من الارض المغطاة بألماء قليلاً بواسطة المنجل وارجله يسويها وينعمها فتري بقعة بيضاء من الاعلي ينصب فيها الشبك ثم يضع في هذه المساحة بعض العلف المطبوخ من الشلب او الشعير. وعلي بعد 15 – 20 متراً يعلم الارض بعلامة صغيرة في التراب او الشل لا تعلو کثيراً ثم يعلّي هذه العلامة تدريجياً ويجعل منها طوفاً علي شکل قوس نصف دائري لا يعلو المتر مفتوح من الجانب الخلفي يغطي هذا القوس من الاعلي بالقصب والبردي والبوه ويلطشه بالطين ويفرش داخله بعض البوه ليجلس عليه ويعمل ثقباً صغيراً جداً مقابل الشبك ليکشف علي الطيور.
يأتي الصياد في النهار فيري العلف قد أُکل فيعلم ان الطيور قد رأته وإعتادة المجيء اليه ليلاً للرعي. يقوم الصياد نهاراً بنصب شبکة علي البقعة المعلوفة وهو علي شکل مستطيل لعدة امتار علي نصفين مربوطة من الوسط بحبل طويل يسمي المجذب والحبال التي تربط الشبك تسمي الترور جمع (تر) وهذه مربوطة بحبل دائري يرتبط بالمجذب وتثبيت اطرافه في الارض بواسطة عيدان من الخشب تسمي البروث جمع (برث) وبعد نصب الشبك يغطي تماماً بالطين وفوقه العلف ويختبئ الصياد داخل الدوشة قبل المساء.
تأتي الطيور ليلاً فتحط علي الشبك او قريباً منه وهي کثيرة الحيلة والحذر تطير مرة او مرتين وحين تطمئن تبدأ بالرعي ويکشف عليها الصياد بعينه خلال الثقب الصفير مستعملاً يده لتضييق الفتحه لأن الطيور قد تري شعاع العين فتشرد (تطير) وبعد ان يري الطيور منغمسة في الاکل يجذب المجذب جذبة قوية وسريعة حتي يقع الي الخلف ويشد المجذب بواسطة وتد قوي يسمي المربط .. ينطبق الشبك بنصفيه علي الطيور وبمساعدة الزواو جمع (زوّه) وهي قصيبات تفصل جانبي الشبك وتشده. قد لا اغالي ان بعض الصيد يصل لمئات الطيور في الجذبة الواحدة. وقد تأخذ الشبك معها احياناً الي الاعلي.
توجد طرق اخري لصيد الطيور بواسطة البنادق (الکسرية) ولرحلات الصيد بالزوارق والبنادق متعة لذيذة لهواة الصيد.
وسائط النقل وطرق المواصلات
--------------------------------
وسائط النقل في الاهوار تعتمد الزوارق بأنواعها وهي مصنوعة من الخشب تغطي بالقار.. وهي واسطة نقله وحاملة جرده ووسيلة صيده. وهي انواع عدة :-
أ - الچلابية أصغر الانواع ومنها صغيرة جداً تسمي (المخيط) ولا يسع لاکثر من صياد واحد ينبطح علي بطنه ماداً بندقيته الي الامام ويجذف بيديه حتي يصل اقرب ما يمکن للرميه وخاصةً في مکان يسمي (العگرة) وهي مساحة مکشوفة تحيط بها غابات القصب والبردي وعادة ما يرتع فيها دجاج الماي المحصور من قبل (الحوم) وهو طير جارح.
ب - الطرادة هي واسطة النقل السريعة وتسع عدة اشخاص وتستعمل عادة لنقلهم ومنها انواع بديعة الصنعة کأنها العروس بين الطراريد يستخدمها الاقطاعيون والموسورون في تنقلهم .......
--------------------------
کتلني الينسل ابريحه ** بلا ماي
مثل عود الکبر يزهي ** بلا ماي
طراريد العشگ سارن ** بلا ماي
مراديهن هوي واعملن بيّه

