الأحد, 03 أيلول/سبتمبر 2017 18:31

رسالة رياض حكمت عبيد الى نبيل الكرخي

السيد نبيل الكرخي المحترم :
بعد الإطلاع على بحثكم الذي جاء بعنوان ( دراسات في كتاب الكنزاربا - الكتاب المقدس عند الصابئة ) جاءت في مقدمة بحثكم، بأنكم ستخوضون معتركاً ثقافياً صعباً، نتيجة الصعوبات المتعلقة بالمصادر، ونتيجة عدم وجود فسحة حوارية مع رجال الدين الصابئة . ولمّا كانت هذه المقدمة فيها الكثير من الواقع، كان الأجدر بك إذن، ان تترك هذا الموضوع برمته، ما دامت المعلومات التي ستحصل عليها أو ربما لا تحصل عليها في كلا الحالتين هي شحيحة و طريقها شائك وصعب ومعقد فعلاً .
إذن والحالة هذه على ماذا ستستندون؟ والمعلومات التي تبني عليها آراءَك قليلة جدا بحق ديانة تعتبر من اعرق الديانات التي عرفتها البشرية وباعتراف الكثير من المفكرين والباحثين الذين احتفظ بأسمائهم . إذن هل ستعتمد على النقل ونحن نعرف جيدا ان النقل لا يؤدي إلاّ إلى الظن بروايته وتفسيراته، والتراث العربي الإسلامي مبتلى بهذه المشكلة العويصة .. ثم ان الظن لا يعني من الحق شيئا إلا انه يظل ظن ، بمعنى يظل شك ولا يتحول الى يقين إلا بحجة عقلية . ولإن النقل يعتمد على الظن لذلك يلتبس الباطل بالحق .. واعتقد حضرتك تعرف ذلك جيدا ... ولكن اصرارك جعلك ان تدخل هذا البحث بعد ان توكلت على الله – عز وجل –
اقول كلام واضح وواقعي و ملخص ومفيد جداً: حيث ان حضرتك من ملة غير ملة الصابئة، واعتقد تماما انك على ملة الإسلام وأعني تحديدا انك من المسلمين وهم بالتأكيد اصدقائنا ورفاق طفولتنا، وبالتالي انك من مذهب أو طائفة معينة ومحددة منهم، قد تقيدك في بحثك هذا . وعلى سبيل المثال : إذا كنت من المذهب الحنبلي أو المالكي فإنك ستنظر لملة الصابئين بأنهم هراطقة منشقين امّا من اليهود او النصارى، وبالتالي عليهم أن يختاروا احدى الديانتين مع نبيهم وكتابهم، ليصبحوا بعد ذلك واحداً منهم حتى يتم الاعتراف بهم!!
وإذا كنت من المذهب الشافعي، فأنه لا مانع من أن توافق على أخذ الجزية من الصابئين!!
وإذا كنت من المذهب الشيعي الجعفري، فهناك على اساس قول منقول للإمام السادس جعفر الصادق يقول فيه ( ان الصابئة ليسوا بأهل كتاب )!
اما إذا كنت من المذهب الحنفي وممثله الإمام الأعظم ابو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، فهو المقبول تماما عند الصابئين .. لماذا؟ لأن ابو حنيفة قال :" الصابئون يقرؤون الزبور وهم اهل كتاب وديانة مستقلة"؟. نعم زبور الصابئين هو ( الكنزاربا ) . وبذلك جاء رأي ابو حنيفة مطابقا تماما لرأي القرآن الكريم وتحديدا بالآيتين، ( إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) البقرة / 62
( إنَّ الذين آمنوا والذين هادو والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) المائدة / 69 .. ولو تمعنا النظر في الآيتين اعلاه سنجد أن (الصابئين او الصابئون) مصطلحا له مدلول ديني مفهوم عند القوم الذين انزل القرآن عليهم، وهم تحديدا شعب قريش والقرى المحيطة حولها وشبه الجزيرة العربية، وبالتالي فأن ( الصابئين ) هم أهل كتاب و ديانة مستقلة بحد ذاتها، حالها حال المسلمين ( الذين أمنوا برسالة الإسلام – الرسول محمد + القرآن الكريم) واليهود ( الذين هادوا) و النصارى (المسيحيين)
وحيث ان القرآن الكريم يعتبر كلام الله عند المسلمين، ولما كان ولازال البعض الكثير من هؤلاء المسلمين جهلة واعني بذلك حصرا ( غياب المعلومات الصحيحة عنهم ) ومن هؤلاء البعض من علمائهم ومفكريهم ومفسريهم، اضافة الى بسطاء الناس منهم .يعتبرون الصابئين ( يعبدون الكواكب والنجوم ) وهذا يعني انهم من المشركين .. حتى القرآن الكريم وصف عقول هؤلاء الناس بالمغلقة والعمياء ( انها لا تعمي الأبصار ولكنها تعمي القلوب التي في الصدور ) الحج / 46 المقصود بالقلوب ( العقول ). ولذلك كان القرآن الكريم يهتف بهم : ألا تعقلون، ألا تفكرون، ألا تبصرون، ألا تؤمنون .
حتى أُنزلت الآية 17 من سورة الحج 22 ( إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين اشركوا ان الله يفصل بينهم يوم القيامة ان الله على كل شيء شهيد ) الحج22 / 17 . هذه الآية تبعد الصابئين من الشك عند البعض من جهلة المسلمين لأنه لا يعقل وجود نوعين من المشركين في آية واحدة وتؤكد على ما جاء بالآيتين 62 و69 .اللتين توعدان أهل الكتاب بالجنة . وإن الله هو ربهم ..... ولو تلاحظ مرة ثانية الآيات الثلاث ستجد ان الصابئين أو الصابئون قد تقدموا على أصدقائهم النصارى ( مرتين ) وهذا يعني ان ديانة الصابئين لها وزن وثقل بين الأديان المعروفة كاليهود والنصارى والمنتشرين في الجزيرة العربية .. وأني اعتبر في رأيي الشخصي أن الآيات القرآنية الثلاث المشار اليها أعلاه، معجزة جاء بها القرآن الكريم .
والسؤال هنا مطروح عليك شخصيا : تقول حضرتك " لا توجد اي علاقة واضحة بين الصابئة وبين ابراهيم الخليل، بالرغم من أن الصابة يقولون انهم اقدم دين توحيدي!!! .. ولعدم وجود علاقة بالتالي تسلخ الصابئة من منظومة الأديان التوحيدية.. "
هل تعرف يا استاذ أين وضعت نفسك في هذه الحالة؟ انك وضعت نفسك في خانة الكافرين، نعم في خانة الكافرين، والدليل : سواء كانت الصابئة لهم علاقة بإبراهيم الخليل أو ليس لهم اية علاقة به، وسواء تم طرد ابراهيم الخليل من الصابئين او اعتبروه ليس نبيا لهم او انهم فرقه من الهراطقة انشقوا من النصرانية او اليهودية او أن اصولهم كانت يهودية او أنهم صنعوا لهم دينا بأي طريقة كانت . كل تلك الأحداث جاءت قبل مجيء او ظهور الإسلام .المحمدي. أليس ذلك صحيحا يا استاذ نبيل؟.
ثم جاء زمن ظهر فيه ( محمد بن عبد الله ) وقد اختاره الله ليكون رسولا لرسالة معينة نزلت على كفار قريش لتحولهم الى أناس يعبدون إله واحد هو الله ولا يشركون به احدا وهذه الرسالة هي القرآن الكريم حملها محمد بن عبد الله ليجعل جميع الكفار عبدة الاصنام والاوثان بجزيرة العرب ليجعلهم مسلمين موحدين يتبعون دين هو الإسلام المتمثل ( بالرسول محمد + القرآن الكريم ) .. ثم انزلت الآيات القرآنية الكريمة فيما بعد، واعتبر القرآن هو كلام الله بالنسبة لعموم المسلمين . من هذه الآيات آيتين الاولى 62 من سورة البقرة 2 .. والآية الثانية 69 من سورة المائدة 5 .. تعتبر تلك الآيتين وعد من الله لأهل الكتاب ان يكونوا في الجنة في حال البقاء على ايمانه به ( بالله ) وان يمارسوا العمل الصالح الذي يخدم البشرية عموما وبدون استثناء . لأنه لا يوجد ايمان حقيقي بالله عز وجل إلا بالعمل الصالح وليس الطالح . أمّا من هم اهل الكتاب الموعودين بالجنة؟ هم، ( المسلمين واليهود والنصارى والصابئين ) وربهم هو الله . فكيف اذا انت او غيرك تعتبرون ( الصابئة ) ليسوا من الأديان السماوية؟؟.. معنى ذلك كفّرتم كلام الله وهو القران الكريم .. وبالتالي تحكمكم الآية القرآنية الكريمة .. " والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك أصحاب النار فيها خالدون " البقرة / 39 .
