السبت, 25 آذار/مارس 2017 21:19

الواوي وبشوش الصّبة

عاش المندائيون قرب الانهار وعلى مقربة من الاهوار لضرورة دينية او بسبب اتقانهم حرفة صناعة المشاحيف وصيانتها والسبب الاول هو ألأهم وان معظمهم من سكنت المناطق التي تجاور الانهار والسواقي التي يكون فيها الماء متحرك اي المد والجزر وكانت حياتهم بسيطة مسالمة بعيدة عن كل المشاكل التي تحدث ولا يحاولون اثارات أية مشكلة كانت ولهم علاقات طيبة مع جيرانهم ومكتفين باقامة شعائرهم الدينية وتكاد ان تكون بشكل غير علني او معروفة من قبل الجيران وبسرية تامة لمعظم مراسيمهم الدينية ومن خلال حياتهم اليومية المباشرة مع الماء نلاحظ ان اغلب العوائل تقوم بتناول لحم الطيور وبصورة مستمرة سواء في المناسبات الدينية او الايام العادية لذلك نلاحظ ان اغلب العوائل المندائية تقوم بتربية طيور البش والبط والدجاج وغيرها ولما كانت بيوتهم غالبا ماتكون محاطة بالنخيل والاشجار وكثيفة الزواية نلاحظ ان حيوان الواوي كثير ما يسرق هذه الطيور ليلا او حتى في النهار لذلك نشأت عداوة كبيرة بين المندائي وهذا الحيوان ومن هنا انشد الشعراء كثير من القصائد يصفون فيها هذه المشكلة الكبيرة ، ان هذا النوع من الشعر شكوى علنية ليس فقط ضد هذا الحيوان وسرقته للطيور وانما شكوى من ظلم المجتمع العشائري المتسلط على رقابهم ، شكوى من سائر المجتمع الذي يحارب هذه الفئة المسالمة الضعيفة لنبدا بما قاله احد الشعراء في صراع واوي مع المندائي وسرقة طيورهم ...
ألك روح اليواوي وتوصل الدكان
ولك روح التبوگ أبشوش أبن شنان
مرته كاضه الفاس وهو لازم الفاعوس
يگلهه جلده كله أفلوس
حس لا تسمع الجيران
ألك روح اليواوي وتوصل الدكان
أما الشاعر سوادي واجد جثيركان قد دعى أبن أخته نعمة بن حسحوس الى الغداء فقد أشترى ثلاثة طيور بش للوليمة وفي الليل هجم الواوي على الطيور وسرق الذكر وأفترسه فحزن الشاعر وقال ..
أنهجم بيتك يواوي أشوصلك لينه
خوفت الذكر ماعت مصارينه
خوفت الذكر موعت شحم البيه
ياملعون عضك من فخذ رجليه
نتوله الواوي ياهو اليحميه
احنه اولاد الابيض ولك ناسينه
ناسينه يواوي لو لزمنه الفوس
وأبن شنان فلش راسك أبفاعوس
ماتدري الغده أمخصص لبن حسحوس
عضتك صارت سبب ها الاثرت بيه
وقد شكل هذا الحيوان مشاكل كثيرة لجميع المندائيين في سرقة طيورهم فكتب شعرائهم وصفا للاحداث وقد يحتوي قسما منه على كتابات ساخرة أخذت جزء من التراث المندائي في الشعر القديم ولكنه يحتوي على صور شعرية وصفية رائعة المعاني توصل الى القارئ بسهولة ويسر وقد صبوا نار غضبهم ورفضهم لتلك الحياة تحت رحمة نظام الاقطاع العشائري القاسي الذي عاشوا فيه بذل وخوف وقلق تحت سيطرة ما لا يستحقون الحيأةوعندما أصبح جلد هذا الحيوان غالي الثمن أصبح صيده وبيعه تجارة رابحة بسببين الاول التخلص منه ومن سرقة طيورهم والحفاظ عليها والثاني أصبح لبيع الجلد مردود مادي وهنا قال الشعراء ..
اشرد يبو أروشد شوفلك نيه
كل أذراع من جلدك بربيه ..
قال الشاعر منصور درپاش ..
عمچ ياسليمة ماخذ النهران
كل واوي اليمر يركض وره عريان
أنه ياسليمة عيب أرد فشلان
لجيبلچ واوي من الحبنتيه
وهن أنشد سوادي ...
أشرد يبو أرويشد شوفلك ديرة
كل أذراع من جلدك أبنص ليرة
شفت مرزوگ يصلخ صوفته شهيرا
حصينية أثنين چاتفهن بالثنيه
أجابه الشاعر سلوم ...
أمن يبو اروشد جازت التجار
خلافك كل فقير أبعيشته محتار
سوادي خاب حظه ورافگ الشعار
ومكحل أعيونه وكاض عوجيه
وهنا قال منصور درباش ...
منك يبو أروشد راحت الحيله
اليشوفك يگول كضولي أبو جعيله
بعد عيني يسالم چلب أبذيله
يگله أشلون اهدك بيك خرجيه
اما الشاعر رابع بن زغير فقال ....
آنه بشوري سوادي يذب الفاس
يگطع الصجم بيده ويلزم المگراص
آله بالواوي شطفه وفتيل وقندرة والباس
وزخمه وزبون وثمن خاچيه
هكذا كانوا المندائيون يتمردون على الواقع الاجتماعي والتعبير عن طريق التهكم والهجاء وأحيانا القسوة والتهجم على أهلهم وناسهم وحتى أقرب الناس لهم ، نلاحظ في قصيدة غانم العيداني حول نفس موضوع الواوي والتحدي فيها نوع من الشجاعة والبسالة وصرخة المظلوم وقد كتبت هذه القصيدة عام 1938ويقول فيها مخاطبا أهله وعشيرته وناسه ...
أريد أنخه عمامي أنگوم حربيه
نگض أسلاحنه ونگطع الواويه
نگض أسلاحنه ونركض فرد ركضه
وكل واوي اليجينه أنگوم وأنكضه
كسر هاي الثنيه وديچنه عضه
ومتوسف تراني أبن الهراتيه
متوسف تراني ديچ أبو عنفيش
أكل لحمه تراهووظال بس الريش
على هاذي العيله بعد عيب أنعيش
گولو لبو ارويشد ايشوفله نيه
وهنا يجيبه الواوي بتحدي ...
أعوي أعله الرصاص أضيع بالدخان
فن واحد يجيني..موش بس السان
وكلمن دش ثنيتي ..أگطع چلاويه
وسنتناول هذه القصيدة بالكامل عند الحديث عن الشاعر غانم العيداني لاحقا ...

سيدني استراليا
اواسط اذار 2017

نشرت في تاريخ

الجزء الثاني والأخير- الدراسة والهيئة التدريسية

لابد عند الحديث عن الإعدادية المركزية من ذكر شيء عن الكادر التدريسي المتميز والكبير الذي كان يؤدي دوره التعليمي فيها، فبعض من مدرسي هذه الأعدادية اصبحوا اعلاما على مستوى مدارس بغداد يذكرهم الطلبة والمدرسون والمشرفون التربويون في كل مناسبة، ويعتز بهم ويفتخر من حالفه الحظ فتتلمذ على ايديهم. لايكفي ان يكون المدرس متمكنا في تخصصه، حاذقا في طريقة تدريسه أو ممتلكا القدرة على توصيل المعلومة بطريقة ذكية متفردة، بل لابد له ايضا ان يمتلك أسلوبا تربويا سليما في التعامل، من خلال الأهتمام بطلبته ورعايتهم والتقرب منهم، وان يتصف بالأتزان وعدم الأنفعال السريع وعدم الأساءة للطلبة وان يخلق فيهم روح المثابرة والتفاؤل دوما.

ان الوزارة التي تقود المؤسسات التعليمية عندنا تسمى وزارة (التربية والتعليم) وليس التعليم فقط، وذلك لكون مهنة التعليم تربوية أساسا، وعلى هذا الأساس اُطلق على المعلم اسم (المربي) لأنه يضطلع بمهمة تربية الأجيال وتعليمهم، فهو يمارس التربية الأجتماعية والنفسية من خلال الأهتمام بالطلبة ومتابعة مشاكلهم ومعرفة مايعوق حياتهم الدراسية. اذن فليست مهمة المعلم، التعليم فقط .

في الإعدادية المركزية كان بعض المدرسين ممن يمتلك تلك المزايا والصفات فتجده محبوبا من طلبته، كفوءا وناجحا في قيادتهم الى طريق النجاح وبمهارة. الا ان البعض الآخر للأسف لم يكن يمتلك ادنى مؤهل تربوي في التعامل مع طلبته، فتراه خشنا في أسلوبه، متعاليا في تعامله، حدي في اجاباته وردوده، لايساعد ولايسامح. ومدرس بهذه الصفات يكون قد اقام حواجزا وجدرانا متينة بينه وبين الطلبة ينعدم أزاءها التواصل السليم بين الطرفين، ومن الطبيعي في ظل أجواء كهذه ان تُخلق مشكلة نفسية كبيرة لدى الطالب الذي يبدأ لا شعوريا برفض تلك المادة (الدرس) ويصبح كلاهما (المدرس والدرس) بمثابة كابوس على الطالب مما يؤدي بالنتيجة الى فشله. المشكلة والخطأ الكبير في مدارسنا هو اهتمام المدرسين وحتى الأداريين بالمتفوقين واِهمالهم المتأخرين دراسيا، في حين ينبغي ان تكون المتابعة والأهتمام الحقيقي بالمتأخرين لمعرفة ظروفهم ومشاكلهم وأسباب تراجع مستواهم الدراسي، مثلما يحصل من المتابعة في بلاد الغرب.

وكطالب سابق في الإعدادية المركزية لاأرغب في استذكار بعض المدرسين وسلوكهم ونهجهم في التدريس وفي التعامل مع الطلبة لأنه كان سيئا للغاية، فهؤلاء كانوا يتصفون للأسف بالعجرفة والأسلوب الجاف وسرعة الأنفعال والتعامل غير الودي مع الطلبة، وذلك كان يجعلنا لانكره ذلك المدرس ودرسه فحسب، انما نكره اليوم الذي تكون لنا حصة معه. وأمر كهذا شائع في مدارس العراق والبلاد العربية مع الأسف. الا انه على نقيض اولئك، كان البعض الآخر ممن يتصف باللطف والوداعة وجمال الروح والأخلاق وباستخدامه النهج السليم في التعامل مع طلبته، يستمع لهم باهتمام، يشجعهم ويثني على قدراتهم العلمية ولايقيم حواجزا بينه وبينهم مطلقا مع احتفاظه بشخصيته ومكانته كمدرس.

ولابد هنا من ذكر بعض المدرسين من ذوي المكانة المتميزة آنذاك بسبب مهارتهم في التدريس وسلوكهم التربوي، لعل على رأس هؤلاء مدرس الفيزياء اللامع الأستاذ القدير (مؤيد سعيد) ابن الطائفة الغني عن التعريف، فاضافة الى كونه حاذقا كفوءا كمدرس، كان طيبا متواضعا محبوبا من طلبته، الا ان شعبتنا في السادس العلمي لم تكن لسوء الحظ ضمن مجموعة الشُعب التي يُدّرسها الأستاذ مؤيد، فكنا نستغل الدروس الشاغرة او غير المهمة للألتحاق بالصف الذي يقوم بتدريسه، وكان يحقق سنويا نسبة نجاح كبيرة.