ج - المشحوف
-----------------------------

مشحوفي طرّ الهور والفالة بيدي
بنيّه لو گطان آنه او نصيبي

وهو اکبر من الطرادة ويستعمل لاغراض کثيرة کنقل القصب والبردي والحشائش....الخ.
د - البرکش وهو اکبر من المشحوف لاغراض النقل.
الطرق
-------------------------
في المناطق المکشوفة قليلة النبات تسير الزوارق بسهولة ولا خوف عليها إلا من الهواء العاصف حيث يکون الموج عالياً فيلوذ الصيادون او راکبو الزوارق بأي نبات قريب.
ولکن في المناطق کثيفة النبات تسمي الطرق المائية (الگواهين) جمع گاهن ومنها ما يشبه الشارع فکما بندقية ايطاليا بشوارعها المائية فگواهين الهور هي الابدع والاجمل تحف بها النباتات من الجانبين مثل الطرق السياحية بين الاشجار. ومن الگواهين ما هو العريض کألشارع ومنها ما هو ضيق لا يسع لاکثر من زورق وهناك طرق تسمي المصفاة والمصب.
السکان
------------------------
هم من بطون وافخاذ القبائل العراقية العربية التي تقطن المحافظة واهم هذه البطون هي : الشدّه ، النوافل ، البو غنام ، البو بخيت وهي بطون من عشيرة البو محمد من زبيد وعشائر الفريجات من ربيعة العدنانية والفرطوس من ال غزي وتوجد بطون من عشيرة السواعد والسودان وآل ازيرج والعيسي والبزّون وابريهة والحيادر وبطون آخري كثيرة.
بيوتهم :- اکواخ من القصب والبردي يبنوها علي الچبايش جمع (چباشه) وهي عبارة عن تهلة والتهلة هي بقعة متشابکة جداً من القصب والبردي تحيط وتلتصق بها کثير من النباتات والحشائش فيعمد القوم الي کسر القصب والبردي وليّه علي بعض ثم يؤتي بالشل وهو التراب المدغل ويرمي علي التهلة حتي تغدو کجزيرة عائمة فوقها کتلة من يابس التراب لا تعلو عن نصف متر فوق الماء.
تبني عليها الاکواخ والتي تتکون من حزم القصب تسمي الشباب جمع (شبّه) غليظة من الاسفل رفيعة من الاعلي مشدودة بالحبال والمصنوعة غالباً من البردي والقنّب. توضع الشباب في حفر متقابلة وتثبت ثم تحني وتشد وتکون علي هيئة اقواس يوضع فوقها الهطر جمع (هطار) وهي حُزَم کألاعمدة من القصب تربط مع بعضها ويکون طول الهطار بقدر طول الکوخ توضع طولياً علي اقواس الشباب وتربط عليها. وکلما زادت الهطر يتحمل الکوخ مزيداً من البواري (الحصران) کسقف للکوخ.
يُعمل مشبك من القصب وباب صغير من جهة صدر الکوخ. والزاوية تسمي اللوذة ومؤخرة البيت يسمي الکوصر.
(المثل يقول من الباب للکوصر فرج)
حجم الکوخ يقدر بعدد الشباب (الاقواس) ذو الثلاثة او الخمسة او السبعة او التسعة. ومن الکوخ الکبير يُفصل منه جزء للضيوف يسمي (الربعة) ومن الاکواخ ما يسمي بالمضيف وهو للضيوف والمناسبات ومن المضايف ما هو کبير ويتکون من 13-14 شبّه يصل طوله لأکثر من ثلاثين متراً يبني بشکل بديع وهو عادةً يبني علي ارض او تل في الهور. وعادةً هذه المضايف الکبيرة تخص الاقطاعيين والموسّرين من السراکيل وشيوخ العشائر
تُغلق جميع هذه الاکواخ شتاءاً بالبردي کمادةٍ عازلة للدفئ.
المرافق الصحية :-
-----------------------------
يعمل ثقب في الارضية العائمة يصل الماء ، يستعمل کمرافق او حمام يستر بواسطة البارية (الحصير).
اعمال السکان :-
------------------------
معظمهم يمتهن الصيد بانواعه (السمك والطيور) وآخرون يمتهنون صناعة البواري (الحصران) وهي انواع حسب جودتها ومساحتها منها النعمانية وهي احسن الانواع والمفرش والطريدة ، وللبواري استعمالات کثيرة لبناء البيوت وتسقيفها وفرشها ولخزن الشلب (الگعيدة) ، اما تربية الجاموس والاستفادة من منتجاته، فکثير من السکان يعتمد عليه والمرأة عاملة نشطة في هذا المجال ولا تقل شأناً عن الرجل في جلب الحشائش والقصب والبردي وتسويق المنتجات من لبن (روبة) ويسمونها مغلية والقيمر والجبن والزبد ... الخ. الي اقرب مدينة.
قليل من سکان الهور يعتمد الزراعة إلا القريبين من الضفاف وهي زراعة الرز بانواعه.
جلّ طعامهم من الرز طبيخاً او خبزاً ويسمي خبز التمن باسماء محلية لطيفة منها السيّاح جمع (سيّاحه) وأرقها الرغفان جمع (رغيف) والرصّاع جمع (رصّاعة) [يا بيگ الفدني أبرصّاعة] وهي أثخن من السياح وهذه الانواع تخبز علي صاج من الحديد (تاوه) يحمي تحتها بواسطة القصب والبردي اليابس ، ومن خبز التمن الشلواطة والطابگ ومنه (الغليظ ابو عضتين) وهذه تخبز علي طوف من الطين علي شکل قرص دائري قطره ما بين نصف متر واکثر بقليل ، مفخوراً يوضع علي ثلاثة مناصب جمع (منصبه) ويوقد تحته القصب والمطّال وهي اقراص جافة يابسة من روث الجاموس والابقار يعملنها النساء ثم يجمعنها علي شکل قباب (گبه) وبعد ان يسخن الطابگ يکون لونه ابيضاً مائلاً للحمرة يقلب علي ظهره ويوضع عليه العجين الذي يکون علي شکل سائل کثيف يشبه (الروبه) ثم توضع عليه اقراص المطال المجمّره حتي ينضج.
سکان الهور معازيب يحبون الضيوف ويحترمونهم ونحن نسمي من يسکن الاهوار (المعدان) [تسمع بالمعيدي خيراً من أن تراه].
وعلي ذکر کرم وسخاء المعيدي ، حينما سؤل ان يتمني قال :
----------------------------------------------------------
تمنيت ياربي عليك الفين مهدوده ( المهدوده=الجاموسه)
والفين راس امن البقر ماجوده
والفين فرده امن التمر مفروده (حتي يبيّن کرم المعيدي او جوده)
والفين کرمه من العجم ممدوده

