الثلاثاء, 03 تشرين2/نوفمبر 2015 06:53

لا اكراه في الدين

نرى ويرى الجميع ما وصل اليه الحال في العراق اليوم من تمزق وتخبط واضح في الحياة الاجتماعية والسياسة بسبب تراكمات كمية لمختلف الازمنة العابرة من الفرقة والتمايز والدونية المقيتة لفئات واقليات عراقية مسالمة تمتاز بالطيبة والمحبة والتسامح ( المسيحية والايزيدية والصابئة المندائية والشبك ) ، ساهمت بشكل فاعل في تأسيس وبناء حضارة عريقة على ارض دجلة والفرات في هذا الوطن المعطاء ، والذي يشهد لها القاصي والداني ، هذا البلد الذي مزقته الخيول الهمجية عبر عصورة المختلفة طمعاً في موقعه وخيراته وتكالبت عليه قوى الشر لتسلبه ارادته وقوته ووحدته وتفتيت نسيجه الاجتماعي والوطني :
ان القرار التعسفي والمجحف بحقوق الاقليات الدينية في العراق ، والذي اصدره مجلس النواب العراقي في 27/10 / 2015 علامة سوداء في تاريخه ، حيث اثبت فشله واستبداده في اتخاذ القرارات ومنها هذا القرار الجائر في استهداف مكونات الشعب العراقي الاساسية غير المسلمة في الفقرة ثانيا من المادة 26 من قانون البطاقة الوطنية السيئة الصيت .
لذا يتطلب من كل القوى الوطنية ومنظمات المجتمع المدني المحافظة على لحمة ونسيج هذا الوطن ، والوقوف بحزم وبارادة صلبة لا تلين تجاه هذا التجاوز الجديد على حقوق ومقدرات الاقليات الدينية المسالمة التي لا حول ولا قوة ، ولا ذنب لها سوى انتمائها وحبها وتشبثها بتربته المقدسة ارض الاباء والاجداد ، ما تعرضت وتتعرض له الان من هجمة شرسة منسقة من قبل الارهاب الخارجي المتمثل بقوى الظلالة والظلام ، وبدواعش العصر الجديد المتمثل باعضاء البرلمان العراقي الذين لم يبخلوا جهدا في سبيل تصفية الاقليات وفق نظام ممنهج واضح في سبيل إخلاء ارض العراق الحبيب من مكوناته الاساسية والاصلية ، وبمعالجة السلبيات والانكسارات المتتالية الحاصلة من انعدام الامن والخدمات الاخرى ، وبهدف تطبيق سياسة التطهير العرقي والتغيير الديمغرافي وفق المخطط المرسوم له ، من اجل صنع اتفاقية جديدة كاتفاقية سايكس بيكو ، ولكن بادوار مختلفة على حساب الاقليات الدينية بتقسيم المنطقة حسب ما ترتأيه مصالح واطماع القوى الكبرى .
لقد كانت كنيسة النجاة البداية لهذا المخطط المريب وتوالت الاحداث والهجمات الشرسة من قبل الارهاب واذنابهم الماجورين ، واخيراً وليس اخراً ما جرى ويجري للاخوة المسيحيين والايزيدين في الموصل وفي سهل نينوى الا استكمالا لهذا المخطط المهين .
ان بيان رئاسة الطائفة المتمثل بشخص الريش مه ستار جبار حلو المحترم رئيس الطائفة المندائية في العراق والعالم ، وتصريحات الرئيس الفخري لاتحاد الجمعيات المندائية في دول المهجر الاستاذ الدكتور صهيب الناشىء الاخيرة وبيان هيئة الدفاع عن اتباع الديانات والمذاهب في العراق ، ليس هذا فقط بل يتطلب من الجميع والوقوف بحزم تجاه هذه المؤامرة المعدّة سلفاً لتصفية الاقليات وقلع جذورها من ارض الرافدين ، كل حسب موقعه بمناشدة المؤسسات والمنظمات المدنية ومنظمة حقوق الانسان الدولية والبرلمانات الاوربية وبابا الفاتكان بهذا الخصوص .
وهذا يعيد الى الاذهان ما قاله احد الحكام الطغاة العرب يوما ما بنص العبارة ، نحمد الله ونشكره لا يوجد ببينا من دين اخر غيرالاسلام ، فذهب الى مزبلة التاريخ دون رجعة ،.
فنقول لهم اين انتم من القران من كتابكم المقدس الذي نادى بحرية الفكر وحقوق الاديان الاخرى والذي رفع شعاره المقدس ( لا اكراه في الدين ) ، ومن اقوال الرسول الكريم ومن اقوال الامام على ( ع ) في مقولته الشهيرة ( اذا لم يكن اخاك في الدين نضير لك في الخلق ) ، اين نحن من كل هذا يا سادة يا كرام حكام العراق ونواب شعبه المقهور والمغلوب على أمره ، ان غدا لناظره قريب ، وعلى الباغي تدور الدوائر ، والله مع الصابرين .
عيد سعيد وكل عام وانتم بالف خير وسلام.

نشرت في وجهة نظر

كلمة لا بد منها :
لقد شهدت السنوات الماضية بروز رموزٌ مندائية كان لها حضورٌ مع بصمةٍ واضحةٍ في مجالِ الفن التّشكيليِّ المُعاصرِ على السّاحة الفنيّةِ في العراق أو في دول المهجر ، إستطاعت أن تُقـدمّ المزيد من العطاء والإبداع في هذا المجال ، وأكدت إهتمامها البالغَ بمثل هذا النوع من الفن الرفيع ؛ من خلال تقديم وبلورة الافكار في تاّلف الفن والعلم والحضارة .
من هؤلاء المبدعين هذه الكوكبة المُتميزة : ( فيصلُ السعدي ، يحيى الشّيخ ، غالب ناهي الخفاجي ، سلام الشيخ ، موسى الخميسي ، حزام عطية النصار، نوري عواد حاتم ، سوسن سلمان سيف ، اكرم تريكو صكر ، حامد جميل عزيز ، اشراق عريبي ، حامد عبد الرزاق رويد ، عائدة دخيل عيدان ، أسمر هرمز ، سلام غريب الشيخ دخيل ، مثنى حميد السعدي ، عبد الأمير حربي ، ... ) وآخرون غابت عن الذاكرة اسماؤهم مع الاعتذار ، والكثير من الشباب المندائي الذين ما زالت عندهم الرغبة في ممارسة هذا النوع من الفن الرفيع بعد ملاحظة المعارض المتكررة للطاقات الشبابية المندائية في مواصلة هذا المنحى الهام على طريق الثقافة والابداع . فهناك من جعل هذا الفن الرائع هواية في حياته وتركها بعد حين لظرف ما ، وإهتم بنوع اخر من الفنون والاداب ، ومنهم من استمر في مزاولتها كمهنة الى اليوم . وتتصفُ نتاجاتُ هولاءِ الفنانين بالتكامل الإبداعي الفني ، وبترك إرث جميل ورائع في الرسم والنحت والنصب التذكارية ، واللوحات الرمزية التراثية والحضارية إضافة الى الرسوم التخطيطية وفنون النقش على المعادن والزخرفة وفن المنمنمات او في فن التصوير الفوتغرافي .
في سياق الانشطة الفنية المندائية للفنون التشكيلية ، نلاحظ : ان هذه الاعمال تراوحت بين التشكيل والنحت والفوتغرافيا وغيرها ، وهذا ما يؤكد على ما تختزنه حركة التشكيل من طاقات ومواهب ، ومقدرتها على الإصغاء المرهف لهواجس الانسان في عالم سريع التغّير ، ان مبدعي الفن التشكيلي ، انما هم نخبة من ابناء الوطن - العراق – باعتبارهم في طليعة مكونات الواقع الثقافي المندائي ومفصل حركته الفنية الصاعدة.
حينما نتأمل الاعمال الفنية لهؤلاءِ نجد ان هناك تفاوتاً وإختلافاً في الأساليب الفنية المتّبعة ، تلك التي تنوعت بين ، الانطباعية ، الواقعية ، التأثرية ، التجريدية ، التكعيبية ، وهذه مدارس فنية عالمية متنوعة ، بالاضافة الى اعمال مختلفة اخرى ، ارتكزت في رؤاها على مفاهيم تراثية وطبيعية واخرى حضارية ، ويمكن ادراجها في سياق البحث فيما يتعلق بالحياة والخيال معاً ، وقد تبارت هذه الاعمال على الصدارة والاستحقاق المطلوب ، ان نتاجاتهم الفنية ماهي الا تعبير عن جماليات المعنى في رؤى متوهجة بالحيوية والدلالة والاشارة بأكبر قدر ممكن من التكثيف والايماء ، ان استخدام الفرشاة والالوان متداخلة في اللوحات الفنية واداة تعبير عن مفهوم الضد ، عبر عناصر فنية متنوعة ، بحيث يضع كل فنان فكرته على لوحة من لوحاته ، وتعبر بذات الوقت عن تداعيات إنسانية متحركة ، ومتفاعلة في رؤى حسية متنوعة ، ان في إشراقة الالوان ماهي الا تداعيات رمزية متحركة في إتجاهات عدة ، وهي رؤى رمزية للحياة ، وهي مضامين مأخوذة في الاساس من الواقع الحاضر والماضي ، وفي سياق خيالي واضح وبرزت التجربة في نسقها التجريدي ، والبحث المطلق عن الراحة النفسية ،واستخدام العلاقة المتضادة بين الضوء والظل .
بعد هذه المقدمة البسيطة ، ارتأيت ان أعرض موجزاً عن كل فنان قدير وباقلامهم وبآراء النقّاد الذين تناولوهم بالنقد والتحليل والتمحيص .
في مخيلتي معلومات وافكار بسيطة عن فنون الرسم بالاضافة إلى توفر الرغبة في المتابعة مع المشاهدة للمعارض الفنية التي كانت تقام في العراق او في سورية ، او من خلال استخدام كامرتي البسيطة في رصد وتجسيد بعض الظواهر الاجتماعية والطبيعية ، لما تحمله الصورة من دلالات جمالية تعبيرية راقية عن الكون والطبيعة وعن مفاصل الحياة الانسانية ، وساتناول بالعرض لأعمال هؤلاء الفنانين تباعاً ، مع التقدير .

الفنان فيصل السعدي :