كذلك لاتزال عالقة في ذاكرتي وبقوة، صورة وأسلوب مدرس الكيمياء العبقري (كمال النعيمي) الذي كان متمكنا في تخصصه بشكل منقطع النظير، وفي رأيي الشخصي ان مدرسا بمستواه يمكن له ان يكون أستاذا جامعيا بامتياز. كان بإمكان هذا المدرس الأجابة على أي سؤال وحل أي معادلة وتفسير أي قانون في علم الكيمياء، ببساطة وبكثير من الثقة في النفس. كما كان حضوره يفيض حيوية ونشاطا رغم كبر سنه آنذاك. وكان صبورا طويل البال لاتزعجه ولاتربكه اسئلتنا ومداخلاتنا العديدة اثناء اِلقائه محاضراته.

ولايغيبن عن بالي المدرس الأكثر طيبة وتواضعا، انه صاحب الذكر الطيب مدرس العربية الفذ (الأستاذ نواف)، ربما يندر ان نجد لهذا المدرس مثيلا بين المدرسين لما يمتلكه من اخلاق فاضلة وصفات جميلة، رجل متواضع وقور، تربوي من طراز خاص، يتعامل مع الطلبة تعاملا ابويا ودودا الى ابعد الحدود، لا تفارق الأبتسامة الهادئة مُحيّاه، لديه أسلوب سلس في الشرح والتدريس، لم يُخطئ بحق احد من الطلبة قط. ولا أظن ان أحدا ممن تتلمذ على يديه سوف ينساه مطلقا.

كذلك لابد من استذكار أسماء بعض المميزين من مدرسي هذه الإعدادية، كالأستاذ (مهدي قدرة) مدرس اللغة العربية المخضرم، والأستاذ (طالب الحاج) مدرس الرياضيات صديق الطلبة الودود، والأستاذ (نزار الوهاب) مدرس الأنجليزية الظريف المجامل الذي اصبح مديرا عاما في وزارة التربية، و(سامي بطي) مدرس الكيمياء ذو الشخصية المميزة، وغيرهم.

الا اني وبعد ذكر تلك الأسماء اللامعة من مدرسي اعداديتنا العريقة، لابد لي ان اذكر بفخر واعتزاز المدرس الذي كنت معجبا بشخصيته وفاعلية حضوره وطريقته المميزة في التدريس، واعتبرته بحق المثال الأعلى بين المدرسين، انه الأستاذ (صلاح جبار عوفي) ابن الطائفة المقيم في السويد حاليا. كان الأستاذ صلاح مدرسا كفوءا نشطا صبورا، عُرف بأسلوبه المتزن في إدارة صفه الدراسي وتفانيه في مهنته. كان ودودا لطيفا في تعامله مع الطلبة، وحازما حين يقتضي الموقف حزما الا انه لا يجرح ولا يوبّخ. فأحبه تلامذته بصدق. وكان من المدرسين القلائل الذين لاينال منهم الطلبة مايناله مدرسون آخرون من الشتائم والسخرية بغيابهم. لم اكن اعلم انه صابئي، وقد علمت ذلك فيما بعد فزدت به اعجابا وبطائفتي افتخارا.

ووفاء وتقديرا مني له، اود هنا ذكر شيء موجز عن سيرته التدريسية.
تخرج الأستاذ صلاح من كلية العلوم تخصص بايولوجي في العام 1971 ، ثم عمل مدرسا في مدينة سوق الشيوخ مسقط رأسه، ثم في بغداد (متوسطة سيناء) حتى عام 1977 ، بعدها تم تنسيبه الى الإعدادية المركزية بسبب اخلاصه ومهارته في التدريس. بقي في المركزية حتى عام 1990 ثم اُضطر الى التقاعد بسبب الضغوط السياسية. وكان قد عمل مدرسا أيضا في الإعدادية النظامية لموسمين متتاليين. خلال خدمته في الأعدادية المركزية ساهم في تطوير مختبر الأحياء وقام بتفعيل الدروس العملية في المختبر وساهم مع اللجنة الوزارية في تطوير مناهج علم الأحياء للدراسة الأعدادية.

كذلك عرفتُ في الأستاذ صلاح ثقته الكبيرة بقدراته العلمية وبحبه لمهنته واحترامه لبيئة ومتطلبات تلك المؤسسة التعليمية (المدرسة المركزية)، كنت اراه الشخصية الأقوى بين المدرسين رغم كونه الأصغر سنا بينهم، فهو لم يتجاوز سن الثامنة والعشرين حين بدأ خدمته في تلك الإعدادية مدرسا لمادة الأحياء. تعرفنا عليه كطلبة في الرابع العام، شابا وسيما، حسن المظهر، شديد الجدية، ولا أتذكر حصول مشكلة واحدة بينه وبين طلبته. وكان يحقق سنويا نسبة نجاح تتجاوز 90% مثلما علمت.

اِلتقيتُ والأستاذ صلاح في سنوات لاحقة وتعارفنا عن قرب فأكتشفت فيه من التواضع وحب العمل الشئ الكثير، وازداد تواصلنا مع بعض حين عملنا معا قبل 18 عام كأعضاء في هيئة تحرير مجلة آفاق مندائية حين كانت في اوج رونقها وانتشارها. الا اننا افترقنا بسبب الهجرة، منذ العام 1999 وحتى اليوم.

خلال زيارتي الأخيرة الى بغداد صيف عام 2015 قمت بزيارة مدرستي الأثيرة (المركزية) والتقطت بعض الصور لواجهتها ولبعض المباني المحيطة بها والأزقة القديمة القريبة منها، لتبقى تلك الصور شاهدا على مرحلة زمنية جديدة تمر على هذه المدرسة العريقة.

نشرت في تاريخ
الجمعة, 24 شباط/فبراير 2017 18:56

أساطير الطور الصُبيّْ

(( الآن أسير في شوارع باريس وكأنني أجلس الأن في صريفة الصف في مدرستي .أصافح خيال شيراك وأزور اللوفر ، وأتحسس بنطال رامبو واهدي صبغاً أسوداً لشيب الممثلة برجيت باردو وأرمي لقططها والفقمة سمكاً من هور سوق الشيوخ.. ثم أعود مشيا إلى وطني ولم أحتفل. فيسكنني الحنين الى الآه وأويلاه ..أويلاه .. لأهمس لكل عارضات الأزياء في محلات الشانزليزيه :عذب هذا الطور الصبي من شجن القصب أتى ومن صوت الناعور))
هذه المقدمة القديمة في واحدة من نصوص كتاباتي عن الوجود المندائي في مناطق الاهوار ومدن جنوب سومر حيث كتبت أكثر من مرة عن الطور الصبي ونشأته الأولى في قضاء سوق الشيوخ حيث للصابئة المندائيين محلة كبيرة في ضواحي المدينة وتقع في الطريق الرابط بين مركز القضاء وناحية العكيكة غير بعيد بمرمى النظر عن حافات الاهوار الجنوبية القريبة من كرمة بني سعيد . وحتى أبقيَّ تلك البحة المندائية التي صنعتها حنجرة المندائي ( روحي شعلان ) يوم خاف من سيف متصرف المدينة ناصر باشا السعدون ، ونطق لسان حاله بتلك الأويلاه التي خلقت هذا الطور الساحر الذي سجل بأسمه كأختراع كما سجلت النظرية النسبية بإسم ألبرت أينشتاين .
أبقيها ساكنة في تلك النغمة السومرية التي ترتدي ثوب زهرون العراف المندائي الذي كان يزور قريتنا بزورقه وهو يصحب بصوته نشيده الاولي الفاتن ، الطور الصبي الذي يغنيه بعذوبة تفوق عذوبة المطرب جبار ونيسه وولده المرحوم ستار جبار الذي مات محترقا بمدفئة نفطية في ليل التعتيم في حرب عام 1991 .
لكن حين تحل عطلة الصيف في السبعينيات أفتقد نشوة ذلك الحنين الذي تعلم أصول اداءه شغاتي من زهرون المندائي فصار يمتعنا به كلما مللنا من سهرات الاغنيات المصرية فيكون الطور بوابة الحنين الى جعل نجوم الليل تنشد قداس الحمد الازلي لطبيعة الماء والقصب والالهة النائمة في الأيشنات الاثرية التي تقع على بعد اميال قليلة من قريتنا.
وحتى أبقي تلك الليالي صادحة في مسامع ذكرى شغاتي وريكان ورائحة المكان الجميل كنت أحمل قدمي الى شارع الجمهورية في مدينة الناصرية حيث تقع تسجيلات ( أبو عود ) .
هذا المكان الذي يصدح بالغناء والحنين وتتناوب فيه مدائح الموسيقى بصوت عبد الوهاب والسيدة أم كلثوم وحضيري أبو عزيز وداخل حسن وخضير مفطورة وأسمهان .
هذا المكان كان يشبه بوابة معابد الصدى في ازمنتنا يوم دخلت عالمنا اشرطة البكرة في مسجلات الفيليبس والأكاي والكاسيتات التي جلبتها مسجلات السانيو والسوني وقبلها كانت أسطوانات قامقجي التي تحمل الالحان الخالدة لليهودي صالح الكويتي مموسقة بدهشة حلوة بين طيات سليمة مراد ومنيرة الهوزوز ونرجس شوقي.
كان محل أبو العود محطة لدقائق يستريح فيها كل مار وهو يذهب لشراء حذاء جديدا من شركة باتا أو لينتعش بقدح من شراب الزبيب الذي يتقن صنعه المرحوم الحاج ابو سلام الدوشمجي أو يذهب ليصلح مسجله العاطل عند المرحوم عبد الحر الذي اعتاد بعض الليالي على استضافة المطرب الرائع حسن حياوي لينشد في قارعة الطريق اغنيته الحياوية ( أكل يا عنز والدباغ يولاك ) أو أولئك الذي يذهبون لحلاقة شعرهم عند هاتف الحلاق .
هذه الوقفة القصيرة هي متعة السير في شارع الجمهورية ، حيث يسكنني الحنين الى وجه شغاتي عندما اتسمر امام تسجيلات ابو العود ، واهمس لولده الكبير ( جواد ) ارجوك اسمعنا طورا صبياً .
فنسمع ...
يختفي صوت فريد وفيروز وناظم العزالي ، وحده صوت زهرون وجبار ونيسة وشغاتي يعيدون حلم ليالي هذا الطور فيما القصب ينصت خاشعا مثل كهنة سومريين عادوا للتو من احتفال توديع جلجامش في سفرته الشهيرة.