وهو يفتخر علي الحضري الذي قال:
-----------------------------------------
تمنيت ياربي عليك الفين سيتاوي (سيتاوي=حارس)
والفين تاله من النخل برحي او خستاوي
والفين راس من الغنم بيضي او مکاوي
وبنيه غاويه وآنا لها غاوي
وهم يحبون التصغير في کل شئ فالاسماء جويسم ، ارويض ، محيسن ... الخ
قال احدهم يخاطب جاره : خويه اشبيه اغديکم قال له: اغدينه انصيف اذويل اميل شبيبيط (ويعني نصف ذيل شبوط)
ترون ايها الاخوة الکرام ان حياتهم بسيطة لا يختلفون في عاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية عن جيرانهم الفلاحين الذين يسكنون على الارض اليابسة :::
حکاية مريم
------------------------
مريم وتسمي امريّم تصغيراً ، امرأة فقدت ابنها وزوجها في عدة ايام ففقدت عقلها ثم سکنت البنايا جمع (بنيه) وهي قبور يوضع فيها الميت (امانةً) او وداعاً کما يسمونه لأمد معين حتي يخرجوه ثانية ويدفنونه في النجف وهي عادة اسلامية ايام زمان ..
والبنيه تشبه القبه الصغيره مبنية من الطين والقصب.
کانت مريم تجد ملاذاً في هذه القبور الخالية تعيش علي صدقات الناس. کانت عائلتها تمتهن زراعة الخضر ويسمونهم محلياً الحساوية ويرونهم الفلاحون مرتبةً دنيا کذلك (البربرة) اللذين يمتهنون صيد السمك.
کانت مريم تترنم ببعض الاهازيج مدحاً بزوجها ، تقول :
-------------------------------------------------------
زرع لوح الفجل والشلغم إبراگه
تلوگ إبچتف ابو محيسن المطگاگه
رجف من شاف ابو محيسن السطاوي
شرد مثل المجريه تطرد الواوي (ذات الجراء=الکلبة وتکن شرسة جداً)
محلَه من يمر ويصيح خضراوي
تعالوا جاي يرفاگه
تلوگ إبچتف ابو محيسن المطگاگه
الاعراس :
------------------------
اعراسهم حلوة حينما تُزف العروس بالزوارق وسط الاهازيج والهلاهل وتتهادي الطراريد والمشاحيف وسط الهور وتسمع الزهيري والبسته حيث لا تطن الاذن ولا الراس يون.
وليلة العرس يطبخ الطبيخ ويصب علي البواري الجديدة ويذبح الشفج ويوضع اللحم فوق الطبيخ وتکون وليمة عرسية فاخرة تسمي (النحّه) حيث يتباري الرجال والنساء بالاهازيج ولمن تکون الغلبة فياکل النحّه.
وتکون الزفه عادة في النهار لأن الاضاءة ليلاًًً تکاد تکون معدومه إلا من بطل النفط (فتيلة بردي).
الاثاث :
------------------------
اثاثهم بسيط بدائي مصنوع معظمه من الطين مثل السد والسدانة (حالي مثل حال السدانة بالماي) والمچفاية والواوي للملح والگفة والطبگ والچبسيه والرّحه والمجرشه لجرش الشلب ويستعمل البوه کفراش لنظافته ونعومته ودفئه ، يستبدل باستمرار ، بالاضافه الي الافرشه الاخري مثل اليزر جمع (ايزار) والسجاجيد والمنادر خاصة لدي الموسرين ، وتستعمل المداد جمع (مدّه) لفرش المضيف فوق الحصران.
الملابس :
-----------------------
ملابسهم بسيطه لا تزيد في الصيف عن الدشداشه والغتره وحينما يخرجون لجرد القصب والبردي قد يکتفي الرجل بالسبته وهي خيط يلفه حول خصره يربط به احياناً قطعة قماش لستر عورته.
وبحکم البيئه فهم حفاة دائماً تفتك بهم البلهارزيا وخاصة الاطفال ومن يسلم يشب قوياً.

