السبت, 01 نيسان/أبريل 2017 10:44

حلم ومرآة...

عندما سمعني اتحدث عن العودة قال لي :
ذكّرْتني بصديقي "عزرا" اليهودي يوم قال لي: هجرتُ الوطن مع اهلي وانا طفل صغير، ظلّت امي تبكي بيتنا وجيراننا ودربونة طفولتي وهي على امل العودة ..أما أبي ظل يحكي عن جلسات الأصدقاء على نهر دجلة والسمك المسكوف .بحسرة وابتسامة اجتمعتا بوجهه ويتوعد بموعد آخر.
ماتت أمي ولم تحقق حلم العودة الى بيتنا ، تبعها ابي وهو في حلم جلساته...أبي لم يكن يدري ان المكان الذي كان يحدثني عنه وضعت فيه غرفة متهالكة خربة كتب عليها"قف ..سيطرة للتفتيش " .جنودها استغلوا سياجا صغيرا مطل على دجلة نشروا عليه غسيلهم ولحفهم ليطردوا رائحة السكائر منها ..وبقيت انا وحدي انظر في مرآتي ولم اعد أرى فيها سوى نقطة صغيرة للوطن .

نشرت في قصة
السبت, 25 آذار/مارس 2017 20:40

أرض السنابل

مثل حمامة حانية انحنت على الجسد المُسجى الملفوف بالقماش العتيق، محاطة ببكاء النسوة وصراخهن الذي ملأ فناء البيت، وبأيادٍ نحيلة مرتجفة كشفت عن وجهه... أنه هو، أجل أنه هو، أخيراً تراه بعد كل تلك السنين.. لم يتغير منه شيء سوى لونه الأبيض الباهت الذي يوحي ببراءة الموتى وخلو أياديهم من نفايات الدنيا.. ها هو أخيراً يعود اليها منذ أن فارقها يوماً ليمتطي ريح الجنوب.. (أنا راحل يا أماه... سألتحق بسرب النسور الحالمة بالحرية)... هكذا قالها بهدوء ثم رحل... لازالت تذكر بريق عينيه الممتلئتين بالتحدي وحب سومر.. لم يترك خلفه سوى نظراتٍ وحسراتٍ لأمٍ حزينة أودعت روحها لكف الأقدار مع رشقة ماءٍ نثرتها وراء دربه الطويل، ودقات قلب سريعة لحبيبة خائفة منحت حبيبها لمخالب المجهول..... أمسكت براحتيها ذلك الوجه الذي لم يفقد بريق شبابه رغم قسوة الموت، راحت تتأمله بعينيها المُبيضتين.. (أحقاً أنه نفس الطفل البريء الذي كان يلهو يوماً مثل فراشات الحقول وعصافير الربيع؟).. برفق أخذت تهزه كمن تحاول ايقاظه من نوم عميق كما اعتادت دوماً أن تفعل، لتتفتح عيناه على نور الصباح ووجه أمه الذي اختطت عليه الأيام تجاعيداً عميقة أصبحت سواقياً لجريان الدموع على مدى طول الصبر والفراق... (أنهض يا حبيب النجوم... أنهض يا شدة الياسمين وضياء القمر..... ضفة الفرات تناديك.. موسيقى سومر تحّن لصوتك العذب.. حبيبتك الجميلة تنطرك لتزف اليك).. لم يرد عليها سوى السكون.. ثم تحول هز جسده الى حركة هستيرية بعيدة عن الشعور.. دون جدوى.. الصمت هو الصمت، الموت هو الموت، صلب، قاسٍ، قاضٍ غير عادل.. كلمته واحدة وحكمه واحد، لا يعرف محبة أو حنين...... (من يموت من أجل سومر يصبح حبة قمح، تغدو سنبلة تزهو بها الأرض القاحلة). هكذا أجابت سؤاله بعد قدوم أبيه محمولاً على أجنحة النوارس.. حينها لم تذرف دمعة واحدة رغم قلبها الدامي بهول الفاجعة... رددت ذات الكلام مع عودة أخيها عائماً على أشعة الشمس... ليبادرها ببراءة قلوب الأطفال (ستمتلئ الأرض بحبات القمح... فمتى نرى السنابل؟).... (أجل متى نرى تلك السنابل؟).. ها هي اليوم بعد أن أكتمل لديها ذلك الثالوث الأليم تعيد نفس السؤال الصعب الذي لم يعد أحداً في سومر يمتلك الاجابة عليه.
سار موكب الموت بطيئا رتيباً بين طرقات المدينة المتهاوية حاملاً حزمة قصبٍ احتضنت جسداً كان يوماً ينبض حياةً وأملاً بسعادة شعب سومر، يدور حوله العويل بتناغم موسيقي غريب ينم عن تعود واحترافية، مصحوباً بلطم الصدور ونثر التراب على الرؤوس، باتجاه أرض كئيبة غدت متخومة من كثرة ابتلاع أجساد البشر مع مرور الأيام وسيول الجنائز.... تلاصقت شواهد القبور مع بعضها لضيق المكان لتغدو غابة من غابات الجحيم، وتشابهت حتى لم يعد يُستدل على قاطنيها.. انتشرت النسوة المكللات بالسواد بين تلك الحفر اللعينة التي سلب ظلام قعرها الأحبة ورفاق الدرب، باكيات صارخات يندبن راحليهن، يرافق بعضهن كهَنة متزلفون، بلحايا طويلة يقتادون من الافتاء بمواعظ الموت والحياة..... ورويداً رويداً أنزل أبن سومر الى تلك الهوة السحيقة التي ليس لها قرار، ثم بهدوء أهالت عليه الأكف قبضات التراب، لتغلق أمامه نافذة الحياة الى الأبد..... تبعثر المُشيعون، واحداً تلو الآخر دون مبالاة بعد أن سلموا من جمعهم الى شياطين الموت ليكملوا دورة حياتهم وانتظار مصائرهم، غير مكترثين بأمٍ ثكلى أرتمت على تلك البقعة التي سرقت منها وحيدها وكل ما جنته من متاع هذه الدنيا، محتضنة اياها لا تريد مفارقة من كان يوماً قطعة من أحشائها.
لم تدري كم مضى عليها من الوقت، لعلها كانت ميتة هي الأخرى.. ربما سافرت في رحلة لعالم الموت، لتطمئن على من فارقها في سفرته الأبدية، أو في محاولة يائسة أخيرة منها لأطلاق أموات سومر من محشرهم الخانق، كما سعت قبلها عشتار.... مع غروب الشمس، وبعد أن يأست من استرجاع روحها الثانية، تركت القبر بأيادٍ وثياب مُعفرة، سارت متثاقلة مبتعدة عنه شيئاً فشيئاً ملتفته اليه مع كل خطوة تبعدها عنه، غدت وحيدة بعد أن خلى موطن الموتى من رواده، ألا من مُغني مَنسي ضيعه فراق الراحلين وغدر الزمان ظل جالساً عند أحد الشواهد.. غير عابئ بقدوم عتمة الليل التي أخذت تزحف بهدوء نحو القبور لتبتلعها الواحد تلو الآخر.. محتضناً بحنو قيثاراً قديماً، تداعب أنامله برفق أوتاره المهترئة، راح يردد بصوتٍ خافت مبحوح مخافة أن يزعج أولئك المُتلحفين بالثرى أغنية قديمة لم يتبقى بين ثنايا ذاكرته سواها....
كًلكًامش لم يزل هائماً .. حائراً
يسعى وراء حلم بعيد يدعى الخلود
متى يعود الشريد .. متى يعود
شعبه مقهور اثخنته الجراح
يبحث عن شعاعٍ في ظلمة هذا الوجود
متى يعود له الأمل .. متى يعود
سومر زنبقة غضة بيضاء
اغتصبتها حراب الجنود
متى يعود ربيعها .. متى يعود
نخيل أوروك بكّاء
يرنو لجثمان أنكيدو
يسأل الطير .. يسأل الريح
متى تعود له الروح .. متى تعود
سمعت تلك الكلمات مع هروب آخر شعيراتٍ للضوء، ثم نظرت بذهول بعد أن استعادت شيئاً من وعيها الى الأرض المزروعة بحبات القمح والممتدة نحو الأفق كأنها تراها لأول مرة، ابتلعت شهقة عميقة، ثم أطلقت صرخة مدوية مزقت السكون (أما ارتويت دماً يا أرض سومر؟).

نشرت في قصة
الخميس, 16 آذار/مارس 2017 21:17

على ارض الوطـن

بدأت احداث حكايتنا هذه صباح أحد أيام عام 2008، حين شعر ابو فوزي وهو الرجل السبعيني، انّ حياته بسبب الأمراض باتت مهددة، فجسده قد طاله الوهن، وساعة الرحيل من هذا العالم، في اية لحظة قد تأتي. انه في الولايات المتحدة يقيم، منذ عقود ثلاثة، وحيدا قضى اعوامه القليلة الماضية، بعد وفاة زوجته بمرض عضال.
من الغربة ومرارتها عانى الرجل كثيرا، والى الوطن أضناه الشوق والحنين، وطنه الذي هجره مكرها بسبب مضايقات وملاحقات السلطة الدكتاتورية الحاكمة. ثلاثين عاما انقضت منذ حزم ابو فوزي امره وقرر الرحيل، الرحيل عن الوطن على أمل العودة في أقرب فرصة. لكن حتى الرحيل عن الوطن لم يكن امرا يسيرا، فعيون النظام، جواسيسه وعملاؤه، في كل مكان، في الخفاء تراقب وترصد، ترصد تحركات الثوار الذين ينشدون الحرية، المنتفضين ضد الظلم والدكتاتورية. وفي ليلة حالكة رحل الرجل، تاركا عائلته وقلبه وكل اِرثه الروحي والنضالي والمادي، الى حيث لايعلم رحل، رجل مهاجر بلا وطن، بلا روح، نحو ارض لم يعرفها بعد يحث خطاه، ارض لم تطأها قدماه من قبل، انه راحل نحو اوجاع وآلام جديدة، اكبرها وجع الغربة والحنين الى الوطن، من الإصرار على البقاء يستمد عزمه، ومن الأمل يستمد قوته، الأمل بيوم جديد أفضل من سابقه... الى اين سينتهي به المطاف في رحلته؟ على أي ارض سيحل؟ مع أي غرباء سيعيش؟.. لا يعلم.

تلك كانت صورة الأحداث قبل عقود، والتي من جديد طرقت ذاكرة أبا فوزي فجر ذلك اليوم الربيعي الذي فيه شعرَ بوهن جسده، فعلى الفور اتخذ قراره بالسفر الى بلده الحبيب العراق ومدينته الأثيرة بغداد التي فيها قضى شطرا كبيرا من حياته، اذ لا مجال للإنتظار بعد، فمنذ سنوات كانت تتملكه لزيارة الوطن رغبة كبيرة، حيث الأرض التي ولد فيها ونشأ وترعرع، وحيث الأصحاب والأماكن الأثيرة والذكريات الأولى والمشاهدات الأولى في حياته، لقد حاول قبل سنوات ثلاث تحقيق امنيته، غير انّ مرضا عُضالا مفاجئا ألمّ بزوجته حال دون ذلك.

اتّصل الرجل بابنه فوزي المقيم معه في المدينة ذاتها، مبلّغا ايّاه رغبته وقراره، طالبا منه مرافقته، فلم يمانع الابن، غير انه طلب امهاله أياما معدودة لترتيب امور العمل والعائلة، كذلك بعث ابو فوزي رسالة الى صديقه الحميم القديم ابو جميل، رفيق الطفولة وزميل العمل، يبلغه فيها عزمه على زيارة الوطن ويرجو مساعدته. بسعادة غامرة رحب ابو جميل بفكرة ابو فوزي، اتفقا على موعد الوصول لكي في اِستقباله يكون. بعد ايام قلائل، وصل الرجل وابنه، وعلى دار ابي جميل ضيفين مكرمين حلّا. حارا، مؤثرا كان اللقاء بين الصديقين، فهما في زقاق واحد نشآ، وكانا لسنواتٍ زميلي عمل، دارت احاديث طويلة، خلالها استمع ابو فوزي الى تفاصيل احداث قاسية آلمته بشدة، بحزن عميق كان الرجل يصغي الى محدثّه رغم علمه بهول الأحداث، فطيلة السنوات الأخيرة، كان يحزنه ويقضّ مضجعه، أنباء الأحداث المأساوية المتلاحقة التي ببلده تعصف، كتب ذات يوم والألم يعتصره، كلمات مناجاة لوطنه تقول:
ياوطني
مَنْ مسخ وجهك؟
مَنْ دنّس ارضك؟
منْ انزل فيك الأوجاع؟
منْ حجب عنك الشمس؟
منْ اجاع الجياع؟
يافردوسَ كلكامش
صَيّروكِ مسلة للنائحين
وارضا للضياع

ياوطني
مَنْ علّم الأيتام البكاء؟
مَن مزّق ثوب الحضارة؟
مَنْ علّم الأرامل ان الحزن دواء؟

وكتب ايضا:
ياوطني
لايعرف سر الطريق الا مَن سلكه
ولايعرف سر الارض الا مَن وطأها
ولايعرف سر الكلمات الا القلم
فكأس ماء للعطشان خير من نهر لؤلؤ
ورغيف خبز للجائع خير من كنز موعود