يعتبر هذا الرسام المندائي الكبير من رواد حركة الفن التشكيلي العراقي المعاصرالذي سار على خطى أصحاب المدارس العالمية من عظام الرسامين ( بابلو بيكاسو ، مونيه ، دالي ، فان كوخ ) ، لما تحمله لوحاته من قوة إبداع ورصانة تعبيرية واضحة في مجمل أعماله الفنية المتنوعة .
في مقالة جميلة كتبها الفنان المبدع فيصل السعدي عن نفسه ، نُشرت في مجلة افاق مندائية الصادرة في بغداد ، حول مسؤولية الفنان في معتركه الفني جاءَ فيها : ( يجد الفنان نفسه مسؤولا في المعترك الفني عن ايجاد صيغة للتعامل مع الحياة بديناميكية متفاعلة لتعطي للتجربة الفنية شخصيتها ، وكتجربة يستدرك الفنان فيها دوره ووجوده في هذا الكون الواسع بالرغم من التناقض الواضح للاساليب الفنية ، يجد نفسه مسؤولا عن ايجاد علاقة جدلية للتوازن البيئي لكي تأخذ دورا ً في الابتكار والابداع . ويقول ايضاٍ : بدايتي من الستينات ممارس للرسم والخزف وطوال هذه الرحلة قدمت ، واقدم تجربتي بكل رموزها وتحولاتها متناولاً البيئة العراقية وتنوعها ، مغترفاً من الرمز والاسطورة العراقية المتواصلة بشوق الى الانفتاح اللوني بالرغم من التفكيك المتوازن بعيداً عن الاساليب المقحمة والتلطيخ اللوني . التجربة في حضور الخط الوهمي لانشائية اللوحة ، وغنائيته الموسيقية في تشابك الالوان ، واستخلاص الاطر الفنية من تجربة الفنون الرافدينية ، وتوظيفها في منجز تشكيلي يعكس كونية الاشكال ، وعراقة مخلصة ، وعشق متدفق افجعته مرارة التمزق الداخلي والبيئي . الهدف في اغناء التجربة الفنية العراقية ومواصلة الارث الحضاري ، ووضع لبنة في صرح الرسم العراقي المعاصر ) .
بهذه الكلمات عبّر الفنان فيصل السعدي عما يدور في خلده من افكار بنّائه ورائدة من اجل الفن العراقي وتطويره ، واكد الفنان السعدي في اكثر من مناسبة ان الرسم ، كعنصر من عناصر الحركة الفنية الحديثة ، بشتى اتجاهاتها علينا الاستلهام من تلك الحضارات والاعتماد على قيمها واصولها ، بالشكل الذي يلائم الإمكانات المتاحة في عصرنا الحديث ، ومن دون هذا الأساس التأريخي المهم ، فانه سيصل حتماً ، الى مرحلة التجريد ، والتجريد المطلق ، سوف ينتهي الى فن هزيل ، لا يتناسب مطلقاً وعظمة التطور الحديث الذي وصل اليه عصرنا ، سواء في إمكاناته التكتيكية المتاحة ، او في تطور علاقاته الأنسانية ، وقد كتب الكثيرُ من النقاد عن هذا الفنان الرائع واسلوبة في الاختيار ، ومنهم الناقد محمد الجزائري الذي تحدث عنه في مقالة نقدية جريئة وعن مضامين لوحاته الفنية والتي نشرت في جريدة العرب اليوم الاردنية ، جاء فيها : ( لم يكن فيصل السعدي ( 1939 ) خارج كياسة التجديد ، حين اختار اسلوبية مزاوجة بين الانطباعي والتكعيبي . انه لم يشوه المشهد ، ترك للمقلة حرية التجوال والهجس والتقصي في ثنايا اللوحة ، شخوص اللوحة بينة ، ولا غموض .. كأنه يقدم التعبير ، عبر الملامح ، باشارات ، ولكن ايضا ، بهذا الطيف اللوني ، وهندسة تداخلاته ، قوس قزح ، لا يضيّع المعنى ، ولا يحيل إلى براءة طفولية ، لكنه يستمد من البراءة لونها الصافي ، ولكن بوعي اشتغال ، ومهارة مطبوعة ، يعتقد الفنان فيصل السعدي ، بان الجمالية وحدها ، لا تُثري الحياة ، ان هي افتقدت ، في اللوحة ، الى تلك الديناميكية ، فراهن على ثلاثية الابداع ، الجمالي ، المتحرك في اللوحة لانها خطابه الفني .. كونية وعمارة واثارا.ً. رموزاً واساطير من ميثولوجيا غنية .. كل ذلك مخزون لوحات السعدي ، ومجال إفادته .. لكنه لم ينقل ذلك كله ، بجاهزية عفوية ، بل امتصه وتمثله ، فهو يحاول الخروج بلوحته من عالم التزيين ، الى التأثير في المحيط : الحيز والفضاء والتلقي .. لا أن تُعلّق ، مثل ايقونة ، ضمن ديكورية المكان ، بل ان تتفاعل مع مشاهدها ، تسحبه الى سحرها ، تفكك امام ناظريه رموزها وموتيفاتها ، واحالاتها الاسطورية والرمزية ، وسردها احيانا .. ان لوحات فيصل السعدي ، مروريات لونية ، تتعاشق بها الاطياف والرموز والوجوه ، لتقول حكاية .. او لتنعى على حالة ، تبدو متكسرة خلل تلك الحزم اللونية ، لكنها تأتيك من جهات عدة .. وتلك مهارتها ) .
ودون الكاتب المبدع عبد الباسط النقاش مقالة جميلة تطرق فيها الى ابتكارات الشكل في طريق الابداع للوحات السعدي الفنية جاء فيه : ( ان الفنان فيصل السعدي جمع بين المهنة والحرفة والصنعة معاً باعتباره تشكليا واكاديميا في دراسته الفنية ، ومحترفا لمهنة ماهرة وهي الصياغة .. وتفاصيلها الاخرى .. وتأثير دقة ممارسة المهنة الدقيقة التفاصيل في الحجم مما جعل رسوماته هي الاخرى خاضعة لصنعته في توليف الاشكال بمضامين فنية هندسية معمارية ، يُشكّل فيها الظل والضوء متاهات فضاء اللوحة المحدود ابجدية المواءمة بين الايمان المطلق اليها .. تعيد للاذهان موتيفات بالخلق .. وبين ما ينتسب للحياة من طيور وحيوانات اُخرى وبشر .. والعمل على إيجاد الصلة بين الامس واليوم باصرار على عمق عراقيته ، والعلاقة الجدلية بين المنطق وما مخزون من تراث العراق العظيم .. تارة بتعبيرية وتارة بالحفاظ على اللون من التغريب في متاهات العبث فهو قادر على تمكين فرشاته من ايجاد مسحة اللون الملائمة مع ما يجاورها من الوان اخرى .. او المتقاطعة معها كبساط شرقي سحري .. تشكل إيقاعات اللون وتكوينات الفضاء فيه روحه المعطاء ابتكارا للخصوصية والتفرد . ان اسهامات الفنان فيصل السعدي .. رغم قلتها لكنها تجربة فنان محترف لا يخاف سطوة وقع لوحته على الاخرين .. بقدر رضى نفسه وادراكه الحسي المُبّكر فيها .. وتلك هي لغته التي يتعامل بها في كل مجتمع .. لكون اعماله تتمتع بقدر كبير من التجربة العراقية الاصيلة لارث حضاري متقدم في ماضيه الانساني .. وكذلك سعيه الدؤوب لوضع لبنة في صرح الرسم العراقي المعاصر .. وفق رؤية فنية مكتملة تمرست العمل الفني واشتقاقاته في العمل والحياة التشكيلية .. فالفنان السعدي حريص على الإبتعاد عن الاساليب الحديثة المطروحة في الفن التشكيلي .. التي تشوه معالم الابداع من حيث الاستخدام العشوائي لنظام التلوين العشوائي على سطح قماشة اللوحة التشكيلية ) . لذا يعتبر الرسام فيصل السعدي من الفنانين القلائل الذي إستخلص بلوحاته ومزجه للالوان واستخدام طريقة التعبير الايمائية للحياة وللانسان عبر فرشاته الجميلة كوسيلة تعبيرية صادقة عن وضع الانسان في عصر العولمة وحالة التيه في دهاليز الحياة وسرورتها الكونية الابدية وعن مصيرها المحتوم في الخلود الابدي إنعكاسا لخضم تلك المعاناة وباشراقاته الوردية الدائمة.
ان الفنان فيصل شرموخ السعدي من مواليد مدينة العمارة - ميسان ( 1939 ) م تخرج من معهد الفنون الجميلة – بغداد – 1965 م .. عضو نقابة الفنانين وجمعية التشكيلين العراقيين .. عضو الرابطة الدولية للفنون التشكيلية . من اهم مشاركاته الفنية : في معظم معارض جمعية التشكيلين العراقيين المقامة في بغداد ، في معرض الفن العراقي المعاصر في عمان 1994م ، معرض بيناله العربي الاول في بغداد وزارة الثقافة ، معرض السنتين العربي الاول في بغداد ، معرض مشترك مع الفنان خضير الشكرجي 1973م ، نفذ عمل جداري كبير في مبنى الاذاعة والتلفزيون العراقي .
من خلال ادائه الرائع استطاع ان يؤكد على ما تختزنه حركة التشكيل عند الفنان من طاقات ومواهب ، ومقدرتها على الاصغاء المرهف لهواجس الانسان في عالم سريع التغيير .
حينما نتأمل الاعمال الفنية التي احتوتها لوحاته سنجد هناك ان هناك تفاوتا في الاساليب الفنية ، تلك التي تنوعت بين الواقعية والتأثرية والتجريدية ، ارتكزت في رؤاها على ىمفاهيم تراثية واخرى طبيعية ، التي تبحث في كل ما يتعلق بالحياة والخيال معاً ، لقد امتازت هذه الاعمال بجماليات المعنى في رؤى متوهجة بالحيوية ، على ابراز ملامح التجربة باكبر قدر من التكثيف والايحاء ، وبدت الالوان متداخلة في ما بينها ، واعتمد على مفهوم الضد ، عبر عناصر فنية متنوعة ، كما نجد توهج الالوان في لوحاته ، مع تداعيات انسانية متحركة ومتفاعلة من رؤى حسية متنوعة ، وهناك في بعض لوحاته الفنية نجد فيها اساليب تجريدية استخلصها من التفاوت في الالوان ، وحشد المجامبع غير واضحة المعالم في العمل الفني ، واحيانا يمكن ملاحظة شراهة الالوان بارزة في بعض لوحاته ، كذلك هناك تداعيات رمزية متحركة في اتجاهات عدة كأنها ذات ابعاد ثلاثية مجسمة الصورة ، ، وفي بعضها كانها صور فوتغرافية ذات الوان بهيجة ، وفي بعضها يلاحظ الفعل التأثري واضحاً بكل ما تحمله من مضامين مأخوذة في الاساس من الواقع وفي سياق خيالي ، وبرزت التجربة في نسقها التجريدي عن واقع المراة التي تبحث عن الأمان والاعتبار ، باستخدام العلاقة المتضادة بين الضوء والظل .

وقد اكد هذا الفنان القدير في اكثر من مناسبة ان الرسم ، كعنصر من عناصر الحركة الفنية الحديثة ، بشتى اتجاهاتها علينا الاستلهام من تلك الحضارات والاعتماد على قيمها واصولها ، بالشكل الذي يلائم الإمكانات المتاحة في عصرنا الحديث ، ومن دون هذا الأساس التأريخي المهم ، فانه سيصل حتماً ، الى مرحلة التجريد ، والتجريد المطلق ، سوف ينتهي الى فن هزيل ، لا يتناسب مطلقاً وعظمة التطور الحديث الذي وصل اليه عصرنا ، سواء في إمكاناته التكتيكية المتاحة ، او في تطور علاقاته الأنسانية
ويؤكد ايضا على وظيفة الالوان كون اللون كمكون اساس في جسد العمل الفني فهو في احدى تعريفاته غطاء للشكل حيث ان لكل لون صفته وحساسيته ودرجته ومعناه ويكون نجاح اللوحة في وضع تكون الالوان منسجمة تارة ومتضادة تارة اخرى ووضع كل لون في مكانه المناسب قوة للوحة واداء مهم في نجاحها .. فلو كانت الحياة لوناً واحداً لكسدت الذائقة ولاعترانا الملل والرتابة ، وفي الختام نقول ان الفنان السعدي الذي تتلمذ على يد الرواد من رموز الفن التشكيلي العراقي كجواد سليم وفائق حسن واسماعيل الشيخلي وحافظ الدروبي الذين هم نافذة الفن التشكيلي المعاصر حيث استلهم من تجاربهم الفنية الذين كل واحد منهم مدرسة متكاملة النضج متشعبة المعرفة ، والذي استطاع ان يؤسس مدرسته واصالته وطريقته الخاصة في بناء جيل فني متقدم ، هذا الفنان التشكيلي التجريدي القدير ، ان لوحاته تنم عن ابداع مرهف بالاحاسيس الفياضة والعاطفة النبيلة ، فكل واحدة منها صورة تعبيرية عن سمفونية زمانية خالدة ، فالى لقاء اخر مع فنان مندائي مبدع مع ارق تحياتي .
المصادر المعتمدة :
د. محود شاهين / ناقد تشكيلي واكاديمي من سورية / عن حياة فنان / مجلة العربي .
د. اسعد عرابي / فنان تشكيلي من سورية / مدارس فنية / ما بعد الحدائة / فن تشكيلي .
غسان حسن محمد / ناقد عراقي / لوحة تشكيلية من ظلال الماء والقصب / جريدة الزمان البغدادية .
- فنان مندائي / بقلم فيصل السعدي / افاق مندائية .
- محمد الجزائري / مقالة نقدية عن تجربة فيصل السعدي .
- الفنان فيصل السعدي / بقلم عبد الباسط النقاش.
اعداد: عزيز عربي ساجت
المانيا

كتاب من تأليف الدكتور خالد السيد محمد غانم ، المراجعة التّاريخية والتقديم د.منذر الحائك ؟، خطوات للنشر والتوزيع ، سوريا / دمشق / جرمانا ./ 2009م.

مقدمة الكاتب :
أنا زرادشت
سأكون بالحق ما استطعت
عدواً لمعتنقي الظلال
وملاذاًللمؤمنين بالحق
وحتّى أنال أملي بدار الخلود
سأظل يا مزدا ، أرتل لك واحمدك .
من تعاليم( اليسنا :43/ 8.7).
اٍن الإنسان – أي إنسان – لا يمكن أن يحيا بدون دين ، والأمة – أي أُمّة – لا يمكن أنْ تعيش بدون عقيدة ، وتعاليم تحكم تصرفاتها ، فلم يذكر التّاريخ أناساً عاشوا على هذه البسيطة دون اْن يتدينوا بدين ، أو يتحاكموا الى تعاليم ، ولا أدل على ذلك من هذه العقائد المتعددة ، والعبادات المتشعبة ، والتّعاليم الكثيرة ، ليس في البلاد أجمع ، بل في هذا البلد الواحد ، وليس في الأديان جميعاً ، بل في الدّين الواحد .
ومن هنا ، فإنّ دراسة الأديان من أهم الموضُوعات التي تهم الإنسانية في حياتها ؛ إذ أنّ الّدّين هو الذي يشكل عقل الأمة ، ويحدد طريقها ، بالإضافة إلى انّه يمنح الباحث البصيرة في تمييز الحق من الباطل ، والدّين الذي يتوائم مع الفطرة ، ويتلائم مع العقل والمنطق .
ومن هنا كانت أهّمية دراسة مقارنة الاديان ، السماوية منها والوضعية ، ومنها الديانة الزّرادشتيّة . وكان هذا الكتاب الزاخر بالمعلومات .
ومن المعروف ان تعداد نفوس مريدي الديانة الزرادشتية يقدر ب (15 ) مليون نسمة موزعين في جميع انحاء العالم لكن مركز الديانة هي ايران .