نشرت في تاريخ
الإثنين, 05 كانون1/ديسمبر 2016 20:56

الموطن الأصلي لديانة الصابئة المندائيين

 

ربما كان البحث في أصول ديانة قديمة يشوب تأريخها ونشأتها الغموض والسرية وتنحسر عنها المصادر التأريخية والدينية، ناهيك عن صعوبة القراءة والأطلاع على الكتب الروحية المقدسة لأتباع تلك الديانة والبحث في نصوصها لكونها دونت بلغة قديمة غير متداولة اليوم، ان الكتابة والبحث عن أصول وتأريخ ديانة كهذه هو أشبه ما يكون بالسير على أرض جليدية بأقدام عارية، فالأسترسال في المسير من ناحية قد يؤدي الى الأنزلاق والسقوط في متاهات الجليد، ومن ناحية اخرى فأن التوقف في منتصف الطريق فوق ارض متجمدة يؤدي حتما الى الأكتواء ببرودة تلك الأرض. ولكن في كل الأحوال فان كل خطوة اذا لم تؤدِ الى الهدف فأنها حتما ستؤدي الى الخطوة التالية.
ان جذور وأصول ديانة الصابئة المندائيين غير معروفة على وجه الدقة ويشوبها الغموض، ولعل السبب في ذلك هو قدمها وانعزال أتباعها وانغلاقهم الديني الشديد نتيجة تعرضهم لأضطهادات ومضايقات متواصلة على مر تأريخهم الطويل، وقد أدى ذلك التشتت والهجرات والأزمات المستمرة إلى ضياع الكثير من الوثائق والمدونات التي سجلت مسيرتهم عبر التاريخ ووثقت نمط حياتهم وفكرهم ومعتقداتهم. وما بقي منها لا يعدو كونه وثائق معدودة ونادرة، وقد تكون طالتها يد التشويه والتحريف. لهذا لايمكن للدارسين والمتخصصين أن يرسموا من خلالها صورة متكاملة لمسيرة هذه الديانة القديمة وأن يحددوا فترة ظهورها وانتشارها على وجه اليقين، فهنالك حتما جوانب هامة ومراحل طويلة اختفت تحت غبار المجهول .

أصل تسمية الصابئة
اُشتقت كلمة (صابئة) من الفعل (صَبأ) أو (صَبَغ) كما تلفظ اليوم، وهي كلمة مندائية آرامية تعني انغمر في الماء أو تعمّد، وكلمة الصابئة تعني الصابغة أو المتعمدون بالماء. وأُطلقت هذه التسمية على أتباع هذه الديانة بسبب ممارستهم التعميد الذي يعتبر طقسا أساسيا ورئيسيا من طقوسهم الدينية. فهم يقولون نحن الصابئة، أي الصابغة (اذ لاوجود لحرف الغين في اللغة المندائية)، ولا علاقة لهذه الكلمة بكلمة (صبأ) العربية التي تعني خروج الفرد من ديانة أسلافه الى ديانة اخرى موحدة. أما كلمة (مندائي) المقترنة بهم أيضا فهي مشتقة من كلمة (مندا) الأرامية والتي تعني المعرفة أو العلم. والمعرفة المقصودة هنا هي المعرفة اللاهوتية التي تتمحور حول الخالق وطبيعته وصفاته.
الصابئة المندائيون اليوم هم جزء من سكان وادي الرافدين، يشكلون أقلية دينية بين الأقوام والطوائف الأخرى التي يتكون منها شعب هذا الوادي العريق. ذكرتهم بعض كتب التأريخ ووصفتهم بانهم فئة أو طائفة دينية سكن معظم أتباعها، خلال القرون الماضية، القسم الجنوبي من وادي الرافدين. كما تشير الوثائق التأريخية واللقى الآثاريه ان بعضا منهم سكن جبال ميديا وسفوح جبال بشت كاوة شمالي العراق، واضافة الى وادي الرافدين فقد سكن الصابئة قديما اماكن اخرى كفلسطين (أورشليم تحديدا) ومدينة حاران شمال شرقي سوريا، كما اِستوطنوا قديما وحديثا الجزء الجنوبي الغربي من ايران. ويتميز أتباع هذه الديانة بأرتداء الأردية البيضاء وهي لباسهم الديني، ويتخذون من التعميد طقسا أساسيا، والصابئة يفضلون السكن على ضفاف الأنهار بسبب حاجتهم الدائمة الى الماء الجاري المتجدد لأجراء طقوسهم.
لم يختلف الباحثون والمختصون في الأديان في أمر طائفة دينية معينة مثلما اِختلفوا وحاروا في أمر الصابئة المندائيين وديانتهم، وسبب ذلك الأختلاف هو الجهل بحقيقة الأمور، اذ لم يكن لديهم ما يعينهم على معرفة أسرار هذه الديانة وبواطنها وكان لذلك الجهل اسبابه، فأضافة لما ذكر سابقا من قبيل تكتم أبناء هذه الديانة وقلة المصادر التي تتحدث عنهم وصعوبة لغتهم (اللغة المندائية) واندثارها، فهنالك أسباب آخرى مهمة منها، التقارب والتشابه (من ناحية بعض تعاليمها وطقوسها) بينها وبين ديانات اخرى كالمسيحية واليهودية، اضافة الى التقائها الفكري مع تيارات دينية غنوصية كانت معاصرة لها كالأسينيين والمانويين والزرادشتيين والحسح والمعمدانيين والقمرانيين والكسائيين والنوصيرم وغيرهم، سيما وان معظم هذه الطوائف اِستوطنت وادي الرافدين وبلاد الشام أيضا. فطوال فترة القرنين السابقين لظهور المسيح والقرنين اللاحقين له كانت منطقة الشرق الأوسط نقطة ولادة وانطلاق للكثير من الحركات الفكرية والمعتقدات والأديان، نتيجة اِختلاط وتمازج الثقافات والشعوب والأفكار واللغات مع بعضها وتعايشها في رقعة جغرافية واحدة.

كما ان اختلاط المسميات على الباحثين أوقعهم في حال من التشويش والضبابية اِنعدمت معها رؤية صورة الحقيقة كاملة، وادى ذلك الى الخلط والى القصور في التحليل فذهبت نتائج الأبحاث بعيدا عن الصابئة المندائيين بدلا من الاقتراب منهم. والصابئة المندائيون في حقيقتهم ساميون شأنهم في ذلك شأن العبرانيين والبابليين والكلدان والآشوريين والعرب والآراميين وغيرهم، وموطن هذه الأقوام جميعها هو وادي الرافدين والجزيرة العربية وبلاد الشام، لكن الباحثين أرادوا الغوص في عمق التأريخ المندائي في محاولة للوصول الى الجذور الحقيقية لهذه الديانة واكتشاف موطنها الأصلي ومنابعها الأولى على وجه التحديد.

ولابد هنا من الأشارة الى ان الكتابين المقدسين، العهد القديم (التوراة) والعهد الجديد (الأنجيل) اللذين يحتويان التاريخ الروحي والمادي للعالم القديم، لم يرد فيهما أي ذكر للصابئة المندائيين، لا كديانة ولا كأتباع، فهل كان تجاهلها كتحصيل حاصل لأنعزال أتباع هذه الديانة وتكتمهم الشديد، ام انها ذُكرت تحت مسمى آخر نجهله؟ واِن كانت ذُكرت تحت مسمى آخر فما سبب زوال تلك التسمية؟ لقد توسع الباحثون الغربيون في البحث عن الموطن الأصلي للصابئة منطلقين من مناهج بحثية حديثة اعتمد بعضها على قرائن في الجانب التأريخي وبعضها الآخر اعتمد على معطيات في الجوانب الجغرافية واللغوية والدينية (المعتقد والطقوس)، وكانت أغلب القرائن تشير الى وجود الصابئة منذ القدم على أرض وادي الرافدين وان ديانتهم انبعثت من هناك وأثرت بمحيطها من النواحي اللغوية والميثولوجية كما أثرت في الجوانب الفكرية والروحية للحضارات التي نشأت وقامت على تلك الأرض.

ففي النصوص الدينية والتراث الأدبي لهذه الطائفة يلاحظ وجود العديد من المفردات والمصطلحات وأسماء الأماكن ذات الصلة بوادي الرافدين، فقد وردت الكثير من المصطلحات والمسميات العراقية في كتابهم المقدس، الكنز العظيم او الكبير (كنزا ربا) والكتب الاخرى، منها على سبيل المثال ذكر لمدينة أور وبابل والطيب والجنائن المعلقة ودجلة والفرات والنخلة والتمر والسبي البابلي وجنة عدن وغيرها الكثير، كذلك وجود أسماء عراقية شرقية قديمة للذكور والأناث، كل ذلك يشير الى ان موطنهم الأصلي هو بلاد وادي الرافدين. ومن الدلائل الأخرى لأثبات الأصل الرافديني للصابئة المندائيين هو وجود الكثير من مفردات لغتهم -اللغة المندائية- ضمن مفردات اللهجة العراقية الدارجة، وهي دليل على التعايش المشترك والطويل لهذه الطائفة على ارض الرافدين، أي عمق وجودها الزمني هناك. وهذه الناحية ربما تشير الى كونهم كانوا كثرة في العدد وليسوا اقلية منعزلة، فالأقلية لا يمكن ان تؤثر في ثقافة الأغلبية، بل الأغلبية هي التي تؤثر في ثقافة وحياة الأقلية، ومعنى ان الصابئة المندائيين كانوا أغلبية يعني بالنتيجة ان وجودهم قديم وسابق للقوميات والطوائف والشعوب التي سكنت البلاد والتي انقرض بعضها كالسومريين والأكديين والبابليين والحضر، كما ذاب بعضها الآخر في العنصر العربي العراقي كالهنود والفرس وغيرهم.

المعروف أيضا ان ديانات قديمة كالسومرية والبابلية والزرادشتية والمانوية قد أستمدت بعض تعاليمها وأفكارها من الديانة المندائية خصوصا على صعيد الفكر الميثولوجي الخاص بأصل الخلق والتكوين والعالم الآخر والعقاب والثواب وغير ذلك، فديانة الصابئة المندائيين وكما يعلم الجميع هي واحدة من أقدم الأديان التوحيدية نشوءا، وبما ان الديانات التي تأثرت بها نشأت قبل الميلاد بفترة طويلة، اذن فالديانة المندائية سابقة الوجود في وادي الرافدين وقبل نشوء هذه الديانات بكثير. كما ان لغة الصابئة – اللغة المندائية - هي اللغة الوحيدة من بين اللغات العديدة الخارجة من ثوب الآرامية التي لها صلة وثيقة باللغة الأكدية، لغة أهل العراق القديم، وهذا دليل معايشة اللغتين في رقعة جغرافية واحدة هي وادي الرافدين.