في صباح اليوم التالي لوصولهم، وفي جولة الى احياء بغداد، اصطحب ابو جميل ضيفيه، وبطلب من ابي فوزي، على الزقاق القديم عرجوا، وعلى سوقه واروقته الضيقة حيث عاش الرجل طفولته واولى سنوات حياته، وبينما هم سائرون الى مقصدهم راح ابو فوزي الى ابنه يتحدث، واصفا له صورة الزقاق القديمة، قائلا:
كنا وسط هذا الزقاق الشعبي نسكن، بين مجموعة من العوائل البسيطة الكادحة، في المدخل الرئيس لزقاقنا وعلى الجانبين كانت تصطف مجموعة دكاكين، معظمها للعطارة، مع محال اخرى لمهن مختلفة، بينها صالون بسيط للحلاقة ومحل للنجارة، مع قصاب وحداد واسكافي ونداف. ويضم الزقاق ايضا مقهى صغيرا في رأس الجادة، بالقرب منه تجلس بائعات القشطة واللبن وهنّ يفترشن الأرض مع بضاعتهن كل صباح، ولم يكن هنالك سوى مطعم بسيط واحد ومخبز واحد. هكذا كانت صورة زقاقنا حين فارقته.
واصل ابو فوزي حديثه، يصف لإبنه، بغداد ومعالمها وحياة الأمس البعيد، قائلا:
مارأيت أروع ولا أحلى من التجوال في شوارعنا واسواقنا الجميلة، بين المحال المتنوعة والمقاهي والخانات، فأسواقنا القديمة كانت بالناسِ تعجُّ، وكل مايبهج النفس ويسر النظر تحوي، بروائح البخور والصابون والتوابل والبُن والعطور العربية تفيض مداخلُها وأرجاؤها. كان التنزه على ضفاف دجلة وشواطئها الجميلة له طعم خاص، ولا تبرح خيالي مقاهي ابي نؤاس ومطاعمها المطلة على دجلة، ففيها كنا بأجواء لاتوصف نستمتع، وفي بحر من البهجة والمتعة نتيه ونغرق، وكأننا في عوالم ألف ليلة وليلة، حيث الموسيقا والأضواء ورائحة الشواء واصوات كؤوس الشراب والساهرين وصخبهم ولهوهم الذي لاينقطع.
هنا التفت ابو فوزي الى ابو جميل متسائلا:
اين نحن من ذلك الزمن واجوائه؟ لماذا فقدنا كل ذلك؟ لماذا تبدو الأحداث الماضية وكأنها أكثر روعة وجمالا حين بعد زمن نتذكرها؟ ياترى هل لكوننا فقدناها، ام لبؤسِ حاضرنا؟
هز ابو جميل رأسه حسرة وكأنه يقول – لا أعلم.
واصل ابو فوزي حديثه:
مازلت اتذكر تماما بيوت بغداد الجميلة وحدائقها التي بعطر الزهور وشذى الرياحين ورائحة الأرض تفيض، يالروعة الجلوس في تلك الحدائق ليالي الصيف والسهر مع اغاني ذلك الزمن التي لاتنسى، ولا يغيبنّ عن ذهني ابدا، الجميل من مشاهد بغداد ومزارعها الغناء وغابات النخيل واشجار الحمضيات والكروم، ومايٌبهج الأبصار مما امتد من الحقول الواسعة الساحرة وبما يطرزها من الوان الخضرة وزهورها، اشعر الان وكأني استنشق ذلك النسيم العليل ورائحة الخضرة والزروع نفسها، يالبهجة تلك الأيام وروعتها، فالأرض زاهرة كانت وزاخرة بالخير، والطبيعة جميلة نقية، والناس بسطاء طيبون ومسالمون.
عن الحديث توقف الرجل حين بلغوا محلتهم القديمة التي منذ عقود غادرها، هنا وهناك اخذ يجيل نظره، تطلع الى ماحوله بلهفة ممزوجة بألم، وصلوا السوق القديم وهم يطرقونه على الأقدام مشيا، في مدخل السوق توقف الرجل ومن معه، الى ماحوله راح يتطلع بشعور مَن وَجَد للتو شيئا ثمينا فقده منذ أمد بعيد، شعر وكأنه الى العالم الذي تتوق اليه روحه ونفسه قد عاد، وتمنى لو طال الى الأبد وقوفه هناك، غصّ ابو فوزي بالكلمات وخنقته العبرات فما عاد من الكلام متمكنا، طويلا وقف هناك وتَذكّرَ المحال والدكاكين التي في صباه كان عليها يتردد، تذكرها رغم تغيّر معالمها وتغير أصحابها مثلما البضاعة المعروضة فيها تغيرت، هناك راح الرجل الكهل يستعيد ذكرى الأيام الخوالي، ايام الطفولة والصبا وسنوات العمر الأولى، حيث الانطلاق كان مع ذلك العالم النقي البسيط، فلا هموم ولا أوجاع كتلك التي فيما بعد عرفها الناس، لقد ادرك وهو في أحضان بلده، ان الحنين الى الوطن لايشبهه حنين، فهذه ديار الأهل والأجداد، فيها السكن الأول والنَفَس الأول والصور الأولى في الحياة، فالى عبق تلك السنين تشده ذاكرته الآن بقوة، الى براءة الطفولة ونقاء الأرض، فهنا حيث يقف، ترك مع الأهل والأصحاب ذكريات لاتزول، سوى وان الزمن الذي عاشه صغيرا كان جميلا بكل مافيه، فالناس كانوا يستمتعون حقا بصباحات ايامهم ومساءاتها، كان للأيام قيمتها وللعطل روعتها وللأعياد نكهتها، لقد كانت الأعياد أعيادا بالفعل .. كل الأشياء كان لها طعم مختلف.

حين حركّت تلك المشاهد والصور مكامن الذكرى في خاطر ابو فوزي، وحين في ذهنه استعاد حلاوة ذلك الزمن البعيد من حياته وروعة تلك السنين التي انقضت ومضت، وحيث تفرق الأهل والأصحاب اليوم وتشتتوا في هذا العالم الواسع القاسي الذي فيه يشعر الانسان بالوحدة والضياع. حين تلك الذكريات والأوجاع امام خاطره مثلتْ، تصاعدت في نفسه العبرات وفاضت عيناه بدموع حارة وبكى، بكى حسرة وحنينا الى زمن انقضى، وأسفا ولوعة على سنوات جميلة انتهت دون رجعة، وحزنا على وطن تمزق وشعب تفرق.
بكى هناك ابو فوزي وطال بكاؤه حتى عيناه احمرت، ولحيته البيضاء بالدموع تخضبت.
بعد ان هدأ، على مُحيّاه وعلى جسده النحيل علامات الوهن والتعب بدتْ، ببطء وبصوت متعب عاود التحدث، قال:
يا ابا جميل، ذكريات ذلك الزمن البعيد قد غمرتني، فهي في الذهن مازالت راسخة وكأنها ذكريات الأمس، فهي الى زمننا النقي الجميل قد عادت بي، الزمن الذي صغارا عشناه، حيث بعالم الطفولة البريء كنا نلهو، في هذه اللحظات تمر في خاطري صور رفاق الصبا واحدا واحدا، وجوههم البريئة ومشاكساتهم، تسليتنا ولهونا اليومي، بكل ممتع من ألعابنا الشعبية، صور بيوتنا البسيطة الجميلة لازلت أتذكر، تلك البيوت اراها الآن بألوان اخرى غير الوانها قد دهنت، فضاع سحرها القديم.
صمت ابو فوزي برهة وبرأسه اطرق، ثم واصل حديثه وعيناه بالدموع تفيضان، قال: كيف يمكن لإنسان ان يقطع من وطنه جذوره؟ فهناك روحه وقلبه ووجدانه واعماله وكل ذكرياته وتأريخه مزروع. كيف يمكن للأنسان عن كل ذلك ان يتخلى؟ بلا روح عشتُ في المنفى، وحين العراق وصلت وبغداد وناسها رأيت بعد سنوات الفراق الطويلة، رغبة عارمة كانت تغدوني لأن اتجول في كل حي وزقاق وفي كل شارع ورواق، وددتُ لو كل جدار أُقبّل، والأطفال جميعا احضن، وللكادحين الصابرين احتراما انحني، وللجياع ارغفة اُقدم، كان الشوق للعراق يدفعني لأن ألمس كل نخلة فيه، وان أُقف على ضفاف دجلة طويلا، اردت من شمس بلادي ان امتلأ، ومن مائه العذب ارتوي.
ضعف هنا صوته والى حشرجة في الصدر تحول، فعن الحديث توقف، ثم عينيه بتوجع أغمض وبالبكاء من جديد أجهش، طويلا تواصل بكاؤه رغم محاولات ابنه وصديقه لتهدئته، ولم يكف عن البكاء حتى انتابته نوبة سعال قوية تبعها ألم في الصدر حاد، ثم تلاشت قواه وسقط.
من غيبوبته بعد ساعات افاق ابو فوزي، ففي احدى مستشفيات بغداد كان يرقد، يحيطه ابنه وصديقه وأحد الأطباء ممن كانوا على وضعه الصحي يشرفون، حرك الرجل جفنيه ببطء، بعينين زائغتين ووجه شاحب متعب الى من حوله نظر، نهض فوزي وعلى ابيه انحنى، سأل بلهفة:
ابي، هل انت بخير؟
ابتسامة متكلفة ابتسم الأب، اراد ان يقول شيئا لكن ضعفه منعه، تراخى جفناه وأغمض عينيه من جديد وراح في سبات.
منهما طلب الطبيب مغادرة الغرفة والبقاء في الردهة الخارجية، انقضت ساعة كاملة، كان الأطباء خلالها على غرفة الرجل الكهل يترددون، ومالبث ان خرج أحدهم، بعبارات التأسف والأسى أخبرهم، أن الرجل، بسبب ازمة قلبية حادة، قد فارق الحياة، ثم سلّم ابا جميل ورقة صغيرة، عليها كُتب بقلم خفيف مرتعش، العبارة التالية:
احبتي..
شكرا لكما.. فبفضلكما حققت امنيتي ورأيت بلدي..
شكرا لكما، فالموت على ارض الوطن هو أهوَن موت.
______________________________

 

نشرت في قصة
الإثنين, 27 شباط/فبراير 2017 21:07

خَـــيـْـــــــــــطـ

اليوم هـو الجمعـة ، عــطـلة ( نـضال ) عـن الـعمل ، الشَّمـسُ تـتأَلـقُ في سماءٍ صـافية وتسطعُ بنورٍ دافئٍ كان الناس في مـدينتهِ ينتظرونهُ منذُ أَيام بشوقٍ ولـهفـة ، إِنها شمسُ الضحى لـذيذةٌ ، لـذيذةٌ جـداً بـعد أَيامٍ من البرد والـضَّبابِ والـمطر .. إِنَّ جسدَهُ المرطوب حتى العظام والمتعب بـعـد اسبوع العمل ، بحاجةٍ إِلى مثل حرارةِ هـذهِ الشمس بـالتأكيد ، تـمـددَ فوق الحصير المفروش على أَرضيةِ سطح المنزل المُـبتَلة ، أَسنـدَ ظهرَهُ إِلى سياج السطح المُـتآكل واسترخى تماماً تاركاً أَشعة الشمس تلامس الأَجـزاء المكشوفة من
جـسدهِ ، فتتوغلُ حرارتها شيئاً فشيئاً داخـلَ خـلايا جـلده وعـروقـه .. بـعـد دقائق صـار يـشـعـرُ بـانتعاشٍ لـذيــذٍ يـدب في جـسده . ـ
ـــ آه .. أَيـتهـا الشمس الحبيبة مـا أَروعــــكِ ! ! ــ
قـالهاجَـذلاً ، وهـو ينظـرُ إٍلى السماء بـامتنان .. ثم راح ينبشُ ذاكـرته باحثاً فيها عـن أَي شيء .. أَيَّ شيء يُـشغل بـه نـفسه ، فـيُـبَدد بـعضاً من ثـقل الوحشَـةِ التي داهمتهُ منـذُ استيقاظهِ صباحَ هــذا الـيـوم ، فهو الآن يحسُّ بشعورٍ لم يَـمر به من قَـبل ، استـمرَّ في نبشِ ذاكرته المشَوَّشة فاستطاع أَن يسترجعَ بعضاً من شريطِ حياته الماضيةِ ، طفولته المعذَّبة ، وبيتهم الطيني آنذاك ، ومدرسته الإِبتدائية والمتوسطة ثم إِعـدادية الـصناعة التي تخرَّج منها وانخرطَ في صفوف العمال ليساعـد والـديهِ .. وتذكر أَيام الصبا والشباب وزملاء الدراسة ، لكن كل تلك الذكريات لم تفلح بـإِزاحة حالة الحزن الذي تسلل كاللص إِلى داخل نفسه وترسبَّ في قاعها .. ثلاثة أَيامٍ فقط مـضت على سفرهما ، وها هـو يشعـرُ بثقل الوحـدةِ يطوقه ويحاصره في
كل ناحية من البيت .. ثلاثةُ أَيـامٍ وهو في البيت وحيداً ، فكيف يكون حاله
إِذا طال غـيابهما شهر ، شهران إِلى الأَبـد من يـدري ؟ إِنها الدنيا . منذ أَن غـادرا البيت وسافرا إِلى بغـداد لزيارةِ أَخيهِ ( ماجـد) وعائلته صار يشعر إِنَّ البيت لم يـعـدْ كما كـان أَمامَ عـينيه يحسُّهُ قـد تبدَّل ، صار خاوياً بلا حياة أَشبه بزنزانةٍ إِنفراديةِ .. صحيح أَنهما في خريف العمر
، زهرتان ذابلتان ، غصنانِ يابسان لكنهما أَبواه ، لقد أَعطيا لدنياه طعماً حلواً وحياةً جميلةً ، فحينما يثرثران عن أَيامهما الماضية ، أَو يمزحان ويضحكان أَو حتى عـنـدما يتشاجرانِ أَحياناً كانا يمدانه بنبض الحياة ، وكان هو يملأُ حياتهما بحركته وصوته في البيت ، وأَحاديثه عن العمل ورفاقه العمال ، وعن الحياة والأَيام الجميلة الآتيةِ التي كان يصورها لهما .. تـنهَّـدَ ثم تناول الكتاب الذي بجانبه وهـو يـرمُـقُ دجاجتهُ الوحيدة وهي منهمكةٌ بنقرِ أَزرار بجامته ، ضاحكاً من سذاجتها وراح يقرأُ مستمتعاً بِـإِسلوب وأَفكار الكاتب الذي يكن لـه حباً واحتراماً كبيرين .. بـعـد أَن قرأَ عـدة صفحات أَعاد الكتاب
إِلى جانبه ، سرحَ بـأَفكارهِ من جديد وصور الأَشياء تهربُ من ذاكرته ، إِنـه يحس بكيانه وكأَنه غير موجود ، شعـرَ بحرارة الشمس تلسعُ وجهه وصدرهُ
نهضَ وقـد كـفَّ عـن التفكير ، وراح يتمشى على أَرضية السطح محدِّقـاً في
البلاطات الحجرية المتآكلة وكـأَنهُ يراها لِلأَول مـرَّة ، ويرمي بصرهُ في كل ناحية تاركاً
أُذنيهِ تنصتان إِلى ما يجري في الزقاق الذي كان يضجُّ بالحياة ، فالأَطفال يملأون المكان بـلِعبهم الصّاخب ، وثرثرةِ النساء الجالسات أَمام الأَبواب كعادتهن كل يوم ، وزقزقةِ العصافير التي كانت تتشاكس على شجرة النبق
التي تتدلى أَغـصانها الى سطح الدار .. ظـلَّ يتمشى مصغياً بكلِّ حواسـهِ إِلى
سمفونية الزقاق فشعـرَ ببعض الإِرتياح يسري في داخلهِ ، وفـجأَةً تركَ دجاجته تتجول على السطح ، ونزل مسرعاً إِلى داخل الدار ، غسَلَ وجههُ على عـجلٍ وارتدى ملابسه الشتائية الثقيلة ، وخرج إٍلى الزقاقِ مسرعاً فصفعت وجهه نسماتٌ باردةٌ ، حـيّا النسوَةَ الجالسات قبالة دارهم وحثَّ الخطى صوبَ الشارع المحاذي للنهر المجاور لمحلتهم والذي يفضله على أَي طريق آخر ، بـعـد دقائـق وصل إِلى السوق ولم يلبث حتى وجـدَ جسدهُ
يتحرَّك وسط الـزحام الـصاخب المتحرك .. في لحظات شعـرَ وكأَن شيئاً ثقيلاً
.أَزيح مـن صدرهِ ، وأَحـسَّ أَنَّـه مـوجــود