نشرت في تاريخ
السبت, 25 آذار/مارس 2017 21:19

الواوي وبشوش الصّبة

عاش المندائيون قرب الانهار وعلى مقربة من الاهوار لضرورة دينية او بسبب اتقانهم حرفة صناعة المشاحيف وصيانتها والسبب الاول هو ألأهم وان معظمهم من سكنت المناطق التي تجاور الانهار والسواقي التي يكون فيها الماء متحرك اي المد والجزر وكانت حياتهم بسيطة مسالمة بعيدة عن كل المشاكل التي تحدث ولا يحاولون اثارات أية مشكلة كانت ولهم علاقات طيبة مع جيرانهم ومكتفين باقامة شعائرهم الدينية وتكاد ان تكون بشكل غير علني او معروفة من قبل الجيران وبسرية تامة لمعظم مراسيمهم الدينية ومن خلال حياتهم اليومية المباشرة مع الماء نلاحظ ان اغلب العوائل تقوم بتناول لحم الطيور وبصورة مستمرة سواء في المناسبات الدينية او الايام العادية لذلك نلاحظ ان اغلب العوائل المندائية تقوم بتربية طيور البش والبط والدجاج وغيرها ولما كانت بيوتهم غالبا ماتكون محاطة بالنخيل والاشجار وكثيفة الزواية نلاحظ ان حيوان الواوي كثير ما يسرق هذه الطيور ليلا او حتى في النهار لذلك نشأت عداوة كبيرة بين المندائي وهذا الحيوان ومن هنا انشد الشعراء كثير من القصائد يصفون فيها هذه المشكلة الكبيرة ، ان هذا النوع من الشعر شكوى علنية ليس فقط ضد هذا الحيوان وسرقته للطيور وانما شكوى من ظلم المجتمع العشائري المتسلط على رقابهم ، شكوى من سائر المجتمع الذي يحارب هذه الفئة المسالمة الضعيفة لنبدا بما قاله احد الشعراء في صراع واوي مع المندائي وسرقة طيورهم ...
ألك روح اليواوي وتوصل الدكان
ولك روح التبوگ أبشوش أبن شنان
مرته كاضه الفاس وهو لازم الفاعوس
يگلهه جلده كله أفلوس
حس لا تسمع الجيران
ألك روح اليواوي وتوصل الدكان
أما الشاعر سوادي واجد جثيركان قد دعى أبن أخته نعمة بن حسحوس الى الغداء فقد أشترى ثلاثة طيور بش للوليمة وفي الليل هجم الواوي على الطيور وسرق الذكر وأفترسه فحزن الشاعر وقال ..
أنهجم بيتك يواوي أشوصلك لينه
خوفت الذكر ماعت مصارينه
خوفت الذكر موعت شحم البيه
ياملعون عضك من فخذ رجليه
نتوله الواوي ياهو اليحميه
احنه اولاد الابيض ولك ناسينه
ناسينه يواوي لو لزمنه الفوس
وأبن شنان فلش راسك أبفاعوس
ماتدري الغده أمخصص لبن حسحوس
عضتك صارت سبب ها الاثرت بيه
وقد شكل هذا الحيوان مشاكل كثيرة لجميع المندائيين في سرقة طيورهم فكتب شعرائهم وصفا للاحداث وقد يحتوي قسما منه على كتابات ساخرة أخذت جزء من التراث المندائي في الشعر القديم ولكنه يحتوي على صور شعرية وصفية رائعة المعاني توصل الى القارئ بسهولة ويسر وقد صبوا نار غضبهم ورفضهم لتلك الحياة تحت رحمة نظام الاقطاع العشائري القاسي الذي عاشوا فيه بذل وخوف وقلق تحت سيطرة ما لا يستحقون الحيأةوعندما أصبح جلد هذا الحيوان غالي الثمن أصبح صيده وبيعه تجارة رابحة بسببين الاول التخلص منه ومن سرقة طيورهم والحفاظ عليها والثاني أصبح لبيع الجلد مردود مادي وهنا قال الشعراء ..
اشرد يبو أروشد شوفلك نيه
كل أذراع من جلدك بربيه ..
قال الشاعر منصور درپاش ..
عمچ ياسليمة ماخذ النهران
كل واوي اليمر يركض وره عريان
أنه ياسليمة عيب أرد فشلان
لجيبلچ واوي من الحبنتيه
وهن أنشد سوادي ...
أشرد يبو أرويشد شوفلك ديرة
كل أذراع من جلدك أبنص ليرة
شفت مرزوگ يصلخ صوفته شهيرا
حصينية أثنين چاتفهن بالثنيه
أجابه الشاعر سلوم ...
أمن يبو اروشد جازت التجار
خلافك كل فقير أبعيشته محتار
سوادي خاب حظه ورافگ الشعار
ومكحل أعيونه وكاض عوجيه
وهنا قال منصور درباش ...
منك يبو أروشد راحت الحيله
اليشوفك يگول كضولي أبو جعيله
بعد عيني يسالم چلب أبذيله
يگله أشلون اهدك بيك خرجيه
اما الشاعر رابع بن زغير فقال ....
آنه بشوري سوادي يذب الفاس
يگطع الصجم بيده ويلزم المگراص
آله بالواوي شطفه وفتيل وقندرة والباس
وزخمه وزبون وثمن خاچيه
هكذا كانوا المندائيون يتمردون على الواقع الاجتماعي والتعبير عن طريق التهكم والهجاء وأحيانا القسوة والتهجم على أهلهم وناسهم وحتى أقرب الناس لهم ، نلاحظ في قصيدة غانم العيداني حول نفس موضوع الواوي والتحدي فيها نوع من الشجاعة والبسالة وصرخة المظلوم وقد كتبت هذه القصيدة عام 1938ويقول فيها مخاطبا أهله وعشيرته وناسه ...
أريد أنخه عمامي أنگوم حربيه
نگض أسلاحنه ونگطع الواويه
نگض أسلاحنه ونركض فرد ركضه
وكل واوي اليجينه أنگوم وأنكضه
كسر هاي الثنيه وديچنه عضه
ومتوسف تراني أبن الهراتيه
متوسف تراني ديچ أبو عنفيش
أكل لحمه تراهووظال بس الريش
على هاذي العيله بعد عيب أنعيش
گولو لبو ارويشد ايشوفله نيه
وهنا يجيبه الواوي بتحدي ...
أعوي أعله الرصاص أضيع بالدخان
فن واحد يجيني..موش بس السان
وكلمن دش ثنيتي ..أگطع چلاويه
وسنتناول هذه القصيدة بالكامل عند الحديث عن الشاعر غانم العيداني لاحقا ...