لقد جاء في بحثك، أن الصابئة ليسوا بالقومية وليسوا بعِرق متميز، مستندا على اقوال الباحثة الصابئية المندائية ناجية مراني رحمها الله . لنقول لك صحيح ولا مشكلة . .. ولكن ليكن في علمك ان الصابئة المندائيين هم شعب آرامي عراقي قديم، ومن الأقوام الآرامية التي ينتمي إليها النبي الآرامي ابراهيم الخليل، ولغة الصابئة المندائيين هي اللغة الآرامية الشرقية ( المتأثرة كثيرا بالآكدية ) والتي تنتسب الى مجموعة اللغات العربية السامية كما اصطلح المستشرقون على تسميتها، وكما معلوم لديكم ان اول من اوجد هذه التسمية (اللغات السامية ) هو العالم الألماني ( شلوستر ) كان ذلك عام 1781 م وقد اشتقها من قائمة الأنساب الواردة في العهد القديم ونسبها الى سام بن نوح، ويعدّ سام عند الصابئة، النبي الثالث بعد آدم وشيت ( شيتل )، والآرامية التي وجدت في العراق بقيت اليوم لدى طائفتين فقط هما:
أ – السريان في وسط وشمال العراق، ب - المندائيون ( الصابئة ) في وسط العراق وجنوبه . يقول البرفسور اوليري :" إن اللغة المندائية هي من اسهل اللهجات العربية القديمة واكثرها مرونة صوتية واقلها تأثيرا باللغات الاجنبية كاليونانية وذلك بسبب عزلتها وانزوائها كما وإنها مازالت لغة أدب وكلام في الوقت ذاته، مما يسهل دراستها وتحليلها ومقارنتها مع اللهجات العربية الأخر المندثرة والحية معا "
تقول حضرتك : ان الباحثة ناجية مراني حشرت اسم الجزيرة العربية في محاولة لإيجاد عمق تاريخي للصابئة في جزيرة العرب .. يا أخي الصابئون او الصابئين لا يحتاجون الى عمق تاريخي لهم، سواء في جزيرة العرب او غيرها،. انهم من اعرق واعمق الأديان السماوية على الإطلاق .
كما واخالفك الرأي عن عدم وجود صابئة في ارض جزيرة العرب .. واوضح لك التالي : لنذهب الى مدينة مكة المكرمة ولنتعرف على سكانها قبل وبعد الرسالة المحمدية .
يقول الباحث والمفكر ابو موسى الحريري :" يجمع اهل الأخبار ان معظم سكان مكة كانوا دخلاء عليها، ونازحين اليها من خارج، فهم من مختلف انحاء الجزيرة العربية، ومن الهلال الخصيب أي من اليمن وبلاد فارس والروم، ومصر والحبشة والسودان، وبلاد ما بين النهرين ( العراق )، ان اختلاف إثنياتهم ادى الى اختلاط اديانهم وتنوع معتقداتهم ولغاتهم . فكان منهم ( يهود ونصارى وصابئة ومجوس وعبدة اوثان )، وكان في لغاتهم، اللغة الحميرية، والمسند، والثمودية، واللحيانية، والديدانية، والقبطية، والحبشية، والروسية، واليونانية، والعبرانية، والآرامية، والعربية وغيرها"،( لاحظ الصابئة واللغة الآرامية)
يقول تاريخ اليعقوبي المتوفي 284 هجري : " وكانت أديان العرب بالمجاورات لأهل الملل والانتقال الى البلدان والانتجاعات" وهذا يعني ان اديان العرب في الجزيرة العربية كانت من كل بلد مجاور لمكة، وكانت مختلفة الملل، وقد دخلت الى مكة إمّا بواسطة المبشرين، وإما بواسطة اعمال تجارية ويقول اليعقوبي : " وكان قصي ( الجد الخامس للرسول ) اول من أعز قريشا فجمعها واسكنها مكة "يقول العلامة الدكتور مصطفى جواد : " ويظهر لي ان اكثر صابئة العرب كانوا باليمن "
ويقول الأركيولوجي اليهودي يوليوس ليفي : " إن الصابئين كانوا يسكنون في واحة تيماء شمال الحجاز، وان ذكرهم ورد في الإصحاح الخامس والعشرين من سفر التكوين ( العهد القديم ) بأسم ( شبا) على انهم من ولد ابراهيم الخليل من زوجته المدعوة قطورة " .
الرسول محمد بن عبد الله في بداية دعوته يخطب على الناس في سوق عكاظ ويقول لهم ( قولوا لا إله إلا الله تنجوا ) و كانت قريش تنعته بمحمد الصابئي .. لماذا ؟ كلغة لأنه صبأ من دين قريش الكافر الى دين آخر .. أمّا المدلول الديني لمصطلح الصابئي فهو : هناك قوم في جنوب العراق يقولون لا إله إلا الله وهم الصابئون .. فنعت محمد بهم ... وبهذا الخصوص يقول عبد الرحمن بن زياد انه :" اطلق المشركون على النبي محمد وجماعته ( هؤلاء الصابئون )"، مقارنة هؤلاء بأولئك . لأنه الصابئة الذين يعيشون في جزيرة الموصل يقولون ( لا إله إلا رب واحد ) ..والمقصود بالجزيرة هنا هي تلك الاراضي التي تمتد ما بين النهرين غربا حتى مدينة ( حران ) وما بعدها .
كذلك اشار ابن جريح وعطا بن ابي رياح الى العلاقة بين الصابئة سكنة السواد ( العراق ) وقول المشركين المكيين حول النبي محمد " لقد اصبح صابئيا "
المؤرخ وهب بن منبه يقول :" الصابئة هم الذين يعرفون الله وحده ".. لذلك ينعت كل من أسلم بانه أصبح صابئيا مقارنة هؤلاء الذين تركوا دين قريش الكافر بأولئك الصابئة الذين في ارض السواد .
ربيعة بن عباد عندما كان وثنيا يقول : رأيت النبي يقول للناس " اذا اردت انقاذ نفسك تقبّل ان لا إله إلا الله"... حينها رأيت رجلا خلفه يقول " هو صابئي كاذب"
الأمثلة كثيرة نختمها بقول المؤرخ الاسلامي ابو الفرج الاصفهاني حيث يذكر في تاريخه قائلاً : العرب قبل الاسلام كانوا على معرفة تامة بالعقيدة الدينية الصابئية، وان دين الصابئة كان يعني بنظر المشركين الإيمان بالله والبعث والجنة والنار .
والسؤال للسيد نبيل الكرخي : هل يحتاج الصابئين الى اكثر من هذه الشهرة عنهم وهم خارج سكان جزيرة العرب كما ترون؟
إن تواجد الصابئة كان في بلاد الشام حيث نهر الفرات والأنهر المتفرعة منه ومنذ زمن طويل . مثل سوريا وتحديدا دمشق والأردن والنهر الذي هو باسمه، يقول كل من الدكتور مراد كامل والدكتور محمد حمدي البكري وهما اديبان، يذكران في بحثهما تاريخ الأدب السرياني ونشأته الى الفتح الإسلامي:" الصابئين او المندععيين او المندائيين وهم طائفة من القبائل الآرامية التي كانت تسكن منطقة نهر الاردن، ثم هاجرو منها الى العراق ..".