مجلة ( الـصَّـــدى ) الـغـــراء العدد 49 / 2011

نشرت في قصة
الأحد, 05 شباط/فبراير 2017 00:02

الأخوات السبع

ربما فقط نحن العراقيون ننام على سطوح المنازل لسببين أثنين، أننا نعيش ببيوت ذات سطوح مستوية وأن قيظنا شديد يدفعنا لتجنبه قدر الإمكان.
لنتذكر كيف كانت (نومة) السطح تعني لنا متعة ما بعدها، نفرش السرير عند العصر ونقوم برش الأرض، هكذا وبسهولة كنا ننجح (بمكافحة) القيظ مستمتعين ببرودة المخدة وعذوبة النسيم. حينما كنّا نستلقي على ظهورنا، كنا نتأمل السماء السوداء ونغوص بأعماقها ونعد ونرصد حركة نجومها المتلألأة، كان يَلفت نظري (سبع) نجمات تترتب على شكل رقم 6، ولما سألنا عنها قالوا أنها... الأخوات السبعة. ورغم أنها نجوم جبارة في السماء، إلا أن ثمة أخوات على الأرض أقوى منهن وأصلب وأدهى، سنسمح لأنفسنا اليوم أن نكون بضيافتهن، بضيافة شركات النفط العملاقة المُسماة (الأخوات السبع)*.
× × ×
في بداية القرن العشرين، التقى ثلاث رجال برحلة صيد في (أسكتلندا) شمال المملكة المتحدة، ما كانت غايتهم الظفر بطيرٍ هائم في السماء ولا أرنب ضال بين الجحور، كان تصويبهم أبعد من ذلك بكثير تخَطـّوا به الجزر البريطانية والبحار حولهم، عيونهم ترنوا إلى سائل لزج أسود لا تُطاق رائحته ولا ملمسه ولا شكله، كلّ ما يميزهُ أنه... قابل للإشتعال. رجل هولندي وآخر بريطاني وثالث فرنسي خططوا لتأسيس ما يستحوذ اليوم على ربع تجارة البترول في العالم... (شِل الهولندية وبريتش بتروليوم البريطانية وتوتال الفرنسية).
برغم أننا نعلم جيداً كيف يتوزع النفط جغرافياً على الخارطة، لكن الأهم من ذلك هو كيفية توزيعه (سياسياً)، ويكون ذلك على النحو التالي... الأول يقع في أيدي العالم المتقدم، معظمه في روسيا (سيبيريا وبحر قزوين) والولايات المتحدة (خليج المكسيك وولايتي تكساس وألاسكا) وفي إنكلترا والنرويج (بحر الشمال)*. وجزءه الثاني لدى أنظمة مستقرة ومدعومة، دول الخليج والمكسيك وكازاخستان ويسمى بالنفط البارد. وثالث ساخن، إما أن يقع في بلدان ثورية كإيران وفنزويلا أو غير مستقرة كالعراق وليبيا والسودان واليمن أو بلدان أنظمتها (متأرجحة) مثل الجزائر ونيجيريا.
بإمكان (الأخوات السبع) أن تُسخن بلداناً بنيران نفوطها أو تبردها كيفما ومتما تشاء، فلو رضخت هذه البلدان كان نفطها برداً وسلاماً، وإن شقـّت يد الطاعة وعصت وتمرّدت أوقدته سعيراً تحت أقدام شعوبها، مثال ذلك اسقاط حكومة مصدق في إيران بداية الخمسينات. بهذه الطريقة وحدها هيمنت (الأخوات) على إنتاج وتسويق الذهب الأسود بالعالم!
× × ×
لما قام العراق بطرد ثلاث من الأخوات في قرار التأميم عام 1972، كانت حساباته قصيرة مدى تقتصر بالإعتماد على البنى التحتية المتاحة وإمكانية أستمرار الإنتاج والتسويق بقدراته الذاتية، وقد نجح الكادر العراقي بذلك، وقد ساعده تنامي الطلب على النفط عالمياً وعلاقته بالأتحاد السوفيتي عدو الغرب، فكسر الحصار الذي فرضته الشركات في وقته، لكن ما غفل عنه العراق، ظنه أن (كارتل) الشركات قد أستسلم ونسي الإهانة، وهذا لم يحصل، فبرغم أن فائض واردات العراق أواسط السبعينات جعله خامس أغنى بلد في العالم، أختلقت له مشاكل أضطرته أن يوظـّـفها لشراء أسلحة، إما لاستعراض قواه أمام إسرائيل أو لردع الأكراد، ثم أدى تكدّسها لتحدي إيران الأكبر منه بأربعة الأضعاف حجماً وسكاناً، فتجرء بدخول حرب معها، ولتعود أثمان النفط وبطريق أقصر لجيوب الغرب. لو كانت لا تزال هناك مصلحة للأخوات في العراق لدى قيام حرب إيران، لدفعت هذه الشركات حكوماتها لإخماد الحرب ووئد نيرانها منذ أيامها الأولى. ولكي لا نخوض في مآسي العراق وشؤم نفطه عليه، لنذهب بعيداً إلى أفريقيا، ولنا فيها مثال مأساوي يشرح بشاعة سلوك (الأخوات) هناك ويدينها بشدة.
الفرنسيون هم أول من تيقـّـنوا بوجود النفط في الشمال الأفريقي ـ في ليبيا ـ فساندوا حليفهم نظام (السنوسي) الملكي، لكن في الجزائر لم يجدوا من بُـدّاً سوى أستعمارها مباشرةً (بمباركة) الدول الأوربية الأخرى شرط ضمان أستمرار تدفق النفط لأسواقها. وحتى لما منحت فرنسا الإستقلال بعد أن قدّم الجزائريون مليون شهيد، كان شرطها أن تبقى آبار النفط المتواجدة على طول حدودهم الشرقية المتاخمة لليبيا وأنابيب نقل النفط وميناء تصديرها على المتوسط بإدارة وحماية فرنسية.
والآن لو توجهنا جنوباً وعبرنا الصحراء الأفريقية الكبرى، سنصل إلى بلدٍ لا علاقة له بصراع العرب مع إسرائيل ولا نظامه ثوري ولا يهدد موقعه بلد غربي يبرر موقف عداء له. نيجيريا، بلد غرب أفريقي فقير يقع على خليج غانا، أكثر بلدان القارة من حيث السكان (130 مليون نسمة)، تحدّه الصحراء من الشمال وخليج غانا من الجنوب ودول فقيرة من شرقه وغربه، ينبع من مرتفعاته أحد أعظم أنهار أفريقيا ـ نهر النيجر ـ مشكلاً عند مصبه دلتا غنية بالأراضي الزراعية، سكانه خليطاً من المسلمين والمسيحيين، وهي تعتبر ـ وهذا ما يهمنا ـ أكبر بلد منتج للنفط بأفريقيا.
أكتُشف نفطهم في الخمسينات في وقت أعطى نفط الأميركيان مؤشرات بإمكانية نضوبه، وصار عليهم إما شفطه بواسطة المضخات أو ضخ مياه تحته وهي عمليات مكلفة، ثم جاءت أزمة الصواريخ مع كوبا بداية الستينات لتجعلهم يبحثون عن مصدر غير فنزويلا القريبة من كوبا، يكون بعيد وأمين. كانت العيون (الزرق) ترنو لهذا البلد الأسمر الفقير ـ نيجيريا ـ وجاء دور (بعض الأخوات) في التلاعب بمصيره، غذّت أنقسامات عرقية وطائفية، موّلت حرب أهلية بين الشمال والجنوب، بين كنائس ومساجد، أغتصاب وأختطاف تنفذها أطراف تم تَسليحها بمعدات أشترتها لهم (الأخوات) بأموال نفوطهم، تـَلويث وتَدمير دلتا النهر الجميل من أجل خفض كلف الإنتاج. لقد باع هذا البلد من نفطه على مدى خمسون عاماً ما قيمته 350 مليار دولار ـ تعادل اليوم أضعاف هذا المبلغ ـ كان نصفها يذهب صافي لحساب (الأخوات) والنصف الآخر ثلثه تنفقه هذه الشركات لشراء أسلحة لجميع الأطراف المتناحرة يوزّع عليهم (بالتساوي)، وثلث ثانٍ يذهب كـُلف وبناء بنى إنتاج تحتية، والثالث أي 15% فقط من العائدات يُسلـّم بيد طغمة حاكمة فاسدة لا تخجل أن تعلن وبدون حياء إنما نيجيريا عبارة عن مركبة تسير بوقود نيجيري لكن بفضل قائدها الأوربي!
قامت (الأخوات) بمد طرق وجسور لخدمة عمليات إنتاجها، مُحرم على المواطن البسيط أستخدامها، خربت من أجلها الطبيعة وجُرفت الغابات ولوِّثت الأنهار وأضرّت بالثروة الحيوانية والسمكية وبالتوازن البيئي بشكل ملحوظ وتحت تعتيم شديد.
× × ×
هذا مثال لما تقوم به سياسة الأخوات السبعة المدعومة من الغرب والتي جعلتها سنوياً تتحرك برأس مال يبلغ 1500 مليار دولار، أكبر من مجموع خزينة بلدان يفترض أن تكون غنية كالعراق وإيران والخليج، وأضعاف دَخل أكبر منتج ومصدر للنفط (السعودية)* وما يعادل ضعف مجموع تجارة الأوبك.
هذا الكارتل الرهيب لا يتردد اليوم بقلب كرسي حاكم أو إخلائه وإشغاله بأشخاص (مفصّلة) على القياس الذي يريدوه، وهو الوجه الآخر للسياسة الرأسمالية ومثال للاتجار بمصائر الدول الفقيرة، مثلما تتحكم أمريكا اليوم بأقتصاديات بلدان بأمريكا اللاتينية (نيكاراغوا وهندوراس) المسماة مزرعة الموز الأمريكية.
وبينما يظهر اليوم ظل لهذه الأخوات، سوف يحتدم صراع وتنافس سرّي (غير شريف) لسحق من يقترب من نفوطها، فهل يمكنها مستقبلاً أغتيال التنين الصيني الشره القادم من بعيد أو أحتواء أخواته الوصيفات وهنّ يزاحمن الحصص في الكعكة البترولية (اللذيذة)*؟ فالصين تدخل اليوم بذكاء في أروقة (أوبك) في (فينا) ولها عيون وآذان في كل وزارة بترول وفوق كل حقل عملاق* يـَنتج النفط، وسيكون لديها الإستعداد للذهاب حيث يتواجد آخر برميل نفط في العالم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
× الاخوات السبع: إكسون موبيل، أيوك (حالياً آي بي البريطانية)، إيسو، كولف اويل، شيفرون، تكساكو ورويال داتش شل.
Mobil , AIOC , ESSO , Culf oil , Chevron , Texaco , Shell
× الشركات السبع (الوصيفة) التي تضع لها اليوم موطئ قدم هي (أرامكو السعودية وبتروناس الماليزية وغاز بروم الروسية وبتروبراز البرازيلية والوطنية الصينية والإيرانية الوطنية ونفط فنزويلا). وتخلو القائمة من شركة عراقية ذات نفوذ.
معلومات أضافية قد تهمك...
× يُنتج ثمانون مليون برميل من النفط الخام يومياً (برميل النفط يعادل 220 لتر) تستهلك الولايات المتحدة 25% منه، بينما يشكل سكانها 4% فقط من سكان الأرض.
× حقول العراق وإيران والخليج هي من الحقول السهلة (قريبة من سطح الأرض)، وتكاليف أستخراجها منخفضة وأقل بكثير من أنتاج البحار (خليج المكسيك أو بحر الشمال) وأقل كلفة من نفوط تُنتج وتُنقل من أماكن نائية، سيبيريا وألاسكا.
× الأوبك تنتج ثلث النفط المستهلك يومياً وهو بحدود الثلاثون مليون برميل، أما روسيا وفنزويلا والمكسيك وأنكلترا والنرويج ومصر فهي دول منتجة ومصدرة للنفط من خارج منظمة الأوبك ولا تلتزم بقراراتها.
× تنتج السعودية 10 ملايين برميل يومياً وتصدر منه 8 ملايين، بينما تنتج الولايات المتحدة 8 ملايين وتستورد 12 مليون أي تستهلك عشرون مليون.
× لدى (شل) وحدها (43 ألف) محطة تعبئة وقود حول العالم، وألوف الشاحنات الحوضية وأسطول ناقلات عملاقة مسجلة بعشرات البلدان.
× أكبر حقل بترول في العالم هو حقل (الغوّار) وينتج (خمس ملايين برميل يومياً) أي نصف إنتاج السعودية، وهو بطول 260 كلم وعرض 25 كلم وكان حين اكتُشف بالخمسينات بسعة مائة مليار برميل، ولم يتبقَ منه اليوم سوى 40 %، ويراهن خبراء شركة (أرامكو) السعودية الراعية للبئر على أستمرار إنتاجه بنفس الكفاءة وذلك بضخ ملايين ألتار ماء البحر للمحافظة عليه.
× الحقول العملاقة التي لا تزال نشطة: خريص ـ السعودية، البرقان (ثاني أكبر حقل في العالم) والروضتين ـ الكويت، بوليفار ـ فنزويلا، خوزستان ـ إيران، كاشاغال ـ كازاخستان.
× عراقنا الحبيب... الحقول العملاقة (المكتشفة): الرميلة 17 مليار ومجنون 13 مليار والقرنة 10 مليار والبزركان ـ غير محدد ـ ولم يتبقَ من نفط كركوك سوى 9 مليار لأنه أستنزف بشكل جائر بسبب عدم التخطيط وسوء الإنتاج.
× يَحرق العراق الآن 60 % من الغاز المصاحب الذي يُفترض أنه إما يُكبس كسائل للتصدير أو يُعاد للبئر للمحافظة على عدم تخلخل الضغط بالداخل.
× لنلاحظ عملية حساب غريبة: أسعار المحروقات في أوربا تخضع لمعادلة فريدة، فكلما يزداد سعر النفط عالمياً بنسبة، ترفع هذه الشركات أسعار محروقاتها (ضعف) هذه النسبة، بينما حين ينخفض السعر تقوم هذه الشركات بخفض السعر (بنصف) نسبة النزول. هذه العملية إذ تجري، فإنها تحت مرأى ومسمع ورضا الحكومات الأوربية لأنها تتقاضى نسبة 20% تقريباً من حجم المبيعات، وبالتالي فأية زيادة بالأسعار، مزيد من الدخل لخزائن تلك الدول.