سيدني استراليا
اواسط اذار 2017

نشرت في تاريخ

الجزء الثاني والأخير- الدراسة والهيئة التدريسية

لابد عند الحديث عن الإعدادية المركزية من ذكر شيء عن الكادر التدريسي المتميز والكبير الذي كان يؤدي دوره التعليمي فيها، فبعض من مدرسي هذه الأعدادية اصبحوا اعلاما على مستوى مدارس بغداد يذكرهم الطلبة والمدرسون والمشرفون التربويون في كل مناسبة، ويعتز بهم ويفتخر من حالفه الحظ فتتلمذ على ايديهم. لايكفي ان يكون المدرس متمكنا في تخصصه، حاذقا في طريقة تدريسه أو ممتلكا القدرة على توصيل المعلومة بطريقة ذكية متفردة، بل لابد له ايضا ان يمتلك أسلوبا تربويا سليما في التعامل، من خلال الأهتمام بطلبته ورعايتهم والتقرب منهم، وان يتصف بالأتزان وعدم الأنفعال السريع وعدم الأساءة للطلبة وان يخلق فيهم روح المثابرة والتفاؤل دوما.

ان الوزارة التي تقود المؤسسات التعليمية عندنا تسمى وزارة (التربية والتعليم) وليس التعليم فقط، وذلك لكون مهنة التعليم تربوية أساسا، وعلى هذا الأساس اُطلق على المعلم اسم (المربي) لأنه يضطلع بمهمة تربية الأجيال وتعليمهم، فهو يمارس التربية الأجتماعية والنفسية من خلال الأهتمام بالطلبة ومتابعة مشاكلهم ومعرفة مايعوق حياتهم الدراسية. اذن فليست مهمة المعلم، التعليم فقط .