نشرت في تاريخ
الإثنين, 24 تشرين1/أكتوير 2016 21:19

استذكارٌ لعالم آثار مَنسي

في مطلع التسعينات من القرن الماضي، ولم يكن قد مضى على عملي كمنقب آثار في الهيئة العامة للآثار والتراث سوى بضعة أشهر، حدث أن جاء يوماً أحد الزملاء الى قسم التنقيبات والتحريات الاثرية حيث كنت أعمل، ليبلغ منتسبي القسم (جاء عمو علي).. فما كان من الجميع ألا أن تركوا ما بأيدهم مسرعين الى حيث يتواجد الرجل للترحيب به... بعد قليل وبدافع من الفضول سرت بخطى بطيئة للغرفة التي التقى فيها الزملاء بالضيف المجهول (عمو علي)... عند بابها وقفت أتطلع بالرجل الجالس مُحاطاً بالجميع، وهم يصغون بصمت مُطبق لكلامه كما لو كان أب يروي قصة ً مشوقة لأبنائه، فتراهم يريدون اقتناص كل كلمة يقولها. كان قد تعدى الثمانين من العمر، بسيط الملبس أنيقه.. يجلس بوقارٍ لطيف.. لم تستطع سنين الدهر التي سلبته الصحة وسواد الشعر من أن تسرق أبتسامته الطفولية الجميلة الملازمة لكلامه وحدّة ذكائه الواضحة من عينيه رغم ضعف بصرهما. بقيت بوقفتي هذه عدة دقائق مُمعناً النظر في الرجل حائراً مُحاولاً تحديد هويته، حتى أنتبه هو لوقوفي مُدركاً عدم معرفتي له، فسأل الزملاء كأنه يعرف جميع العاملين في الهيئة (الأخ جديد هنا؟)، بعد أجابتهم بالايجاب دعاني الى مشاركتهم الجلسة ماداً يده لمصافحتي والابتسامة تأبى أن تفارقه، فبادر أحد الزملاء ليزيل حيرتي، أستاذنا (محمد علي مصطفى). ما أن تفوه هذا الاسم حتى عقدت المفاجأة لساني... (أذن هذا هو العالم الكبير الذي طالما درسنا على مدى سنين الدراسة الجامعية أبحاثه واكتشافاته الأثرية وأساليبه المميزة الرائعة في علم التنقيب، والذي كان منذ ثلاثينات القرن الماضي أحد أهم ركائز وأعمدة علم الآثار في العراق ومن أوائل مشيدي ومطوري مؤسسته العلمية)... بعد أنضمامي للجلسة تابعت مع الباقين الأصغاء لحديثه المشوّق ذو الكلمات المعبرة المنتقاة، الذي غلب عليه ذكريات عمله الجميلة المضنية على مدى عقود عديدة مع آثار الوطن متنقلاً من (أريدو) الى (واسط) ثم (سامراء) و(الحَضر) التي أسهب بالحديث عنها، وغيرها من مواقع ومدن أرض الرافدين التي أفنى زهرة شبابه بين روابيها وتلولها الأثرية... ولعل أكثر ما يشّد المقابل لهذه الشخصية أضافة لعلمه وجمال كلامه هو شدة تواضعه وبساطته المتناهية، هذه الصفة التي كانت على مدار الزمن أجمل ميزات العلماء والمفكرين... لم يستمر اللقاء أكثر من ساعة حيث غادَرنا هذا العالم الجليل متعللأ بصحته المُتعبة. لكن على الرغم من قصر اللقاء والذي كان الأول والأخير لي معه ألا أنه كان كافياً ليكمل الصورة التي كنت قد رسمتها عنه في مخيلتي من خلال قراءتي لمؤلفاته وبحوثه العلمية واكتشافاته الأثرية الكبيرة ، كذلك ما قاله عنه أساتذتنا الجامعيين ومنقبي الآثار الذين عملوا معه وتتلمذوا على يديه.. كل ذلك جعلني أتأثر به الى حدٍ بعيد حتى دون أن التقيه، لأجعل منه مثلاً أعلى وقدوة أتعلم منها في مسيرة حياتي الآثارية..... بعد سنوات من هذا اللقاء سمعنا عن سوء حالته الصحية وتدهورها، ليردنا فيما بعد خبر وفاته في خريف عام 1997 بعد حياة حافلة بالانجازات العلمية.. عانى ما عانى خلالها من ظروف قاسية أحاطت به.. لم يتزوج طيلة حياته ولم يكوّن أسرة ناذراً نفسه لعلمه ومهنته التي عشقها منذ شبابه (الآثار)، ولم يتبقى له من عائلة في هذه الحياة سوى أبنة أخٍ وحيدة كفلت رعايته في شيخوخته.. عاش بسيطاً ومات بسيطاً.. كان يبتعد عن كل وسائل الأعلام فلم تجد له على الأطلاق أية لقاء أو حديث عبر صحيفة أو محطة اذاعية وتلفازية، أو حتى صورة ولو عابرة له، مفضلاً العزلة والعيش منزوياً عن الاضواء ليعمل بهدوء ونكران ذات قلّ نظيره في هذه الدنيا. كره أن ينادى بلقب (أستاذ) رغم حصوله على درجة (بروفيسور) ولم ينادى في المحافل العلمية العالمية أو يُذكر أسمه في مؤلفات الآثاريين الأجانب ألا (بروفيسور علي)، بل يفضل بدلاً عنه كما سبق ذلك اللقب المُحبب الى قلبه (عمو علي) كونه الكنية التي كان ينادوه بها عمال التنقيب.. يعتبر أقدم الآثاريين العراقيين وأجّلهم سمعة دولية حتى عُرف لدى الجميع ب(شيخ الآثاريين).. فاق بعلمه وانجازاته ومعرفته الآثارية بمراحل عديدة أقرانه من العلماء الذين زاملوه في المهنة. أضافة الى أنه كان مُرشداً وموجهاً ومُعلماً للعديد من علماء الآثار من مختلف دول العالم مثل بريطانيا وأمريكا وفرنسا الذين تدربوا على يديه، وهؤلاء تحدثوا باسهاب عن هذا العالم في معظم مؤلفاتهم واستشهدوا بأنجازاته الكبيرة، أضافة الى العشرات من الكوادر الآثارية العراقية التي تدربت على يدييه وكسبت خبرة كبيرة منه في مجال التنقيب والمسح الأثري والصيانة الأثرية.... لكن المفارقة المؤلمة جداً هي انه رغم كل هذا وما كان قد أنجزه هذا العالم الكبير على مدى سنين طويلة من الزمن إلا أنه يكاد لا يعرفه أحد غير المختصين بحقل الآثار أو من واكبوا حقبتي الثلاثينات والأربعينات وما بعدها من القرن الماضي، أما جيل الشباب فمن المؤكد أنهم لم يسمعوا حتى باسمه... ولأجل ذلك وكجزء من الوفاء، دعيت قلمي لاستذكار هذه الشخصية الفذة..... فمن هو (محمد علي مصطفى) أو (عمو علي)....

- ولد عالم الآثار (محمد علي مصطفى) في بغداد بتارخ 28 - 11- 1911 .... وأكمل دراسته الابتدائية والثانوية فيها.... درس الهندسة المدنية ليحصل على أجازتها عام 1935. في عام 1936 عيّن في مديرية الآثار العامة (كما كانت تسمى حينها).

- عمل في التنقيب الأثري في مختلف المواقع لمختلف الفترات التاريخية... حيث بدأ عمله عام 1936 حتى عام 1938 ممثلا ً عن مديرية الآثار العامة لدى البعثة الأمريكية لجامعة بنسلفانيا في كلا ًمن موقعي (تبة كًورا) و(تل بلا) في شمال العراق الذين يعودان لعصور ما قبل التاريخ. للفترة 1938_ 1940 ترأس هيئة التنقيب في مدينة (واسط)، ليكشف خلال تلك التنقيبات عن عيوب بنائية في جامع (الحجّاج) فيما يتعلق بأتجاه القِبلة. كما ترأس الهيئات التنقيبية في موقعي (الدير) و(العقير) في جنوب العراق للفترة من 1940 - 1942 اللذان يعودان للحقبة السومرية، كما أجرى التنقيبات الأثرية في موقع (حسونة) في شمال العراق للفترة 1943- 1944 الذي يعود لفترة العصر الحجري الحديث. وخلال السنوات 1944- 1949 قام بتنقيبات واسعة في مدينة (أريدو) وكشف عن أهم الأبنية والطبقات الأثرية فيها، كما قام خلالها بواحدة من أعظم عمليات التنقيب في العراق، حيث كشف بمساعدة زميله عالم الآثار الراحل (فؤاد سفر) بأسلوب التنقيب المُدرّج، وهو أسلوب صعب ومعقد جداً عن ثمانية عشر معبداً متسلسلاً عند طرف زقورة المدينة تمتد فترتها الزمنية من 4500 - 2100ق.م. وترأس للفترة ما بين 1950- 1956 أعمال التنقيب والصيانة الأثرية في مدن (سامراء) و(نفر) و(الكوفة). بعد عام 1957 وحتى مطلع الستينات قام بأعمال التنقيب والصيانة الأثرية في مدينة (الحَضر) حيث كشف الكثير من معالمها ليضع كذلك التصاميم والمخططات الهندسية لإعادة ترميم أبنيتها.

- في مطلع الستينات من القرن الماضي، أنيطت به مهمة الأشراف العام على كافة التنقيبات الأثرية في العراق.... وكان من بين أهم الأعمال التي أنجزها خلال هذه الفترة أشرافه المباشر على التنقيبات التي اجراها عام 1967 وما بعدها (د. بهنام أبو الصوف) في (تل الصوان) قرب سامراء، والذي يعود لفترة العصر الحجري الحديث. وبقى في منصبه هذا حتى آخر أيامه الوظيفية.

-أحيل على التقاعد عام 1973 بعد مسيرة حافلة بالعطاء... لكنه أستمر بأبداء النصح والمشورة للباحثين والآثاريين العراقيين والأجانب، خاصة في مشاريع التنقيبات الأنقاذية الكبيرة في أحواض (حمرين) و(الموصل) و(حديثة) خلال سبعينات و ثمانينات القرن الماضي.

- نشر مئات البحوث والمقالات الآثارية وتقارير التنقيبات في مجلة (سومر) التي تصدرها الهيئة العامة الآثار والتراث، وكذلك في مجلات وموسوعات الآثار العالمية وبمختلف اللغات.. كما الف مع العالم الراحل (فؤاد سفر) كتاب (الحضر مدينة الشمس)، وكتاب (أريدو) باللغة الانكليزية .. كما قدم للطبع العديد من الكتب لكنها للأسف لم ترى النور، مثل (تطور المعابد و البيوت الخاصة بين الألفين السادس والثالث ق.م) و(عمارة مدينة الحضر) و(العمارة الاسلامية في القرون الثلاثة الأولى للهجرة).

- توفي في 10- 10- 1997

وأذ أنهي هذه السطور بحق عالم الآثار الكبير (محمد علي مصطفى) واستذكاري البسيط هذا، فأني استذكر معه جميع علماء ومفكري العراق، لاسيما المنسيين منهم، أولئك الذين طمست سيرهم الناصعة فوضى هذا الزمان، ممن رحلوا عن عالمنا وتركوا أرثاً علمياً وثقافياً ثرّاً منح وطننا سمعته وبريقه الحضاري، هؤلاء الأفذاذ الذين أفنوا حياتهم لأجل بلدهم وشعبهم والعلم الذي أبدعوا فيه، ولم يتبقى منهم شيء سوى كتابات متناثرة هنا وهناك، وشواهد قبور ضمها ثرى الوطن.. وكما قال فصدق الشاعر الفيلسوف (عمر الخيام)...