يقول واضع المراجعة اللغوية والتقديم ، قد لا تختلف الديانة الزرادشتية ، حتى في كثير مكن تفاصيلها ، عن الاديان العالمية وخاصة السماوية منها ، ومع ذلك ، فقد جرت العادة ، ان لا يعترف اتباع الديانات السماوية بالزرادشتية ديانة سماوية ، بل يعدونها ديانة وضعية ، بينما الديانة المسيحية تقر بالهودية ديانة سماوية سابقة لها ، فقد نبعت من ارض واحدة متقاربة ، وتداخل تراثها الفكري والروحي بشكل كبير ، حتى انها تعد ديانة واحدة متسلسلة ومتجددة عبر عدد من الانبياء .
لكن ما يدعوا الى الدهشة ، هناك تشابها واضحا بين الديانة الزرادشتية وبين بقية الاديان الاخرى ، من ناحية المعتقدات ، فترات الزرادشتية ، اضافة الى عقيدة التوحيد ، ويتضمن ادبا اخلاقيا غاية في الشفافية ، يحب الحق ويقدس الصدق ، كما يبشر الدين الزرادشتي بالمخلص الذي سيولد وينقذ العالم من الشرور والاثام .
ومن المعروف ان عقائد الديانة الزرادشتة تتمحور وتتمركز حول الاله الواحد الكبير المطلق ، وهو : اهورا – مزدا ، وتعني ( الكبير الحكيم ) الذي تحف به الملائكة ، وقد اصطفى هذا الاله داعيته ونبيه زرادشت ، وارسله الى الناس كافة ، ولما واجه الاضطهاد من قومه هاجر عنهم ، حترى تمكن من نشر دعوته ، بعد ان اظهر العديد من المعجزات ، وخاصة إبراء المرضى المزمن ، من معجزات زرادشت بشفاء الامراض لمعرفته بخصائص الاعشاب .
وكما كان للزرادشتية أنصار يؤمنون بها كان لها اعداء ينكرون نبوة زرادشت ، بل ومنهم من ينكر وجوده اصلا ، ولكن سواء اكان زرادشت شخصية اسطورية ام حقيقية ، فهو موجود بقوة في التراث الديني الذي اقام صرح الديانة الزرادشتية ، وجعلها تقاوم الاضطهاد وتتحدى الزمن ، فاستمرا دعواته بحيث لا يستطيع احد إينكاروجودها ، وكذلك فاننا إذا إنكار وجودها ، وكذلك إذا أنكرنا نبوة زرادشت فإننا لا نستطيع ان ننكر مثصلحاً قدم برنامجاً إصلاحياً اجتماعياً روحياً متطوراً بالنسبة لزمانه ، ويبدو أن الفيلسوف الالماني نيتشة كان خير من عبر عن حقيقة هذا البرنامج الاصلاحي في كتابه ( هكذا تكلم زرادشت ) ، بقوله على لسان زرادشت (ص206 - 207 ) .
(( لقد عرضت لأنظار النّاس كواكب جديدة
وليالي لا عهد لهم بها .
نثرت الفرح على غيوم اللّيل
وعلمت النّاس جميع افكاري .
ليتعلموا إبداع المستقبل
ولينقذوا الإنسانية مما أدرج الماضي في أغوارها .
بهذا رأيت السّلام للنّاس
وأنا الآن أتوقع السلام لي .
ولأنّي اريد أنْ أذهب من بينهم الى الفناء ، أودعتهم أثمن كنوزي .
لقد تعلمت هذا الجود من الشّمس .
التي تلقي على البحار نضارها وهي تتوارى في الظّلام .
حتى ترى أفقر الصّيادين يُداعبون صفحة البحر بالمجاذيف المُذهبة .
هكذا يُريد زارا أن يتوارى فيغرب كما تغرب الشّمس )).

يتبع لطفا ، مع ارق تحياتي .

نشرت في وجهة نظر

مقدمة لابد منها :

(( الفن هو النافذة التي تطل على الجانب السامي من النفس البشرية ...)) ناقد فني .
لم يكن الفن في يوم الايام مظهرا من مظاهر الحياة العقلية ، بل كان ولا يزال مظهرا من مظاهر الحياة الشعورية النفسية ، وخلقاً ذاتياً ينبض بالحياة ويكشف عن احساس الفرد ، ويجمع بين الدقة في التفكير والجمال في التعبير .
ولعل الفيلسوف الوجودي الفرنسي ( سيجموند فرويد ) ، كان أغرب الباحثين في هذا المجال ، اذ حدد الفن بمظهر من مظاهر اشباع الرغبات المكبوتة في اللاشعور .
لقد نمت وترعرت المواهب الفنية في بلدنا العراق منذ خمسينيات القرن الماضي ، وقطعت اشواطاً بعيدة ، وهي تسير على خطى الكبار نحو التقدم والابداع ، مؤدية ما نرجوه لها من قدم ثابتة وتطور شامل ، فبرزت كوكبة لامعة من فنانينا المندائيين ، اتخذوا من هذا الفن البديع طريقاً ومساراً لهم  بكل أشكاله والوانه ، منهم الرسام والنحات والنقاش والمصور : ( فيصلُ السعدي ، يحيى الشّيخ ، غالب ناهي الخفاجي ، سلام الشيخ ، موسى الخميسي ، حزام عطية النصار، نوري عواد حاتم ، سوسن سلمان سيف ، تحسين الناشىء ، اكرم تريكو صكر ، حامد جميل عزيز ، اشراق عريبي ، حامد عبد الرزاق رويد ، سلام غريب الشيخ دخيل  ، سمية ماضي ، مهدي صالح العايش ، عائدة دخيل عيدان ، أسمر هرمز ، نعيم عربي ساجت ، مثنى حميد السعدي ، لؤي حزام عيال ، عبد الأمير حربي ، والمرحوم منير حاكم الكيلاني ... ) وآخرون غابت عن الذاكرة اسماؤهم مع الاعتذار  ، لعب كل واحد منهم دوره المٌميز وما يزال في تطوير الحركة الفنية الابداعية في البلد الام  او في دول المهجر .
ان الفن لا يحتاج  الى شرح او تفسير ، فهو  في مفهومه يعطي صورة حية عن حياة الشعوب ، ويعبر عن تقاليدها وعقائدها وعاداتها ومعاناتها ، وهو المرآة العاكسة الصادقة الامينة التي تتجلى فيها نهضة الامم وحضارتها وتقدمها على مر العصور .
 
الفنان القدير موسى خضر الخميسي
حين اطلق الفنان الانطباعي مونيه عبارته الشهيرة ( نحن نرسم كما يغني الطير ) قصد فيها حجم البوح الذي يعتمل داخل الفنان ، جاعلا منه معادلاً موضوعياً لما تمتلىء به حنجرة الطير من غناء ، وما يريد ان يقوله للطبيعة في حوار يراه من مبررات الضرورة والحاجة .. والفنان التشكيلي هو واحد من الخلاّقين الذين يسعى لأن يغني بفرشاته ليصنع خلقاً له القدرة التعبيرية على محاكاة الذائقة والدخول معها في مضمار التحاور لعرض الجمال بما يأتي به من محمول باهر والقبح بما يقدم من تهالكات تعيق ذائقة التلقي وتعكّر اللذاذات مثلما تدين صنّاعه وترسم معالمه المثيرة للحنق ..، اي الريشة ترسم كي يغني الطير .
نلاحظ ان الاسلوب الابداعي في الفن التشكيلي يستند دائما في جذوره الى الواقعية ، ولكن عناصر الابداع تلعب دورا في الشكل الفني فتضفي عليه شيئا من الغرابة الجمالية والمتعة الفنية وهذا ما نراه ونحسه في لوحات فناننا القدير الاستاذ موسى الخميسي .
ان الموهبة ضرورية للانطلاق ، فهي العنصر الاساسي في هذا الميدان ، ان هذا الفنان المتيم بالثقافة والابداع المتواصل وجهده بالحياة ، الذي يتسلل اليها بأنتشاء عميق ليبعث في تصاميم فضائها الأمل على البقاء والاستمرار ، ان لوحات الفنان القدير موسى الخميسي تشي بالكثير من الابداع وذات قوة تعبيرية ، انها ناضجة الفكرة ، فالالوان متناسقة ومنسجمة تعبر عن تجربة ناضجة تبحث في مساحة عن جمال متطابق مع اذواق واقعنا الحداثي والمعاصر ، ان جل لوحاته تعبر حسن صياغته للالوان ، كانه صائغ يصنع من الافكار الصغيرة حلياً وعوالم مجسدة في الروح والمعنى ، ويؤكد بأن تناسق الالوان نابع من تلقائيته في التعبير ، ويتماشى مع الموضوعات التي يختارها بعناية وبدقة متناهية ، ان بوابة الفن المعاصر أعطت للكثيرين الفرصة لممارسة الفن التشكيلي ، ان الفن الحقيقي يسمو ويعرف ويتميز وغير قابل للتصنيف ويكون بحد ذاته مدرسة راقية بعيداً عن السمسرة او العبث .
بالنسبة له اللوحة هي عبارة عن مجموعة افكار وأحاسيس لا وقت لها ، تحضر عبر مراحل ، لكي تترجم في الاخير على شكل عمل فني متقن ، فأن اهم ما يمتاز به الفنان موسى الخميسي ، عملية نسج الالوان وجعلها تتناسب فيما بينها بالصياغة الزيتية ، وهي تقنية مختلطة في غالب الاحيان ، ان اختياره لميدان الفنون التشكيلية اضافة الى موهبته في الكتابة هي غايته ووسيلته للتواصل من الناس ومع العالم الخارجي ، بأعتباره فنان كالمصباح الذي يضيء على الجميع ، كانت ولا زالت علاقته بالناس ود ومحبة واحترام وتقدير ، وقد اعتبر المّرسم محراباً للفن ، لقد برهن من خلال تلك التجربة على انه رسام ذي كفاءة عالية كأنه تعلمها منذ نعومة اظفاره على ايدي فنان له باعٍ طويل في الرسم ، لقد تعلم فن صنع الألوان بمهارة عالية وابدع أيما ابداع ، وتناولوا نتاجاته الفنية بالنقد والثناء ، وقد انتج لوحات كثيرة شارك فيها بمعارض فنية اقيمت في اماكن متفرقة من مدن عدة ، وقد ركز جل جهده على رسم اعمال تتميز بالابداع والكفاءة العالية والقوة التعبيرية الواضحة ، كما ان بعضها فيها ادانة جلية للوضع المأساوي الذي عاشه ويعيشه ابناء جلدته سواء في الداخل او في دول المهجر .
انه الانسان المهاجر في احضان بلاد الغربة الذي لازمه الفن والابداع ، ابن الثقافة والتعبير الرافديني الاصيل ، فان تجربة الهجرة عن الوطن الام وجد فيه انفتاحا ً عن عالم جديد بكل مكوناته ، وقد تكون لديه هاجساً من هواجس الابداع ، لكن وطنه يبقى الافضل لتحقيق النجاح وهو مصدر الالهام والنجاح ، ان لوحاته كأوراق ملونة زاهية في رحاب الفن ، باعتبار الساحة التشكيلية حقل من الاشواك والزهور.
لقد كتبوا عنه الكثير من خلال ما قدمه من معارض فنية قيمة ، الرسامة والشاعرة العراقية - المندائية القديرة سوسن سلمان سيف في رسالة موجه اليه كتبت مقالا نقديا في دليل احد معارضه تقييما لتجربة الفنان الطويلة في هذا المضمار تقول : ( أسم يعرفه الجميع ،هو على الدوام  يكتب منذ سنوات بتلك السلاسة والاتقان . رسام وغرافيكي، باحث، ، وناقد تشكيلي ،  يسأل عنك وبنفس الوقت يجيب على أسئلة تخطر في فكره لك ليعد الأجوبة قبل أن أنت تجيب . ينقلنا بخطواته المغامرة احيانا من الواقع الى الخيال ، بنظرة جمالية آخاذة ، ليتخطى الهدف المباشر في لغة العمل الفني ، فيجعلنا نخترق معه ما هو كامن في رؤية العيون وإيماءات الجسد ، والمعاني الكامنة وراء حركات الكتل الانسانية التي تتشكل منها اعماله الفنية والتي تظل على الدوام في منأى عن التناول الوظيفي المباشر، بل انها تحتاج ومع فن هذا الفنان الى قوة تأويل استثنائية لتمكننا من فهم عوالمها. تبدو مهماته كفنان وكاتب ان يستخلص مفاهيم ثقافية من تجاربنا جميعا كبشر ليقوم بصياغتها كتابة ورسما لتخرج كنصوص مكتوبة أو مرئية ، تحمل اللوعة والعشق والألم والأمل. انه يمدّ بكلتا يديه الى خزائن الخلق ليلتقط من بين لقى بلاغته مفردات اعماله الفنية ، وهذا احد اسراره كفنان مثقف يحمل همومنا ويشير الى مشكلاتنا في فضاءاته التأويلية البصرية ) .
ان اعمال موسى الفنية كانت حقا اكتشافا لموهبته الفطرية التي يتميز بها واستعداده الشخصي ونشاطه الفكري ، وما حباه الله من شعور مرهف واحساس قوي وعاطفة رقيقة وخيال خصب وافكار ناضجة ، واذ جمع بين دقة التصوير وجمال التعبير  ، كما قد انجح في قول ذلك لكم عبر هذه الملاحظات المتواضعة على هامش رؤاه تلكم التي يستشف منها مشاعر نفس حساسة نحتتها خطوب ارضه الاصلية ؛ فموسى من اصل عراقي وارضه الاصلية قديمة جدا. و اذ كان اولدوفاي مهد الجنس البشري ، فان العراق هي الارض التي ظهرت فيها الحضارات الكبرى الاولى. انها ارض موغلة في القدم وغنية بالتاريخ و التقاليد والثقافة وهي ايضا ارض تجارب مؤلمة ذات صلة بالغزوات والهيمنات وبالتحولات واشكال العنف وانواع الضيم التي تبدو وكأنها لا تنتهي.
 