نشرت في قصة
السبت, 21 كانون2/يناير 2017 23:22

رون وآسو وجانو

(رون كيرك) شاب إنكليزي وسيم يعمل مديراً لفرع شركة (ديكسون) للشحن والدعم اللوجستي للشركات البريطانية العاملة بالعراق بالسبعينات، تعرفنا عليه بعد أن أصطادته فتاة عراقية أسمها (آسو) وأوقعتهُ في شباكها خلال تواجدها هي وصديقتها (جانو) بالنادي الإيطالي بساحة الواثق. تعرفنا نحن الأصدقاء الثلاثة (صلاح وسالم وأنا) عليهما في دورة معرض بغداد الدولي عام 1978 حيث تعاقدتا للعمل كمشرفات خلال فترة أفتتاحه لقاء أجر، وبدورهما عرفنّا عليه عند تواجده لتمثيل مجموعة شركات تحت سقف الجناح البريطاني، فكوّنا معاً (كومبني) أصدقاء.
حين كنا نجلس معاً بالنادي الإيطالي أو أحياناً بنادي التعارف بالقصر الأبيض، كان يضع علبة سجائره الفاخرة (الروثمانز أنترناشيونال أو الدنهل) ويقول أن فنجان قهوة وسيجارة تعني له عدة معاني، بداية... أستمرارية... نهاية، ولادة... حياة... ممات. دخلنا عن طريق (رون) مكاتب شركته بالداوودي، وصرنا نتجول ونستخدم أجهزتهم وسياراتهم (إدخال كمركي مؤقت) الحديثة، ورافقناه كظلّه لفنادق بغداد الراقية ومطاعمها... فندق بغداد والقصر العباسي وصدر القناة والمدائن، ومطاعم الخمس نجوم... البرمكي وكولدن بليت (الإناء الذهبي) وفوانيس، وذهبنا بسفرات للملوية بسامراء وزقورة عقرقوف وأثار بابل وسدّة ديالى (الصدور) وبحيرة الثرثار...
(رون) شاب صحي ذو قوام ضخم، نشيط جداً يتمتع ببشرة بيضاء نضرة، كان بإمكانه من أجل إطفاء حر صيفنا، المراهنة بأن يحتسي عشرة أقداح بيرة بجلسة واحدة ليسكر وينطلق ويصبح بخفة الريشة. كان يكتفي بإرتداء (تي شيرت) رغم موقعه الوظيفي ورغم أن سياراتهم مكيفة ومكاتبهم مبردة مركزياً في وقت لم تعرف بغداد بعد التكييف المركزي إلا في البنوك والوزارات. مشكلة (رون) المستديمة حر صيفنا الذي يفوق تحمله، فيتحول لون بشرته أحمر وينقلب عصبي المزاج وخطير.
× × ×
في ليلة هادئة، كنا نحن الأربعة عائدون بعد منتصف الليل من سهرة (عزّابي)، وبينما كان (رون) يقود سيارة الشركة (الفولفو) قرب الجسر المعلق مقابل بدالة الجادرية، وإذا بسائق بيكب يضايقنا فيجبرنا أن نصعد بسيارتنا رصيف الجزرة الوسطية ونصطدم بنخلة صغيرة لتمتص زخم الصدمة وتُقتلع بعد أضرارها بمقدمة السيارة، نزلنا جميعاً وحمدنا الله أن الضرر كان بسيطاً بمقدمة السيارة فقط، لكن ألمنا مشهد اقتلاع النخلة المسكينة. لم نخفِ حزننا عليها، فقلتُ (لرون) أن النخلة عزيزة لدى العراقيين ويظنون أن فيها روح، وشرح (سالم) له كيف ورَدَ تحريم قطعها في شريعة حمورابي، بينما قال (صلاح) أننا كعراقيين نجدها تحمل في قمتها قلباً، مَثلها مَثل البشر،صحنا نحن الثلاث بألم... (لقد قتلناها)! لم يستغرق الأمر إلا دقائق حتى تحول هذا الرجل العملاق إلى طفلٍ صغير، وجلس على حافة الرصيف يبكي عمتنا النخلة (القتيلة).
كان سائق البيكب قد أركن سيارته وراقبنا ليقفل عائداً يتباكى على مصباح سيارته المهشم، وكان يدعي ذلك لأجل تعويضه، فتجمع بعض الفضوليين ليقسم أمامهم بأنه ضحية وأن مصباحه قد تهشم، لكن المتجمهرين سخروا منه وقالوا بأن المصباح مهشم منذ فترة، أما نحن فقد أجبناه بأن الذنب ذنبه وأنه قد دخل بسيارته أمامنا بشكل خاطئ. وهنا لاحظ أن (رون) سكران ويجلس على حافة الرصيف باكياً، مسك بهذا الأمر لحين ما وصلت سيارة شرطة، عندها أستقوى وشكى لهم السائق الأجنبي وقال بأنه سكران و(يبكي) بسبب فعلته. ذهبنا لمركز الشرطة لنجد المفوض الخفر وقد أنحاز لجانب القروي حتى قبل أن يسمعنا، فأجبروا (رون) على دفع غرامة مباشرة (بدون حق) بعد أن أستغلوا عدم مبالاته. ومع أن الأمر قد فضّ بتضرر السيارة ووفاة نخلة وعملية أبتزاز دنيئة، لكنهم لم يدعونه يغادر حتى وقعتُ لهم على كفالة بضمان سكني فيما لو يستدعوه مستقبلاً.
× × ×
آخر فترة عمل (رون)، طلب أن نذهب معه لخطبة (آسو) في شقة أهلها بعمارة بالبتاويين، وحكى لنا ما لم نفهمه، قال بأنه قد وجد فيها ما لم يجده بغيرها! كانت (آسو) قد حصلت بمساعدته على تأشيرة من السفارة البريطانية ورتبتْ مع أهلها ومع الكنيسة زواجها منه، إلا أن أبوها فاجأهم بضرورة تتبع بعض (الشكليات) أمام الجيران، وأشترط أن يأتي (رون) علناً لخطبتها كي لا يتهمون أبنته بأنها قد فرّت مع أجنبي! أجبرْنا (رون) أن يتبع طقوس تليق بالمناسبة وعلى لبس بدلة (ثري بيسز) وربطة عنق بعز الصيف وذهبنا معاً لشراء حلقة وخاتم (سولتير) وبعض ملابس الزفاف من شارع النهر وأن نأخذ (بوكيه) ورد طبيعي من (ريحانة) بالمنصور. كان (رون) سعيد جداً (بأتيكيت) وسالميات (سالم) غير مبالي بالصرفيات...
ومع أن الموقف كان محرج للغاية وكل شيء تمثيل أمام الجيران، لكن أول صدمة صادفناها أن العمارة كانت قذرة وبدون مصعد، فصعدنا سلالم الطوابق الثلاث المليئة بناس يدفعهم فضول مشاهدة هذا العريس الغريب، ومما ضاعف محنة الرجل أننا جلسنا ليلسعنا هواء المروحة بتموز. المشكلة أن (رون) يرتدي بدلة ورباط ضّبطه (سالم) بالمليم! ما أن جلسنا وسط (الهوسة) وتحت إيقاع الهلاهل والدبكات، حتى ذاب الرجل من شدة الحر وصار لونه أحمر، ثم تمدد ببدلته الجديدة على الأرض وصار يتنفس من فمه سريعاً أشبه بفاقد الوعي، أضطررنا لطرد المعازيم وحرصنا بسرعة على تهوية المكان وخلعنا عنه البدلة وغسلنا وجهه ولولا كرم الجيران ببعض (المهافيف) لراح هذا (الغول) من أيدينا!
بعد أيام عسل جاءا لتوديعنا وصمما أن نصطحبهما للمطار، أخبرَنا حينها أن بأستطاعته تدبير سفرنا للندن بأن يرسل لنا عقد عمل بشركته لو رغبنا، فضحكنا وهززنا أيدينا ليستمع نفس الجواب... (أي مجنون يفكر أن يترك دراسته وأهله وبلده... ويهاجر).
... مر نصف عام على سفرهم وجاءنا كارت ملون منهم وصورة لابنهم (بول)، باركـْنا لهم من القلب، فمولده السريع هذا قد فسّر لنا ما كان قد وجدهُ فيها، وأدركنا بأن (العالم) قد دخل فعلاً... عصر السرعة!
× × ×
في يوم جاء شرطي للبيت يسأل عني، (يا ستار يا الله، خيراً؟) سألتُ، بعد ساعة كنتُ بمركز الشرطة ليبلغوني بأن (أمانة العاصمة) قد رفعت دعوة وكسبتها ضد سائق (الفولفو) لأنه قد تسبب بقلع نخلة بتلك الليلة، وقرر القاضي تغريم (رون) بأن يدفع للأمانة مبلغين، الأول لقاء قلع الشجرة والثانية عن كلفة زراعة فسيلة جديدة. دفعت ا(عشرة دنانير) مُرغم وأمري لله، وعدت ندمان ليس على الدنانير العشرة بل على (الدموع) التي (ذرفناها) على النخلة (المرحومة)!
... كنتُ وعلى مدى ثلاث عقود لحين ما هاجرت من البلد وكلما أمر بمكان الحادث تأتي ببالي أغنية... (كل ما أمر على الدرب، عيني على الباب)*، لكن بدل عيني على الباب، تذهب عيني على مكان النخلة وأتساءل متى تفي الأمانة بوعدها وتزرع نخلة بديلة؟ لو أوفت من وقتها بالوعد وزرعتها لأثمرت اليوم، لكنها لم تفِ بوعدها، وبالتالي فهي لا تستحق دنانيري الخمسة، وعليه فأنني أطالبهم بالإسراع بشتلها وكلي أمل بأن لا يخذلوني، وإلا سأجد نفسي مضطراً لمقاضاتهم، وغداً لناظرهِ لقريبُ*!
عماد حياوي المبارك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
× غداً... ظرف زمان يعني باكر، ومجازاً فهو ظرفاً يعني فترة غير محددة من المستقبل وبحسب الجملة، بعد شهر أو سنة... وهكذا، فنقول غداً يأتي الربيع أي بعد أشهر، وغداً تصبح عجوزاً أي بعد سنين، وغداً يستقر العراق... أي بعد عشرات السنين أو ربما أكثر!
× كلما أمر على الدرب
كلمات هلال عاصم، ألحان جميل سليم، غناء المطربة الخالدة مائدة نزهت
كلما أمر على االدرب عيني على الباب
أنتظر نسمه تهب من عطر الاحباب
لما يمر الولف وتسهل الشوفة
عيني تغيب وترد ماتقدر تشوفه
والنار وسط القلب تسري لهب لو غاب

يا اللي تقول أبتعد ما أنصفت والله
شلون روض الورد والمغرم يلمه
روحي تروح وترد يم دار الاحباب
أنظر شعاع القمر لو نوّر بحبهم
وأسأل نسيم السحر لو هب عذب يمهم
واتمنى روحي تهب ويه النسيم الهاب
كل ما أمر عالدرب عيني عيني على الباب

نشرت في قصة
الجمعة, 20 كانون2/يناير 2017 20:29

تالي الليل تسمع حِسّ العِياط

لا يُفرِح الراعي ويُثلِج صدره مثلما يسمع ثغاء حمل جديد أطلقته عاريا للتو أمُّهُ التي ضاقت به ذرعا؛ بل هو الذي نفذ الصبر منه فغادر السجن الذي رغما عنه قد قُيد به، ولا يُحزِنه إلا أن يغزو قطيعه الذي بات جزءا عزيزا ممن بهم تكفل من العيال؛ ذئبٌ تعوَّد أن يفوز برأس من الأغنام كل ليلة، على غفلة منه، أو تحديا لشجاعته، وهو قد لا يشغله كثيرا أن يواظب ابنه الصغير أو البنات على الدرس بقدر ما يشغله توفر المراعى لما بحوزته من باقي المخلوقات، وليس بمستعجل أن تتزوج كبرى البنات تحاشيا لسن العنوسة مادامت هي التي أخفت حنَّاءها تحت الوسادة لتقضي رحلة كل يوم من هزيع ليله الأخير حتى آخر أنفاس النهار راعية للأغنام، والأحلام لم يعد لها متسع من الوقت، فالسعادة ما هي إلا شعور نسبي، وهي عند ( شرهان ) حضيرة أغنام يزداد تعدادها عند أول خيط من خيوط الربيع، وامرأة تشاطره الفرشة وهي الولاَّدة التي له أنجبت فصيلا من الرعيان الصغار، ومضيف عامر بما نال من حكمة وتدبير عقل، حتى غدا مقصدا لمن التبست عليهم الشائكات.
للقرية أعرافها، ولها قوانين تخصها وثَّقتها علاقات دم واحد، أو مصاهرة، وأحيانا أحلاف لمن ابتعد قسرا عن قبيلته، ومنهم من حطَّ الرحال بحكم مهنة منها يعتاش وفيها نفع للناس؛ والكل تجمعهم محبة وإخاء وحسن جوار، ناديهم ليلا بعد عناء نهار طويل مضيف شرهان ما بين حديث ديني وموعظة، أو ما يحمله من أخبار المدينة اولئك الذين منها عادوا بعد أن قايضوا هناك ما كانوا معهم يحملون، لا تتعدى زواجا لواحد منهم، أو عزاء لمن غادر إذ لم يسعفه مضمد واحد في المستوصف لا يملك إلا الماء المُقطَّر ولفافة من القطن، وأبو زيد الهلالي والزناتي خليفة كل ليلة يرويها لهم شرهان ولا يقاطعه سوى دوي كلاب القرية التي تنبأت بأن الذئب قد نال نصيبه من قطعان المساكين، والمساكين لا يشغلهم غير الذئاب، والذئاب لا تستتر إلا بالظلام، واقتحام الظلام لقتل ذئب شرس بحاجة إلى شجاع قوي القلب، حسن التدبير، يجيد الحيلة للنيل من محتال سلاحه المخالب والأنياب؛ وليس من مُرشَّح لهذا الدور إلا شرهان الذي تبرع طوعا للقيام به، سلاحه عصا طويلة من نبات برِّي، وخنجر طويل، ومسحاة، وما غير النجوم دليله وقد أدرك البدرَ السِرارُ، والظلام خير ساتر له مختفيا بين القطيع.
البرد قارس أواخر تشرين، منتصف الليل، وسط الصحراء، مُمدَّدٌ شرهان على بطنه وسط الذين يحبهم كل الحب، ومن أجلهم يجازف الليلة كي يقاتل ذئبا عاث فسادا بهم وما جاورهم من قطعان، يرهف السمع بانتظار فريسته، يهيء نفسه للضربة الأولى، أبالخنجر، أم بالعصا، أم بالمسحاة؟ ولعل الأخيرة خير ما يُبتدأ به في القتال، تمنحه مناورة بها يتمكن من خصمه دون تضحيات.
السرحان قادم، أجفلت الأغنام وفي كل اتجاه فزعت لولا أن قيدتها داخل الحضيرة الأسلاك، وفي هروبها احتمال للخسارة إذ يتفرد بواحد منها لقمة سائغة بلا عناء، وينجو من الكمين المُدبَّر له، هاهو وجها لوجه، بدمه ولحمه السرحان المطلوب حيا أو ميتا، والقرية كاملة بانتظار أن تزف لها البشرى عند الصباح، فتعلو زغاريد النسوة، أو يرقص بعض من الرجال، وكم جميل هو الرقص للسلام! وما أجمل عيشا وأهنأ ليلا للعشَّاق بلا ذئاب، سيدخل اسم شرهان التأريخ وقد تتناقل فعلته إذ قتل الذئبَ الأجيالُ، توسَّط القطيع لينتقي منه السمين، الظلام دامس، تطاير الغبار من كل صوب، على طوله استقام شرهان، بكل ما حشَّد من قوة مُسدِّدا الضربة القاتلة في الرأس، وخير ما يُختار لضرب العدوالرأس، والرأس هو المُدبِّر الذي إن ضاع ضاعت معه كل التدابير، سقط الحيوان مُضرَّجا بدمه، بلا حراك سوى النفث.
زغاريدهن جاهزة بانتظار ساعة الصفر، أطلقنها احتفاء بالفارس العائد المُكلَّل بالنصر، شرهان، قاهر الذئب الذي فجع الرعاة أكثر من مرة، وعلى ما به يفرحون يعتاش، مهوال القرية قد هيَّأ ما سوف تدور عليه خلفيات الرجال وهم بأقدام مُشقَّقة حافية يرفسون الأرض فتمتلئ غدرانها بالصعيد، وتُنشر الرايات ذات الأجراس يهزها عملاق يطاول السماء، وكما يعدو الطاعون يسري خبر مثل هذا فيما جاور من قرى وقصبات، والناس ملهوفة لا تطيق الانتظار حتى الصباح، حملوا المشاعل كالزرافات قاصدين ساحة القتال، مُبشِّرين بنصر مبين، وكلٌّ يسابق جاره كي يحظى بالنظرة الأولى لذلك الوحش الذي سرق النوم من جفونهم، وفجعهم بأعز ما يملكون.
وصل الموكب مجتمعا، والرايات خفَّاقة تلوح، زغاريد النساء تسابق الريح، والمهوال يُنشد طول الطريق بما جادت به قريحته لمثل هذا اليوم، والمهاويل حيثما مالت الرياح يميلون، شقُّوا القطيع نصفين، الحيوان مُمدَّدٌ والدم الساخن ينضح من وجنتيه، لكن ...هناك في بطنها جنين يرفس حيَّاً يُصارع الموت، أمُّ الأشعث كانت من أحبِّ النعاج إلى قلبه، شرهان.