في الإعدادية المركزية كان بعض المدرسين ممن يمتلك تلك المزايا والصفات فتجده محبوبا من طلبته، كفوءا وناجحا في قيادتهم الى طريق النجاح وبمهارة. الا ان البعض الآخر للأسف لم يكن يمتلك ادنى مؤهل تربوي في التعامل مع طلبته، فتراه خشنا في أسلوبه، متعاليا في تعامله، حدي في اجاباته وردوده، لايساعد ولايسامح. ومدرس بهذه الصفات يكون قد اقام حواجزا وجدرانا متينة بينه وبين الطلبة ينعدم أزاءها التواصل السليم بين الطرفين، ومن الطبيعي في ظل أجواء كهذه ان تُخلق مشكلة نفسية كبيرة لدى الطالب الذي يبدأ لا شعوريا برفض تلك المادة (الدرس) ويصبح كلاهما (المدرس والدرس) بمثابة كابوس على الطالب مما يؤدي بالنتيجة الى فشله. المشكلة والخطأ الكبير في مدارسنا هو اهتمام المدرسين وحتى الأداريين بالمتفوقين واِهمالهم المتأخرين دراسيا، في حين ينبغي ان تكون المتابعة والأهتمام الحقيقي بالمتأخرين لمعرفة ظروفهم ومشاكلهم وأسباب تراجع مستواهم الدراسي، مثلما يحصل من المتابعة في بلاد الغرب.

وكطالب سابق في الإعدادية المركزية لاأرغب في استذكار بعض المدرسين وسلوكهم ونهجهم في التدريس وفي التعامل مع الطلبة لأنه كان سيئا للغاية، فهؤلاء كانوا يتصفون للأسف بالعجرفة والأسلوب الجاف وسرعة الأنفعال والتعامل غير الودي مع الطلبة، وذلك كان يجعلنا لانكره ذلك المدرس ودرسه فحسب، انما نكره اليوم الذي تكون لنا حصة معه. وأمر كهذا شائع في مدارس العراق والبلاد العربية مع الأسف. الا انه على نقيض اولئك، كان البعض الآخر ممن يتصف باللطف والوداعة وجمال الروح والأخلاق وباستخدامه النهج السليم في التعامل مع طلبته، يستمع لهم باهتمام، يشجعهم ويثني على قدراتهم العلمية ولايقيم حواجزا بينه وبينهم مطلقا مع احتفاظه بشخصيته ومكانته كمدرس.

ولابد هنا من ذكر بعض المدرسين من ذوي المكانة المتميزة آنذاك بسبب مهارتهم في التدريس وسلوكهم التربوي، لعل على رأس هؤلاء مدرس الفيزياء اللامع الأستاذ القدير (مؤيد سعيد) ابن الطائفة الغني عن التعريف، فاضافة الى كونه حاذقا كفوءا كمدرس، كان طيبا متواضعا محبوبا من طلبته، الا ان شعبتنا في السادس العلمي لم تكن لسوء الحظ ضمن مجموعة الشُعب التي يُدّرسها الأستاذ مؤيد، فكنا نستغل الدروس الشاغرة او غير المهمة للألتحاق بالصف الذي يقوم بتدريسه، وكان يحقق سنويا نسبة نجاح كبيرة.

كذلك لاتزال عالقة في ذاكرتي وبقوة، صورة وأسلوب مدرس الكيمياء العبقري (كمال النعيمي) الذي كان متمكنا في تخصصه بشكل منقطع النظير، وفي رأيي الشخصي ان مدرسا بمستواه يمكن له ان يكون أستاذا جامعيا بامتياز. كان بإمكان هذا المدرس الأجابة على أي سؤال وحل أي معادلة وتفسير أي قانون في علم الكيمياء، ببساطة وبكثير من الثقة في النفس. كما كان حضوره يفيض حيوية ونشاطا رغم كبر سنه آنذاك. وكان صبورا طويل البال لاتزعجه ولاتربكه اسئلتنا ومداخلاتنا العديدة اثناء اِلقائه محاضراته.

ولايغيبن عن بالي المدرس الأكثر طيبة وتواضعا، انه صاحب الذكر الطيب مدرس العربية الفذ (الأستاذ نواف)، ربما يندر ان نجد لهذا المدرس مثيلا بين المدرسين لما يمتلكه من اخلاق فاضلة وصفات جميلة، رجل متواضع وقور، تربوي من طراز خاص، يتعامل مع الطلبة تعاملا ابويا ودودا الى ابعد الحدود، لا تفارق الأبتسامة الهادئة مُحيّاه، لديه أسلوب سلس في الشرح والتدريس، لم يُخطئ بحق احد من الطلبة قط. ولا أظن ان أحدا ممن تتلمذ على يديه سوف ينساه مطلقا.