يا ثرى كم فيك من جَوهر ٍ .... يَبين لو يُنبش هذا التراب

نشرت في تاريخ
الأحد, 09 تشرين1/أكتوير 2016 18:12

نساء من الفرات ومن النيل

((ما أنتِ إلا مَوقد سرعان ما تُخمد ناره في البرد
أنتِ بابٌ لا ينفع في صدِّ الرياح العاصفة
أنتِ قصرٌ يتحطم بداخله الأبطال
بئر تبتلع غطاءها
أنت حفنةُ قيرٍ تلوِّث حاملَها وقربةُ ماء تبلِّل صاحبها...
أنتِ حذاء تقرص قدم منتعلها...))
هكذا خاطب (حمورابي) بمسلته الشهيرة الآلهة (عشتار) التي كانت تمثل الخصب والحرب في بابل القديمة وتجمع بين الأغواء والإغراء والقوة والدم.
تتخذ الحضارات العظيمة رموزاً لأشد ما يؤثر في مجتمعاتها، الحرب والجنس، وكما هي (عشتار) آلهة الحب والجمال في الحياة، والتضحية والفداء في الحرب لدى البابليين، كذلك الآلهة (إنانا) لدى السومريين و(عشاروت) الفينيقية و(أفروديت) اليونانية و(فينوس) الرومانية.
وقد تغنى بحب (عشتار) الشعراء وتفنن برسمها الفنانون والنحاتون وتعدد تصويرها وهي تأخذ من النجمة المنتصبة على ظهر أسد وبيدها باقة من الزهور رمزاً لها أو أن تكون على هيئة امرأة عارية تركب وحوشاً لتسيطر على العالم وتحكمه وقد صوروها على أنها فتاة ذات جمال باهر تدور بحثاً عن ضحايا فكان يمكنها الوصول إلى ملوك الأرض فتعدهم بالزواج وتأخذ كل ما يملكون ثم تتركهم يبكونها ليلاً ونهاراً.
لكن وكما هو (حمورابي) ينعتها بمسلته، نجد أن الكتاب المقدس يؤكد ذلك ويقول في سفر الرؤيا أنها... (الزانية الجالسة على المياه بيدها كأسٌ ذهبية فأسكرت ملوك الأرض، على جبهتها مكتوب سر بابل العظيمة...).
صوّرها البابليون طوراً مع حبيبها الإله (تموز) بالنجمة والوردة والقمر كي ترمز للأنوثة والخصوبة وأستمرارية الحياة، وطوراً آخراً تمتطي أسداً كرمز للقوة أو تحمل الأفعى كرمز للشفاء. معبدها الرئيسي كان في نينوى، أبيها الإله (سين) إله القمر وأمها الآلهة (ننكال) وأخوها (أوتو) إله الشمس وأختها (ارشكيجالآ) آلهة العالم السفلي عالم الأموات أعظم الآلهات وأسماهن منزلة بمدينة أوروك (الوركاء) عاصمة بلاد سومر التي كانت تعد أهمّ المراكز الدينيّة والحضاريّة وقد لعبت دورا هاماً في ملحمة (جلجامش).
تقول الأسطورة أن راعي أغنام رأى (عشتار) فذهلهُ جمالها وأغوتهُ عيونها فقام بذبح شاة لها كي تبقى بجانبه أطول وقت، فأكلت ثم رحلت، وفي اليوم التالي ذبح لها وفي الثالث فعل نفس الشيء حتى لم يبق لدى الراعي ما يقدمه لها، وحينما سألها البقاء معه، قالت بأنه لم يعد لديه ما يغريها بالبقاء فتركته ومضت، فقام الراعي بسرقة شاة وأخذ يبحث عنها ليقدمها لها، من يومها أصبح هذا الراعي الذئب الذي يسرق الرعاة على أمل أن تعود (عشتار) لتجالسه.
وبينما تصلنا قصصاً عن الغدر والخيانة، تسرد الأسطورة السومريّة ضرباً من الوفاء، حيث أن الإلهة (اينانا) نقلت ذات يوم شجيرة من ضفاف نهر الفرات إلى مدينة الوركاء وزرعتها ببستانها المقدّس على أمل أن تنمو وتصير شجرة باسقة فتصنع من خشبها عرشاً وسريراً لها. عندما كبرت الشجرة وحان وقت قطع أغصانها اكتشفت أن أفعى قد اتخذت من أسفلها مخبأ وأن طيراً جارحاً قد بنى في أعلاها عُشّاً وأن عفريتاً استقر بوسط جذعها، فاستنجدت (اينانا) بأخيها (أوتو) إله الشمس الذي أسند المهمة إلى البطل الشجاع (جلجامش)، فجاء متسلِّحاً بدرع سميك وفأس ثقيلة أستطاع أن يقتل الأفعى، عند ذاك فرّ الطير وهرب العفريت إلى الخرائب المهجورة، فقطع (جلجامش) أغصان الشجرة وحملها هدية إلى (اينانا) لتصنع منها عرشاً وسريراً. وحينما مات حبيبها (تموز) ونزل للعالم السفلي حزنت عليه وقررت وفاءاً له النزول إليه وهي حية فتوقفت الحياةعلى الأرض وأنقطع النسل حتى عادت بأمر من السماء كي تستمر الحياة من جديد... ويعتبر هبوط (إنانا) أختيارياً للعالم السفلي أول ملحمة إنسانية في التضحية.
× × ×
(الجميلة أنتِ) هو معنى أسم الملكة (نفرتيتي) زوجة الملك (أخناتون) فرعون الأسرة الثامنة عشر حامية (توت عنخ أمون)، كانت تعد من أقوى النساء في مصر القديمة وقد ساعدت (توت عنخ أمون) على تولى المُلك. عاشت فترة قصيرة بعد وفاة زوجها، وكانت لهذه الملكة الجميلة منزلة رفيعة أثناء حكم زوجها. عاشت في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، ومثلما حدث لزوجها فقد تم محو اسمها من السجلات التاريخية كما تم تشويه صورها بعد وفاتها. أشتهرت (نفرتيتى) بالتمثال النصفى لوجهها المنحوت على قطعة من الحجر الجيرى بواحدة من أروع القطع الفنية الموجودة بمتحف برلين ويوجد تمثال آخر لرأسها بالمتحف المصري من الكوارتز الأحمر. شاركت الملكة (نفرتيتي) زوجها في عبادة إله الشمس (آتون) ليكونا الوسيط بينه وبين الشعب.
أنجبت نفرتيتي من (أخناتون) ست بنات شاركن بعبادة الإله (آتون) وكانت نفرتيتى تساند زوجها أثناء الإصلاحات الدينية والإجتماعية، ثم انتقلت معه إلى (أخيتاتون) أو تل العمارنة وظهرت معه أثناء الاحتفالات والطقوس وبالمشاهد العائلية وفي المشاهد التقليدية للحملات العسكرية التي صورتها وهى تقوم بالقضاء على الأعداء.
بعد وفاة إحدى بناتها اختفت (نفرتيتى) من البلاط الملكى وحلت إبنتها (ميريت أتون) محلها وحصلت على لقب الزوجة الملكية العظمى. لم يوجد بعد ذلك أي ذكر لها ويعتقد أنها توفيت ودفنت في مقبرة أخت (أتون) ويعتقد أيضا أن (توت عنخ آمون) قد نقل مومياءها وقد عجز علماء المصريات عن إيجاد قبرها طيلة سنوات من البحث، وبعد أكتشاف قبر (توت عنخ آمون) صار الأعتقاد بأنها ربما تكون قد دفنت سرا في داخل نفس القبو.
× × ×
ولدت (كايوباترا) أبنة بطليموس الثاني عشر العام 69 قبل الميلاد، وصفت بأنها أثرت بنشاط على السياسة الرومانية في فترة حرجة، ووصفت بأنها جاءت لتمثل النموذج الأول لرومانسية المرأة الفاتنة. كانت جميلة وساحرة على نقيض ماتبرزها الصور التي وصلت إلينا، بدليل أنها أسرت بجمالها الرجال الذين وقعوا بغرامها وتحت تأثير شخصيتها القوية وذكائها ودهائها، أنتهى نزاعها مع أخيها بطردها من بلدها مصر الذي كان بتلك الفترة مملكة تحت الحماية الرومانية. حين أقبل (يوليوس قيصر) إلى مصر وجد أن حرباً أهلية قد نشبت فيها، كانت (كليوباترا) تحاول العودة إليها، ولأنها تدرك قوة الرومان وسلطتهم، جاءت أمام يوليوس قيصر ملفوفة بسجادة لتستنجد به بتحقيق غايتها لتكون حاكماً أفضل من شقيقها، فأسرته بمفاتنها ليساعدها بالتغلب على عدوها (بطليموس) وأغراقه بنهاية معركة.
حكمت (كليوباترا) بضع سنوات، بعد مصـرع يوليوس قيص، ثم أحبها (أنطونيوس) فكلّفته علاقته الغرامية معها فقدان حظوته في روما فأنتهى أمره بالانتحار إثر هزيمة أنزله بها غريمه (أوكتافيوس)، ولما سمعت كليوباترا بالنبأ أنتحـرت هي الأخرى، وكانت وسيلة أنتحارها ثعبان كوبرا، وهي قصة نفتها بعض المصادر التي قالت بأنها ماتت حين شربت خليط من العقاقير قتلتها في الحال بينما لو كانت لدغة أفعى لتعرضت كيلوباترا لألم شديد ومعاناة لفترة طويلة قبل الوفاة.
× × ×
تحكي الأسطورة أن سيولاً عارمة أنسابت ذات يوم على نهر الفرات ففاض وتدفقت مياهه وخرجت الاسماك تستلقي على الشاطئ، زكان من بينها سمكتان بدأتا بدفع بيضة كبيرة طافية إلى ضفة النهر، واذ بحمامة بيضاء كبيرة تهبط من السماء وتحتضن البيضة بعيدا عن مجرى النهر، رقدت الحمامة على البيضة حتى فقست وخرجت طفلة رائعة الجمال أحاطتها أسراب الحمام ترفرف بأجنحتها لترد عنها حر النهار وبرد الليل.ثم بدأت الحمائم تبحث عن غذاء للطفلة، فاهتدت إلى مكان يضع فيه الرعاة ما يصنعون من جبن وحليب، فتأخذت منه ما يمكن أن تحملع بمناقيرها لتقدمه للطفلة، وحين لاحظ الرعاة ذلك راقبوا الحمائم ليهتدوا للطفلة التي تربت سعيدة لا تعرف معنى الشقاء. ما شاهدوا من جمال رائع لصبية جعلهم يحتضنوها ويسمونها بلغتهم (الحمامة) أي (سميراميس) وأخذوها إلى خيامهم، واتفقوا على أن يبيعوها يوماً بسوق (نينوى)، فذهبوا بها بيوم موسم الزواج الذي يقام كل عام حيث تجتمع في السوق الكبير جموع الشبان والشابات قادمة من كل النواحي ليختار كل شاب عروسه الشابة، أو ينتقي الرجل صبية يحملها إلى داره فيربيها كي تبلغ سن الزواج فيتزوجها أو يقدمها عروساً لأحد ابنائه. شاهدهم (سيما) مرابط خيول الملك، وكان عقيماً لا ولد له فهفا قلبله لها ورغب بتبنيها، ساوم الرعاة وعاد بها إلى منزله، ما أن رأت زوجته هذه الصبية ذات الجمال الرائع حتى فرحت فرحاً غامراً واعتنت بها وظلت ترعاها حتى كبرت واستدارت وبرزت أنوثتها كأجمل ما تكون النساء!
في يوم كان (اونس) مستشار للملك يتفقد الجمهور المحتشد واذا بعينه تقع على (سميراميس) وهي بعمر مناسب للزواج، فصعق مذهولا من جمالها وبراءتها، أخذها معه إلى (نينوى) وتزوجها هناك وصار لهما توأم هما (هيفاتة) و(هيداسغة).
كانت (سميراميس) فائقة الذكاء تقدم لزوجها النصح والمشورة في الامور الخطيرة فأصبح ناجحا بكل مساعيه. أثناء ذلك كان ملك نينوى ينضم حملة عسكرية لأحتلال مدينة (باكتريا)، فأعد جيشا ضخما لانه يدرك صعوبة المهمة. صمدت المدينة بوحهه فحاصرها الملك وشعر أنه بحاجة إلى مستشاره (اونس) فأرسل في طلبه، كان هذا الأخير لا يريد مفارقة زوجته الحبيبة (سمير أميس) فسألها مرافقته ففعلت. هناك تابعت (سميراميس) سير المعارك ودرستها بعناية ووضعت العديد من الملاحظات عن الطريقة التي يدار بها الحصار. فبينما كان القتال جاريا في السهل فقط ولم يعر المدافعين للقلعة أهمية، طلبت (سميراميس) إرسال مجموعة من الجنود المدربين على القتال في الجبال إلى المرتفع الشاهق الذي كان يحمي الموقع ففعلوا ذلك ملتفين حول خاصرة العدو المدافع فوجد الأعداء انفسهم محاصرين لا خيار لهم سوى الاستسلام.
في ثنايا هذه الأحداث صار الملك (نينوس) شديد الاعجاب بـ(سميراميس) لما ابدته من شجاعة ومهارة لحسم المعركة. منذ اللحظة اخذ الملك يتمعن في وجهها الساحر وجمالها المدهش، فادرك ان قلبه غير قادر على مقاومة سحرها فطلب أن تكون زوجته وملكته. ثم عرض على (اونس) ان يأخذ ابنته بدلا عنها، إلا أن اونس رفض ذلك مما حدا بالملك ان يهدده بقلع عينيه، وتحت وطأة الخوف واليأس استسلم لمطلب الملك لكنه انهى حياته بعد فترة من زواج (سمير أميس) من الملك. هكذا افلح الملك بالزواج من (سميراميس) وصار لهما طفلاً اسمياه (نيناس). بعد موت الملك أعتلت (سميرأميس) العرش 800 ق.م. لتكون الملكة الآشورية في نينوى عاصمة بلاد مابين النهرين، ومن بين 42 عاماً حكمت مع زوجها، كان لها بعد وفاته فقط خمسة سنوات حكماً مطلقا بدأته ببناء ضريح فخم في نينوى تمجيدا لزوجها الملك (نينوس).
و(سميراميس) ليس هي التي طلبت من الملك الأشوري (نبوخذنصر) بناء الجنائن المعلقة ببابل بل كان تلك الحدائق تلبية لرغبة زوجته الميدية.
و(سميرأميس) هو تحريف أغريقي غير صحيح للأسم الأشوري (سمورامات) زوجة الملك (شمشي أدد الخامس) ابن الملك شلمنصر الثالث وأم الملك الآشوري (أداد نيراري الثالث).
و(سمورامات) ملكة ذات شخصية قوية وذكاء حاد وجمال أخاذ جعلها تفرض سطوتها وتمسك مقاليد حكم بلاد بين النهرين طيلة عشرات السنين. وقد عثر على نقش حجري تذكاري في مدينة (آشور) تصور فيه على انها الملكة التي حكمت خلفا لزوجها المتوفى. لم تكتف هذه المرأة العظيمة بالسلطة السياسية وإدارة شؤون البلاد بل تعدتها إلى التأثير في الحياة الدينية والفكرية والاجتماعية حيث أن اصلها الجنوبي منحها بعض الخصوصيات المذهبية والثقافية فتمكنت ان تشيع المؤثرات البابلية على طريقة الحكم وعلى الكهنوت الآشوري وعلى عموم الحياة في نينوى فأضافت نوعا من الرقة والروحانية الجنوبية على المذهب الآشوري الذي كان يتسم أكثر بتقديس الفحولة المتمثل بالاله (آشور) وكذلك الميل إلى منطق القوة الحرب. وقد نجحت بابراز ادوار آلهات كانت ثانوية عند الآشوريين مثل إله الحكمة (نبو). حكمت (سمورامات) كالملوك العظام وأقامت مسلة لتخلد ذكرها في ساحة المسلات في معبد آشور، وقد سجل على هذه المسلة العبارة التالية... (مسلة سمورامات ملكة سيد القصر شمس ملك الكون ملك الجهات الاربعة...).
أمتد حكم (سمورامات) عشرات السنين وقامت بمشاريع عمرانية واسعة أهمها بناء مدينة آشور بمعابدها وقصورها الضخمة وأحاطتها بالأسوار العالية. من الاعمال الجبارة التي قامت بها هذه الملكة بناء نفق مقبب من الحجر تحت مجرى نهر دجلة ليوصل طرفي المدينة. كذلك قامت بعد ذلك بفتوحات كثيرة استطاعت ان تسيطر على مصر وبلاد الشام وبلاد ميديا ويعتقد انها قد بلغت الهند.