نشرت في قصة

استيقظتُ هذا الصباح في الساعةِ الرابعة صباحاً، ولم يزل القمرُ يتوسطُ سماءً صافية، أنهُ الفَجرُ يناغي السَّحَر، النجوم تتلألأ وأضواءٌ متوهجةٌ في الشوارع الفرعيّة المحيطة بشقتنا، وكذلك يومضُ بريقٌ للأضويةِ ونشراتِ عيدِ الميلاد في البنايات المقابلة لنا، الهدوء والسكينة تلف الأماكنَ المحيطةَ بالعمارة التي نسكنها، درجة الحرارة كما يشيرُ المقياسُ المثبّتُ في شرفة الشقة المزججة التي نعيشُ فيها إلى درجةٍ مئويةٍ واحدة!
ألمٌ خفيفٌ في رقبتي وكتفي الأيسر وصداعٌ ينبضُ بوجعٍ في جبهةِ الرأس، تناولتُ قرصاً من الحبوب المُسكنة للآلام (الفيدون) واحد غرام. فتحت التلفاز وطفت ابحثُ في القنوات الفضائية العربية،عثرت على برنامج ( بورتيريه ) تبثه قناة (روتانا / زمان) وهي تعرض حلقة عن الفنانة (زبيدة ثروت ) صاحبة أجمل عينين في السينما المصرية، لا أعرف هل هي مصادفةٌ أن يتزامن عرض الحلقة مع وفاتِها يومَ أمس عن عمراً يناهز(76) عاماً، شاهدتُ جزءً من الحلقة.

أغلقت جهاز التلفاز وقررتُ الذهاب الى غرفة المكتبة لتكملة الرواية التي تركتها منتصفَ ليلة أمس وشدتني القراءة إليها وحلمتُ أكثر من حلمٍ في أجوائها و شخوصها، أنها رواية ( مُذكراتي في سِجْن النِّسَاء) للكاتبة المصرية المناضلة الدكتورة (نوال السعداوي)، وكنت قد بدأت القراءة فيها منذ الساعة التاسعة من مساء يوم أمس، حتى منتصف الليل، كنت قد تركت الرواية في الصفحة (80) الرواية تتكون من (303) صفحة من القطع المتوسط. غسلت وجهي وفرشت أسناني، وحلقت ذقني، وعدت ألتهم صفحات الرواية وأغور في عنابر سجن النساء في القناطر( المصريّة).
في الساعة (السابعة) صباحاً استيقظت زوجتي، وبدأت تعد مائدة الفطور فلديها دوام (عمل)هذا اليوم، حييتها بتحية الصباح، فدعتني لمشاركتها مائدة الفطور التي بدأت بترتيبها على مائدة الطعام (الجبن الأبيض الطري والزبد والعسل والخبر المحمص والشاي) شكرتها، وأخبرتها أن لديَّ هذا الصباح موعد في مختبر العيادة الطبية في منطقة (ياكرسرو) من الساعة (8-10) صباحاً لإجراء تحليل(الدم)، ويتوجب عليَّ عدم تناول الفطور، حسب تعليمات الطبيب.

قررت الذهاب مبكراً لمختبر العيادة الطبية، ذهبتُ الى جهاز الكومبيوتر، حيث كان الإنترنيت جاهزاً للبوح بما كمن فيه من أخبار ، ودخلت صفحة الفيس بوك ، صادفتني أول صفحة مقالة لصديقي الشاعر والأديب المقتدر( صباح الجاسم )استوقفني عنوان مقالته (سنوات من الآن – الشاعر شِل سلفرستاين) فقررت أن أقرأها قبل الذهاب للموعد ، كانت المقالة رائعة كالعادة ؛ ففيها المفيد والجديد ، تتحدث المقالة عن أديبٍ ورسامٍ وشاعرٍ وكاتبٍ مسرحي ومؤلفِ أغاني ومغني شعبي وداعيةِ للسلام (أمريكي الجنسية) متعدد المواهب والإبداعات؛وفي المقالة كذلك نصوصٌ من قصائده المختارة بعناية من مجاميعه الشعرية مترجمة للعربية بقلم المبدع الأديب (صباح الجاسم)؛ قرأتها واستمتعت بها ودونت على عجلة كلماتٍ مقتضبات كتعليق على صفحته (رائع كما الصباح، يا صاحبي).

وأسرعت أبدلُ ملابسي وأتهيأ لمقابلة الطقس البارد خارج الشقة المُدفئة، وزدت تحصيني ضدِّ البرد بالقفازات وغطاء الرأس، ولفاف الرقبة ،ووضعت الموبايل، والنظارات الطبية في جيبي؛ وباشرت السير، العيادة الطبية تبعد بحدود (15إلى 20 ) دقيقة سيراً على الأقدام، سرتُ عدةَ خطواتِ لفحت وجهي لمساتٌ خفيفةٌ من هواءٍ باردٍ منعش، الرؤية جيدة هذا الصباح، لا أثرَ للضباب،على مسافة عدة خطوات تقع مدرسةٌ ابتدائية مختلطة طبعاً ، أعدادٌ من الاطفال تحملُ حقائبَها على ظهرها وتسير باتجاه المدرسة، بعضُ أهالي الاطفال يُوصلون أطفالهم الصغار الى باب المدرسة أو فنائها ، قررت أن أسلك طريقاً مختصراً يقع بين العمارات، الممتدة من بيتنا حتى العيادة الطبية، طوال الطريق المعبد والمُعلّم بإشارات مرورية مرسومة على الارض أو لوحات مرورية إرشادية - شواخص- ترشدك للطريق المخصص للمشاة والطريق المخصص للدراجات الهوائية ، وعلامات واضحة تمنع سير كافة انواع المركبات، تحيط بهذه الطرق وعلى جهتيها الاشجارُ الباسقة والشجيرات المتنوعة الأحجام المختلفة الأصناف والألوان ، ودروبٌ متعرجة بين الأشجار والمروج، وساحات هندسية رائعة المنظر من المروج الخضراء، والتي تحتوي العديد من المساطب الخشبية المخصصة للجلوس،وعشرات من الاراجيح وملاعب للاطفال،والتماثيل والنصب؛ تسير بجانبي أو تقابلني دراجات هوائية تعتلوها مختلفُ الاجناس والأعمار، اجتزتُ امرأةً تبدو سبعينيّة وهي تتمشى و كلبُها الابيض يسير أمامها، ابتسمتُ لها وقلت لها باللغة السويدية: -
ـ أن كلبكَ جميلٌ ، ابتسمت وشكرتني
- قلت لها : هل هو ذكر أو أنثى؟
- قالت ذكر ( روكي)
- سألتها: كم عمره؟
- أجابت وابتسامة خفيفة في طرف فمها : ثلاثة سنوات، وأكملتُ مسيري .

أصواتُ بعض الطيور تزقزق وتضرب بأجنحتها؛ ركزّت انتباهي لعلي اسمع -ولو من بعيد - صوت منبه للسيارات، طوال الطريق لم تلتقط أذناي أي صوت لمزامير السيارات والتي يتفنن سائقو المركبات في بعض البلدان بتقسيم موسيقاها ونغماتها، وكذلك لم تلتقط عينايّ أيَّ أكداسٍ للأزبال او للأوحال رغم أن ليلة أمس كانت السماء قد هطلت امطاراً غزيرة، لم ألحظ ايَّ قطرةِ ماءٍ راكدة في الشوارع والحدائق!
في الساعة الثامنة وعشر دقائق كنت قد دخلت البناية التي تقع فيها العيادة الطبية أخذت المصعد للطابق الثاني، فتحت باب العيادة وادلفت في جوف العيادة ، قرب الباب مكانٌ مخصصٌ لتعليق الملابس، خلعت (القمصلة) الشتوية والقفازات وغطاء الرأس ولفاف الرقبة ووضعتها في المكان المخصص للملابس، وذهبت الى موظفةِ الاستعلامات، وصبحتُ عليها وأخبرتها أن لديَّ موعداً لفحص الدم في المختبر طلبت مني رقمي الشخصي؛ فيما أنا اُسمعها الرقم على مهلٍ هي تضربُ الرقم بالكومبوتر الذي امامها ،مرت لحظاتٌ ؛فجاءني صوتُ الموظفة وهو يتهجّى بصوتٍ أسمعه ، أسمي واللقب، فأجبتها بالإيجاب، ناولتني رقم خاص للفحص، ودعتني للأنتظار.

رحتُ أنظر في صالة الانتظار معظم الكراسي في الصالة فارغة، اخترت أحد الأماكن جنبَ إمرأةٍ مسنة ، منهمكةً تطالعُ في احدى المجلات ،واستليت من المنضدة التي امامي احدى المجلات السويدية، وبدأت أقلب في صفحاتها، بحدود (10) دقائق نُوديَّ على رقمي ذهبت للمختبر، استقبلتني موظفة المختبر بابتسامة ودودة، حييتها بتحية الصباح، أشارت إليَّ بأن أستريح على الكرسي المخصص لأخذ عينة الدم، فيما ذهبتْ هي الى (الكومبيوتر)و طلبت أسمي والرقم الشخصي للتأكد من هويتي، وبعدها سألتني متى تم تحويلك من قبل الطبيب اجبتها قبل اسبوع.

بعد أن قرأت ما مطلوب فحصه من عينة الدم، أعدت ثلاثة قنانٍ - تيوب- صغيرة، بألوان سدادات مختلفة ومثبت عليها شريط من المعلومات، بعد تعقيم المكان الذي حددته وبغرسةٍ واحدةٍ في وريد مرفقي خرجت متدفقةٌ كمياتِ الدم المطلوبة، سحبت (النيدل)الإبرة برفق ووضعت قطعة من الشاش،على المكان الذي سحبت منه عينة الدم، وثبتتها بلاصق شفاف، شكرتها لخفة يدها، أعدت الكرة بارتداء ملابسي وغادرت العيادة.

عدت للبيت، ابدلت ملابسي، وأعددت لنفسي الفطور، طبق من البيض المقلي،مع السلطة ونصف رغيف من الخبز العراقي المحمص، ومن ثم أعددت قدح من (شاي أحمد بالهيل) !
وأنا ارتشف الرشفة الاولى من قدح الشاي كانت الشمس قد نورت فلقد بزغت تواً وراحت تخترق اشعتها الذهبية شبابيكَ الشقة .أزحت الستائر المعدنية ،التي تحجب الشمس، ورحت اروي وأتفقد نباتات الظل في أصصها الموزعة في شبابيك المطبخ والصالة ، وجلست كاستراحة قصيرة امام جهاز التلفاز، وبدأت ابحث عن نشرات الأخبار فيما امسكت يداي الكومبيوتر المحمول (لابتوب) وراحت تتابع اخبار الانترنيت ايضاً.
تابعت في الانترنيت أخبار الطقس لهذا اليوم ، الطقس مشمس، ووقت شروق الشمس الساعة الثامنة والنص فيما غروبها الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر!

ورحت اتابع الاخبار في التلفاز:
ــ تحذيرات جديدة من انهيار سد الموصل، وان انهياره يوازي قوة دمار انفجار ودمار قنبلة نووية، أطلقت هذه التحذيرات على لسان مهندسي شركة (تريفي) وهي الشركة الايطالية التي تعمل منذ (11) شهراً لصيانة السد.
ــ وكالة رويتر: مؤسسة ابحاث تؤكد أن تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) ينتج أسلحة متطورة، تضاهي مستوى تسليح الجيوش الوطنية، بعد زيارة مصانعه في الاراضي المحررة في الموصل.

ـ البنتاغون: يؤكد ان القوات العراقية حررت 20 % من اراضي مركز الموصل

ـ الناطق الرسمي للحكومة العراقية يؤكد أن القوات العراقية حررت (40) مدينة من الجانب الأيسر لمركز مدينة الموصل

ـ تفاقم أوضاع النازحين والفارين من الموت في الموصل والحويجة.

ـ تركيا/ الرئيس التركي (أردوغان) يعلن التعبئة العامة ضد التنظيمات الارهابية!

ـ المفوضية العليا للانتخابات العراقية تعلن اليوم عن تسجل (212) حزباً سياسياً قديماً وجديدا لديها لخوض الانتخابات المحلية أواخر العام المقبل

ـ الجيش السوري( الحكومي) يسيطر على معظم مدينة (حلب السورية)، وأخبار عن أتفاق وشيك لإخراج المدنين والمسلحين من الجانب الشرقي لمدينة (حلب.

فنلندا: بدأت يوم امس (13 كانون الاول 2016) محاكمة توأمٍ عراقيين بتهمة المشاركة في مجزرة( سبايكر) والتي راح فيها مئات المجندين الشباب في الجيش العراقي وغالبيتهم من الشيعة،والتي ارتكبها تنظيم داعش في العراق عام 2014
وبدأت أقرأ الاخبار في الانترنيت :
رئيس وزراء السويد( ستيفان لوفين) في لقاء في مدينة (أوربرو) في 13-12-2016 تحدث: تعتقد الحكومة بزيادة الحصول على فرص العمل في السنوات القادمة ، ويتوقع انخفاض نسبة البطالة في السويد في السنوات القادمة الى نسبة 6%
راديو السويد باللغة العربية:13-12-2016 علقت وزيرة الخارجية السويدية ( مارغوت فالستورم) على تعيين الرئيس الاميركي القادم( دونالد ترامب) ل( ركس تيلرسن وزيرا للخارجية) الأميركية أنه شخص يفتقد للخبرة السياسية.

راديو السويد باللغة العربية:صرح رئيس الوزراء السويدي (ستيفان لوفين ) لراديو (السويد) في أول تعقيب له على نتائج الانتخابات الأميركية، أن السويد تحرص على استمرار العلاقات الجيدة مع الولايات المتحدة الأميركية بغض النظر عن اسم الرئيس والحزب الذي يمثله، مضيفاً بأن الحكومة السويدية قد أعدت نفسها لكل السيناريوهات، وإن النتائج لا تصدمه لأنه كان يتوقع أن جميع النتائج ستكون متوقعة.
أشتد بيَّ التعب والنعاس فقررتُ أن أنام، وعند دخولي غرفة النوم كانت تأتني اصوات أناشيد اطفال من (رياض الأطفال)والتي تشغل الطابق الأرضي الذي يقع تحت الشقة التي أسكنها مباشرة، وهي تردد اناشيد احتفالات (لوسيا) وتسمى (حاملة النور) وهي احدى التقاليد المهمة والرئيسة التي يُحتفل فيها في مملكة السويد، يُحتفل بـمناسبة ( لوسيا) يوم (13 كانون الأول / ديسمبر) من كل عام ن وهذا اليوم يعتبر اكثر يوم مظلم في السنة، حسب التقويم القديم الذي كان ساري سابقاً في السويد ، وفيما كنت اسمع صوت الاطفال، وهي تردد اغاني( لوسيا)؛ رحتُ في نوم عميق .

استيقظت في الساعة الثانية عشر والنصف على صوت الهاتف النقال يرن، كانت زوجتي تتصل بي من مكان عملها وخلال الوقت المخصص لاستراحتها في العمل أخبرتها بذهابي للمختبر وعودتي واستيقاظي من النوم الآن، أوصتني بشراء بعض الاشياء للبيت في حالة ذهابي ووعدتها بذلك.