كذلك لابد من استذكار أسماء بعض المميزين من مدرسي هذه الإعدادية، كالأستاذ (مهدي قدرة) مدرس اللغة العربية المخضرم، والأستاذ (طالب الحاج) مدرس الرياضيات صديق الطلبة الودود، والأستاذ (نزار الوهاب) مدرس الأنجليزية الظريف المجامل الذي اصبح مديرا عاما في وزارة التربية، و(سامي بطي) مدرس الكيمياء ذو الشخصية المميزة، وغيرهم.

الا اني وبعد ذكر تلك الأسماء اللامعة من مدرسي اعداديتنا العريقة، لابد لي ان اذكر بفخر واعتزاز المدرس الذي كنت معجبا بشخصيته وفاعلية حضوره وطريقته المميزة في التدريس، واعتبرته بحق المثال الأعلى بين المدرسين، انه الأستاذ (صلاح جبار عوفي) ابن الطائفة المقيم في السويد حاليا. كان الأستاذ صلاح مدرسا كفوءا نشطا صبورا، عُرف بأسلوبه المتزن في إدارة صفه الدراسي وتفانيه في مهنته. كان ودودا لطيفا في تعامله مع الطلبة، وحازما حين يقتضي الموقف حزما الا انه لا يجرح ولا يوبّخ. فأحبه تلامذته بصدق. وكان من المدرسين القلائل الذين لاينال منهم الطلبة مايناله مدرسون آخرون من الشتائم والسخرية بغيابهم. لم اكن اعلم انه صابئي، وقد علمت ذلك فيما بعد فزدت به اعجابا وبطائفتي افتخارا.

ووفاء وتقديرا مني له، اود هنا ذكر شيء موجز عن سيرته التدريسية.
تخرج الأستاذ صلاح من كلية العلوم تخصص بايولوجي في العام 1971 ، ثم عمل مدرسا في مدينة سوق الشيوخ مسقط رأسه، ثم في بغداد (متوسطة سيناء) حتى عام 1977 ، بعدها تم تنسيبه الى الإعدادية المركزية بسبب اخلاصه ومهارته في التدريس. بقي في المركزية حتى عام 1990 ثم اُضطر الى التقاعد بسبب الضغوط السياسية. وكان قد عمل مدرسا أيضا في الإعدادية النظامية لموسمين متتاليين. خلال خدمته في الأعدادية المركزية ساهم في تطوير مختبر الأحياء وقام بتفعيل الدروس العملية في المختبر وساهم مع اللجنة الوزارية في تطوير مناهج علم الأحياء للدراسة الأعدادية.

كذلك عرفتُ في الأستاذ صلاح ثقته الكبيرة بقدراته العلمية وبحبه لمهنته واحترامه لبيئة ومتطلبات تلك المؤسسة التعليمية (المدرسة المركزية)، كنت اراه الشخصية الأقوى بين المدرسين رغم كونه الأصغر سنا بينهم، فهو لم يتجاوز سن الثامنة والعشرين حين بدأ خدمته في تلك الإعدادية مدرسا لمادة الأحياء. تعرفنا عليه كطلبة في الرابع العام، شابا وسيما، حسن المظهر، شديد الجدية، ولا أتذكر حصول مشكلة واحدة بينه وبين طلبته. وكان يحقق سنويا نسبة نجاح تتجاوز 90% مثلما علمت.

اِلتقيتُ والأستاذ صلاح في سنوات لاحقة وتعارفنا عن قرب فأكتشفت فيه من التواضع وحب العمل الشئ الكثير، وازداد تواصلنا مع بعض حين عملنا معا قبل 18 عام كأعضاء في هيئة تحرير مجلة آفاق مندائية حين كانت في اوج رونقها وانتشارها. الا اننا افترقنا بسبب الهجرة، منذ العام 1999 وحتى اليوم.

خلال زيارتي الأخيرة الى بغداد صيف عام 2015 قمت بزيارة مدرستي الأثيرة (المركزية) والتقطت بعض الصور لواجهتها ولبعض المباني المحيطة بها والأزقة القديمة القريبة منها، لتبقى تلك الصور شاهدا على مرحلة زمنية جديدة تمر على هذه المدرسة العريقة.