× البحث منقولاً من عدة مصادر ومن (ويكيبيديا) على الغالب وفيه نلقي الضوء على أسماء رنانة لنساء كتبن بأفعالهن التاريخ القديم، وربما يشتمل على بعض الهفوات يمكن لمتخصصي التاريخ والآثار تصويبه، لذلك أود أن أسترعي الأنتباه.

نشرت في تاريخ
الثلاثاء, 13 أيلول/سبتمبر 2016 20:11

الهجاء في شعر سوادي واجد جبير

آن دراسة وقراءة القصائد والابوذية التي قالها الشاعر سوادي واجد جبير جميعها او معظمها عبارة عن تهجم وهجاء ساخر ان الهجاء فن من فنون الشعر الذي يعبر فيه الشاعر عن عاطفة الغضب والاحتقار والاستهزاء يمكن تسميته بشعر السب والشتم لانه على العكس من المدح التي نجد فيه تعداد وذكر الصفات الحسنة ويبرزها وفي شعر سوادي نلاحض نقائض الفضائل التي يتغنى فيها المدح ، فيكون الجهل ضد العلم ، الجبن ضد الشجاعة ، البخل مقابل الكرم والعطاء والسخاء ، الغدر مقابل الوفاء .
عاش سوادي عيشة بسيطة فقيرة بائسة ممتلئه بالخوف والياس والصعوبة كبقية الطائفة في المجر الكبير وقلعة صالح وبقية مدن العراق وايران وفي مناطق تجمعاتهم التي تكون قرب الانهار لممارسة الطقوس الدينية وغالبا ما تكون تحت السيطرة العشائريه وهيمنة الشيخ وسطوته وجبروته وتنفيذ كل رغباته فيكون الشيخ هو الحاكم الناهي ومن هنا نلاحظ ان الشاعر سوادي عاش في حالة فقر وضيق وعوز مادي ذات رزق شحيح قليل لا يسد احتياجات الحياة اليومية ومن خلال الطبائع العشائرية المنتشرة في تلك الحقبة الزمنيه نلاحظ تمسكه بقيم بالية فيشجع كثير من العادات حتى على حساب عائلته وأهله يهاجم الطائفة وعائلته وأخوانه لانه عاشوا من اسعار بيع جلود الثعالب لذلك يصفهم بالجبن والبخل ويعتبره نوع من النقص والعار لكل من يصطاد الثعالب ويبيع جلدها ويذكر الاسماء نساءا رجالا وحتى احيانا العشيرة والنسب والاقارب ويذكر الشاعر كل الصفات السيئة ليصب غضبه وسمه بالخصوم ويستخدم كافة الكلمات القاسية ويطلق القوافي على شكل صور فيصب غضبه على الخصم والناس ، نرى هنا ان الشاعر سوادي سليط اللسان لا يحسب حساب اي عتبار اجتماعي او علاقة رحم او قربة وكان من ذلك جميعه قصائد عديدة جميعها تهجي الناس وأبناء الطائفة وجميعها تحتوي على نوع من البلاغة والفصاحة والاستهزاء والتمثيل المضحك نلاحظ القصيدة التالية التي يخاطب فيها أبناء عمومته وأبناء المندائي بصورة عامة التي تقوم بصيد الثعالب والاستفادة من أثمان بيعها كقوت لهم ....
يگلي خضر بالجوار شفت أثنيين
من الصبّه وگالوا غصب مطلوبين
أبن درباش وذاك مدري أمنين
هنا يسخر من أقاربه ومعارفه وبكلمات قاسية نابيه في منتهى الاساءه فتناول بعض الاسماء والانساب وصورها بشئ من التحايل ولا يبالي في ذم كل الطائفة كما هو مبين ويرجع ذلك عدم تمكنه من القيام بصيد الثعالب نفسه كما بينا يقول في مقطع اخر ...
فضه تبچي وتعتب على التاوه
تجار الجلود ربیچ وشناوه
وفليفل وگشيش رجل بدليه
لقد كان هدفه الانتقام منهم والانتصار عليهم وكأنه في معركة ويتناول الاسماء بشكل علني ومخزي ويستعيب من عملهم وبسخرية لاذعه نلاحظ النص التالي في احدى قصائده ..
هله ياراعي المچوچ
مامش ضرس بس أفچوچ
يخوتي لملموله أعلوچ
هذا النص يفيض بروح السخرية والتهكم من بدايته الى نهايته فالشخص الذي يرعي المجوج يصفه سوادي بوصف مضحك يسخر منه ويهزا به امام الناس وجعله مادة للسخرية ..
ان سوادي لا يباريه احد في الوصف الساخر المضحك فقد رزق ملكة وصفة خاصة في السخريه والدعابة والوصف ودائما يصف الناس بالحيوانات فمن قوله ...
خوش وگده من البرد
جنكم أچلاب الكرد
توه خلص راس القند
كل يوم يعويله أبدار
مما تقدم ان الشاعر له الرغبة الشديدة من الانتقام والهجوم من اي شخص او جماعة دون ان يتقرب من الناس الكبار والشيوخ او رجال الشيخ وخدمه لذلك في الابيات السابقة يعمد ان يمثلهم اي الناس البسطاء بالكلاب السائبة التي ليس لها محل ثابت بل كل يوم في دار وهذه قمة السخرية والوصف المهين الغير لائق في الشعر من قصيدة يناشد فيها الثعالب ..
ناسينا يواوي لو لزمنا الفاس
أبن شنان فلش راسك أبفاعوس
ما تدري العشه أمخصص لبن حسحوس

ان سوادي يهاجم المهجو هجوما عنيفا ويلق به اضرار بالغة في السوء ورداءة الوصف وينعته بأسوء المفردات والكلمات وكانه في ثورةوفي ساحة قتال ويذكر اكثر عيوبه ويضيف عليها ما يريد ويطوع الكلمة والقصيدة كما يريد ولا يترك له اي مجال او سبيل الى المقاومة والرد ، ولم يسلم من لسانه حتى اهله بل حتى نفسه فأي شعر مندائي ذات كلمات خشنه سيئه ولفظاً نابيا او عبارات غي لائقة جافة وبدون رحمة او حتى خجل فيكون قائله سوادي قال في اهله ....
اليوم اتهوج روحي أتريد المحبين
أگلها وين يامچبوحة أتريدين
نروح الخال گلبي الزين بيّ شيمة
أبو أحريج الذبحلي ومطلع القيمة
نروح السهر زلمه ماهو أزليمه
أردن صوب گاري أخايرچ يا روح
گاري هو أخو سوادي
لم يسلم من لسانه اي شخص حتى نفسه ..
فتگ أللفاك سوادي
رجل هان ورجل غادي
حجيك شگص كله رد
خشمك گصير أمعجرد
لسانك چنه المبرد
ثم يناشد دشداشته وصفا دقيقا ..
يادشداشتي جبتي الخزي ليه
آشوفچ سمل صرتي موش تمليه
يادشداشتي بيچ الوساخه آهواي
شمرد آغسلچ خايف عليچ من الماي

لقد سار سوادي في هذا السبيل فبلغ في الهجاء شخصية يحسب لها حساب وتبتعد عنه الناس خوفا من لسانه الذي لا يعرف الرحمة وقد تجاوز كل الشعراء المندائيين القدماء في دقة التصوير والتعبيروالهدف والنيل من خصومه بالشعر ، عند دراسة شعر سوادي نلاحظ ان جميع اشعاره قيلت في الهجوم على الناس والطائفة بصورة خاصة ومعارفه بالذات انه يستخدم لغة بسيطه يفتقر معظم شعره الى كلمات الشعر الجميل وكل ما تحتويه سب وشتم على الناس الفقراء لم نلاحظ اي شعر له يطرح شئ من وصف الحياة الاجتماعية او الاضطهاد الديني او تسلط الشيوخ والقطاع وخدم الشيوخ لا من بعيد او من قريب خوفا من بطشهم .