أستلقيت مسترخياً على مقعد وثير في الصالة قرب الشباك كي اخذ قسطاً من اشعة الشمس، وفيما انا في غاية الاسترخاء وإذا الهاتف المحمول يرن الساعة الواحدة والربع بعد الظهر، نظرت في شاشة الهاتف النقال المتحدث رقم أبنتي(ريام) من (ستوكهولم ) فتحت الهاتف: جاءني صوتُها العذب وهي في غاية السعادة:

- ( ابشّرك بابا حصلت الآن على نتيجة الدراسة من الجامعة، ناجحة وحصلت على شهادة الماجستير).

كدتُ أطير من الفرح معها، بعثت لها قبلاتي الحارة وتمنياتي بالمستقبل السعيد والنجاح الدائم.

ذهبت للحمام، وغسلت وجهي وفرشت أسناني وبدأت أغير ملابسي استعدادا للخروج وأنا بغاية السعادة.

بعثت فوراً رسالة نصيّة الى زوجتي أخبرها ان (ريام) قد اتصلت بيَّ للتو وأخبرتني بنجاحها وحصولها على شهادة التخرج الماجستير في الطب الرياضي.

فتحت الكوميوتر، وتصفحت( الفيس بوك) فوجدت ابنتي (ريام) قد نشرت على صفحتها صورة حديثة لها وهي تكاد ان تطير من الفرح وهي تحمل بيدها شهادة التخرج وخلفها في الصورة لوحة كتب عليها (معهد كارولنيسكا) وشعار الجامعة، وقد كتبتْ - سطرت- باللغة ( الإنكليزية والعربية) مشاعرها وهي تنشر خبر حصولها على شهادة (الماجستير) في (الطب الرياضي)، فشاركتها فرحتها ومدونتها على صفحتي وكتبت لها :

(مباركٌ للفنانة القديرة (ريام ) وهي تتقدم للأمام في سلم الرقي والنجاح ، وتحقيق الأحلام .
بفرح غامر تلقينا اليوم خبر حصول عزيزتنا الغالية الفنانة ريام الأميري، شهادة الماجستير في الطب الرياضي من جامعة كارولينسكا الطبية في ستوكهولم / السويد، أن شاء الله تحصلين على الدكتوراه!
أبنتنا الغالية ريام : السنة القادمة أن شاء الله تزفين لنا خبر حصولك على ماجستير أكاديمية الفنون الجميلة .... )
محبتنا وقبلاتنا مع باقات من الورود العطرة

( بابا وماما)

مالمو في 14-12-2016

ملاحظة: ريام حاصلة كذلك على شهادة (بكالوريوس) أخرى من أكاديمية الفنون الجميلة من جامعة كالمر / السويد عام 2014، ومستمرة تدرس في المراسلة على الماجستير في نفس الاختصاص.

في باب الشقة وأنا أهم بالمغادرة تذكرت أن عليَّ أن اخذ معي كتاب ( اعترافات القادة العرب) أسرار وحقائق مثيرة ؛ تأليف (عادل الجوجري). كنت قد استعرته قبل فترة من المكتبة العامة في مالمو؛ وانتهيت من مطالعته قبل عدة أيام، الكتاب فيه معلومات صادمة عن القادة (الرؤساء) العرب. صورتُ قسماً من صفحات الكتاب وحفظتها في ملف خاص في جهازالكومبيوتر الذي بحوزتي!
مثال ذلك انقل أدناه نص مما ورد في كتاب( اعترافات القادة العرب) ص (42):

((الكتاب الأخضر في اللغة الكردية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قصة تاريخ علاقة جلال الطالباني بالعقيد القذافي تمثل نوعاً من الازدواجية والتناقض - بل النفاق - فبالنسبة لجلال الطالباني في الثمانينيات وفي محاولة منه لاستدراج القذافي قام الطلباني بترجمة ((الكتاب الأخضر)) إلى اللغة الكردية، وتم طباعة مليون نسخة وجرى اهداء طالباني للقذافي لنسخة من الكتاب في احتفال كبير في دمشق، وحصل وقتها الأكراد على اتفاق بأسلحة وأموال سرية، والكتاب كما هو معلوم ، يمثل خلاصة مشاعر العقيد وتجربته الشخصية في الدولة وآراءه، وتصوراته إزاء ليبيا والتطلع لأهداف محلية واخرى تتعلق بما يسميه القذافي بالفضاء الافريقي
وفي إحدى زياراته لليبيا، قدَّم جلال الطالباني النسخة الكردية للكتاب الأخضر للعقيد القذافي وقال له بالحرف الواحد : ((سيدي القائد ... لم امنع نفسي ولم أمتنع عن إقرار حقيقة شغف الشعب الكردي بالكتاب الأخضر، ونظريات العقيد في التطوير والتنمية والدفاع عن الأقليات القومية والدينية في العالم العربي، وصناعة الدولة الوطنية الحديثة، لهذا قمت بواجب ترجمة الكتاب الأخضر شخصياً من اللغة العربية إلى اللغة الكردية، وها هو الشعب الكردي من أول جبل إلى آخر قمة جبل في شمال العراق يتوجه إليك بالتحية والإكبار والاحترام والتبجيل والتقدير العالي ويهدي إليك هذه النسخة الكردية الخضراء، ويتوجه إليك بأن تترك بصمة أبوية على هذا الشعب من خلال دعم وإسناد الحركة الكردية .)) فما كان من العقيد القذافي إلا أن قدم مبلغ خمسة مليون دولار للرفيق جلال الطالباني على تلك الخدمة ومنذ ذلك التاريخ نشأت علاقة قوية بين الطالباني ومعمر القذافي!.))

أنتهى نص الأقتباس كما ورد في الكتاب ولا أعرف لغاية اليوم مدى صحة ذلك.

أخذت الكتاب بيميني وسرت الى ( سنتر روزنكورد) في الطريق وعلى بعد عدة امتار من البناية التي تقع فيها الشقة التي اسكنها كنت انظر إلى صف الملاعب العديدة المتجاورة المخصصة لكرة القدم والمسيجة بسياج من( البي ار سي ) فيما تغطى ارضية كل هذه الملاعب بساط أخضر، أنها مروج طبيعة من الثيل الزاهي المنظر الممتد لمسافات شاسعة؛ سرت بمحاذاتها في طريق مخصص ( للسابلة ) مرصوفة بـ (الشتايكر)، وبجواره شارع معبد بـ ( الا سفلت)، مخصص للدراجات الهوائية، على أحدى جوانب سياج الملاعب القريب من شقتنا صفٌ من أشجار(الزعرور) والتي نفضت كلَّ أوراقِها؛ اقطف من ثمارها احياناً في فصل الصيف، وفي مقدمة السياج صفٌ طويل من اشجار باسقة يزيد ارتفاعها على العشرين متراً نفضت اوراقها هي الاخرى وبقيت اغصانُها تحتضن بودٍ وحنان اعشاش الطيور. في الطريق كانت بعض المجاميع من طيور( النورس) او (الغربان) منهمكة بفطورها وهي تلتقط طعامها من المروج الخضراء أومن بين الاوراق والأغصان الصغيرة المتجمعة بالقرب من الاشجار والشجيرات.

أمامي وعلى مرمى حجر عشرات العمارات بنيت
بأَبْهى الصور
وقفت سارحاً ... مشدوهاً
وأنا
أُطيل النظر
عشبٌ أخضر
على مد البصر
أعشاش طيور
بُنيت
بين افانين الشجر
في عزِّ الظهيرة
شوارع
خالية من البشر
أفيق من حلمي
مقارناً بين ما جمعت عينايّ
هذا اليوم
من جميل الصور
وخزين ما حملته معي
من بلدي
من رعب الصور
وراحت بي
الدنيا مسرعة
تدور

وصلت الى ( مركز مدينة روزنكورد) الذي يحتوي على مجمع تجاري خدمي كبير، البناية أُنشئت حديثاً، المكانُ يعجُّ بالناس المتبضعين والمتسكعين ففيه العديد من المتاجر والأسواق التجارية ففيه (ثلاثة أسواق كبيرة سوبر ماركت متنوعة البضائع، ومحلات للصيرفة - تبديل العملة- واخرى للعطور والهدايا و صيدلية ومحل لبيع الزهور ومكتب للبريد وبطاقات اليانصيب ومحل للمصوغات الذهبية والفضية وعدة محلات للحلاقة وتصفيف الشعر للرجال والنساء ومحل لبيع لعب الاطفال وأخر للوازم وعربات الأطفال وعدة محلات لبيع الملابس، وكذلك للمواد المنزلية والسجاد، ومحلات لبيع الموبايلات واجهزة الكومبيوتروالستلايت، وثلاثة كافتريات تتوزع في السوق، ومدخل رئيسي لبوابة أكثر من مدرسة سويدية لتعليم (الكبار) اغلب الدارسين فيها من المهاجرين القادمين للسويد، وكذلك بناية المكتبة العامة في (روزنكورد) وغيرها من المحلات المتنوعة .

في وسط السوق يوجد مطعم وكافتريا (كيلاس) اعتدت الجلوس فيها، والتقي فيها أصدقائي ومعارفي، وجدت صديقي (كريم الاسدي) يجلس لوحده على طاولة في( الكافتريا) المكان جميل وحيوي فهو يقع وسط المجمع الكبير( لسنتر روزنكورد) يحتوي المطعم على مختلف انواع الاطعمة العراقية و الشرقية، وفيه ايضاً بوفيه مفتوح للطعام، وكذلك انواع متعددة من الحلويات والمعجنات والمرطبات والشاي والقهوة والمشروبات كالبيرة والواين، أسعاره معتدلة، المكان يعج بالحركة والنشاط طوال اليوم، تجتمع فيه مختلف الجنسيات التي ترتاد المكان والتي يقطن قسم منهم (روزنكورد والمناطق المجاورة لها) ومن جميع الجاليات فتشاهد الجالية ( العربية- السوريين والفلسطينيين وأخرى للعراقيين للعرب أو للكرد أو مختلطة - وبجنبها للبوسنيين وأخرى للإيرانيين وللأفغان والهنود وعدة طاولات للصوماليين فلهم على العموم اكثر من طاولة في المكان، وغيرها من الجنسيات، فتسمع في المكان مختلف اللغات وهي تتحاور وتتهامس و تتداخل اصواتها ولهجاتها مع بعضها!
جلبت لنفسي فنجاناً من القهوة وكأساً من الماء البارد الزلال، سعر كوب القهوة (12) كرون سويدي يعادل دولار ونصف أمريكي. اخترت كرسيّاً شاغراً على طاولة صديقي (كريم الأسدي/ أبو وسام ) حييته مرة أخرى، وجلست بجواره وبدأنا نتجاذب اطراف الحديث، أدرت محور الحديث هذه المرة عن( الدكتورة نوال السعداوي) فصديقي(أبو وسام ) من المعجبين بشخصيتها والمتابعين لنشاطاتها.

خلال جلستنا اتصلت بولدي (مخلد ) وعلمت منه أنه يعرف بتخرج ( ريام) وكذلك هاتفت أبن اخي( أبو أمير، بسام فيصل الأميري) على (الفايبر) فهو يسكن في (العراق/ قضاء العزيزية) وتحدثت معه، واستفسرت منه عن أخبار وأحوال عائلته وأهله وأخبار المدينة والأصدقاء ، وأخبرته بتخرج (ريام) ففرح لها فرحاً كبيراً، وبعد انتهاء مكالمتي ألتفتَ أليَّ صديقي(كريم) مهنئاً بتخرج (ريام) متمنياً لها كل الخير والتوفيق.
فيما كنت وصديقي نهم بالمغادرة جاء صديقي (أبو أمين) ايراني الأصل يجيد التحدث بالعربية ، اعرفه منذ مدة تزيد على (12) عاماً التقينا ودرسنا سوية في احدى مدارس تعليم اللغة السويدية، إلتقيه هنا في (الكافتريا) باستمرار فهو شخصية لطيفة المعشر ذو ثقافة واسعة؛ حياني وسلمني كتاب (لُغزُ أمّ كلثوم ) للكاتب ( رجَاء نقاش) إذ كنت قد اعرته الكتاب قبل (10) أيام فهو يحب المطربة كوكب الشرق (ام كلثوم)ويحفظ الكثير من أغانيها ولديه اطلاع عن الشعراء الذين كتبوا اغانيها وملحنيها و معجب جداً بالموسيقار (رياض السنباطي) والشاعر( أحمد رامي)، إذ كنت قبل فترة حدثته عن الكتاب وفيه فصل مطول يوضح ويشرح العلاقة الحميمية (الحب الأفلاطوني) بين( أم كلثوم و احمد رامي ) فطلب مني استعارته!

في حدود الساعة الثالثة بعد الظهر، قررنا أنا وصديقي (كريم الأسدي) مغادرة (الكافتريا)، غادر صديقي للبيت، فيما أخبرته بأني أود الذهاب للمكتبة - المكتبة العامة في روزنكورد- والتي تقع في نفس المجمع - سنتر روزنكورد- على بعد عدة امتار من المكان الذي نجلس فيه.
طالعت على عجلٍ في مدخل المكتبة الفسيح الاعلانات ومعرض للصور، واستلت يدايَّ أحدى الصحف العربية ( الكومبيس) واخرى(نبض الأوريسُند) والتي رصفت في حافظة من الحديد المشبك مخصصة لكل واحدة من هذه الصحف والتي توزع مجاناً.( الصحيفتان تصدران باللغة العربية والسويدية).

ولجت المكتبة من بوابتها الثانية المحصنة بنظام ألكتروني، ينشر صفارة إنذار منبهة عند خروجك مع أي كتاب تأخذه من المكتبة ما لم يتم تأشيره من قبل أمين المكتبة أو من الحاسبة الإلكترونية المخصصة لذلك والتي بإمكان أي شخص استعمالها والاستعارة بواسطتها دون الرجوع الى امين المكتبة شرط ان يكون يحمل معه هوية المكتبة العامة.
في بداية بوابة مدخل المكتبة وعلى جانبها الايمن يقع القسم المخصص للأطفال، ويسار المدخل تقع مجوعة من الكراسي المريحة الوفيرة ،رتبت الكراسي(الستة) حول طاولة وضعت عليها بعضُ الصحف اليومية ، فيما شغل جميع الكراسي مجموعة تتحدث فيما بينها - تتحاور - دون أن يطالع اي منهم في صحيفة او كتاب،لهجتهم تدل انهم من الجالية العربية لكنهم ليس بالعراقيين!

أستليتُ العدد الأخير من جريدة (العربي) من الادراج المخصصة للصحف والمجلات، والموجودة بترتيب جميل وفي معظم اللغات التي يرتاد روادها المكتبة ( السويدية ،الإنكليزية ، العربية ، الفارسية ، البوسنية ، والصربية والبولونية ...)
وسرتُ عدة خطوات وسط صالة المكتبة كانت طاولة مربعة بعدة طوابق تتوسط الصالة عرضت عليها الكتب - الاصدارات الجديدة - بالعديد من اللغات ، طريقة عرضها تُلفت الانتباه ، فقد وُضعت قصاصاتٌ من الورق الملون باللون الأخضر على واجهة كل كتاب تدل أن الكتاب إصدار جديد، أخذت كتاب (المهاجرون) للكاتب السويدي ( فيلهلم موبيرغ ) الكتاب مترجم من اللغة السويدية إلى اللغة العربية،عن (دار المنى ) ترجمة (علاء الدين أبو زينة ) كنت في شوق كبير لمطالعته، إذ كنت قد شاهدت فلم ـ المهاجرين- الطويل جداً - بحدود سبعة ساعات - الذي يتحدث عن هذه الرواية المهمة جداً في التاريخ السويدي.