تحدّث العالم الإسلامي الجغرافي والرحالة الاصطخري ابو اسحق الفارسي عن وجود الصابئة في بلاد الشام في منطقة سوريا بما يلي : " وبها مسجد ليس في الإسلام احسن ولا اكثر نفقة منه، فأما الجدار وأقبه فوق المحراب عند المقصورة، فمن أبنية الصابئين، وكان مصلاهم، ثم صار في ايدي اليونانيين ، وكانوا يعظّمون دينهم ثم صار لليهود . .. وملوك من عبدة الاصنام والاوثان، وقد قتل في ذلك المكان يحيى بن زكريا ( نبي الصابئة المندائيين – المؤلف - ) ونصب رأسه على باب هذا المسجد بباب يسمى جيرون، ثم تغلب عليه النصارى، فصار في ايديهم كنيسة يعظمون فيها دينهم، حتى جاء الإسلام فصار للمسلمين واتخذوه مسجدا " .
وكذلك تواجدوا في فلسطين ( اورشليم القدس )، حيث كتب الفيلسوف المؤرخ الإسلامي ابن خلدون وتحت عنوان في( المساجد والبيوت العظيمة في العالم ) ما يلي :" وأما بيت المقدس وهو المسجد الأقصى، فكان في اول امره أيام الصابئة، وقد نقل ان الصابئة بنوا على الصخرة هيكل الزهرة ... والصابئة الذين بنو هيكل الزهرة كانوا على زمن ابراهيم الخليل .موضع الزهرة، وكانوا يقربون اليه الزيت فيما يقربونه يصبونه على الصخرة التي هناك، ثم دثر ذلك الهيكل واتخذه بنو اسرائيل حين ملكوه، قبلة لصلاتهم. ثم خرّبه بخت نصر بعد 800 سنة من بنائة واحرق التوراة والعصا وصاغ الهياكل ونثر الأحجار، ثم لما اعادوهم ملوك الفرس، بناه ( عزير ) نبي بني اسرائيل بإعانة ( بهمن ) ملك الفرس ... الى ان جاء قسطنطين ( وتنصرت امة هيلانة ) وارتحلت الى المقدس في طلب الخشبة التي صلب عليها المسيح والتي استخرجت من تحت الازبال، وبنَت مكان تلك القمامات كنيسة القمامة كأنها على قبره، ... ثم بنوا ازاء القمامة بيت لحم وهو البيت الذي ولد فيه عيسى وبقي الأمر كذلك الى ان جاء الاسلام وحضر عمر بن الخطاب لفتح بيت المقدس .... "
ويؤكد الباحث الغربي كريلنج في كتابه اصل وقدم المندائيين الى : وجود صابئة في منطقة سوريا وفلسطين في زمن سابق لليونان واليهودية كما وارد في المصادر الصابئية المندائية والمصادر الإسلامية وقد نزح عدد كبير من الصابئة المندائيين المتضلعين في بالدين لوادي الرافدين أتين من ارض كنعان .
ذكر العالم الاسلامي و الجغرافي ياقوت الحموي : ان الصابئة كانوا يسكنون في بلدة طيب الواقعة بمنطقة واسط .. فكتب " الطيب بليدة بين واسط وخوزستان، .. وقد حدثني داود بن احمد بن سعيد الطيبي رحمه الله فقال: المتعارف عندنا ان الطيب من عمارة شيت بن آدم عليه السلام ومازال اهلها علة ملة شيت، وهو مذهب الصابئة الى ان جاء الاسلام فاسلموا "
ويقول المستشرق العالم يا موجي : مؤلف كتاب الدراسات الحديثة للمندائيين الصابئة : (ان الدين الصابئي موجدود في المنطقة العربية قبل الاسلام، ... حيث تم العثور على قطع نقود معدنية تحمل كتابة مندائية وذلك في ميسان ( لواء العمارة سابقا ) . والمناطق المجاورة لها .. وتعود تلك النقود الى سنة 150 م، وهي الفترة التي تلت الموعد التقريبي لهجرة الصابة المندائيين من القدس الى حران في القرن الاول للميلاد زمن الملك الفرثي ( اردوان الثالث ) الذي امتد حكمه في العراق منذ 12 قبل الميلاد وحتى 38 بعد الميلاد . كما عثرت التحريات التي اجريت في نفر ضمن حدود محافظة القادسية (الديوانية) على صحون تحمل نقوشا لأدعية مندائية تعود للقرن الخامس والسادس ميلادي .
وكذلك تاريخيا قد تواجدوا في مدينة حران العظيمة والواقعة في المثلث التركي السوري العراقي، داخل الحدود التركية من جهة الجنوب الغربي ونهر الخابور القريب من الرقة . أمّا تمركزهم الرئيس كسكن ومعيشة وبيئة فكان في جنوب بابل حيث كانوا يتمركزون في بطائح واهوار جنوب العراق حيث اقليم دست ميسان الممتد من مدينة واسط والعمارة والبصرة حيث القرنة والتقاء النهرين الخالدين دجلة والفرات كما يتواجد في غرب ايران أي منطقة عربستان حيث الأهواز وعبدان والمحمرة ونهري الكارون والدز.).

-اتفق معك تماما بإن صابئة مدينة حران العظيمة وصابئة بطاح العراق هم اخوة في الدين وهم انفسهم ( ملة واحدة وعبادة واحدة وعرق اصيل هو العرق الآرامي ) .. وان صابئة العراق الحاليين هم احفاد واسلاف ثابت بن قره الصابئي الناصورائي المندائي الحراني، هذا الفيلسوف الذي كان يفتخر بأجداه واسلافه الصابئة عندما كانت الجيوش الإسلامية او غيرها تكتسح مدينته حران ( اقرأ رسالة ثابت بن قرة الحراني التي عنوانها – نحن الصابئين - .. لاحظ عندما مات ابو اسحاق الصابئي الناصورائي والضليع في ديانته الصابئية المندائية كيف حملوه اليس حملوه على( الأعواد ) وهي حزمة تتكون من(سعف النخيل وقصب البردي ) تعتبر كالتابوت لرجل الدين الصابئي المندائي. وسنتطرق الى هذه المدينة لاحقا .
الصابئين او الصابئون = جمع صابئي، والصابئي أسم فاعل مشتق .. من اي فعل مشتق؟ اتفق معاك تماما بأن الصابئي مشتق من الجذر او الفعل الآرامي ( صبا ) بمعنى غمس، تعمد، ارتمس في الماء الجاري، ولها عند الصابئة مفهوم ديني هو ( التطهير والدخول الى دين المندائية ) و يناظره هنا الفعل العربي ( صبغ ) بمعنى الغمس، التغير من حالة الى حالة، أمّا صبأ العربية ايضا : فتعني ( تحول من دين الى دين آخر )، وصبأ الرجل أي صار صابئا .
اذن النتيجة هي : ان الصابئي كما هو مفهوم اعلاه : هو الشخص الذي ( صبأ .. عربية )، اي دخل في دين الصابئة بعد ان ( صبا .. الآرامية ) اي اصطبغ او تعمد بالماء وتناظرها كلمة ( صبغ العربية ).
يقول زيد بن ثابت بن الضحاك الانصاري ( 12 قبل الهجرة .. 45 هجري ) وهو( كاتب الوحي عند الرسول محمد بن عبد الله ) واصبح قاضياً في عهد الخليفة عمر بن الخطاب وواحد من اصحاب الفتاوى الستة وعضو او رئيس لجنة جمع القرآن في زمن الخليفة عثمان بن عفان يقول مايلي : " من المرجح ان كلمة الصابئة مشتقة على ما قاله العرب من ( صبغ ) أي عمد في الماء "
من المعلوم والمعروف عن ابراهيم الخليل هو من اقوام آرامية، ولغته آرامية . . والسؤال للأستاذ نبيل، بصفتك باحث في التاريخ العربي والفكر الديني الإسلامي : من اين جئت بمعلومة تقول فيها ان ابراهيم الخليل لغته عبرانية؟ وهل معلومتك مستندة على مصادر عربية؟
طبعا لا اتفق معك هنا ابدا وستلاحظ وبكل وضوح هنا ايضا لغة ابراهيم الخليل الآرامية .