نشرت في تاريخ
الجمعة, 24 شباط/فبراير 2017 18:56

أساطير الطور الصُبيّْ

(( الآن أسير في شوارع باريس وكأنني أجلس الأن في صريفة الصف في مدرستي .أصافح خيال شيراك وأزور اللوفر ، وأتحسس بنطال رامبو واهدي صبغاً أسوداً لشيب الممثلة برجيت باردو وأرمي لقططها والفقمة سمكاً من هور سوق الشيوخ.. ثم أعود مشيا إلى وطني ولم أحتفل. فيسكنني الحنين الى الآه وأويلاه ..أويلاه .. لأهمس لكل عارضات الأزياء في محلات الشانزليزيه :عذب هذا الطور الصبي من شجن القصب أتى ومن صوت الناعور))
هذه المقدمة القديمة في واحدة من نصوص كتاباتي عن الوجود المندائي في مناطق الاهوار ومدن جنوب سومر حيث كتبت أكثر من مرة عن الطور الصبي ونشأته الأولى في قضاء سوق الشيوخ حيث للصابئة المندائيين محلة كبيرة في ضواحي المدينة وتقع في الطريق الرابط بين مركز القضاء وناحية العكيكة غير بعيد بمرمى النظر عن حافات الاهوار الجنوبية القريبة من كرمة بني سعيد . وحتى أبقيَّ تلك البحة المندائية التي صنعتها حنجرة المندائي ( روحي شعلان ) يوم خاف من سيف متصرف المدينة ناصر باشا السعدون ، ونطق لسان حاله بتلك الأويلاه التي خلقت هذا الطور الساحر الذي سجل بأسمه كأختراع كما سجلت النظرية النسبية بإسم ألبرت أينشتاين .
أبقيها ساكنة في تلك النغمة السومرية التي ترتدي ثوب زهرون العراف المندائي الذي كان يزور قريتنا بزورقه وهو يصحب بصوته نشيده الاولي الفاتن ، الطور الصبي الذي يغنيه بعذوبة تفوق عذوبة المطرب جبار ونيسه وولده المرحوم ستار جبار الذي مات محترقا بمدفئة نفطية في ليل التعتيم في حرب عام 1991 .
لكن حين تحل عطلة الصيف في السبعينيات أفتقد نشوة ذلك الحنين الذي تعلم أصول اداءه شغاتي من زهرون المندائي فصار يمتعنا به كلما مللنا من سهرات الاغنيات المصرية فيكون الطور بوابة الحنين الى جعل نجوم الليل تنشد قداس الحمد الازلي لطبيعة الماء والقصب والالهة النائمة في الأيشنات الاثرية التي تقع على بعد اميال قليلة من قريتنا.
وحتى أبقي تلك الليالي صادحة في مسامع ذكرى شغاتي وريكان ورائحة المكان الجميل كنت أحمل قدمي الى شارع الجمهورية في مدينة الناصرية حيث تقع تسجيلات ( أبو عود ) .
هذا المكان الذي يصدح بالغناء والحنين وتتناوب فيه مدائح الموسيقى بصوت عبد الوهاب والسيدة أم كلثوم وحضيري أبو عزيز وداخل حسن وخضير مفطورة وأسمهان .
هذا المكان كان يشبه بوابة معابد الصدى في ازمنتنا يوم دخلت عالمنا اشرطة البكرة في مسجلات الفيليبس والأكاي والكاسيتات التي جلبتها مسجلات السانيو والسوني وقبلها كانت أسطوانات قامقجي التي تحمل الالحان الخالدة لليهودي صالح الكويتي مموسقة بدهشة حلوة بين طيات سليمة مراد ومنيرة الهوزوز ونرجس شوقي.
كان محل أبو العود محطة لدقائق يستريح فيها كل مار وهو يذهب لشراء حذاء جديدا من شركة باتا أو لينتعش بقدح من شراب الزبيب الذي يتقن صنعه المرحوم الحاج ابو سلام الدوشمجي أو يذهب ليصلح مسجله العاطل عند المرحوم عبد الحر الذي اعتاد بعض الليالي على استضافة المطرب الرائع حسن حياوي لينشد في قارعة الطريق اغنيته الحياوية ( أكل يا عنز والدباغ يولاك ) أو أولئك الذي يذهبون لحلاقة شعرهم عند هاتف الحلاق .
هذه الوقفة القصيرة هي متعة السير في شارع الجمهورية ، حيث يسكنني الحنين الى وجه شغاتي عندما اتسمر امام تسجيلات ابو العود ، واهمس لولده الكبير ( جواد ) ارجوك اسمعنا طورا صبياً .
فنسمع ...
يختفي صوت فريد وفيروز وناظم العزالي ، وحده صوت زهرون وجبار ونيسة وشغاتي يعيدون حلم ليالي هذا الطور فيما القصب ينصت خاشعا مثل كهنة سومريين عادوا للتو من احتفال توديع جلجامش في سفرته الشهيرة.

نشرت في تاريخ
الصفحة 1 من 6