جلتُ بنظري في المقاعد المريحة الاخرى التي تتوسط صالة المكتبة والتي تقع وسط الصالة مابين مكتب الاستعلامات والحاسبات الالكترونية المخصصة لرواد المكتبة، اخذت مكاني في زاوية احدى (القنفات) التي تتسع لشخصين او ثلاثة، وضعت الصحف على الطاولة التي أمامي، وبدأت اطالع عناوين صحيفة (العربي) وهي صحيفة باللغة العربية وتصدر من(لندن)، لم اتمكن من التركيز وفهم المواضيع وعناوينها ؛ فصوتٌ من (القنفة) التي تلاصقني من الخلف، لا ينقطع عن الحديث، أدرت رقبتي للخلف، شابٌ في العشرين من عمره يتحدث بـ ( هاتفه النقال ) بصوتٍ عالٍ وبعصبيةٍ وباللغةِ (الصوماليّة) الصوت يرن في رأسي وهو يقتحم أذنيّ؛ وضعت الصحيفة على الطاولة وانتظرت انتهاء مكالمته، وما ان أنهى مكالمته، وههمت ان أخذ الصحيفة من أمامي، حتى بدأ رجل ٌ اخر بعمر (40 ) عاماً كان يتحدث باللغة (الفارسية) - احتمال من الجالية الأفغانية أو الايرانية - بالتلفون وبصوت مرتفع وفتح الحاكية (السبيكر)؛ أعدت نفسي لوضع الجلوس والراحة والتجوال في نظري عما يجري في المكتبه وقررت أن اخذ اغراضي وصحفي وأبحث عن مكان أخر تركت الصحف والأغراض وتجولت في المكتبة وجدت احدى الطاولات المستطيلة تحيط بها (خمسة) كراسٍي، جلسَ في صدرها (شاب في الثلاثين) يحدق منهمكاً في(حاسوبه) الشخصي وبجانبه على المنضدة رُصفت (ثلاثة) كتب، وفي الجانب الاخر (رجل ٌ في الخمسين) من العمر يطالع صحيفة( فارسية)، وأمامة على المنضدة أكثر من صحيفة بنفس اللغة، عدتُ مُسرعاً وجلبت أغراضي والصحف وأخذت مكاناً في الطرف الآخر من المنضدة الكبيرة المستطيلة، فالمنضدة مخصصة للقراءة والكتابة؛ وبدأت مجدداً بمتابعة عناوين الصحيفة ؛ نهض (الرجل الخمسيني) من مكانه بعد دقائق؛ فيما عينايّ تجولان في المكان الذي حولي شدني منظرٌ غريبٌ فعلى مقربة خطوتين من مكاني (شاب في الثلاثين) من العمر يجلس على ركبتيه على البلاط ووجهه متجه على درجِ الكتب العربية المرصوفة في رفوفها، حدقت النظر به مستغرباً فرأسه يتطلع الى ابعيد من صف الكتب المرصوفة أمامه، نظره شارد للبعيد ـ بشرته توحي انه ليس (عربي )فلون بشرته داكنة السمار وشعر رأسه مجعد حالك السواد، وهيئته توحي للناظر انه من (الصومال)، لحظات مرت ونظري مسمر له وشدني أليه أكثر حركاته فهو يجلس في هذا الوضع كأنه (يصلي) لحظات تيقنت أنه فعلاً يصلي، فقد حرك يديه وأدار رأسه الى الجانبين أشارة تدل أنه اكمل الصلاة.

وفيما نظري يجول في المكتبة لاحظت (رجلاً) أخر أسمر البشرة، في أحدى الغرف التي تقع خلف الاستعلامات ، متجهاً بوجهه الى الشباك وفي نفس اتجاه (الرجل الصومالي) -اتجاه القبلة - وهو يضعُ كفي يديه على اذنيه بشكل يوحي بالصلاة ايضاً!
رجعت الى صحيفتي ، فيما أقلّبُ الصفحة الأولى، جاء صوت مذياع ينبثق من (الهاتف الخلوي) للشاب الذي يقاسمني الطاولة نغمة رنين هاتفه تعلن الآذان ويدعو للصلاة باللغة العربية، أخفض الشاب الصوت على مهلٍ وهو يرمقني بنظرة فيها نوعٌ من الود .
قررت أن أغادر المكتبة مكتفياً بهذا القدر من المطالعة في المكتبة لهذا اليوم!

حملت أغراضي وأعدت الصحف التي استعرتها الى مكانها، لم يزل مكان مطالعة الصحف تشغله نفس المجموعة وهم محتدون ومنهمكون في نقاشاتهم.
ذهبت الى الجهة المقابلة للاستعلامات لغرض تسليم كتاب (اعترافات القادة العرب) يسلم الكتاب الى حاسبة الالكترونية ، ما ان تضع الكتاب على المكان المخصص لذلك حتى تتم قراءة الشريحة الالكترونية المثبتة على الكتاب ، يأشر الجهاز أنه استلم الكتاب، فتستلم ايصال بشكل( اوتماتيكي)عن الكتاب المستعار !

ذهبت الى موظفة الاستعلامات كي أستعير كتاب (المهاجرون) اخرجت هويتي من محفظتي، ودفعت بالكتاب والهوية لموظفة الاستعلامات ،موظفة الاستعلامات إمرأة ودودة لطيفة متوسطة القامة شعرها قصير تبدو في الخمسين من العمر، حييتها باللغة السويدية وأخبرتها أني أود استعارة هذا الكتاب. أستلمت الموظفة الهوية وبدأت تضرب على الكومبيوتر الذي امامها، وإذا أصواتُ اطفال - خمسة بنات- بعمر من (8- 10) سنوات قهقهاتهن تملئ المكان وهنَّ يجرينَّ بحركةٍ ودربكةٍ عبثيةٍ فوضوية، وهنَّ يلفنَّ ويدورن حول الكراسي والطاولات، تسمرتْ الموظفة في مكانها، وفغرتْ فاها، وبصوت خفيض حاولتْ الموظفة تنبيههن على خطأ هذا التصرف ولا يجوز ذلك، توارت الفتياتُ مسرعاتٍ بعيداً في جريهن بين ادراج المكتبة، ودخلن مسرعات الى غرفة في الجانب الأخر مخصصة كسينما للأطفال فيها شاشة تلفزيون تعرض فيها انواع متعددة من افلام الاطفال!
سلمتني هويتي والكتاب المستعار مع وصلٍ مثبت فيه تاريخ الاستعارة و موعد التسليم، وذهبتْ الموظفة مسرعةً خلف الفتيات إلى غرفةِ السينما!

ارتديت كامل ملابسي (القمصلة، غطاء الرأس، اللفاف، القفازات) ووضعت الكتابين( لغز أو كلثوم والمهاجرون) بين صحيفتي( الكوبيس ونبض الأوريسُند) الساعة تشير الى الرابعة مساءً، قررت الخروج من الباب الذي يتوسط سوق (سنترروزنكورد) قرب الباب وقفت أحكم سحاب (القمصلة) واللفاف حول رقبتي، وضعت أغراضي على( مصطبة) قرب الباب، كانت تجلس عليها(امرأة) في العقد الخامس او اكثر، قصيرة بدينة، تجلس في هذا المكان بشكل شبه دائم ( تتسول) من الداخل أو الخارج من السوق!
خرجت من السوق لفحة من الهواء البارد تضرب وجهي، لم تزل بقايا من الشمس تُضيء المكان ،لون السماء رمادياً، عشرات من الناس تغادر السوق محملة بالأكياس التي رسمت عليها علامات (السوبر ماركت الخاصة بالسوق) ،أو يسحبون عرباتِ التبضع، فيما عشرات اخرين يدخلون للتبضع، مئات من السيارات وبمختلف الالوان والموديلات تقف أمام الاسواق، فالكراج الكبير الواسع ذو الطابقين الذي يقابل الاسواق والطابق الذي تحته، وقوف المركبات فيه مجاني لمدة ساعتين، وبإمكان المرء تجديد الساعتين مرة أخرى.

الطقس بارد، مع رياح باردة خفيفة،اعتقد درجة الحرارة بحدود (الصفر) سرت عدة خطوات، أمامي يجلس(رجلٌ) في العقد الثالث من العمر يفترش الأرض بالقرب من بوابة أكبر سوبر ماركت في روزنكورد(ستي كروز) يلف سيقانه ببطانية باسطاً يده للتسول، وقفت قرب الرجل ووضعت في الوعاء الذي امامة قطعة نقدية معدنية (خمسة كرون سويدي) الرجل بلحيةٍ كثةٍ سوداء، وجلبابٍ شتويٍّ رث، وسرت متجهاً نحو شقتي وبحدود عشرة دقائق كنت قد وصلت الشقة اتصلت بي زوجتي(أم مخلد) تُخبرني انها قد استقلت الباص رقم (5) المتجه الى البيت وإنها سوف تمر في السوق لتشتري بعض الخضار قبل ان تصل البيت، بعد أن أخبرتها أني لم اشترِ الخضار الذي اتفقنا عليه وأخبرتها أني سوف اقوم بتهيئة مائدة الغداء، وفعلاً بدأت بعمل السلطة ( الخس والخيار والطماطة والليمون وقليل من زيت الزيتون)، وأعددت طبقاً صغيراً من الطرشي المخلل، أخرجتُ من الثلاجة طبقاً معداً سلفاً من ليلة أمس( أفخاذ من الدجاج المحمرة مع مجموعة من الخضار معدة في فرن الطباخ) وضعتها في فرن الطباخ لغرض تسخينها، ووضعت رغيفاً من الخبز العراقي بعد ان قطعته أربع اجزاء الى جنبها في الفرن.
تناولنا الغداء معاً، بعد تناول الغداء أعدت (أم مخلد) الشاي ؛فارتشفنا الشاي ونحن نتابع نشرات الاخبار من خلال الفضائيات العربية ، قتالٌ دامٍ في (الموصل) اندحار(داعش)، القوات العراقية تحاول أن تُحكم سيطرتها على الجانب الايسر لمدينة( الموصل)، وقتالٌ عنيفٌ في (سوريا واليمن وليبيا)، الجنيه (المصري) مستمرٌ في الانهيار ويسجل (18,5) جنيه مصري مقابل واحد دولار!

أخبرتني (أم مخلد ) أنها سوف تباشر البدء في عمل (أبو الهريس) والتي كانت قد هيأت مواده الأولية منذ الصباح. وهي مناسبة تراثية مندائية ضاربة بالقدم متناقلة عبر الأجيال جيلاً عن جيل كموروث ديني طقسي أعتاد (الصابئة المندائيون) على أحيائها سنوياً و تسمى بـ ( أبو الهريس)؛ إذ يعمل المندائيون في هذا اليوم وجبة طعام تتكون من( سبعة) أنواع من البذور (الرز، الحنطة، الحمص، العدس، الباقلاء، الماش، اللوبياء) وتسمى (الوجبة المقدسة) وتقام في ذكرى استشهاد (365) رجل دين مندائي بدرجة (ترميذي) قتلهم اليهود في (أورشليم ) بعد وفاة النبي - يهيى يهانا- أو(يحيى بن زكريا )، وهنالك روايتان أخريان حول هذه المناسبة، الأولى انها تعمل كذكرى على ارواح جنود الفرعون الذين ماتوا غرقاً وهم يتبعون اليهود،عند عبورهم البحر الأحمر. والأخرى تقول أنها بمناسبة نجاة النبي نوح وذويه من الطوفان.

عدت الى الكومبيوتر أتابع (الفيس بوك)، عشرات من الاصدقاء الأحبة يسجلون اعجابهم ويسطرون تهانيهم الكريمة بمناسبة تخرج ابنتنا (ريام الأميري) فبواسطة الجسور الجديدةـ مواقع التواصل الاجتماعي ـ والتي تجمع الأحبة والأصدقاء في الأفراح والأتراح، والتي خففت علينا جميعاً الغربة والتشرد والتشرذم الذي نعيشه ونحن مشتتون في شتى بقاع الارض، إذ بتنا نتابع اخبار بعضنا البعض بهذه الوسائل السريعة، كنتُ فرِحاً وسعيداً جداً وأنا أرى مئات من الأهل والأصدقاء والأحبة وهم يشاركونا فرحتنا ويسجلون تهانيهم ويضعون بصمات إعجابهم فلهم منا جزيل الشكر وباقات من الورود العطرة!

الساعة الثامنة مساءً نادت عليّ (أم مخلد) لتناول فنجان من القهوة العربية ! فسررت للفكرة، فأعددتُ فنجاني القهوة هذه المرة بنفسي، وطلبت من (أم مخلد) ان تلتقط لي صورة وأنا أعمل القهوة وأشارك في هرس وتدوير محتويات (أبو الهريس) وهي في قِدْرها إذ كانت (أم مخلد) قد وضعت المواد الخاصة (بالهريسة) في الوعاءـ القِدْرالكبيرـ المخصص لها على الطبّاخ وبدأت بعد مدة وجيزة بالغليان!
ونحن نرتشف القهوة ، كان حديثنا يدور حول نجاح ابنتنا (ريام) ورغبتها إكمال دراستها في الطب الرياضي وكذلك في مجال الفن وأنا اقرأ وأعد لها اسماء الأهل والأصدقاء وهم يشاركونا فرحتنا!

وأخبرتها أني قد قرأت عدة مقالات خلال هذا المساء عن مناسبة (ابو الهريس) قد كتبت بأقلام مثقفين (مندائيين) في (الكروبات المندائية على الفيس بوك وغيرها) من وسائل التواصل الاجتماعي وهي تحلل هذه القصة المتوارثة، وترجح هذا الاعتقاد أو ذاك بناءاً على الدراسة والتحليل والاستنتاج والاستنباط والمقارنة مع ما ورد في الكتب المندائية المقدسة وغيرها ، وهذا الشيء يدل على اهتمام رائع بالتراث(المندائي) ومتابعة جادة بالتقصي والتحليل والاستنتاج.ومن هذه المقالات كانت مقالة للباحث الشاب المجتهد (أسامة قيس مغشغش)، والتي جاءت تحت عنوان (قراءة في معاني( ابو الهريس) بين الدين والمعتقدات).
وبقيت اتابع التلفاز وأخباره وبرامجه المتنوعة على قناة (أوربا نيوز) والجزيرة الوثائقية؛ وكذلك أراقب مع (أم مخلد) قِدر (الهريسة) وهو ينفث بخاره وصوت فقاقيع (أبو الهريس) وهي تفقأ الواحدة تلو الاخرى سريعاً!