كما تطرق الكاتب ماريا دي ابراتّي الى نقاط مهمة وواضحة في رسومه المتنوغة كلها تعبر عن الالم والحرب وعن الهوية المفقودة في بلاده اضافة الى الامل المنشود الذي جسده في كثير من لوحاته كما في الصورة الجميلة التي عبر بها عنه بالكلمات الحية الصادقة فيقول : (هنا و هناك ثمة لوحات تتحد فيها صور بأقنعة مؤسلبة تبين كيف ان وراء الالم و المعاناة و وراء مجاهيل الهوية ، وكلها امور يفرضها زماننا ، تستخفى شخصيات حقيقية و غير قابلة للنسيان.
 
كتاب مفتوح ومُتصفَح امام جسد امراة مستلقية على سرير ، مفتوح ، مثل النافذة في الاعلى ، على الماضي وعلى الذكرى الحيىة بصفة معذبة والواضحة كالصورة الفوتوغرافية . نساء تغترف الماء على حافة ارض محروقة بالقرب من واد ، مرسومات بصفة حية محيية ويحتوي رسمهن على كل الحب الذي يوحي به فعلهن كما يعكس حب موسى للحياة ولارضه. ذلك ان اغتراف الماء هو دعوة للحياة ، لحفظها ونقلها وانه ليس من الصدفة ان تفعل النساء هذا الصنيع في تلك الثقافة لارض نديم ارادة عدم العناية بها ، متناسين انه حتى في ثقافتنا ، تقليديا ، كانت النساء هن اللواتي يردن لجلب الماء الى البيت .
 في الابحار الذي قمت به عبر اعمال موسى الفنية، في ورشته التي هي مقر عجائب ، ها هي فيما بعد ، رسومات ونقوش تكاد تكون غير منتظرة ولكنها ، على اية حال ، مفاجئة تتبين فيها وسمة ولمسة جوهرية ، لكأنها الرسومات القصصية المدخنية ، تثبت اجساما ، افكارا، لحظات و تقترح على الناظر قصصا وحوارات للحياة.
حشد من المسلحين كما لو اخذ من فرق الحرب المقدونية ، مشاة مدججين باسلحة ثقيلة لكأنهم جنود "الصعود" الجدد ؛ هذا الحشد الذي يسم انباء القتل في ارضه الى حد اليوم جندي مشوه جالس على خلفية شعر حلو يسم ويشير الى الافساد الذي احدثته الحرب في ارض موسى وفي بني وطنه .
الا انه حتى لرؤية الالم نهايتها : وها هو رجل الامل يزهر فنجد موسى يرسم اقواس قزح متغيره تمتد على الاشكال المستلقية المجمعة والموضوعة برفق الفنان او نجده يرسم زهرة او قلبا وكلها تستدعي رَوح الامل .
الامل الذي هو في قلب موسى والمتجذر في العمق بجذور مثل تلك الايادي التي رسمها. امل وحب يرشحان ويتألقان فيما بعد من رسمه لبعض الصور على طريقة مضارعة للرسام الفرسي هنري لوتراك: مشاهدات لحفل بين اصدقاء او رسومات مسرحية حيث مطربات و رجال جالسون حول طاولة حانة يحاكون مشهدا من جنس مشاهد الطاحونة الحمراء الذي يجد التناغم بين الالوان الزرقاء لخلفية اللوحة و الالوان الحمراء و الصفراء لـرقصة "كان كان" مستحيلة.
 ولعل الامل هو السمة الاقوى و المميزة  لاعمال موسى الفنية: امل يلوح من بعيد و يظهر من خلف صور الهلع ، الالم ، التهديم  و الموت. اذ بالنسبة الى موسى ان الانسانية قادرة على ان تعود الى انوار قديمة وبامكانها ان ترغب في السلم و ان تحصله و تبنيه بالتعاون مع بعضها البعض ومع الارض التي لها معها اشتراك وعلاقة عميقين وآصرة متاصلة تملأ النفس شعرا.
 وبعد، ايضا ، انه هذا الشعر الذي  يميز  الرحلة بين  اعمال موسى الفنية كما يميز اكتشافها. رحلة هو ملهمها وطالبا اياها من كل واحد يقف امام اعماله اذ عل المشاهدة المتفحصة لتلك الاعمال تتمكن من اضفاء التمام عليها بالمعاني التي يجد اثرها كل واحد في الرسوم التي امامه.
 لا وجود للصدفة و لا لضربة الحظ  في اعمال موسى الفنية  ولا وجود ايضا لصور مثبّتة بل ما يوجد هو ثبات انتشار لاشكال تبحث عن معنى للوجود والتي تتفتح كالزهور من وراء الاقنعة لتقول بان في العودة الى الموطن وفي العثور من جديد على الجذور وخاصة في حب الحياة يمكن ان يكون ثمة امل.
 نعم  لان في اعمال موسى بعد ان ثبت الالم و المعاناة و بعد ان تبين له الامل من بعيد ها هي نظرة حب كل شيء تظهر، رفق تجاه الانسانية المتألمة التي تنهض من جديد نحو مستقبل قد يكون حدس منذ وقت قريب  لكنه مأمول او هو موجود خلف الزاوية والذي كي يوجد ويحقق هو بحاجة الى رحلة اخرى : تلك الرحلة الى باطن كل واحد للبحث عن ارض جديدة قديمة  تلكم الارض التي ولدنا منها.  
 وفي الاخير يدعو موسى الجميع الى القيام بهذه الرحلة، رحلة باتجاه نقطة الاصل لكي يبدأوا من جديد ولكن ايضا لاعادة اكتشاف امر مؤداه انه ليس من الممكن العيش من دون مشاعر وخاصة من دون حب...
لقد كتب رسامنا المقتدر موسى عن الفن التشكيلي العراقي في المنفى قائلا : ليس الفن التشكيلي هو الاهم ، ولا الاكثر شعبية في عالم الثقافة ، لكنه في العراق الاكثر خصوصية وشخصية ، الاكثر حساسية ورقة ، وبالتأكيد الاغنى بين الفنون الاخرى التي لاتزال تحبو جميعا من اجل بناء وترسيخ مفاهيم وقيم جديدة ترنو الى تأكيد واحترام التعددية الفسيفسائية الثقافية والسياسية ، في عراق متحضر متخلصا وللابد من ثقافة الاستبداد والعنف للوصول الى ثقافة الابداع والتنوع.
 