اولا يقول الدكتور احمد سوسة ( المؤرخ العراقي المشهور واليهودي الاصل قبل اشهار اسلامه في كتابه نصف قرن من حياتي.) ما يلي : ان التوراة تؤكد بكل وضوح ان ابراهيم الخليل هاجر من العراق بمفرده ولم يكن لليهود وجود في العراق في عصره، وذلك بدلالة ما يلي :
اولا: ان دعوة الرب لإبراهيم الخليل كانت موجهة اليه بمفرده وهي ان يهجر ارض العراق فذهب ومعه ساراي زوجه ولوط ابن اخيه فاين هم الاربعة الاف يهودي الذين قادهم ابراهيم الخليل الى ارض كنعان؟
ثانيا : ان يعقوب حفيد ابراهيم الخليل الذي هو اسرائيل يصف نفسه وجده ابرام بالآرامي التائه . فكيف يكون ابراهيم واسحق ويعقوب آراميين ويهود؟ ثم لو كان ابراهيم الخليل قد قاد اليهود وعددهم اربعة الاف نسمة كيف يكون آراميا تائه بحسب وصف حفيده يعقوب له ؟
ثالثا : لو كان هناك يهود قادهم ابراهيم الى ارض كنعان هل كان بامكانه ان يزوج ابنه الوحيد من احلا بناتهم وتقر عينه بدلا من ارسال عبده الى آرام النهرين الى عشيرته ليأخذ زوجة له منها وكذلك فعل اسحق عندما اوصى ولده يعقوب بان يذهب الى حاران ليأخذ له زوجة من هناك ( زوجات آراميات ) ؟.
يقول القرآن : يا اهل الكتاب لم تحاجون في ابراهيم وما انزلت التوراة والانجيل الا من بعده افلا تعقل، ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين " ال عمران 65 و 67 .
والسؤال :.اذا لم يكن ابراهيم الخليل لا يهوديا ولا نصرانيا فما هو المانع من ان يكون صابئيا موحدا بالله والصابئين هم الذين يقولون لا اله الا الله وقد لاحظت ذلك سابقا وحتى الرسول محمد نعت بهذا الاسم . لنرى ماذا يقول العلماء عن علاقة الصابئة مع ابراهيم الخليل ...
1- الفيلسوف اليهودي ابن ميمون الاندلسي " 530 – 602 " هجري : يعترف قائلا : معلوم ان ابانا ابراهيم الخليل نشأ في ملة الصابئة، ثم ذكر ابن ميمون طرفا من الحوار الذي دار بين ابراهيم وبين الصابئة .
2 - العالم والفيلسوف والمؤرخ الإسلامي ابن خلدون يقول : الصابئة كانوا على ملة ابراهيم الخليل . او ابراهيم الخليل كان على ملة الصابئة .
3 - العالم الإسلامي فخر الدين الراضي : ان الناس كانوا ينسبون الى الدين الصابئي عندما ارسل الله اليهم ابراهيم الخليل
4 - العالم الاسلامي الامام فخر الدين الرازي: لما بعث الله ابراهيم الخليل كان الناس على دين الصابئة .
5 - العالم الإسلامي ابو الفتح الشهرستاني، عالمم الملل والنحل يقول : كانت الفرق في زمن ابراهيم الخليل صنفين الاولى فرقة الصابئة والثانية الحنفاء ( يقصد الصابئة الموحدين) .
6 - لفيلسوف الإسلامي ابن حزم القرطبي عالم الملل والنحل والاهواء . يقول : بعث الله الى الصابئة ابراهيم الخليل .
7 - احمد عبد الله بن سلام مولى الخليفة هارون الرشيد يقول : ترجمت هذا الكتاب عن كتاب الحنفاء وهم الصابئون الابراهيمية الذين آمنوا بابراهيم وحملوا عنه الصحف التي انزل الله عليه وهو كتاب فيه طول .
8 - يقول المفكر العربي المعاصر عباس محمود العقاد : كانت دراسة نحلة الصابئين مهمة في دراسة الاديان على العموم ودراسة ابراهيم الخليل على الخصوص .
9 - ويقول استاذ الدين المقارن في جامعة بغداد الدكتور رشدي عليان : ادرك الباحثون المعاصرون الى ان دراسة الدين الصابئي مهمة جدا للبحث في عقائد الاديان الاخرى والموازنة بينها، وسواء اكانت تلكم العقائد غنوصية ام منزلة والسبب لان الدين الصابئي من اقدم الاديان المعروفة قبل الميلاد بزمن طويل.. . نكتفي بهذا القدر من العلماء والباحثين .....
لنذهب الآن الى الجغرافيين ومؤرخي التاريخ وغيرهم لنرى ماذا كتبوا عن موطن ابراهيم الخليل ومن هي ملته التي كانت تعيش معه....
حرّان : مدينة قديمة واول تسمية لها حدثت في الفترة البابلية الاولى اما الأسم الآرامي لها فهو( هرن ) تقع المدينة في الشمال الشرقي من بلاد ما بين النهرين في جوار الحدود السورية التركية، داخل حدود تركيا على منابع نهر البليخ احد الروافد العليا من النهر العظيم نهر الفرات ( نهر فرات زيوا ) الأسم الصابئي المندائي الآرامي له .
1 - القاضي والمؤرخ الإسلامي ابن خلكان قال : حران تقع على نهر بلباس احد روافد نهر الفرات . وذكر ابن جرير الطبري في تاريخه ان هاران عم ابراهيم الخليل وابو زوجته(ياره )عمرها اي بناها فسميت باسمه هاران وقيل ان لاابراهيم اخ اسمه هاران ابو النبي لوط هو الذي بناها .
2 - المؤرخ والعالم والاديب اللغوي الإسلامي ياقوت الحموي قال : وذكر قوم انها اول مدينة بنيت على الارض بعد الطوفان، وكانت منازل الصابئة وهم الحرانيون . وقال المفسرون في قوله تعالى : إني مهاجر الى ربي. انه اراد حران .
3 - الجغرافي والرحالة الإسلامي الاصطخري قال : حران مدينة الصابئة . وعرض انه يوجد 17 مكان للعبادة هناك .. كذلك لاحظ: انه يوجد تل عظيم يعود الى النبي ابراهيم الخليل يصلي عليه الصابئة
4 - دائرة المعارف الاسلامية كتبت مايلي : حران تقع قرب نهر البليخ بين الرها وراس العين وقد اشتهرت بانها موطن ابراهيم الخليل ولابان، ولكن شهرتها ترجع بصفة خاصة الى انها قصبة الصابئة وموئل دينهم . 5 - وتقول الباحثة البريطانية المشهورة الليدي دراور : ان حران كانت موطن الصابئين المندايين كما كانت موطنا لأقوام آخرين وغيرهم .. وقد اشتهرت حران بنقاوىة نطقها الآرامي ( لغة الصابئة ) وحران هي المدينة التي توجه اليها ابراهيم الخليل بعد خروجه من اور الكلدانيين ( القصبة الصابئية )
ابراهيم الخليل حسب تاريخ الصابئة: يعد سام وابيه نوح راس السلالة البشرية الثانية بعد الطوفان، واليه يعود نسب الصابئة . اما ابراهيم الخليل ( بهره او بهرام ) فيعود نسبه الى ذرية سام بن نوح حصرا . وبالتالي يعد واحدا من الصابئة المندائيين، ( بهرام ) أو ابراهيم الخليل، كان كهنوتيا ناصورائيا مهتما بشريعة وتعاليم ديانته المندائية، لقد كان زعيما وقائدا ملهما وعميدهم الأول وهاديهم الى الحنفية البيضاء، لقد نشأ ابراهيم الخليل وترعرع في مدينة( اور الكلدانيين) وهي قصبة آرامية صابئية مندائية، وعندما ولدته امه العجوز واسمها ( عشواء ) الآرامية من زوجها الشيخ الهرم ( تارح بن ناحور او باحور الآرامي ) كان ذلك في زمن الطاغية المتكبر ( النمرود ) وهو ابن كنعان بن سنحاريب بن كوش بن حام بن نوح، وقد جاء في التوراة : ان نسب النمرود يعود الى حام بن نوح الذي لعن ابنه الصغير حام حين قال له (ملعون كنعان عبدا ذليلا يكون لاخوته سام ويافث )
إن الأنبياء الأوائل اجداد ابراهيم الخليل قد أدركوا التوحيد ونادوا به من قبله، ولكن الفترات الزمنية الطويلة والأحداث والتقلبات وحتى الكوارث التي مر بها العالم بعد الطوفان واهلاك البشرية الأولى، جعلت بعض الناس وهم كثر يبتعد عن عبادة الرب الواحد، والبعض الآخر ينحرف تماما عن التوحيد خصوصا عندما تكون القيادات الدنيوية بأيدي قادة كفره وطغاة كالنمرود ..، عندما بلغ ابراهيم الخليل سن العشرين من عمره، بدأ يحث الناس على العودة لعبادة الله الواحد خالق الكون من شمس وقمر، ونجوم وكواكب الى كافة الكائنات الحية من بشر وحيوانات بأنواعها طيور وزواحف.. كان يحاجج المنحرفين وعبدة الاصنام والاوثان، كان فعلا قائدا محنكا صلبا، وهكذا وجدت دعوة ابراهيم مناخا خصبا في اعادة البشرية الى تعاليم الاجداد العظام والانبياء الاوائل .