نشرت في تاريخ
الجمعة, 12 آب/أغسطس 2016 21:28

حيرة كًلكًامش

كًلكًامش لم يزل
هائماً .. حائراً
يسعى وراء حلمٍ
بعيد
يدعى الخلود
متى يعود الشريد..
متى يعود؟
شعبه مقهور
اثخنته الجراح
يبحث عن شعاعٍ
في ظلمة
هذا الوجود
متى يعود له الأمل..
متى يعود؟
سومر
زنبقة غضة
بيضاء
اغتصبتها حراب
الجنود
متى يعود ربيعها..
متى يعود؟
نخيل أوروك
بكّاء
يرنو لجثمان أنكيدو
يسأل الطير
يسأل الريح
متى تعود له الروح..
متى تعود؟
متى تعود؟

نشرت في تاريخ
الأربعاء, 13 تموز/يوليو 2016 22:10

14 تموز ... يوم أنتصر أبناء سومر

بعد مايقارب القرن من عمر الأمبراطورية الأكدية التي أسسها (سرجون الأكدي) عام 2371 ق.م أخذت عوامل الضعف تدب فيها كنتيجة طبيعية للتوسع الكبير الذي امتدت اليه ولاستنزاف امكانياتها وطاقاتها الاقتصادية والبشرية في الحروب المستمرة مع البلاد الأخرى وفي أخماد الثورات وحركات التمرد في الداخل وفي الأقاليم البعيدة المحتلة، مما أدى بالنهاية الى ضعف السلطة المركزية وحدوث حالة من الانقسام والانفلات الاداري في عموم الدولة المترامية الأطراف، خاصة في السنوات الأخيرة من حكم ملكها الخامس (شار كلي شري) 2254_2230 ق.م، فاستغلت قبائل (الكَوتيين) الرعوية الهمجية القاطنة في منطقة جبال (زاكروس) تلك الأوضاع المتردية لتشن هجمات متتالية على مدن وادي الرافدين مسقطة اياها الواحدة تلو الأخرى، ثم أعقبتها عام 2230 ق.م بهجوم كاسح أخير على العاصمة (أكد)1 لتدمرها وتحرقها، منهية حكم هذه الامبراطورية.... وقد وصف أحد الكتاب السومريين همجية هؤلاء (الكَوتيين) أبلغ وصف بعبارته....((الكَوتيون أفاعي وعقارب الجبال... الذين يأكلون اللحم النيئ... الذين لايعرفون دفن موتاهم)).
أستمرت سيطرة (الكَوتيين) على مدن وادي الرافدين لأكثر من 125 عاماً، اعتبرت هذه الفترة بحق من الفترات المظلمة في التاريخ حيث تميزت بندرة واضحة في الكتابات وغموض يكتنف الاوضاع السياسية، كما توقفت خلالها عجلة التقدم الحضاري بشكل كبير في كافة المجالات، وعمت البلاد فوضى عارمة لخصتها العبارة الطريفة التالية التي أوردها كتّاب جداول الملوك السومريين2 لوصف ومليء فراغ تلك الحقبة الزمنية السوداء.. ((من كان الملك ومن كان غير الملك؟)) .. لم يترك هؤلاء (الكَوتيين) كونهم من البرابرة ونتيجةً للفارق الحضاري الكبير بينهم وبين سكان وادي الرافدين آثاراً محسوسة أو ملموسة في ثقافة البلاد ومسيرة تاريخها العام، كذلك لم يتمكنوا من أحكام قبضتهم على جميع مدنها، فظلت سيطرتهم مقتصرة فقط عند المدن الأكدية في الوسط، لذا بقيت المدن السومرية في الجنوب تتمتع بحكم شبه مستقل وبحرية سياسية واقتصادية، حكمت خلالها عدد من السلالات القوية، لعل أشهرها سلالة (لكًش الثانية) خاصة في زمن أميرها (كَوديه) عام 2200 ق.م، بالإضافة الى سلالات أخرى في مدن (نفر) و(أور).
في سنة 2120 ق.م تأسست سلالة قوية في مدينة (الوركاء) هي السلالة الخامسة، أسسها الأمير السومري (أوتو حيكَال) الذي عمل على تشكيل جيش قوي، بذات الوقت سعى للتحالف مع بقية المدن السومرية وتزعمها، ثم توحيد جيوشها ليعلن نفسه ملكاً على بلاد سومر وأكد. معلناً العصيان على الحكم (الكًوتي) والثورة عليه، فبدأ بتحرير مدن وادي الرافدين من سيطرة (الكًوتيين) غير عابئ بتحذيرات ملكهم (تريكَان) الذي أرسل له الرُسل لإنذاره بأشد العواقب. على أثر ذلك جهز (الكَوتيون) بالمقابل جيشأ كبيراً لملاقاة جيوش سومر، دارت حينها معركة كبيرة بين الجانبين عند مدينة (كاركار) قرب مدينة الحلة، أستطاع السومريون بقيادة (أوتوحيكَال) من الحاق هزيمة منكرة بالجيش (الَكَوتي) الذي هرب من أرض المعركة ومعه ملكه المهزوم (تريكَان)، ليلاحقه السكان حتى قبضوا عليه مع عائلته عند مدينة (دبروم) شمال مدينة بعقوبة، حيث كان يريد الهروب الى الجبال، فجلبوه ليركع عند قدمي (أوتوحيكَال) الذي وضع قدمه على رأس (تريكَان). والمفارقة الغريبة هو وقت حدوث هذا الانتصار، وذلك في يوم الرابع عشر من تموز، فقد صاحب ذلك اليوم حدوث خسوف للقمر من تلك السنة فكان فألاً سيئاً على (الكَوتيين) حسب المعتقدات السومرية...... ترك (أوتوحيكَال) بعد انتصاره العظيم وتحريره أرض سومر نصاً تاريخياً مدوناً باللغة السومرية تحدث فيه عن قصة هذا النصر المؤزر....
((فوض الاله (أنليل)3 سيد البلدان... الرجل العظيم (أوتوحيكَال) ملك (الوركاء)، ملك سومر وأكد، أن يحطم أسم (الكَوتي) أفعى وعقرب الجبال، الذي رفع يده ضد الآلهة، الذي نقل ملوكية بلاد سومر الى بلاد غريبة وملئها بالحقد والكراهية، الذي أبعد الزوجة عن زوجها وأبعد الطفل عن أهله، الذي أقام العداوة والعصيان في كل البلاد... آنذاك ذهب (أوتوحيكَال) الى سيدة الآلهة (أينانا)4 ليدعوها قائلاً : ياسيدتي يالبوة الحرب التي تهاجم أعداء سومر، لقد فوضني الاله (أنليل) أن أسترجع ملوكية سومر فكوني حليفتي في ذلك... ليسير (أوتوحيكَال) الملك الذي منحه الاله (أنليل) القوة، واختارته الالهة (أينانا) الى قلبها، الى المعركة ضد (تريكَان) ملك (الكًوتيين)، حينذاك تملك الفرح أهالي (الوركاء)، وتبعه كل الرجال في بلاد سومر كأنهم رجل واحد... في يوم الرابع عشر من تموز وصل (أوتوحيكَال) الى (كاركار) المكان الذي جمع فيه (الكَوتيون) جيشهم... لتساند الآلهة أبناء سومر، فأخسفت القمر ذلك اليوم، ليكون نذير شؤم على الملك (الكَوتي) وأيذاناً بهزيمته في المعركة... فتحققت أرادة الالهة، وتمكن البطل العظيم (أوتوحيكَال) من دحر (الكَوتيين) وتحطيم جيشهم، ليفر (تريكَان) بعدها من أرض المعركة الى (دبروم)... لكن أهلها قبضوا عليه وعائلته ووضعوا القيد في يديه، ثم اقتادوه الى (أوتوحيكَال)، فألقى بنفسه عند قدميه، ليضع (أوتوحيكَال) قدمه على رقبته... هكذا أعاد هذا البطل الملوكية الى سومر)) .


أن قدرنا مع تموز لقدرٌ أزلي... فيا ترى متى يأتي تموزنا الجديد...؟

الهوامش
1_ (أكد) أو (أكادة)... عاصمة الامبراطورية الأكدية التي شيدها الملك سرجون لتكون مقراً لمُلكه... لم تكتشف بقاياها حتى الآن، كما لايزال موقعها غير محدد بشكل دقيق، لكن يعتقد انها تقع بين مدينتي المحمودية والحلة.
2_ (جداول الملوك السومريين)... قوائم متسلسلة بأسماء وسنوات حكم الملوك والسلالات التي حكمت وادي الرافين منذ تأسيس مدنه الأولى في زمن ما قبل الطوفان وحتى زوال سلطة السومريين السياسية.. يُعتقد أنها دونت في مطلع الألف الثاني ق.م.. تعتبر من المحاولات الأولى لكتابة التاريخ.
3_ الإله (أنليل)... أقوى آلهة السومريين، وهو إله الجو والهواء، مقره مدينة (نفر).
4_ الإلهة (أينانا)... إلهة الحب والحرب السومرية، تقابلها (عشتار) في الأكدية، مقرها مدينة الوركاء.