كما اكد في رسالته على جوانب نقدية مهمة اخرى قائلا : : عندما تبنيت هذا المشروع ، ايمانا بمدى اهميته وبمدى حاجة الفنانين العراقيين في الداخل والخارج وكذلك جمهور المثقفيين والمختصين في كل مكان  الى عمل كهذا في محاولة لاذابة الجفاء بين اجيال الفنانين بالداخل والخارج وتسهيل امكانية قراءة تجربات ظلت بعيدة عن فناني الداخل ، ويقول : لم اقصد في كتابي التوثيقي ان يكون مادة نقدية او حكما نقديا نهائيا لما يستحق المتابعة والقراءة لهذه التجربات ، بل وددت ان يطلع عليه جمهور المثقفين العراقيين بشكل خاص والعرب والاجانب بشكل عام  ليستدلوا على ان فن المنفى تجاوز شروطه القسرية المتعلقة بموضوعتي المكان والزمان ، بغض النظرعن الاجيال الفنية المقيمة في المنافي المتشعبة والمنتشرة هنا وهناك ، اضافة الى جملة من الاشتراطات الذاتية والفنية التي تنبع من المنجز الابداعي لكل فنان ، ويتابع بالقول : فالمنفى لايعني بالضرورة مبارحة المكان والانخراط برغبة او دونها مع الآخر الغريب ، بل انه ينطوي على ابعاد اكبر تقف في مقدمتها امكانية التواصل الروحي مع الحياة العراقية باساطيرها المكانية والزمانية ، بجمالياتها وفواجعها ، بانتصاراتها وانكساراتها ، فهي الموطن الاول ، والمكان الملتبس ، وهي حاضنة الطفولة والبراءات الاولى ، وهي الصورة الحاضرة ابدا في ذاكرتنا جميعا. كما ان هذا الكتاب سيكون بمثابة عرض صوري ونظري للمبادىء الاساسية التي تنطوي عليها الحركة التشكيلية العراقية في المنفى ، حيث تتبعت عددا من اقطاب هذه الظاهرة الفنية في بعض الاحداث التاريخية وفي الابتكارات الفنية في اساليبهم ، واشرت الى العديد من التغيرات في الاساليب والتجربات التي صاحبت ابداعاتهم. ولست ازعم ان المناخات الابداعية المتقدمة هي الفصل في تقديم هؤلاء الفنانين. والذين سيطلعون على تفاصيل الكتاب سيتأكدون من اعتقادي هذا ، فالادراك الحسي والبصري والابتكارات الفنية والاساليب الجديدة ، ترتبط جميعها بتجربات هؤلاء الفنانين الذين استغرقتهم رؤياهم  فعاشوا فيها ، واختطوا  مساراتهم الفنية من خلالها.
السيرة الذاتية للفنان القدير موسى الخميسي :
ولد في بغداد عام 1947 وتخرج في كلية الآداب – قسم علم الاجتماع عام 1970. هاجر الى ايطاليا نهايات عام 1976 ليلتحق باكاديمية الفنون الجميلة- قسم الرسم بمدينة فلورنسا وتخرج عام 1982. تخصص من جامعة بولونيا بدراسة تاريخ الفن التشكيلي، حصل على دبلوم عالي في تاريخ الصحافة في مدينة اوربينو، حصل على الماجستير في تاريخ الفن المعاصر من الجامعة العربية المفتوحة عمل في مجال الرسم الصحفي والتصميم والفن الكاريكاتيري في عدد من الصحف والمجلات العراقية .فاز العديد من ملصقاته الجدارية بالجوائز الاولى: مهرجان الفارابي، الذكرى الثالثة لتأميم النفط، يوم المرأة العالمي، يوم السلامة العالمي، التضامن مع شعب شيلي ، يوم المرأة العراقية، مهرجان التضامن مع الشعب الفلسطيني، التضامن مع شعب الكويت).
منذ عام 1977 عمل مراسلا صحفيا لعدد من المجلات والصحف العراقية والعربية  . كتب في مجالات  النقد الفني والسينما، واصدرت له وزارة الثقافة السورية كتاب" الموجة الثالثة في السينما الواقعية الايطالية" كما اصدرت له دار المدى كتاب" اللون والحركة في تجارب تشكيلية مختارة".  كتاب توثيقي صدر  عن دار المدى" التشكيليون العراقيون على خرائط المنفى" الجزء الاول . اصدرت له دار كلمة في الامارات العربية المتحدة/ ابو ظبي/ ترجمة كتاب" مقابلة حول الفاشية للمؤرخ رينسو دي فيلتشى 2011 ، وكتاب حوارات مع ليوكو للشاعر تشيزره بافيزي عام 20012.
له عدة كتب مهيأة للطبع- تحت ظلال السنديان الايطالي " مقالات في في الثقافة والفنون الايطالية" " فنون صقلية العربية"،" رسوم على جدران المدن"،" كتاب عن الخطاط حسن المسعود"، كتاب عن "الفنان رحمن الجابري"، كتاب عن الفنان السيراميكي وسام الحداد" ، " مائة اغنية ايطالية" ،" مقالات في الفن"، " بازوليني عرق نادر من الرجال" ، " تاريخ الريادة في الفن التشكيلي العربي"، "كتاب مختارات شعرية للشاعر الايطالي مونتالى" ، " كتاب مختارات شعرية للشاعر الايطالي كوازيمودو" " مختارات شعرية للشاعر الايطالي بازوليني".
نشر عدة دراسات متخصصة في الفن والنقد التشكيلي العراقي وله دراسات منشورة عن ظاهرتي النقد التشكيلي و الاغتراب عند الفنانين التشكيليين العرب في بلدان المهجر.
اقام معرضا شخصيا في كاليري اتحاد ببغداد عام 1975 ومعرضا في كاليري الاربعة في بغداد عام 1976 ومعرضا في قاعة جمعية الفنانين العراقيين، وثلاثة معارض في مدينة فلورنسا عام1982 ، 1984، 1986 ومعرضا في مدينة جزينا 1982، ومعرضا في مدينة رافينا 1986ومعرضا في مدينة روما 1998، وثلاث معارض في مدينة افيتزانو2009، 2013 ، 2014وآخر في مدينة تراساكو  2009وثلاث معارض في مدينة روما عام 2006.2007 ، 2013 . شارك في عدد من المعارض المحلية في العراق وعدد كبير من المدن الايطالية منذ عام 1976 كما شارك بعدد من المعارض العالمية
اثناء اقامته بمدينة فلورنسا قام بتدريس فن الغرافيك في احدى المدارس الايطالية الخاصة بين الاعوام 1984- 1986.
فاز بجائزة افضل مقال صحفي اجنبي عن مدينة كيوزي الايطالية، كما فاز بجائزة افضل مقال اجنبي عن مدينة مونتا لجينو الايطالية، وجائزة افضل مقال اجنبي عن مهرجان مسرح الساحة في مدينة سانتا اركانجلو الايطالية. قام بتصميم عدد من الملصقات وبطاقات التهنئة واغلفة الكتب لعدد من دور النشر الايطالية.
 ان المعرض الشخصي الرابع عشر للفنان والكاتب موسى الخميسي والذي عرض في المقهى الادبي ( لنذهب معاً ) في حزيران / 2014 والذي عرض فيه لوحاته الجديدة ، وقد تناولها ناقد الفن الايطالي جوفاني ماريا دي براتَي لوحاته الجديدة بالقول : تراوح الاجواء التي ثبتتها رؤية الفنان التشكيلي موسى الخميسي على سطوح الالواح الجديدة بين منزلة الحلم المصون ومنزلة السر المكنون. تركت لنا تلك الاجواء المرسومة بصياغات بصرية فائقة الجمال والقوة، انطباعا للمكان، بعضه يبدو وكانه حانة، او ملهى، الاخر وكانه مقهى، يستدعي الى الذاكرة اهواء واجواء  ذلك المكان الذي ظل اثيرا في قلب الفنان، في مدينته الحبيبة بغداد.
كما ان لمعرضة الشخصي (17 ) الذي افتتحه مؤخراً في العاصمة الايطالية روما -2015 ، كان له صدى كبير في الأوساط الفنية الايطالية .
ان لوحاته الفنية عبارة عن سلسلة متشابكة من الانشغالات التركيبية اللونية المدهشة، تحمل اختباراته الشخصية لمفاهيم واحلام وقيم وتصورات عاشها في الماضي ، قادته في الحاضر الى انجاز ما يشبه التجارب البحثية ، لتعيد الاعتبار الى ما يعتبره هذا الفنان ، حالات من الزمن الجميل الذي عاشها في صباه وشبابه الاول.
قوام كل لوحة يخفي حركة دائمة ومستمرة وانفعالات حيوية في بنية اللون ، فهذه الاعمال تقدم ما يكفي من اشارات الحنين يشعرها المتلقي الاوربي بمحبة كبيرة. الطاولات المرسومة ، والتي حلق حولها عدد من الناس الجالسين والبعض منهم واقفا تظهر هذه الامكنة الغاصة بروادها ، مضاءة بالاضواء والظلال ،  ووكانها خشبة مسرح الحياة ، مفعمة بجو اللهو والدعة ؛ وفجاة نتفطن الى انه ، حول الطاولات وبين الاضواء والظلال ، تبرز وجوه اشخاص سبق لموسى ان رسمها على لوحات اخرى ويمكننا القول بان تلك الوجوه هي لأشخاص من بلده قد اختلطت بوجوه اصدقاء جدد.
بعض تلك الوجوه تبدو وكانها تحمل قناعا الا انها وجوها نحتت ونقشت كذكرى عن ناس لربما من ابناء جلدته ولبني وطنه ، ولربما هي لمقربيه واصدقائه الحاليين. الجو غني بالالوان وبلطائف الرسم التي تعيد تقديم لعبة الاضواء والظلال التي تختص بها الملاهي الليلية ( ملهى ليالي الصفا ) وهذه الاخيرة واجواؤها تذكرنا ، وان بشكل غائم ، بفترة جميلة من حياة الشرق ، او لربما في بعض بلدان الغرب ، كما رسمته لنا شاشات السينما الهولويودية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي.
لكن في عمق اللوحات ، ها هي ، فجاة ، تظهر صورة في الظل رسمت كطيف إمرأة تعيّن ؛  قد تكون مسنة  او ذات وجه يحمل وسما الا انها إمرأة ، لربما هي إمرأة  بنت ارضه ، او رفيقة حياه ، وهي عينها ، تقريبا ، التي نجدها في لوحاته الاخرى تلك التي تضرب ، بشجاعة ، بيديها ، كما لو كانت جذورا، في ارض الذكرى وذكرى الارض. إمرأة قوية وشجاعة ، وحتى في جو الحانة او الملهى او المقهى الشعبي ( مقهى الشابندر وام كلثوم وحسن عجمي ) ، تحيلنا الى وعلى الآصرة الحميمة والوثيقة التي تشد الفنان موسى الخميسي الى عالمه الاول ؛ اذن فان تلك المرأة تصبح رمزا لكل نساء بلده بمعنيي البلد ( الجغرافي والتاريخي ).
 كلمة حق تقال : ان الفنان موسى الخميسي عبارة عن خزان غزير دافق من العواطف والاحاسيس والافكار ، يرسم الكلمات من خلال الصور الملونة التي يخطها بريشته الذهبية ويجعلها تتحرك وفق منظوره الفني الخلاق ، كي يتعظ الناس من تجاربه وان يتعلموا منه دروسا ًغنية في الفن والحياة .
المصادر :
سوسن سلمان سيف / مقال نقدي بعنوان / نساء موسى الخميسي .
نعيم عربي ساجت / موضوع : الفن التشكيلي .. ومذاهبه / ( من مقال عناصر الفن – فرج عبو ).
علي النظير - رسام مغربي  / لقاء حول الفن التشكيلي المعاصر.
يوحنا ماريا دي ابراتّي / مقال بعنوان – رؤى بين الهوية واللمسة الفنية – رحلة بين اعمال موسى الخميسي – ملاحظات على الهامش .
زيد الشهيد / مقال بعنوان : نصوص تشكيلية بحجم الهم اليومي .
موسى الخميسي / السيرة الذاتية .
موسى الخميسي / الفن التشكيلي العراقي في المنفى .
جوفاني ماريا دي بَراتي / ناقد الفن الايطالي / مقال حول معرض الفنان موسى الخميسي الرابع عشر / في روما / حزيران / 2014م . .
محي الدين طالو / كتاب في الرسم واللون

المانيا

الأربعاء, 18 شباط/فبراير 2015 14:19

خلط العامية بالفصحى عند الكتابة

من الاخطاء الشائعة في كتابة القصة القصيرة او المقالة او القصيدة الشعرية خلط العامية بالفصحى او العكس ، وشتان ما بين الفصحى والعامية ، فاللغة العربية هي لغة الضاد اي لغة كل العرب ، اما العامية فهي لا تصلح إلا لكتابة المدلولات الشعبية العامة في الفكاهة والشعر والامثال والالغاز، فخلط الفصحى بالعامية يمثل إهداراً لحقوق المتلقي الذي ينبغي ان يخاطبه الكاتب او القاص او الروائي باللغة العربية التي يفهمها جيداً ، أما اللهجة العامية التي احيانا تحشر حشراً في بطن القصة او المقالة ، فهي تسبب عسر فهم للقاريء الذي لا يجيد فهم مصطلحاتها ولا اسلوبها خصوصا لجيل الشباب ، الذي لا يجيد التعامل مع مثل هذه اللهجة واللهجات العربية الاخرى لفك رموزها وطلاسمها ، واستيعاب ما يرمي اليه القاص او الكاتب .
وهناك امثلة كثيرة بهذا المعنى وما نلاحظة هذه الايام في ما ينشر على المواقع المندائية الا تاكيد على هذه الحالة ، لان الفكرة لا تصل بالصورة المطلوبة وبشكل واضح ، ليس هذا فقط بل عدم تدارك الاخطاء الاملائية في اغلب الرسائل الواردة ، اضافة الى هناك قلة نادرة وراء استخدام الحركات اللغوية لان الحركات تلعب دور كبير في عكس معنى الكلمة المراد ايصالها الى القراء بصوتها الصحيح لما تحمله الكلمة الواحدة من معاني مختلفة ، وردود القول ليس بصدد استخدام النحو الصرف او القواعد اللغوية ، كما ماهو موجود في المؤسسات التعليمية اللغوية ، لكن يفضل ان يكون الاعتناء وتدارك الاخطاء بالاسلوب اللغوي باعتباره يعطي الصورة الجمالية للفكرة المراد ايصالها للمتلقي .
ان اللغة العربية لغة ثرية ليست بحاجة ماسة لخلطها باللهجة العامية المتداولة ، حتى وان كانت من اصول هذه اللغة ، وهذا يمكن اعتباره بالمنظور العام خطر كبير يتلف حقول اللغة ويشوه جمالها و يقلل من رونقها وابداعها .
ملحوظة : بعض المقاطع الواردة اقتباس من مقال بعنوان : اللهجات العامية : للكاتب المصري صلاح الدين حسن موسى .

المانيا

اللغة المندائية والحاجة الملحة للبحث العلمي الدائم

هناك جملة تساؤلات مهمة ينبغي التمعن بها جدا والقيام بدراستها دراسة وافية معمقة لغرض الفائدة والوصول الى الهدف المنشود ويمكن اجمالها بما يلي :-

1-قلة اهتمام المندائيين وخصوصا المثقفين منهم بشؤون اللغة وكيفية تفعيلها بان تاخذ دورها الفاعل في مصافي اللغات الحية الاخرى ، رغم صدور دراسات محدودة في قراءة وقواعد اللغة المندائية .

2- الاعتماد الكلي تقريبا على الروايات والحكايات المتداولة الغير موثوقة ولعدم توفر المصادر العلمية بخصوص تطوير اللغة المندائية .

3-تاسيس مجمع علمي خاص باللغة المندائية واتخاذ السبل الكفيلة بتطويرها وان يكون له فروع في كل مكان يتواجد فيه المندائيون ويكون ارتباطها بمركز البحوث اللغوية المندائية وليس بالجمعيات المندائية لان هذا قد يثقل عملها ويزيد من تشعبها والاقلال من اهتمامها به .

4-الاهتمام الجدي في كل الطروحات المقدمة من قبل قبل المندائيين وغيرالمندائيين في هذا المجال واخذه بنظر الاعتبار ومهما كانت الفائدة منه

5- . الاهتمام بمشروع الكتب المندائية المقترح ومشاريع طبع وترجمة الكتب المقدسة المندائية والذي نطمح من خلاله الى انشاء ( دار طباعة مندائية ) ،

6- تأسيس دار للطباعة والنشر مندائية متواضعة وحسب الامكانيات المتوفرة ، تأخذ على عاتقها طبع ونشر كل مايتعلق بالشان المندائي بما فيها مطبوعات تتعلق بانهاض وتطوير اللغة المندائية.

7- تشجيع واسناد مركز البحوث والدراسات المندائية المركزي في بغداد وفتح فروع جديدة للبحوث في الجمعيات او المراكز الثقافية في كافة مناطق تواجد المندائيين من العالم .

7- احياء برنامج من الذاكرة المندائية لكونه مفصل مهم في الحفاظ على التراث المندائي وانقاذه من الضياع ، خصوصاً بعد افتتاح بيت المعرفة المندائية في بغداد .