والسؤال : كيف حدث ذلك؟ وهل كان ابراهيم يقوم يدعو الناس بمفرده؟
الجواب : كانت احدى الاقوام التي تعيش معه ويعيش معها، كانت لحد دعوة ابراهيم متمسكة بتعاليم انبيائها القدماء، وهي ملة الصابئة المندائيين والذي كان ابراهيم فردا منها ... ويشاء القدر ان يكون عند ظهور ابراهيم طاغية متكبر وظالم وعلى رأس سلطة دينية وتنفيذية تتحكم بمصير تلك الأقوام وهو ( النمرود بن كنعان الملعون ) .. فخلال دعوة ابراهيم وقومه المستمرة بين صفوف الاقوام الاخرى لترك اصنامهم و اعادتهم مجددا للتوحيد من هنا بدأ التصادم بين النمرود الطاغية وعصابته من جهة وبين ابراهيم الخليل وقومه او ملته من جهة اخرى، النتيجة بعد المفاوضات المستمرة بينه وبين الجماعة، وطبعا يكون هناك جدل ومحاججة بينهم لإن ترك مسقط راسهم وطبيعة نمط حياتهم في مدينتهم ليس
بالأمر السهل بان يتركونها بسهولة، حيث يفضل قسم منهم البقاء ومهما تكن الامور والقسم الآخر يقرر الرحيل . وهذه هي طبيعة البشر . في النهاية قرر ابراهيم مع مجموعة كبيرة من افراد ملته ان يغادروا اور الكلدان مسقط رأسه مع مجموعة كبيره من افراد ملته الصابئية ترافقه زوجته الجميلة ساره بنت هاران وابوه واخوه اما الجهة التي سيتوجهون اليها فهي مدينة حران او هران العظيمة . يقول الشاعر المعروف الراحل عبد الرزاق عبد الواحد : " من المعروف في تاريخ الصابئة ان فئة كبيرة منهم رحلت مع ابراهيم الخليل عند رحيله الى حران "
اما الذين لم يرحلوا الى حران فقد بقوا في مدينتهم اور الكلدانيين، يمارسون حياتهم الطبيعية بحذر ويتجنبون التصادم مع الاقوام المشركة والتي تعيش بجانبهم . ان كتب الصابئة لا تتفق أبدا بان تارح أو آزر والد ابراهيم الخليل كان يصنع ويعبد الأصنام، والدليل على ذلك تأييد تارح لابنه ابراهيم وهجرته معه الى مدينة حران ومساندته له في دعوته الدينية، كما يلاحظ ذلك ايضا في كتاب التوراة ( سفر التكوين )، من تواجد والد ابراهيم الخليل وموته فيما بعد في نفس مدينة حران .
وبعد وصول ابراهيم الخليل مع جماعته الصابئة المندائيين الى حران ،طبيعي جدا ان يختاروا موقع السكن الملائم لهم ولديانتهم التي تتطلب وجود الانهر والماء الجاري لمزاولة مراسم طقوسهم الدينية، طبعا هناك انهار كالبليخ والخابور وبلباس، وهي انهر متفرعة من نهر الفرات الخالد. ولما كان ( بهرام ) ابراهيم الخليل وكما ذكرنا سابقا يعد من ابرز رجال الدين في زمانه، كان كهنوتيا ناصورائيا وبدرجة عالية من التدين والإيمان ولم لا وهو حفيد سام بن نوح، كان ضليعا في معرفة تعاليم وشريعة ديانته الصابئية المندائية، مؤمن بالله وبتعاليم الرسل والأنبياء الذين جاءوا من قبله، " آدم، شيت ( شيتل )، المعلم الكبير ادريس ( هرمس، داناخوت )، سام بن نوح". هنا وفي احد الأوقات حدثت مشكلة لإبراهيم الخليل خارجة عن إرادته، وهي التهاب في ذكره، مرض اصابه ( بقوباء في قلفته ) – دمل - إذن كيف الحل؟ الحل الوحيد امامه هو ان يختن نفسه بنفسه، وهذا ما تم فعلا، . هنا برزت مشكلة عويصة ليس لها اي حل في الديانة الصابئية المندائية . لإن الديانة تحرم الإختتان على جميع اتباعها ذكورا كانوا ام إناثا، مستندين على التعاليم والشرائع التي جاء بها انبياؤهم القدماء من ( آدم وشيت ( شيتل ) ومعلمهم الكبير ادريس ( داناخوت ) وسام بن نوح ) وكان هذا واضحا في كتبهم المقدسة ، خذ مثلا ( زبور الكنزاربا ) او ( كتاب الكنزاربا )، ولنقرأ النص التالي " إن الذين يسجدون لأدوناي، ويحنثون في النداء الأول، ويؤلفون لهم كتابا . لاتكونوا منهم، ولا تختتنوا، ولا تسلكوا طريق الذين على كلامهم لايثبتون . "
كذلك انظر فهرست المؤرخ الإسلامي الشهير ابن النديم، والتي اورد فيه حكاية اسماها الحكاية الاولى بخط احمد بن الطيب حكاها عن شيخه الفيلسوف العربي الكندي حول مذهب الصابئة ومما جاء فيها : " ... وأن يخص هؤلاء القوم الذين دعوا الى الله والى ( الحنيفية ) التي يقسمون بها ،وإن مشهوريهم واعلامهم، ( شيت ، وهرمس – ادريس - )... ودعوة القوم هؤلاء كلهم واحدة وسننهم وشرائعهم غير مختلفة .. حيث قبلتهم واحدة بأن صيروها لقطب الشمال ... المفترض عليهم من الصلاة كل يوم ثلاث... ولا صلاة عندهم إلا على طهور ... والمفترض عليه من الصوم ثلاثون يوما ... واعيادهم عديدة على مدار فصول السنة ... وعليهم الغسل من الجنابة وتغيير الثياب، وتعزل الطامث البتة .. ولا ذبيحة عندهم إلا لما له رئة ودم .. وقد نهوا عن أكل الخنزير والكلب والحمار، ومن الطيور غير الحمام وماله مخلب... ويجتنبون كل من به مرض الجذام وسائر الامراض التي تعدي . ويتركون الاختتان ولا يحدثون على فعل الطبيعة حدثا ... ويكمل ابن الطيب حديثه عن شيخه الفيلسوف الكندي ويقول : انه نظر في كتاب يقر به هؤلاء القوم، وهو مقالات لهرمس ( إدريس ) في التوحيد، ولا يجد الفيلسوف إذا أتعب نفسه، مندرجة عنها والقول بها " انظر فهرست ابن النديم ، ص 456 – 459 .