وكانت من أبرز الأخبار منح (البرلمان الأوربي) خلال اجتماعه، الإيزيديتين الناجيتين من وحوش(داعش) كلٍّ من( نادية مراد 23عاماً) و (لمياء حجي بشار 18 عاماً) جائزة (ساخاروف) لحرية الفكر؛ وقد تسارعت تترقرق الدموع في عيني وأنا أسمع الفتاتين وهما تتوسلان بصوت متهدج تخنقه العبرات المجتمع الدولي والبرلمان الاوربي وتطلبان الحماية والمساعدة الإنسانية (للطائفة الإيزيدية) في العراق وسوريا من الاعتداءات المدمرة والاستباحة الفاشية التي طالتهم والمستمرة في تهديدهم!
حولّت قناة التلفاز مسرعاً الى برامج الجزيرة الوثائقيّة رحلت مع رحلة (لؤي العتبي) واستكشافاته في برنامجه الممتع (أثيوبيا على الأقدام ) وهو يتجول مع بعثته الاعلاميّة في ربوع (أثيوبيا ).
حتى حان موعد تناولُ العشاء، بحدود (الساعة العاشرة والنصف) وكان قدحاً من اللبن الرائب وقطعة ًمن الخبز المُحمّص وتفاحةً حمراءَ، وعدةَ حباتٍ ( فردات) من التمر العراقي نوع (بريم)جلبتها من نخلاتِ حديقة بيتنا في مدينة العزيزية/ العراق من العام الماضي وكانت محفوظة بعناية في المجمدة؛إذ نتناول منها بعض حبات التمر في المناسبات، وبعدها تناولتُ وجبة ًمن (حبوب) الدواء المفروض عليّ تناولها كل يوم بناءاً على توجيهات الطبيب!

اتصلنا بابنتنا (روز وزوجها سنان ) في سدني/ استراليا وتبادلنا معهم التحيات في هذه المناسبة.

بعد عدة محاولات من التذوق لما في القدر الذي يغلي ؛ قررنا أن ( الهريسة )قد تم طبخها بالشكل وأن التذوق وصل للدرجة المطلوبة، اخرجت قدر (أبو الهريس) ووضعته في (البالكون) فدرجة البرودة هناك وخصوصاً في الليل أبرد من ثلاجة البيت،على أمل تناول طبق من (أبو الهريس) صباح اليوم التالي ونقرأ معها الفاتحة (رواد هيي) على أرواح موتانا أجمعين، وندعو بالصحة والسلامة للجميع؛ وسجلنا بعض الاسماء من الأهل والأقارب والأصدقاء كي نوزع عليهم غداً بعض الأطباق من (أبو الهريس) كما اعتددنا أن نعمل كل عام.

كان هذا اليوم هو يوم الأربعاء 14- كانون الأول/ ديسمبر ـ 2016
مالمو / السويد

نشرت في قصة
الأحد, 08 كانون2/يناير 2017 22:32

السُلطان

لا يقبلُ المزاحَ بردُ كانون، وإن قبل المزاح فإن سلاحه ذا الحدَّين نافذٌ من الجلد حتى العظام، وفي أرضٍ جرداء يُطلق له العنانُ بلا قيود، كما هو الجوعُ في بطون الفقراء، ولو صحبته الريحُ فلا الخيام التي تهالكت تصدُّهُ، ولا المناخل التي طوَّقت مُخيَّم المُهجَّرين، ذلك البائس إلاَّ من أغطية جادت بها منظماتٌ تبنَّت أهدافاً لها قضيةَ الإنسان، وما يسدُّ شيئا من جوع، أغذية قد انتهت صلاحيَّتُها أو أوشكت، مفرزة طبيّة في أدراجها الشاش والقطن وأقراص للزكام والصداع، لا غير، وهما ضيفان ثقيلان في هذا الفصل على من شاءت الأقدار أن يكونوا ضحايا خيانةٍ ممَّن سلَّم الأرض والناس بلا قتال للهمج الرعاع، وإن تعشَّقت النار خيمة؛ فإن فريقا كاملا منها في لحظة
يغدو رمادا بمن فيه من الأحياء.

عليها أن ترتدي من الثياب ما يدرأُ عنها لسعة البرد، ويحميها من غيثٍ غاضبا قد انهمر، فأغرق الخيام ومن فيها، وفي مثل ذا الحال فإن كلاًّ عن موضِعِه يُبعِد السيل؛ وإن أُغرِق الجار فلن يبالي، هي الوحيدة بين الرجال، الوالد الطبيب مجهولٌ قبرُه، أعدمه الظلاميُّون ذوو السراويل القصار شنقا على عمود وسط المدينة، قالوا في قرار قاضيهم إنه مُرتدّ، تحت جنح الظلام وفي ليلة سوداء قد لاذت بالفرار، تجرُّ أختين وإخوة ثلاثة صغارا، وأمَّها التي ساقُها كُسرت بضربة أخمص من شيشاني وسخ دجَّال، لم يبق في الدار سوى أُطرٍ لشهادات تخرّج وتكريم، وماذا يحمل المرء في مخلاته غير ما خفَّ حمله في مثل تلك المأساة؟ وهي التي في ليلة حفل التخرُّج أطفأ البغاةُ عليها الأنوار.
ألقت عليه التحيَّة جهرا، بيديها واللسان، وما أخفت عيناهما كان أبلغ في التعبير، لم تأبه بمن حولها من جمع الرجال، وماذا تعنيه عندهم تحية النساء للرجال، بالمجرفة التي يحمل أشار لها أن تعود لخيمتها، وهو الذي سينجز عنها ما خرجت لأجله، شكرا لك يا جارنا الطيب، قالتها باحتيال كي تُسمِع مَن حولها، على النساء أن يخرجن من المخادع لا أن ينصرفنَ للنوح وندب الحظوظ، له خفضت طرفا من حاجبها، أجابها بما يُجيده عاشقٌ من صنف الشعراء، وما أفصحها لغة العشَّاق! كلاهما يُجيد الرصف، مهندسةٌ من فنونها خلق أجمل العوالم في الخيال لتنقلها للحياة، أستاذٌ خَبِر الحروفَ حرفاً حرفاً، وغاص في أسرارها، فصاغ منها أندر العقود في حبِّ الجمال والوطن والناس، أُخرِج من داره قسراً؛ على سطح داره قد علَّق الوالدُ راياتٍ خضراءَ، وسوداءَ خُطَّ عليها (لبَّيك يا حُسَين ).
الشمسُ قد عانقت أفقاً بلونِها، وحولهما طالت ظلالُ الخيام، لم يبقَ في الساحة إلاَّ هُما، كلٌّ على حبل خيمته مُتَّكئ لصاحبه يطيلُ الطرف، بالأمس كانت شجيرات حدائق الصرح الجامعي لهما خيرملاذ، بها يستظلاَّن ويأمنان، يسترقان لحظة اللقاء، سفَراً يُسافران في عالم الحبِّ الجميل، لم يُثنِها عن حبِّه أنه يمدُّ الذراعين عند الصلاة، له والدان مُتزمِّتان، ولها نظرة في الدين على أنه جزء من حريَّة الفرد، وأن الدين هو الأخلاق وحبُّ الوطن والناس والجمال، مع أنَّها لأُمِّها تُجهِّزعدَّة الصلاة كي تؤديها مُكتِّفة ذراعيها، هكذا هو الحبُّ عندما يغزو العباد، دون وعد أو شرط، يأسر القلوب ببعضها، لا يردعه فرق في اللسان أو المذهب والدين، هو العبودية بعينِها وما منها خلاص، سلطان جائر هو الذي ليس من حكمه فرار، وفي الخيمتين خلفهما يقبعُ من يظنَّان أنهما صبيَّان بالنار يلعبان، ولا فرار من حكمهما، ففي أيديهما يكمنُ القرار.
حانَ موعدُ الصلاة، أنجِز وضوءَك، يا عبَّاس.
لا يليقُ المكوثُ ليلا خارجا للنساء، ادخلي الخيمة، يا إشراق

نشرت في قصة
الثلاثاء, 13 كانون1/ديسمبر 2016 15:58

براء

إحساس غريب كموج البحر لطمني على رأسي ورماني مشظّاه عند ساحل أفكاري...
شيءٌ مختلفٌ أشعر به وابعاد الرغبة تأخذني لمعرفة حالي..
منذ نعومة أظفاري وأنا لم أنسَ ذلك اليوم الذي عرفت فيه أني أحمل إعاقة في جسدي، عندها رجعت الى الوراء وأنا انظر نحو نفسي في المرآة! حاكيتها من أكون ولمَ الاخرون ليسوا مثلي، حتى اسمي(براء) حمل كل البراءة فيه وكأن القدر هو من اختاره لي.
لم أرَ أحداً من الذين رايتهم يشبهني!
حاكيت نفسي هل أنا مثلهم أم هم ليسوا مثلي؟ أنا بشر وهم بشر...كثيرة هي الأيام التي خادعت فيها نفسي حتى اقتنعت بأنهم يرأفون بحالي، فلو خرجت من الدار أخاف من الناس.. مللت من حمل هذا المتاع الذي حمّلني إيّاه ربي، وحزن طويل لفّني، تعلمتُ منه منذ ذلك الحين أن أخفي همومي في صدري.

أمي من تحميني من افكاري، خفَّفَت عليّ همومي ولملمت لي آلامي، كانت تشعر بشقائي وعلّة دائي، تُصِرُّ أن اقوى على كل الأمور، تعطني امثلة كثيرة تبعث الأمل في نفسي ثم تعود تقول، وما زال الدرب طويلاً يا ابنتي، اخذتُ قوّتي منها.. أبي سر فرحتي هو من علَّمني النطق وادخل في نفسي الثقة والفرح بغناء أجمل الألحان حتى جاء أخي الصغير الى الدنيا، انظر اليه فيفرح قلبي وأجد فيه سلوتي وأملي المقبل.
رغبة تأخذني الى معرفة سري لكني لم أستطع ادراكها لصغر سني. احتفظت بها في أول احتكاك لي مع الأطفال الغرباء عني وكان في المدرسة. حين دخلت الصف كنت مختبئة خلف أمي، هي من يعطي الدرس للطلاب في مدرستي الابتدائية.
تأخذني رغبة الطواف حول الطالبات بأفكاري وأنا جالسة على مقعد الدراسة(الرحلة) أتبصّر فيهم، سعداء في الدرس، أفتش فيهم عن نفسي وعن شيء يشبهني، أقلب النظر حولي في الصف الى الجالسة قربي والى البعيدة عني وأخرى وآخر حتى الأولاد لم أجد فيهم من يشبهني!! ثم أعود أنظر الى يديّ كفيهما ملمومتين، بصعوبة أمسك القلم بأصابعي، عينيّ لا أستطيع فتحهما بالكامل إلا برفع وجهي، فمي مشدود يصعب عليّ النطق الواضح، قدميّ متصلبتين لو سِرتُ كالبطة العرجاء. هذه أنا لا أحد يشبهني في الصف، كل شيء متيبس فيّ حتى عظامي.. ألمٌ يكابدني، يتوغل فيّ، يكسر خاطري... كم وددت الاختفاء من هذا الوجود؛ لكن دعائي ودعاء أمي الى الله ألهمني الصبر ورضيت بحالي..

سأعزز ثقتي بنفسي واترك لغة الاقدار وأسكت، أصغي الى معلمتي وأمي من تحميني لو تعرّض أحد لي. حينما أعود الى البيت أجد أبي، هو من أحسن قصّ أجمل وأحلى القصص لي.. كم تمنيت ان اطير على جناح نسر وارى العالم من تحتي أو أكون ساندريلا، لا بجمالها بل عسى ان يجد الزمان منقذاً لحالي. أبي كان يطربني ويسمعني أجمل الألحان مع لعبة الشطرنج التي أصبحتُ اتفوق عليه بلعبها، كان يمتعني بأجمل الكلمات، أحاول الرقص عليها، انظر الى أخي الصغير جالساً في حضن أمي.. احمِد الله انه ليس مثلي.

التقيت الطلاب في المدرسة عرفت كيف يفكرون ويتعاملون.. كانت مقارنتي في المحيطين بي أحيانا تبعدني عنهم وأحيانا تقوِّيني فاقترب، قررت حينها أن تسير الأمور على حالها، ادنو من يتعامل بود معي وتطمئن له نفسي.. صديقتي سلمى هي من جعلني أفكر ان للإنسان خياران أما الحياة بالجسد أو يحيا بعقله، الجسد من صنع الخالق والعقل سأجعله من صنيعتي واتخذت هذا فلسفة بعد مقارنتي بعقل صاحبتي. كانت تفتقد ما يحمله عقلي. تريد أن تحمل مثله وأنا أريد أن أحمل جسدها.. يا للمقارنة وكأننا خلقنا لنقارن أنفسنا وقد تكون هذه العدالة التي نختارها لنرضي بها أنفسنا هذا ما جاء في وحي أفكاري.

آثرتُ اهتمامي على الدروس... مضت الأيام والأعوام تزيد في عمري ويكبر عقلي لكن حجمي لا يكبر بسرعة كما بقية الأطفال. شعرتُ وأنا في المتوسطة بسري الذي يخرج مني وذهبت أهمس في أذن أمي فقالت لي، هذه ابعاد الرغبة يا ابنتي انتِ كبرتِ. أخذني السرور المبهم وذهبت الى المرآة أفتش عن حالي.. هذه أنا لم يتغير بي سوى انتفاخ صغير في صدري! سأبقى في حلمي هو اهتمامي بدروسي، هذا من سينقذني ويجلب السعادة لي.

ومضيت في غايتي أتسلق أحضان رغبتي، تفوقت في الدراسة على زميلاتي وزملائي كان بعضهم يهزأ مني وبعضهم أحبني رأفة بي أو مندهشاً بما حمله عقلي وهذا حال البشر في التمييز...
متفوقة عليهم أنا متفوقة، سوف أقهر هذا الحال اللعين ولن أكون طريدة خلقي واذهب الى كلية الطب، قد أعثر هناك على بلسمٍ يشفي مولوداً يشبهني.
وهذه الأيام تمرّ وتمضي وأنا في بلوغ الثامنة عشر من عمري.. اقتربَ موعد الامتحان الوزاري(البكلوريا) والحماس أخذني مندفعة نحو دراستي أريد النجاح والذهاب الى الجامعة.

ليل مظلم والبرد شديد وزخّات المطر تصنع نشيداً في الأرض يفزّه صوت الرعد في السماء ...
احسست بضيق في صدري. أكاد لا اتنفس.. أمي.. أمي.. أبي.. اخي.
هبّوا اليها من فراشهم.. ما بالُكِ يا ابنتي؟
أمي أشعر بضيق في صدري أكاد لا أسحب أنفاسي.. أبي أنقذني يا أبي.

عادت الى مخيلتها تلك الاحداث الماضية، استقت منها آلامها وآمالها بينما كانت طريحة فراش المستشفى.

كان الصبح في أوله رفعَت يدها الى أمها وكانت جالسة على الكرسي والنعاس غالب عليها من طول السهر. اقتربت أمها اليها.. بصوت واهن قالت ارجعي الى البيت يا أمي ولا تنسي ان تشتري الشموع، وعودي اليّ بها مع أبي وأخي، أشعر ان ساعتي قد حانت ولسوف اودعكم! سأرحل بعيداً سأريحك يا أمي من هذا الشقاء وأريح نفسي.. أعرف هذا سيؤلمك يا أمي ويؤلم ابي، وأخي حينما يكبر سيفتقدني؛ لكن ارجوكِ لا تحزنوا على فراقي.. سأكون قريبة عنكم، سترونني بغير حالٍ جالسة عند أول نجمة في السماء كل يوم.. أمي لا تنسي ان تذهبي الى مدْرستي أوقدي شمعة في صفي، واعتذري من معلمتي ومن زملائي بدلاً عني. قولي لهم، لقد أكملت الامتحان قبلكم، وأنها لتدعو لكم الاستمرار بطلب العلم لكي تزيد ثقتكم بأنفسكم وتتحقق أحلامكم.
وداعاً يا أمي وداعاً يا أبي وداعاً يا أخي وداعاً لكل من أحبني

نشرت في قصة
الصفحة 1 من 6