8-البت مجددا في برنامج الاكاديمية المندائية وهو المقترح الذي طرحه الاخ الدكتور قيس مغشغش السعدي قبل عدة سنوات .

9- مساندة ودعم الموقع الثقافي المندائي الذي يحتضن جميع الاقلام ذات النتاجات الثقافية والدينية واللغوية وجعله منبرا حرا وفعالا ، كونه يعكس الوجه الناصع للثقافة والتراث المندائي وفي متناول كافة الناس في مختلف بقاع العالم .

هناك اسئلة مهمة تتعلق عن وقت ودواعي ظهور الابجدية المندائية .

اذا اردنا ان نتسائل عن ظهور هذه الابجدية وما دواعي ظهورها ؟ كان ظهور اللغة المندائية بظهور اللغة الارامية فهي ارامية شرقية ، في وقت ظهور دويلة صغيرة اسمها (صابا ) او ( ساباتو ) في دمشق وكانت لغتها الارامية – المندائية وهم من ابتكروا هذه الابجدية للحفاظ على استقلاليتهم ، وكذلك للتخلص من ضغط واضطهاد الفرس لهم .

اذا فاللغة المندائية مرت باطوارمختلفة ، بدات في القرن الاول او الثاني ق.م ثم اكتملت تدريجيا بعد الميلاد , واصبحت لغة خاصة بعد ذلك التاريخ حيث دونت بها الادب المندائي والكتب المقدسة وسجل من خلالها كافة الحوادث التي مروا بها ومن اضطهاد لحق بهم ، وبعد اعتناق الرومان للمسيحية في القرن الثالث الميلادي احرقوا واتلفوا كافة الكتب التي تعارض والتي لا تلتقي مع المسيحية واعتبروها هرطقة . ولذا قام المندائيون واول ما قاموا به هو تدوين كل ما يتعلق بهم وذلك بتطوير ابجديتهم المندائية واول ما كتبوه هو العوذ والقماهات ومن مراجعة النقود والعوذ والقماهات وتذيلات الناسخين وهذا يدل على ان ظهور الابجدية المندائية قبل القرن الاول الميلادي ثم اكتملت في القرن الثالث الميلادي . اذا نحن كمندائيين يحتاج لنا بحث ودراسة اللغة بشكل علمي ودقيق لمعرفة اصلنا وتاريخنا ولغتنا وكيف تطورت افكارنا المندائية علينا استعمال العقل والمنطق والمقارنة والتسلسل العلمي والتاريخي في دراسة ومعرفة تاريخنا ولغتنا المندائية النقية والاصيلة ، وعلينا اولا اتقان اللغة المندائية بشكل جيد للاجابة على كل تساؤل مطلوب ونحتاج في ذلك المقارنة الدائمة في الافكار بين ادبنا المندائي واداب الاخرين ودراسته دراسة فلسفية ليس الاعتماد فقط على التراجم والاستشراق ، بل على المفهوم الفلسفي وما خلف هذا المفهوم وكذلك عملية الخلق والابداع وتطوير لغتنا وجعلها لغة حية ناطقة وليست لغة شبه ميته .

ان مسالة الاهتمام باللغة والادب المندائي عموما يحتاج الى جهود مكثفة من ابناء الطائفة الخيرين ومثقفيهم واصدقائهم ، للوصول الى الغايات المنشودة ولو بعد حين وليست في يوم وليلة وربما الى جيل او اجيال متلاحقة من الاهتمام والمتابعة خصوصا ونحن الان في عصر النهضة الفكرية والعلمية والتكنولوجيا الحديثة ، يستوجب الاستفادة من هذا الجانب قدر الامكان .

وددت ان اكتب حادثة طريفة وبيسطة وقعت لي خلال التحاقي بالمدرسة المندائية وكنت من بين الاوائل فيها في المرحلة الدراسية الاولى وفي بداية تاسيسها في عام 2001 م التي اقيمت في مندي الطائفة في القادسية ببغداد انذاك ، التحقت مع مجموعة من اخواتي واخواني الطلبة الاعزاء ، واثناء التدريس فيها مرت علينا كلمات متعددة كان لفظها متضاربا من قبل الاساتذة المدرسين ومن بعض رجال الدين الافاضل أي ان قسم منها كان لها اكثر من ثلاثة الفاظ وهذا له دلالات كثيرة يجب الانتباه لها جيدا لان استمرار مثل هكذا حالة يعكس انطباع سيء للطالب ومردود سلبي للمدرسة المندائية بشكل عام ، لذا يجب الاهتمام بالمفردة اللغوية بشكل صحيح ويكيفية النطق بها . هناك عدة استنتاجات مفيدة وردت من الاستاذ القدير الدكتور قيس السعدي في موضوع اللغة المندائية ومن هذه الاستنتاجات ما يلي :

الاول : ان الكلمات المستخدمة في اللغة العامية العراقية هي ليست كلمات لهجة او تحريف لمفردات عربية او كلمات دخيله ، بل هي من اساس اللغات التي كانت سائدة في المنطقة قبل شيوع العربية واستخدامها الرسمي ، وظلت حية لقوة اللغات الاساس ودقة تعبيرها احيانا والتصاقها بالجذور المؤصلة .

الثاني : ان مرجعية المئات من الكلمات المحكية العراقية الى اللغة المندائية الموجودة في الكتب المقدسة والادب المندائي عموما وهذا يدلل على وجود المؤسس للمندائيين في بلاد النهرين هذا الوجود الغارق في الزمن قدر قدم العراق وحضارته من جهه ، ومن جهه اخرى شيوع اللغة المندائية كلغة محكية في المنطقة باجمعها وقدراتها على احتواء مفردات الحياة والتخاطب بما جعل شعب المنطقة يتحدث بها وما زال . وهناك راي اخر للاستاذ فاروق عبد الجبار عبد الامام جاء فيه : هناك كلمات مشتركة بين العربية والمندائية في مختلف امور الحياة ، وليس فحسب بل سنجد ان كلمات نعتبرها عامية عراقية إلا انها وبكل بساطة مفردات مشتركة بين العربية والارامية غير انها انحرفت عن اللفظة العربية وظلت محتفظة بصوتها الارامي المندائي .

ان الاهتمام باللغة المندائية وتطويرها اغلى من أي شيء في الوقت الراهن ، لان لغتنا المندائية بالاضافة الى كونها اللغة المدونة فيها كتبنا المقدسة ، تبقى نبراس وجودنا وهويتنا وتراثنا الذي لا ينضب ، وحاضرنا ومستقبل اجيالنا من بعدنا ، فبدون اللغة لا وجود لنا او وجودنا على الهامش ، فليكن شعارنا دائما ( لغتنا المندائية ...هويتنا الحقيقية ) . وفي نهاية الموضوع استشيد بالكلمات التالية والمقتبسة من كتابنا المقدس الكنزا ربا :-

(هذه الحكمة الاولى هذه الموعظة الاولى هذه الكلمة الاولى التي اعطيت لادم رأس الذرية فكانت قولا وشهادة

) . انتهى مع التقدير ، شكرا للقارئ العزيز على كرم المتابعة .

ارجو اكون قد وفقت في ايصال بعض الافكار الجديدة والمفيدة من خلال هذه الدراسة المستفيظة ، ولي دراسات اخرى سوف تأتيكم تباعاً ، ومن الحي الازلي التوفيق .

المصادر

-الكنزا ربا – الكتاب المقدس – اليمين – الكتاب التاسع .

- غوته – رواية ومسرحية فاوست – ترجمة د. عبد الرحمن بدوي / سلسلة الاعمال الخالدة / 3 اجزاء / ط2 / 2007 – دار المدى للثقافة والنشر ( بغداد – دمشق – بيرووت .

- محمد نمر مدني – الصابئة المندائيون / العقيدة والتاريخ / ط1 / 2009 / موسوعة العقائد والاديان – دار ومؤسسة رسلان للطباعة والنشر – سورية – دمشق – جرمانا .

- يوسف زيدان – رواية عزازيل / ط8/ 2009 – دار شروق للطباعة – مصر – القاهرة .

- مجلة المدار – العدد/ الثالث / 2004 – المجلة شهرية عامة صادرة في بغداد / عن التجمع الديمقراطي المندائي . م/ اكو ... ماكو مفردتان فصيحتان مندائيتان . بقلم الاستاذ الدكتور قيس السعدي .

- فاروق عبد الجبار عبد الامام – مفردات عربية – ارامية – مندائية – مشتركة .

 