اما الفيلسوف الإسلامي ابو الفتح الشهرستاني / عالم الملل والنحل فيقول : " وكانت الفرق في زمن ابراهيم الخليل ترجع الى صنفين احدهما الصابئة والثاني الحنفاء والصابئة كلهم يصلون ثلاث صلوات، ويغتسلون من الجنابة ومن مس الميت، وحرموا اكل الجزور والخنزير والكلب، ومن الطير كل من له مخلب ونهوا عن السكر في الشراب، وعن الإختتان، وأمروا بالتزويج بولي وشهود، ولا يجوزون الطلاق إلا بحكم المحاكم، ولا يجمعون بين امرأتين ... الخ " انظر الملل والنحل، ج2
نرجع ونقول هذه المشكلة سببت حرجا لعميد ملة الصابئين ابراهيم الخليل مما جعلته يعتزل عن ممارسة او مزاولة اي عمل ديني يخص ابناء قومه عندما اجرى عملية الختان لنفسه، وفضّل الاعتكاف والانعزال عن جماعته تلك الفترة وهو ويفكر طويلا و بحزن وألَم ماذا يعمل؟ لاسيما وانه يعرف تماما انه سيفقد كهنوتيته لأن شريعة ديانته تتعارض والعمل الذي قام به رغما عنه، بعد فترة وجيزة اكتشف أخ بهرم وهو هاران ايضا رجل دين كهنوتي ناصورائي وواحد من زعماء قبيلته الصابئية الآرامية اكتشف سبب حزن واعتكاف ابراهيم عن الناس المحيطه به . فقال له : يا أخي بهرام انت اول العارفين بتعاليم ديانتك وشريعتها، فالحالة التي انت عليها الآن تعتبر ناقص الأعضاء، وهذه تتعارض مع مزاولتك لمراسيم الطقوس الدينية بعد الآن . فعليك الاعتزال كرجل دين، والعيش معنا كرجل عادي، وإذا لم تستطع ذلك فما عليك إلا وان تغادر بلدتنا حران الى مكان آخر ..... هنا في البداية اعترض ابراهيم على كلام اخية وحاول ايجاد منفذ للبقاء مع ملته كرجل دين وقائدا لهم، مثلا كأن تكون حالته خارج نطاق إرادته وبالتالي لا يتحمل أي ذنب على ما اصابه وهذا احتمال وارد في المجادلة والنقاش الذي دار بينه وبين ابناء ملته، وحاول ابراهيم فعلا التأثير عليهم .إلا ان تشدد والتزام ابناء ديانته لم يوافقوا على اي مقترح طرحه عليهم ...
هنا لابد وان اذكر بإن التراث العربي الإسلامي المتمثل بالمؤرخين والفلاسفة والباحثين القدماء منهم والمعاصرين قد تطرقوا كثيرا الى النقاش والمجادلة التي حصلت بين ابراهيم الخليل مع الصابئة على اساس ان يتركوا عبادة الاوثان والاصنام والكواكب والنجوم .. اقول هذا صحيح . وقد ذكرت ذلك عندما كان ابراهيم ينادي بالتوحيد عندما كان في مدينة اور الكلدان حيث انحرف الكثير من الصابئين الى الشرك وقد ذكرنا الاسباب ولكن في النهاية رجعوا جميعا او اكثريتهم الى التوحيد مرة ثانية . النقاش والمجادلة الحاصلة هنا هي في مدينة حران وليس في قصبة اور الكلدان ولذلك لم يتطرق المؤرخين هنا في حران الى محنة ابراهيم وهي الختان والمجادلة التي حصلت بسببه مع ابناء قومه أما السبب في رأيي الخاص كما اعتقد، هو عدم دراية المؤرخين بهذه المعلومات التي يتكتم عليها الصابئون انفسهم ..وانما المؤرخين ذهبوا الى ان الختان جاء بأمر من الرب كما ورد في التوراة وبعده ذكر في الأديان الاخرى ربما وبالتالي لاوجود للمجادلة بين ابراهيم وقومه الصابئين إلا نهيَهم من عبادة الشرك بالله!!. فحدث تباين بين اراء الصابئة من جهة وبين اليهود والمسلمين من جهة اخرى
1- - خذ مثلا هنا ما يقوله الإمام والمفسر الإسلامي فخر الدين الرازي : " لمّا بُعث الله ابراهيم الخليل كان الناس على دين الصابئة، واستدل ابراهيم عليهم في حدوث الكواكب كما حكى الله عنه في قوله " لا احب الآفلين " هنا يتهم الرازي جميع ملة الصابئة بالمنحرفين
2 - العالم الاسلامي فخر الدين الراضي : ان الناس كانوا ينسبون الى الدين الصابئي عندما ارسل الله اليهم النبي ابراهيم الخليل الذي ناضل ضدهم " . لاحظ جملة - ناضل ضدهم- !!
3 - العالم والفيلسوف احمد بن حزم القرطبي : ان الدين الصابئي في العصور المبكرة جدا كان دينا توحيديا ولكن اعضاء الدين اتبعوا بعض العناصر السيئة فارسل اليهم ابراهيم الخليل لتثبيت التوحيد مجددا . لقد اصاب هذا العالم جزء كبير من الحقيقة في بحثه هذا .
4 - عباس محمود العقاد، اديب وباحث ومفكر عربي مسلم يقول : ان كل من تكلم عن ابراهيم الخليل ابو الانبياء من علماء التاريخ والآثار والأديان اشار الى وجود الصابئة في عصره هو انه اصطدم بهم وجادلهم طويلا ولم يتبعه الا القليل منهم .!
لاحظ هنا اذا كان استاذنا العقاد يذكر الجدال الذي حصل بين ابراهيم الخليل و بين الصابئة المنحرفين عن التوحيد في زمنه حينما كانوا جميعهم في مدينة اور الكلدان وارجاعهم الى التوحيد مجددا .. فقد أصاب العقاد الحقيقة بعض الشيء لأن الذين رجع من الصابئة النادمين الكثير منهم وليس القليل اما بقية الاقوام المجاورة لهم والذين هم اساسا هم مشركين فقد اقتنع قسم منهم بالتوحيد ودخلوا في دين الصابئة.
اما اذا كان العقاد يذكر هذا الحدث من المجادلة في مدينة حران بين ابراهيم من جهة وبين ملته من جهة اخرى بسبب الختان فإن هذا الشيء مستحيل في تفكيره، حاله حال الباحثين الآخرين بسبب عدم توفر هكذا معلومة إلا عند الصابئين انفسهم . المهم . انتهى النقاش والمجادلة برحيل ابراهيم الخليل مع زوجته ساره والبعض من افراد ملته . بعد ان طلب منه اخيه هاران وابوه تارح بان يغادر مدينتهم حران .الى ارض كنعان ..
اختم هذا الموضوع، موضوع علاقة ابراهيم الخليل بملة الصابئة المندائيين بقول احد رجال الدين وهو بدرجة ( كنزفرا ) و حاصل على شهادة ماجستير في تاريخ الأديان واللغات القديمة من المملكة المتحدة. وايضا حاصل على شهادة دكتوراه فلسفة في الدين المندائي " الصابئي " واديان بلاد الرافدين القديمة من " المملكة المتحدة " حيث يطرح السؤال التالي :
هل ان بهرام المندائي " الصابئي " الذي ظهر بالمصادر الشفهية للمندائيين " الصابئة "، هو نفسه إبراهيم التوراتي . وما هي نقاط التشابه بينهما؟
ويجيب نفس السائل قائلا : (( ان نقاط التشابه بينهما هي : ( أ ) الاسم ( ب ) المدينة التي ولد بها .( ج) البقعة التي عاش بها . ( د ) تراثه وشخصيته القوية، (ﻫ) ظهور أخيه بالقصة، ( و ) هجرته إلى شمال الرافدين . ( ز ) ختانه . ..
إن اهم رابط بين التراث المندائي ( الصابئي ) واليهودي بخصوص هذه الشخصية الكبيرة هو هجرته من ارض اهله وأجداده " هجرته من بلاد الرافدين"، ان السبب كما قلنا يكمن بختانه، ولكن كل من الدين المندائي (الصابئي) واليهودي أورد ذلك الحدث " الختان " بما يصب في اعتقاده . المندائيون لايقبلون رجل دين مختون بل حتى وإلى وقت قريب جدا لا يقومون بتعميده ( صباغته ) او عقد قرآنه .لهذا فقد طلب منه أخيه ( أخو ابراهيم ) قائلا : " ارحل بعيدا من بيت اهلك واجدادك " . في حين وطبقا الى ما جاء بسفر التكوين من العهد القديم 12 : 1 نقرأ : " وقال الرب لإبرام أذهب من ارضك ومن عشيرتك ومن بيت ابيك الأرض التي أريك " .. إذا افترضنا ان بهرام المندائي ( الصابئي ) هو نفسه ابرام التوراتي " الذي بعدها ابراهيم"، فأن ما يتذكره المندائيون ( الصابئة ) اليوم بخصوص بهرام قدرته العظيمة بالطهارة بواسطة الماء التي أثر بها عليهم والتي، " قبل ختانه" أي قبل هجرته من اور الرافدينية . من ناحية اخرى فأن بعض الباحثين يرجحون ان فترة ظهور الشخصية الكبيرة كانت في الألف الثاني ق. م . وبحدود حكم الرافديني الشهير حمورابي .