نشرت في تاريخ
الأحد, 26 حزيران/يونيو 2016 12:47

شذرات من مدينة سوق الشيوخ

 

لكي لاينسى الاحفاد مدن الاباء والاجداد

{} الامتداد التأريخــــــــي :
تحت سطح أرض سوق الشيوخ ، تغفو مدينة سومرية ، تسمى ( سوق مارو / سوق الحكيم ) ، والبارز من هذه المدينة ، هو التل المرتفع نسبياً ، والذي يشكل مركز المدينة ... وقد تم تحديد مئة وعشرين موقعاً أثرياً ، لم يجري التنقيب فيها لحد الآن ، وذلك في مدينة سوق الشيوخ وناحية العكيكة وهور الحمّار وغيرها من المناطق المحيطة بها .
{} التسميــــــــة :
وكما ذكرتُ ، بأنَّ الاسم التأريخي لهذه المدينة ، هو ( سوق مارو ) .. و ( مارو ) تعني بالسومرية ( الحكيم ) .. أي أنَّ أسمها الأول ، هو ، ( سوق الحكيم ) .. ثم تغيَّر أسمها في العصر الحديث إلى ( سوق النواشي ) .. لماذا ؟ .. وذلك نسبة إلى إسم قبيلة أو عشيرة أو مجموعة من الناس ، كانوا يسكنون منطقة أهوار متاخمة للمدينة الاصلية ، وتسمى هذه الأهوار بــ ( أهوار النواشي ) ، حيث كان سكنة هذه الأهوار يتبضعون ، وبطريقة المقايضة ، من محلاتٍ مبنيَّة من القصب والطين ، على تلك التلّة الأثرية .. ثم تحول الاسم من سوق النواشي إلى ( سوق الشيوخ ) ، وذلك بعد أن أصبحت تلك المدينة تحت سيطرة وحكم عائلة ( آل السعدون ) ، ولأنَّ شيوخهم يتبضعون من محلات تلك المدينة ( التلَّة ) ، فإنقلب الإســــــم من ( سوق النواشي ) إلى ( سوق الشيوخ ) ، بعد أن كان في الاصل ( سوق مارو )
{} المحلات السكنية الاصلية :
في سوق الشيوخ ، ست محلات أصلية ، هي : الصابئة ، الحويزة ، النجادة ، البغادَّة ، الحضر ، الاسماعيلية :
{} محلة الصابئة :
أكّدَ باحث تأريخ عراقي ، قبل أربع سنوات ، في حديث له ، على إحدى القنوات الفضائية ، بأنَّ الصابئة المندائيين ، أول من سكن مدينة سوق الشيوخ ، ثم جاءت بعدهم المِلل الأخرى .. وقد أنشأ المندائون بيوتهم من القصب ، في الجانب الشرقي من المدينة ، الذي يفصله عن الجانب الغربي نهر الفرات القادم من جهة الشمال .. ثم بدأت الأقوام الأخرى تسكن جانب المدينة الغربي ، الذي أصبح المدينة الرسمية فيما بعد ... وقد إمتهنوا ، وبذكاء ، النجارة والحدادة والصياغة ، وهي ثلاث حِرَف تحتاج لدقة عمل ، إضافة لإحتياج مجتمعات تلك المناطق ، التي إمتهنت الزراعة والتجارة ... وعلى ما يبدو ، أنَّ الصابئة إبتعدوا عن الخوض في الزراعة والتجارة ، لأنهما مهنتان تحتاجان إلى سند عشائري ، لما يدور بين أصحابها من خلافات ومعارك جانبية ، تصل حد الصراع المسلح أحياناً .. فالمندائيون الذين تورطوا بأعمال الزراعة والتجارة ــ وإن على قلَّتهم ــ إنتهى أغلبهم للفشل
{} محلة الحويزة :
أسسها وسكنها ، المهاجرون من منطقة الأحواز ( الأهواز ) في إيران ، وعدد أسرهم الاصلية ( 28 أسرة ) .. ثم تَتابَعَ سكن ( 30 أسرة ) من مدن عراقية مختلفة .
{} محلة النجــــادة :
أسسها وسكنها النجديون القادمون من نجد ( السعودية ) اليوم ، وكانوا ( 34 أسرة ) ، ثم لحقت بهم ( 13 أسرة ) من المدن العراقية الأخرى .
{} محلة البغادَّة :
سمِّيت بهذا الاسم ، لأنّ أول من سكنها ، القادمون لها من بغداد ، ثم تبعهم عراقيون من مدن أخرى مختلفة ، وكان عدد الأسر في هذه المحلــــة ( 12 أسرة ) .
{} محلة الحضر :
وهذا الاسم جاء من أصل الأسر التي أسست هذه المحلة ، فهي أسر
متحضرة متمدنة تتميز بثقافة جيدة ، آنذاك .. وعدد هذه الأسر كان ( 26 أسرة ) عراقية الأصل ، ثم سكنت معهم ( 13 أسرة ) نزحت من منطقة ( الاحساء ) أي من السعودية اليوم .
{} محلة الاسماعيلية :
وهذه المحلة أنشأها الفقراء الزنوج النازحون من أفريقيا ، بحثاً عن قوت يومهم ، مقابل جهدهم العضلي المضاعف ، وموقعها في المنخفض الذي يقع خلف تل المدينة الاصلية .. وليس لديَّ معلومة عن تسميتها ، ولكن أعتقد أنَّ الاسم يعود لشخصية رسمية ، قد يكون حاكم أو قائممقام المدينة .
{} النسب المئوية لأسر سوق الشيوخ عدا ( الصابئة والزنوج الأفارقة ) :
في متابعة بسيطة ، لهذه التشكيلة ، وجدتُ مايلي :
إنَّ مجموع الأسر ، في المحلات الأربع فقط ( الحويزة ، النجادة ، البغادّة ، الحضر ) ، كانت ( 156 أسرة ) ، وطبعاً كل أسرة متفرعة إلى عدد من البيوتات .. وقد توزعت هذه الأسر حسب أصولها إلى :
34 أسرة من نجد و 13 أسرة من الاحساء ( السعودية ) وهي تشكل نسبة 30 %
28 أسرة من الاحواز ( إيران ) ، وتشكل نسبة 18 % .
81 أسرة عراقية الأصل ، ومن مدن عراقية مختلفة ، وهي تشكل نسبة 52 %
{} معلومات أخرى :
* بعدما إحتلها الايرانيون في 6 تموز 1915 ، توسعت الجالية الايرانية ، وإزداد نشاطها التجاري والسياسي ، بحيث تم تعيين قنصل فخري لحكومة إيران في سوق الشيوخ ، هو السيد محمد علي بهبهاني .
* وكان كذلك في سوق الشيوخ ، جالية يهودية ، لها معبدها الخاص ( الكنيس ) ، ومازالت بقايا هذا المعبد في محل النجادة ، وبالضبط أمام دار السيد علي العرفج. وكان آخر يهودي غادر سوق الشيوخ ، هو القمّاش ( الياهو يعقوب ) .
{} سوق الشيوخ مدينة الثقافة والفن :
تميّزت سوق الشيوخ ، بأنها مدينة ثقافة وفن ، فقرأ شبابها الأوائل مختلف أنواع الكتب التي تصل أيديهم .. فالسياسية ، من " كفاحي " لهتلر حتى " رأس المال " لماركس وإنتهاءً بمؤلفات لينين .. وفي الأدب العربي ، من المنفلوطي وتوفيق الحكيم وطه حسين وموسى سلامة وأحمد شوقي والجواهري وبدر شاكر السياب ، وإنتهاءً بالقصة والرواية العالمية ..
* وقد تأسست أول مكتبة فيها خلال الحرب العالمية الاولى .
* ومن شعرائها القدامى ، هم ، مصطفى جمال الدين ، عبد الرقيب يوسف ، حمدي الحمدي ، مجيد النجار ، سلمان عبد الرحمن ، معن العجيلي ، أبراهيم عثمان ، شاكر الحيدر ، أبو معيشي ، حميد حسن السنيد ، وتومان صيّاد المهنا .
* وعلى مستوى الفن ، ومن القدماء ، كان عازف القانون الفنان سالم حسين ، والمطرب ناصر حكيم ، والمطرب نجم عبد الله المهنا .
وعلى أيدي هؤلاء ، تعلَّم وتدرب وتخرّج العشرات من الشعراء والفنانين ، الذين شكلوا الرعيل الثاني أو الثالث .

{} سوق الشيوخ مدينة سياسة :
بالاضافة إلى أنَّ مدينة سوق الشيوخ ، مدينة علم وأدب وشعر وثقافة ، فهي مدينة سياسة ، فمنها كان إثنان ، من ثلاثة قادة أسسوا أول خلية للحزب الشيوعي العراقي ، في عام 1928 م ، والقادة الثلاثة ، هم :
* يوسف سلمان يوسف ( فهد ) ، من سكنة الناصرية .
* غالي الزويِّد ، كان يعمل لدى بيت السعدون في سوق الشيوخ .
* أحمد جمال الدين ، وهو من ناحية كرمة بني سعيد ــ سوق الشيوخ .
وكان من أبرز الشيوعيين الآوائل في سوق الشيوخ ، هم ، المحامي طالب بدر جابر ، طعمة مرداس ، عطشان منخي ، ورد عنبر فارس ، فرحان عنيسي البدري ، طالب ظنون ، حمدان كطان ، وغيرهم العشرات ، ممن كانت " نقرة السلمان " بيتهم الثاني .
ثم ظهرت في عقد الخمسينيات من القرن الماضي ، أولى خلايا حزب البعث ، وكان من أبرز مؤسسي وقياديي البعث في سوق الشيوخ ، هم مجموعة من المعلمين ، منهم ، يعقوب الحمداني ، نعيم حداد ، جعفر العيد ، محمد زمام السعدون ، وغيرهم ، إذ وصل بعضهم إلى مستوى القيادة القطرية لحزبهم .
*********************************
وفي الختام هذه قصيدة للأخ العزيز إبن الطائفة البار الدكتور صلاح زهرون وهام السام ، وهو يعبّر فيها عن إعتزازه وإعجابه بمدينة سوق الشيوخ وأهلها ، بعد أن قضّى فيها عدة سنوات ، كطبيب أسنان ، ثم مديراً لمستشفى المدينة .. فتحية لأبي سام .
{}{}{} سوق الشيوخ {}{}{}
ــــ الدكتور صلاح زهرون السام ـــ
سوق الشيوخ يا مدينة العطاء
مدينة الشعر ومهد الشعراء
مدرسةٌ صنعتِ أنقى الأدباء
سوق الشيوخ يا أصيلةً رمز النقاء
أقولها صادقةً بلا رياء
ناصعةً أقولها بلا طلاء
سوق الشيوخ يا مدينةَ الوفاء
فيكم وجدتُ الحبَ لم ألقَ جفاء
أبوابكم مشرعةٌ متى أشاء
بلسمٌ للجُرحِ أنتم ودواء
عاشرتكم كنتم ليَ الأهل ونِعمَ الأصدقاء
أحاسيسكم دافئة كانت لِيَ الكساء
من زادكم أكلتُ .. ترويني من بيوتكم قطرة ماء
كنتم لها أهلاً ودوماً كُرَماء
أذكركم بالخير صُبحاً ومساء
ويلهجُ اللسانُ بالثناء
لا واقفاً أقولها بل بإنحناء
غادرتكم ونابضي يدعوني للبقاء
وحينما ودَّعتكم أجهشتُ بالبكاء
إفتحو قلبي فيه لكم نداء
لكُ منّي ألفَ حاءٍ وألفَ باء
إلى اللقاء يا أحبتي إلى اللقاء
********************
المصادر :
*** كتاب تأريخ مدينة سوق الشيوخ ـــ عبد الكريم محمد علي
*** معلومات شفوية من بعض المخضرمين من أهالي المدينة

نشرت في تاريخ
الصفحة 1 من 5