الأربعاء, 16 تموز/يوليو 2014 11:44

لغتنا المندائية ... هويتنا الحقيقية ج9


هناك معلومة قديمة متوارثة تقول ان ( اور ) تقع في اعالي مابين النهرين ، اي في بلاد الحور الارمينية وهذا ما تؤكده اصول العشيرة الابراهيمية هناك ، فان الرابط بين ( اور الكلدانيين ) وما تسمى ب (اور كسديم ) او (اور الكاسيين ) في منطقة (ارا بخيتيس ) الحورية .
لذا فان حران المدينة المعروفة لم تجاور ( اور الكلدانيين ) وان مرور النبي ابراهيم وعشيرته ليس اعتباطيا ولا هفوة من الدليل ، بل كان خطاً ترانزيتيا وخطاً تجاريا مهماً للوصول الى ارض كنعان (فلسطين ) باعتبارها الحلقة الموصلة بين اراضي جنوب ارمينيا الى ارض كنعان . فمغادرة النبي ابراهيم لمنطقة ( اربكسد ) المعروفه حاليا باسم (البك ) جنوب غرب ارمينيا ويتجه الى بلاد الحور او (حاران ) وتصبح بذلك منطقة حران محطة ترانزيت ومنطقة تجارة حرة في الطريق الى بلاد كنعان وهذا ما يؤكد ارامية النبي ابراهيم .
يقول المفكر الالماني تيودور نولكه حول فكرة النبوة : ( ان جوهر فكرة النبي تقوم على تشبع روحه من فكرة دينية ما تسيطر عليه ، فيتراءى له انه مدفوع بقوة الهية ليبلغ من حوله من الناس تلك الفكرة على انها حقيقة اتيه من الله ويمكن ان يقال ان النبوة هي اسمى معانيها فن الهي .. ) . وما يميز جوهر النبي الحق يرد في سفر عاموس 14:7 ( لست انا نبيا ولا انا ابن نبي بل انا راع وجاءني جميز ( جبرائيل الرسول ) ، فاخذني الرب من وراء الضان وقال لي الرب : اذهب تنبأ لشعب اسرائيل ) ، لقد كان العرب قبل الاسلام يعرفون ما يشبه ذلك ، وان الكلمة موجودة في اللغات السامية مشتقة اصلا من الكلمة العبرية ( نابو ، نبو ) وانه اسم لاحد الكواكب المعروفة.
هذا ما يتضح تماماً ان العشيرة الابراهيمية وافدة من منطقة جنوب ارمينيا ، حيث وصفته التوراة بانه النبي الارامي ، واقر التراث الاسلامي انه ليس من ابناء الجنس العربي ، وان لسانه لم يكن لسانا عربيا بل لسانه كان اراميا اي ( لسان شمالي بلاد الشام ) ولكن عندما عبر نهر الاردن الى كنعان حول لسانه الى اللغة العبرية وسبب الهجرة قد يكون بسبب عوامل طبيعية مثل البراكين حيث ان ثورات البراكين قد ابتلعت بعض الحضارات القديمة المعروفة وغيرها ، واحتمال حصول حروب طاحنة هناك اجبرته بالهجرة الى ارض اجداده هو وعشيرته في حران ثم منها الى ارض كنعان ، فالنبي ابراهيم ليس انسانا عاديا بل كان رجل دين كبير وكاهن معروف في بلاد الحوريين ، ومنطقته هي المنطقة الحدودية بين المنطقة الكاسية الهندو اوربية والمنطقة العراقية والكنعانية وهي سامية ، لذا كان سهلا ان يتبادل حرف ( أ ) او مع الهمزة ، ومن هنا كان يمكن ان تنطق حور الواقعة في المنطقة الكاسية او (حور الكاسيين ) والنطق (اور – كاسيين ) والتي يجب نطقها عبريا ب ( اور كسديم ) .
لنرجع الان الى اصول اللغة السامية وفروعها ولهجاتها المتنوعة والمتداولة من قبل شعوب المنطقة ، فنرى
ان السامية الشرقية هي الاكدية بفرعيها البابلي والاشوري ، اما السامية الغربية الشمالية فتشمل اللغتين : الكنعانية والارامية والكنعانية بدورها تقسم الى الكنعانية الشمالية وتمثلها اللغة الاغاريتية اما الكنعانية الجنوبية تتمثل باللغة العبرية والفينيقية والمؤابية ورسائل تل العمارنة .
اما القسم الثاني من اقسام السامية الغربية الشمالية فتسمى بالابجديات الارامية ( الكتابة الارامية ) وتقسم الى مجموعتين اساسيتين هما الارامية الشرقية والارامية الغربية وتضم كل منهما ابجديات فرعية ولهجات محلية ، فالارامية الشرقية تشمل السريانية والمندائية وارامية التلمود البابلي والحضرية والعيلامية والامازية (جورجيا ) والنسيانية اي ( تركمانستان ) والسنسكريتية والتي قامت على انقاضها اللغة الهندية وهي لغة الهندوس وكتابهم المقدس (الفيدا ) ، اما مجموعة اللهجات الارامية الغربية وتشمل اللهجة السامرية ، وارامية العرب الاوائل . اما القسم الغربي الجنوبي من الابجدية الكتابية السامية فتضم العبرية والحبشية والنبطية التي تتفرع منها العربية ، والعربية تنقسم الى قسمين هما العربية الجنوبية والتي تتمثل باللغة الحميرية والتي موطنها اليمن وجنوبي الجزيرة العربية ، وتقسم الى لهجتين وهما السبئية والمعينية . اما بالنسبة لغة وسط الجزيرة العربية وشمالها والتي تسمى باللغة العربية الفصحى .
لو اخذنا بالتحليل الموجز للسامية الشرقية ، التي هي اللغة الاكدية بفرعيها البابلي والاشوري يلاحظ انتشار هذه اللغة بلهجتيها الرئيسيتين البابلية والاشورية في بلاد الرافدين ، وقد دونت الاكدية بلهجاتها المختلفة بواسطة الكتابة المسمارية منذ الف الثالث ق.م وتمثل الاكدية اقدم اللغات السامية المدونة حتى الان ، وظلت مستخدمة في العراق حتى اواخر الالف الاول ق.م حيث نافستها وصارعتها اللغة الارامية بخطها الابجدي البسيط حتى تمكنت منها وحلت محلها .
لقد عرفت الابجدية المندائية من خلال قنوات مختلفة اقدمها ما نقش على نقود مسكوكة في الكرخة (ميسان ) ، او منقوشة على رقى او عوذ او قماهي كما تسمى بالمندائية من الرصاص ، ومخطوطة على اوان فخارية ، واخيرا مخطوطة على الورق في الكتب الدينية المندائية ، كما جاء في اواني الاحراز المندائية للسيدة فريال زهرون نعمان ، وتقول ايضا ان جهود الباحثين في هذا المضماراعطى للغة المندائية اضافات جديدة في ميدان النحو والصرف والمفردات وفكرة عن رسم الحروف ونصوص الاواني محفوظة في المتحف العراقي مبينين سمات اضافية لتلك النصوص في ميدان اللغة المندائية . واعتبرت الباحثة ان اللغة المندائية صيغة صافية من الارامية الشرقية غير المتاثرة بالعبرية . وقد اظهرت الدراسات والبحوث الخاصة بالنصوص المندائية من قبل المفكر الالماني تيودور نولدكة ان هناك علاقة قوية بين لغة التلمود البابلي واللغة المندائية خصوصا في الملامح النحوية الى اللغتين لان لغة التلمود البابلي كانت هي المستعملة في منطقة بابل السفلى ( جنوب العراق ) حيث كان يعيش الصابئة المندائيون الا ان اللغة المندائية اكثر حداثة لان النصوص المندائية انقى لغويا وليست مختلطة بعناصرغريبة . وافضل مثال على ذلك هو كتابنا المقدس الكنزاربا وهو مدون باللغة الارامية المندائية الفصحى .
يتبع لطفا
المصادر
- تيودور نولدكه – تاريخ القران – تعديل فريدريش شفالي – نقلها الى العربية – د.جورج تامر – منشورات الجمل / كولونيا (المانيا ) – بغداد / 2008.
- هاري ساغز – عظمة بابل – ترجمة خالد اسعد عيسى واحمد غسان سبانو / ط1 / 2008 – سوريا – دمشق – جرمانا .
- سيد محمود القمني – النبي ابراهيم والتاريخ المجهول / ط1 /1996 – مكتبة مدبولي الصغير – مصر العربية – القاهرة .
- مجلة الطيف المندائي – العدد الثاني / 2005 – م / اواني الاحراز المندائية – بقلم السيدة فريال زهرون نعمان – بغداد .
- جريدة المندا – المعرفة – العدد (2) الصادرة في 15/7/2004 م - بغداد – م/ الجذور التاريخية للغة المندائية – بقلم الاستاذ الدكتور رفعت لازم مشعل.

 

الأربعاء, 16 تموز/يوليو 2014 11:10

لغتنا المندائية ... هويتنا الحقيقية ج10

يقول الاستاذ يوسف زيدان في روايته المعروفة (عزازيل ) : والتي تعني جن الصحراء كما جاء في سفر اللاويين 8,16 و26,10 ، ( ان سموا اهدافنا ونبل غاياتنا الاخلاقية والروحية التي هي تاكيد لقيم التسامح وتقبل الاخر ، واحترام حق الاختلاف ، ورفض مبدا العنف .. والمغالطة ) . وهذه من اهم مقومات الديانة المندائية .
( ان المندائيون قوم اتخذوا من الصمت سبيلا في الحفاظ على كيانهم الديني ، ولغتهم المندائية عبر دهور طويلة ، خدمتهم رطنتهم ، التي لا يفهمها مواطنوهم من الاديان الاخرى ، يتهامسون بها للرد على سخرية متعصب يحاول ان ينال من عقيدتهم ، او معتد قصد ديارهم لغرض ما لا يريدون وما لا يطيقون ) ، بهذه العبارة الجميلة الهادفة افتتح فيها الاستاذ رشيد الخيون كلمته في المؤتمر المندائي الثاني الذي عقد في العاصمة السويدية - ستوكهولم من (9- 11 ) اب -2002 م .
فاللغة المندائية كما هو معروف للجميع لها ابجديتها الخاصة بها والتي تنفرد بها دون غيرها من حيث شكل الحروف ويطلقون عليها ال ( أ – با – كا - دا ) ، لكن قواعد الصرف والنحو تخضع لنفس المقاييس المتبعة في اللغة الارامية والتي تعتمد في كتابتها على الحروف الصحيحة اكثر من اعتمادها على حروف العلة والتي يعبر عنها بعلامات مقتبسة من الابجدية نفسها كما في اللغات الاوربية . واغلب كلماتها ترجع في اشتقاقها الى اصل ثلاثي الحروف ، كما انها تكتب مثل جميع اللغات السامية من اليمين الى اليسار ، واللغة المندائية تتكون من اثنين وعشرين حرفأ وتخضع لابجدية ( أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت اد أ ) ، وهي تبدا بالالف وتنتهي كذلك بالالف وهي خالية من الروادف ( ثخذ, ضغط ) ، اي البداية كالنهاية ( العودة الى بدء ) ، هو تعبير صادق عن الانسان ووجوده في الحياة ومرجعيتة مرة اخرى الى عالم الخلق الاول الذي جاء منه اول مره ، الوارد في الموروث الديني المندائي .
من القواعد المهمة في اللغة المندائية هو كيفية لفظ الكلمات وحسب القاعدة التالية : (1)- تلفظ باللفظ القاسي او الشديد احرف ( بكد كفت ) اذا جاءت في بداية الكلمة على سبيل المثال – بية – بيضة ، كدابة – كتاب ، ديبة - ذيب وهكذا . (2) تلفظ باللفظ القاسي او الشديد اذا جاءت في وسط الكلمة وقبلها حرف صحيح اي من حروف العلة ( الضمة ، الفتحة ، الكسرة ) مثال : مشكنة – مسكن ، دهبة – ذهب ، بهداذي – تبادل السلام وهكذا . (3) يلفظ لفظ قاسي شديد اذا كان الحرف مشدد( حرف مضاعف ) مثل : لبه – قلب .(4) اللفظ اللين : تلفظ احرف بكد كفت باللفظ اللين اذا جاءت في وسط الكلمة وكانت مسبوقة باحد احرف العلة او الحركات مثل : طبوثة – طعام الغفران . (5) احرف بكد كفت ( حرف الكاف ) اذا جاء في نهاية الكلمة كضمير يلفظ باللفظ الخفيف مثل : قالخ – قولك انت ، قاليخ – قولك انتي وهكذا . (6) حرف الثاء : اذا جاء في نهاية الكلمة المؤنثة في حالة الجمع يلفظ باللفظ الخفيف : ترميذه- تلميذ ، ترميذاثه - تلميذات - جمع . (7) حرفين ساكنين وهي قاعدة السكون : اذا جاء حرفان ساكنان في بداية الكلمة وكان الحرف الثاني احد حرف بكد كفت فانه يلفظ باللفظ الخفيف وذلك بسبب كون السكون يعتبر سكون متحرك مثل : انهورا – نورا . وهذه من الاساسيات المهمة في بداية معرفة اللغة المندائية ودراستها عن قرب . فالحرف المندائي له قدسية خاصة لدى المندائيين وتكمن في طريقة رسمه رمزية النور والصراع مابين الخير والشر ، كما ان لهذه الحروف قيماً عددية فحرف الالف قيمته واحد ، والباء اثنان والدال خمسة ، وهكذا. فلو اخذنا جذر كلمة (الناصورايي) فالكلمة تطلق على الروحانيين ( رجال الدين ) الذين يراعون تطبيق الاحكام والاوامر الدينية المندائية قبل غيرهم ، والمؤمنون الحقيقيون (النقاة ) ( فالناصورايي) هم الاشخاص الذين يفهمون ( الناصيروثا ) التي هي فلسفة الديانة المندائية ، وتعرف ( الناصروثا ) بانها علوم التبحر في الدين والفلسفة الروحانية ، عميقة الجذورالهية حقا ، علوم الحقيقة الكامنة والمعرفة اللامتناهية وكلمات الحق والصدق الاسمى ، جلبت من كنز عوالم النور واعطيت للنفس التي دخلت الجسد المادي عند اتمام خلقه لتكون له السلاح النوراني الذي به سوف يقاوم الشر والظلام القابع في العالم الفاني ( الما اد تيبل ) العالم الارضي ، وهي علوم ازلية موجودة بوجود سيد العظمة ( الحي العظيم ، هيي قدمايي ) . ( و كان النبي يحيى (ع ) ناصورائيا وكذلك والديه والسيد المسيح ايضا ) . يكونوا ذا كرامات او معجزات تعالج بصورة رئيسية شفاء ابدان الناس وارواحهم كما جاء عنهم في الاحاديث . وكلمة ( ناصورائي ) من الجذر السامي (ن ص ر ) ويعني ( راقب ، حدس ، صان ) او نظر بمعنى الناظرين الى السماء وفي الاكدية نجد معناها نفسه في طقوس الكهنة الاكديين ، وفي البابلية (nasaru) بمعنى ( مراقب السماء او حافظي الاسرار ) وفي العربية ( نصر ، نظر ) وفي العبرية نصر ( نظر ) وفي الاشورية تأتي بمعنى نظر او الناظر الى السماء . فالصيغة المندائية تعود الى الصيغة الارامية القديمة العهد ، لذلك لا يمكن ابدا ارجاع كلمة ناصورائي المندائية الى المصطلح السرياني ( ناصراي – ناصري ) اي مسيحي ( ناصري ) ومن ناحية اخرى اعتبر الباحث الالماني ( ماتسوخ ) ان لفظة ( ناصورائي ، ناصورايا ) هي الدليل القاطع على قدم الناصورائية المندائية واصلها .

مبارك انت الناصروثا : مقطع من دعاء النبي سام بن نوح ( ع ).
مبارك انت الناصروثا . الذي منك تعلم المختارون .
مواعظ النبي يحيا للناصورائيين : اذا اصبحت ناصورائيا . فكل فضيلة من فضائلك سلاح . يعين باهري الصدق . انك تعينهم بالايمان والاستقامة والمعرفة والحكمة ، والتعليم ، والرجاء ، والصلاة ، والتسبيح ، والصدقة ، والطيبة ، والتواضع ، والاتقان ، والرافة ، والحنان ، والتبصر ، ومحبة الحق .
يتبع لطفا

المصادر
-( الكنزا ربا - يمين - الكتاب التاسع ) كتاب الصابئة المندائيين / طبعة بغداد - العراق .
- غوته - رواية ومسرحية فاوست – ترجمة د. عبد الرحمن بدوي / سلسلة الاعمال الخالدة / ط2 / 2007 – دار المدى للثقافة والنشر ( بغداد - دمشق - بيروت) .
- محمد نمر مدني - الصابئة المندائيون / العقيدة والتاريخ / ط1 / 2009 / موسوعة العقائد والاديان - دار ومؤسسة رسلان للطباعة والنشر - سورية - دمشق - جرمانا .
- يوسف زيدان - رواية عزازيل / ط8/ 2009 - دار شروق للطباعة - مصر - القاهرة .
- مجلة المدار - العدد/ الثالث / 2004 - المجلة شهرية عامة صادرة في بغداد / عن التجمع الديمقراطي المندائي . م/ اكو ... ماكو مفردتان فصيحتان مندائيتان . بقلم الاستاذ الدكتور قيس السعدي .
- فاروق عبد الجبار عبد الامام - مفردات عربية - ارامية - مندائية - مشتركة .