فإذا افترضنا ان بهرام كان شخصية تاريخية وليست " لاهوتية " ظهر عدد من الملوك الفارسيين حملوا هذا الاسم وهم : بهرام شاه الذي حكم 21 عاما في القرن الثالث ق. م، والثاني بهرام بن هرمز حكم 25 عاما في القرن الثاني ق. م، ولكن بجميع الأحوال المصادر الدينية والتاريخية تؤكد بان هذه الشخصية الكبيرة رافيدينية الأصل )) .
وفي الختام اتحدى اي باحث ينتمي لأية ديانة سماوية ومهما كانت نوع ديانته عن وجود علاقة بين ابراهيم الخليل والديانة التي ينتمي اليها سواء مباشرة او غير مباشرة بإستثناء الديانة الصابئية المندائية
ثم عَلامَ هذا الضجيج والأجيج، النحيب والعويل، على كتاب الصابئة المقدس ( الكنزاربا ) أو بالأحرى ( زبور الكنزاربا )، والخوف عليه من انه تم تشويهه وتحريفه وتزويره عندما ترجم من لغة الصابئة المندايين – اللغة المندائية الآرامية -- الى اللغة العربية المنقطة، وبالتالي فقد الكتاب الإيمان الحقيقي الذي جاءت به تعاليمه وشرائعه!!
اقول لك ايها الأستاذ المحترم : لا تخاف على اتباع كتاب زبور الكنزاربا، وهم الصابئة المندائيون .. أمّا اسباب عدم الخوف عليهم فهو : لإن إله الصابئة الذي يعبدونه لازال حيا لا يموت، هو الحي العظيم، هو الأزلي القديم، الأول منذ الأزل . ثابت عرشه. عظيم ملكوته، لا أب له ولا ولد. ولا يشاركه ملكه أحد، موجود منذ القدم. باق الى الأبد، خالق كل شيء، هو ملك النور السامي، الحنان التواب الرؤوف الرحيم، لا شريك له في سلطانه، ولا صاحب له في صولجانه، من يتكل عليه فلن يخيب، ومن يسبح باسمه فلن يستريب، ومن يسأله فهو السميع المجيب. ما كان لأنه ما كان، ولا يكون لأنه لا يكون، خالد فوق كل الأكوان . لا موت يدنو منه ولا بطلان، يارب الأكوان جميعا .. مسبح أنت، مبارك، ممجد، معظم، موقر، قيوم . هو الحي العظيم، مسرة القلب، وغفران الخطايا، هو ملك النور السامي . هو الله ، ملك الملائكة والأثريين، مسبح اسمه إلى أبد الآبدين .
لا تخاف على الصابئين حيث مازال زبورهم الكنزا ربا يوصيهم : لاتزنوا، ولا تفسقوا،لاتحلفوا كذبا، ولا تبدلوا إيمانكم، ولا تأكلوا مال الربا، وإن أقرضتم فلا تقرضوا سرا . انظروا بأعينكم، وانطقوا بأفواهكم، واسمعوا بآذانكم، وآمنوا بقلوبكم، واعملوا بأيديكم زدقا وطبوثا، إعملوا بمشيئة ربكم، ولا تعملوا بمشيئة الشيطان . إياكم والهزء بمعوق، أو السخرية من ذي عاهة ...، لا تأكلوا الدم، ولا الميت، ولا المشوه، ولا الحامل، ولا المرضعة، ولا التي اجهضت، ولا الجارح، ولا الكاسر، ولا الذي هاجمه حيوان مفترس، وإذا ذبحتم فاذبحوا بسكين من حديد، أطمشوا، واغسلوا، وطهروا، واطبخوا، وسموا، ثم كلوا. احبوا بعضكم، وتحملوا بعضكم، وليحفظ احدكم الآخر، واعتنوا ببعضكم عناية العيون بالأقدام. من أحب موتاه فليطلب لهم الرحمة، وأقيموا عليهم الصلاة والتسبيح، واقرأوا الابتهالات، واقيموا مسفثا الرحمة من أجلها .. هبو الخبز والماء والمأوى لبني البشر المتعبين، وللمضطهدين، وكونوا عادلين، واحبوا بعضكم صادقين . يا أحبائي... لا تسرقوا شريكا، ولا تنتقموا بغدر من صديق، ان من يسرق صاحبه وشريكه لن ترى عيناه النور. أيتها النساء اللواتي تكن للرجال حذار مما لا يرضي الله، وإياكن وعمل السحر إنه من رجس الشيطان . ايها المؤمنون : لا تمدوا الشمس والقمر، هو الله الذي امر، فكان لهما وللكواكب هذا الضياء، لكي ينيروا به الظلماء، فإذا نادى الحي العظيم، سقطت كلها في قرار بهيم . إن عكازتكم يوم الحساب أعمالكم التي عليها تتوكؤون، فانظروا إلى ماذا تستندون . طوبى لمن سمع وآمن .. انه يصعد ظافرا الى بلد النور .
لا تخاف على انقراض ديانتهم من الوجود لإن اطفالهم وفتيانهم وفتياتهم، وهي الاجيال الصاعدة لازالت تتعمد (تصطبغ ) بالماء الحي ( يردنا ) الماء الجاري، وهم مرتدين ملابسهم الدينية ملابس النور البيضاء ( الرستة )، ورافعين رؤوسهم الى السماء ويهتفون بصوت واحد : أكو هيي، اكو ماري، اكو مندادهيي، نعم موجود الله .نعم هؤلاء هم الذين يضخون لدينهم دماء شابة جديدة .
يتطرق الكاتب الى ظهور الصابئة خلال القرن الثالث بعد الميلاد ( اي قبل ظهور الإسلام للوجود ( بأربعة قرون ) او بعد ظهور عيسى المسيح ( بقرنين) ... مستندا على ظهور المانوية وقصة ماني بن فاتك وكيف ابوه فاتك اعتنق ديانة الصابئة خلال الثلث الاول من القرن الثالث بعد الميلاد . اضافة الى استناده على وثيقة تأريخية للناسخة الكهنوتية الصابئية المندائية ( شلاما بنت قدرة ) الوثيقة تعود الى 200 ب م، اي بداية السنة الاولى من القرن الثالث بعد الميلاد .. والباحث هنا يريد استزراع انطباع عند القراء او ابناء اتباع الديانة الصابئية او غيرهم هو ان الصابئين ظهروا في التاريخ بداية القرن الثالث للميلاد وليس قبله! ونحن نقول للأستاذ نبيل : أن الوثيقة التي نسختها الكهنوتية شلاما بنت قدرة هي الكتاب الأيسر من الكنزا ربا ( صعود النفس ) . وليس قبل قبل الكتاب الأيمن الذي يحتوي على ( التوحيد بالله والوصايا التي امر بها اتباع الديانة الصابئية من صلاة وصوم وممارسة الاعمال الصالحة وغيرها ) وطبيعي هذه تكون اقدم زمنا من موضوع الصعود للنفس هنا، وهذا يعني ان الكتاب اليمين اسبق و مدوَن من سنين عديدة مضت.اما كم نعطي تاريخ للكتاب الأيمن او اليمين.. مائة عام او مائتين او اكثر .. لقد فطن المؤرخون التاريخيون والجغرافيون لمثل هكذا وثائق قديمة فأعطوها بُعد زمني حوالي 400 عام بالتمام والكمال . بمعنى ارجاع الوثيقة الى 400 عام وهذا يعني على اقل تقدير ( لظهور الصابئين هو قبل الميلاد بقرن من السنين)، ( هذا في حالة نسف وجود علاقة بين ابراهيم الخليل والصابئين او كما يقول البيروني ان اصولهم من اليهود وهم من ضمن السبي الاول الذي قام به نبوخذ نصر قبل الميلاد بحوالي 600- 550 عام ).يعني في كل الاحوال هم اقدم من ظهور المسيحية ( السيد المسيح ) وقد فطنت الباحثة البريطانية الليدي دراور الى هذه الحقيقة عندما قالت المندائيين الناصورائيين اقدم من المسيحية .. ثم الم تنظر ما ذكرناه سابقا عن العثور على قطعة نقدية ( تخص الصابئة ) تعود الى 150 ميلادي، بينما تاريخ الناسخة شلاما بنت قدره هو 200 ميلادي . وهكذا هو البحث .