 

الأحد, 27 نيسان/أبريل 2014 12:42

لغتنا المندائية... هويتنا الحقيقية ج7

لقد كثرت النظريات حول الوجهه التي اتى منها السومريون ، حول هذه النقطة تشير الاساطير القديمة المنقولة عن طريق اليونان وتتحدث هذه الاسطورة عن رجل يشبه السمكة يدعى اونيس Oannes قد سبح حتى وصل الى مياه الخليج العربية حاملا معه بعض العطايا والهدايا الحضارية ، وهذه القصة تنطبق على الافكار السومرية التي موجودة في الوثائق المسمارية نظرا لان اله الحكمة ( انكي ) هو اسمه الذي كان يحمله في النصوص السومرية ولكن ايا (Ea ) هو اله اريدو وهي مدينة قديمة على ضفاف احدى البحيرات الضحلة في الخليج العربي وهي احدى المواقع التي احتلتها بابل القديمة ، وهذه تشير الى الاستيطان في سومر ، وفوق ذلك فان تلمون ( Tilmun ) او ما تسمى دلمون الواقعة في البحرين ذات الاهمية عظيمة كاقدم طبقة من طبقات السومرية الدينية ، وقيل انها تمثل مركزا من مراكز الثقافة السومرية وهي اقدم حتى من اريدو (Erido ) ويدل ايضا ان السومريين قد دخلوا الى منطقة مابين النهرين عن طريق الخليج بواسطة السفن الخشبية او التي تسمى ب( البلام) .

 

وتجري الان حفريات اثارية في البحرين لتقول كلمة الفصل في هذا الموضوع ، لهذا حاول بعض الباحثين الى ارجاع اصل السومريين الى ثقافة وادب الهندوس المبكرة ، كما ذكرت في القسم الماضي ، والى جنوب بلوخستان او كليهما ، ولكن ثقافة وادب الهندوس التي تدعى حرابا ( Harappa ) التي لم يكشف النقاب عن كتابتها بعد من الممكن ان تعود الى اسلاف شعب الدرافيدين الهندو – أريين وهم متواجدون في جنوب الهند ، وان النظرية التي تقول بوجود صلات عرقية حقيقية بين السومريين وشعب حرابا لها انجذاب خاص بالنسبة لاولئك الذين يؤمنون بوجود علاقة لغوية ما بين السومريين والدرافيديين ، ولكن هناك شواهد لا يتطرق لها الشك وهي بشكل مواد وفنون متميزة في احدى الحضارات وجدت في مواقع الحضارة الاخرى على وجود علاقات تجارية في الالف الثالث ق.م بين السومريين وشعوب وادي الهندوس وبلوخستان ، وفوق ذلك هناك بعض مشاهد طقسية تشمل العجول الهندية ذات السنام وجدت في اور وسوزا وهذه تشير الى وجود مقاطعات او بلاد كان يسكنها التجار الهنود في جنوب منطقة ما بين النهرين ( ميزوبو تاميا ) وبلاد فارس من الذين كانوا متمسكين بدياناتهم من هذا الشاهد الذي يعود الى الالف الثالث ق.م نشات نظرية تقول بوجود علاقة ما بين السومريين والدارفيدين ، يبدا تاريخها من فترة اوروك وتعود الى صلات لغوية وعرقية ، وهذه بالحقيقة وجهة نظر ممتعة ولكنها تفتقر الى الدليل اوالبرهان القاطع .

 

– يتبع لطفا –

 

 

المصادر

 

- هاري ساغز – عظمة بابل – ترجمة خالد اسعد عيسى واحمد غسان سبانو /دار ومؤسسة رسلان /ط1 / 2008 / سوريا –دمشق – جرمانا .

 

- هاري ساغز – عظمة اشور – ترجمة خالد اسعد عيسى و احمد غسان سبانو / دار ومؤسسة رسلان / ط1 / 2008 / سوريا – دمشق – جرمانا .

 

- ايفا كانجيك – كير شباوم – تاريخ الاشوريين القديم – ترجمة د. فارووق اسماعيل //- دار الزمان /ط1 / 2008 – سوريا – دمشق .

 

- خزعل الماجدي – انجيل بابل – منشورات الدار الاهلية – لعام /1998 .

 

 

السبت, 05 نيسان/أبريل 2014 17:32

كلود ليفي شتراوس .. عالِم أثار الثقافة

 كلود ليفي شتراوس المولود في مدينة بروكسل التابعة الى مقاطعة فرساي ( 1908- 2009 م ) ،  نشأ في عائلة يهودية برجوازية ، جده كان الحاخام الاكبر لفرساي العاصمة الامبراطورية لملوك فرنسا ، وهو اقرب في إيمانه الى الديانة الاحيائية وبخاصة ديانة الشنتو اليابانية ، وهي تمثل الدين الاصلي لليابان ، في حين البوذية استوردت حديثا الى تلك البلاد ، اي في القرن السادس الميلادي ، وديانة الشنتو تقوم على اساس التقديس الكامل للطبيعة ، وانها تؤمن بوحدة الطبيعة على طريقة الشيخ الاكبر بن عربي ، لقد كان ليفي شترواس احد رواد المدرسة الفلسفية الفرنسية في بداية مشواره الدراسي متزامنا مع زميله الفيلسوف الفرنسي الوجودي جون بول سارتر الذي توفي قبل ربع قرن .

قبل الثورة التي احدثها كلود ليفي شتراوس في علم الانثروبولوجيا ، كان هذا الفرع المعرفي في فرنسا وفي كل مكان اخر في العالم ، يقتصر على مجرد محاضرات قلما شهدت نسبة حضور مرتفعة ، وتقام في قاعات صغيرة وباردة ، مع وجود مجموعة من ريش السهام والعصي المعقوفة المستخدمة في صيد الاسماك ، كأشارة الى الاختلافات الغريبة الكائنة بين القبائل ( البدائية ) للجنس البشري . جعل من الانثروبولوجيا مجالا معروفا ومشهورا كالفلسفة والشعر ظهرا معا في نسيج  واحد في جميع دراساته الانثوبولوجية على غرار ما كان مشهورا ربما للمفكرين الفرنسيين وحدهم دون غيرهم . فالدراسة السليمة للجنس البشري تكمن في دراسة الانسان نفسه : ليس في ممارسته في حقول السياسة او الحروب او المعاملات البنكية ، وانما لا في حالته عندما يخرج عاريا ، ملونا جسده ، يصيد الدببة وينصب الشباك للطيور . هنا تكمن الحقائق العامة حول اًلية عمل العقل البشري وهوية الانسان الحقة .

يقول عالم ( الأنثروبولوجيا- علم تطور العقل ألبشري) جيمس فريزر 1854-1941 في كتابه الغصن الذهبي : هناك بعض العادات التي يمارسها المجتمع المتحضر دون ان يدرك لوجودها سبب ، وسماها بالرواسب او المخلفات الثقافية ، التي  يتمسك بها الناس دون ان يعرفوا معناها .

 

ان مؤلف ليفي- شتراوس  (مدارات حزينة ) عام 1955 محطة اساسية كرست هذا العالم ، محللاً للحضارات والثقافات الاّيلة للانقراض . لقد قاوم الفكر الفرنسي بفلسفة لغة متشعبة من مدرسة القواعد العامة في فرنسا ، خصوصا في مقاله الشهير سنة 1945 وعنوانه ( التحليل البنيوي في اللغة والانثروبولوجيا ) ليولد مناخاَ من الانتباه العلمي حيث تجد الألسنية حيزاً مهما  لها ،  والتي كانت تعطي وصفاً دقيقاً للمكونات الاساسية للاسطورة المتعددة المضامين وحسب التدرج التالي :

( 1- الهيكل ، 2- الرمز ، 3- الرسالة ) ، في عملية فهم رواية او حكاية او قصة الاسطورة ، وكيف تقوم هذه المكونات في اِطار نظرية علم المعاني ، من ثم ابحر في تكوين الاسطورة في ( الفكر المتوحش ) حيث عثر على البدايات منذ العام 1962 ، التي اعطاها صفة الطبيعي ، وهكذا انقلب على الفلسفة الاجتماعية السابقة التقليدية السائدة عبر قرون من دراسة عالم الأساطير ، وابرز إرث يتركه شتراوس هو عملية تأسيس تقوم بها الميثولوجيا ، في الفكر المتوحش .. بهذا النتاج انتقل من دور المفكر الى دورعالم يقوم عمله على التجربة والاختبار في ميدان حياة المجتمعات ضد الأوهام وتمجيدها .

 ولكي نفهم الاضافة الفلسفية التي ندين بها لشتراوس علينا تحديد مفاهيم الثقافة - العرق والذهنية عند علماء الاجتماع الذين سبقوه وفق المعادلة لعلماء السوسيولوجيا ، بدائي = طبيعي = غرائزي = عنيف ، فلا فكر عند هذه الشعوب ولا اختراع ولا خلق ، بل عوالم سحر لا تفرق بين الدين والشعوذة ، لكن حين جاء شتراوس اختزل فعل السحر عند البدائي بمفهوم ( المانا ) اي فكرة الروح في الاشياء .

ان الدعوة التي وجهت له في بعثة الى جامعة بوغليه البرازيلية ، كانت البداية المهمة في دراسة علم الاجتماع و الدعوة الانثروبولوجية التي غيرت مجرى حياة كلود ليفي شتراوس ، ومعها غيرت نوعية تفكير القرن العشرين ، طبعَ شتراوس القرن العشرين بواسطة اكتشافات المجتمعات البدائية وتفكيك الاساطير ، وهو يعتبر اخر البنيويين والانثروبولوجين في زمن مابعد البنيوية وما بعد الحداثة .

ان من اهم اعمال شتراوس : العرق والتاريخ ، مدارات حزينة ، الانثروبولوجيا البنيانية ، الفكر المتوحش ، ميثولوجيات 1-2-3-4 ، الانثروبولوجية البنيوية ، طريق الاقنعة ، الكلمات المعطاة ، نظرَ سمعَ قرأ .

لقد اكد شتراوس على حقيقة من خلال مقالاته ( البنى الاساسية ) للسلالة وللقرابة والتعارض بين الطبيعة والثقافة ، فيقول : لا وجود للانسان الطبيعي ، فالطبيعة هي معطى والانسان ينهض بها من خلال الثقافة ، وما كل ما هو كوني في الانسان مستمد من الطبيعة ، لقد اراد شتراوس تفسير حياة المجتمعات والثقافات بواسطة المنطق اللاوعي ، انها محاولة جادة لا يمكن فصلها عن المنهجية التحليلية التفسيرية المسماة ( البنيوية ) ، التي تعبر عن مرحلة الفكر المتوحش عند الانسان ، والتي اقترنت فلسفته بالرفض القاطع ولوظائفية او نهائية الثقافات والاجهزة الاجتماعية ، فالكون يقدم مادة للتفكير في اَن ، انظمة البنية تتقدم على التاريخ وعلى ولادة الحس ، الفكر ليس في الانعكاس بل في الضيق ، الدماغ كامن ضمن الانظمة ، وان التحليل البنيوي لا ينبثق في الفكر الا لان مثاله موجود اصلا في الجسد ، لان الكون والطبيعة والانسان في حركة ضمن نظام ميثولوجي .

وفي هذا يكون شتراوس قد اعطى الضوء الاخضر للتفكير الانقلابي ووضع حداً للتفكير العنصري ، واطلق العنان للحياة والحرية ، ان التكريم الهائل الذي حظيَ به شتراوس في حياته والمناصب العالية التي شغلها لم تبهره بل جعلته يتطلع دائما من بعيد الى اشياء العالم الحديث كي يرى بعينيه وبنظرته الثاقبة بفك رموز الطبيعة البشرية على مدى القرن العشرين ، اراد اعطاء حلول او علاجات للمجتمعات التي تبحث عن معنى وجودها ، كان ضمير البشرية ، شاعرها ، مفكرها ، محللها ، والعارف باسرارها ، وقبل كل شيء هو محُب للبشرية ، كانت له مقولة جميلة مفادها : اقرأ ، فكر ، ثم ناقش ) 

 

المصادر :

- د. ربى سابا حبيب / استاذة الاداب في الجامعة اللبنانية / شخصيات .

- الموسوعة الثقافية المصرية  .

- الموسوعة الحرة .

 

نشرت في وجهة نظر
الصفحة 1 من 4