امّا عن وجود اسماء او مصطلحات مثل الصابئة المندائيين، المندائيين الناصورائيين، المؤمنون المسلمون، والتي ترد في كتابهم المقدس او كتبهم الاخرى .. نود ان نوضح هنا للقراء والمتابعين وللأستاذ نبيل بضمنهم ايضا ما يلي :
اولا : يطلق الصابئة المندائيون على انفسهم أسم ناصورائي او ناصوراي وهذه التسمية تعود للروحانيين (رجال الدين ) الذين يراعون تطبيق الاحكام والاوامر الدينية قبل غيرهم. ناصورائيون: مفردها ناصورائي او ناصورايي، وتعني الضليع في الديانة المنداية والمتعمق فيها والمدرك لأسرارها.. النبي يحيى بن زكريا كان نبيا ناصورائيا اي ضليع في ديانته في العقيدة ( واعطيناه الحكم وهو صبيا ) القرآن الكريم، ذو معجزات تعالج بصورة رئيسية شفاء الأبدان وارواحهم ناصروثا او ناصيروثا : تعني المعرفة الحقة بأصول الديانة المندائية، إذن الناصورائيين : هم رجال الدين الذين يفهمون ال ( ناصيروثا ) اي فلسفة الديانة المندائية .
ثانياً: أمّا ما يَرد في كتابهم المقدس من اسم المسلمين او المسلمون او المسلم : " طوبى للمسلمين المؤمنين الذين تأملوك وعرفوك فسموا مزكين مبصرين النور"، " ايها المختارون المسلمون كونوا لطفاء وليرحم احدكم الآخر بالحق وستصعد رحمتكم الى باريكم" ... " امسكوا ضمائركم من ظنون السوء والبغض والفرقة، ولا تدعوها تحل افئدتكم لأن الذي في قلبه بغض لا يعد مسلما" إذن المسلم: هو كل من آمن بالله واستسلم استسلاما كاملا لأوامره ونواهيه، لذلك يكون معنى الإسلام هو دين كل من اسلم وجهه وذاته وارادته للخالق ( إذا قال له أسلم، قال اسلمت لرب العالمين ) 2 / 131، وكما يشمل الإسلام المحمدي كذلك يشمل اهل الاديان الكتابية ( اليهود والنصارى والصابئين )
واخيرا تطرقتَ في ختام بحثكَ الى جنة الصابئيين، وبدأت بعبارة يبدو الملتزم بتعاليم الكنزا ربا يدخل الجنة، فأن من لا يعتنق ديانة الصابئة يستحق ايضا الدخول الى الجنة .
والسؤال لماذا؟
الجواب: لأن ديانة الصابئة ديانة مغلقة غير تبشيرية ويعني ذلك كتابها لم يكن حجة على الناس ( بإستثناء بضع مئات من الصابئين )، وبالتالي لا تكترث هذه الديانة إذا آمن الناس او كفروا، بمعنى المؤمن بعقيدة الصابئين وغير المؤمن بحسب الديانة كلاهما يستحق دخول الجنة ..
الاستاذ نبيل : ان عدد الصابئين يتراوح الآن بين ال ( 100 – 120 ) الف صابئي موزعين على جميع العالم تقريبا .. وليس بضع مئات!! ثم ليكن في علمك ان ديانة الصابئة كانت اول ديانة وبالتالي لم تكن غيرها موجوده حتى تبني حضرتك احتمالات على جنتها .. والناس الذين غير منتمين لها هؤلاء جاؤوا بعدها .
أمّا ما ذكرته من ان ديانة الصابئين ديانة مغلقة وغير تبشيرية وبالتالي كتابها لم يكن حجة على الناس ( وتقصد حتما الناس اجمعين ) فأنا مؤيد تماما لما ذكرته حضرتك لأنه كلام واقعي ومنطقي بالوقت الحاضر وليس في العصور التي لم تظهر فيها الأديان بعد، باستثناء الصابئة، .ولكن بالتالي حسب قولك ان يدخل جميع الناس الجنة بدون استثناء طبعا وحسب مفهوم ديانة الصابئة المؤمن بها والغير مؤمن بها هنا لا اتفق معك بهذا الرأي لأنه يتعارض مع اقوالك انت، حسب مفهوم الانغلاق والتبشير طبعا ...
الآن اود ان اطرح عليك بضعة اسئلة واعتقد جميعها منطقية .. فهل يا ترى تستطيع الإجابة عليها؟ ولا مانع ان تستشير والحالة هذه جهابذة الفكر الإسلامي ربما يسهلون عليك الإجابة.. ..
كم جنة موجودة في السماء؟ .. هل توجد اربعة جنات على عدد الأديان السماوية الأربعة ( الإسلام واليهود والنصارى والصابئين ) الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ما دام الله هو ربهم؟ وإذا كانت هناك جنة واحدة فقط ، فأي ديانة تعود لها تلك الجنة؟ هل تعود لديانة اليهود او النصارى او الصابئين او المسلمين؟ انا متأكد تماما بانك ستختار جنة المسلمين، اليس ذلك صحيحا؟ طيب : نقول لك موافقين و لا مشكلة بذلك وانا من المؤيدين لك ومن المناصرين لتلك الجنة واحلف ذلك بمعتقدي .. ولكن هنا ستظهر الكثير من الأسئلة منها مثلا : اذا كانت الجنة تخص المسلمين فقط فهذا يعني سيدخلها فقط مليار و300 مليون مسلم فقط فيما إذا وافق الله سبحانه عليهم جميعا ..وسيظهر سؤال جديد: اين سيكون مصير بقية الملل الأخرى النصارى واليهود والصابئين والمشركين باختلاف دياناتهم وهؤلاء جميعا يشكلون حوالي ستة مليارات من الناس؟ هل يدخلون جميعهم النار؟ .. فإذا كان جوابك كلا .. كل واحد يكون مصيره من هؤلاء المجموع حسب اعماله؟ فهذا يعني انك تريد ان تقول ان القرآن مثلما هو حجة على المسلمين كذلك هو حجة على الناس اجمعين؟ ولكن كيف يكون على الناس اجمعين وهم ليس لهم علاقه به لا من قريب ولا من بعيد، وكل شخص منهم يتبع دين معين يغني على ليلاه؟ وبالتالي لا يؤمن اساسا بالقرآن الكريم!
وإذا كان الجميع يدخلون النار ، باستثناء المسلمين؟ والسؤال : هل جميع المسلمين يدخلون الجنة بدون حساب، الجواب منطقيا كلا؟ ز إذن من هو الذي سيدخل الجنة منهم؟ يقول رسول المسلمين محمد العظيم: " ستفترق أُمتي على (ثلاث وسبعين) فرقة كلها في النار إلا واحدة " وقد عرف الحديث برواياته المتعددة انه حديث صحيح وان لم يذكر في الصحيحين البخاري ومسلم وقد اورده ابو هريره الدوس ، عبد الرحمن ب نصخر أسلم سنة 7 هجرية الذي بقي ملازما للرسول ثلاث سنوات ويعد اكثر الصحابة رواية للرسول حيث كتب 5374 حديث عنه .
والسؤال : اي فرقة ستدخل الجنة من (73 )فرقة؟ وإذا دخلت الفرقة الناجية وحدها الجنة معنى ذلك ( 72) فرقة من المسلمين سيذهبون الى النار؟ معنى ذلك نقرأ الفاتحة على بقية اتباع الديانات اليهودية والصابئية والنصرانية والمشركين والمجوس لانهم والحالة هذه يذهبون الى النار مادام المسلمين من (72) فرقة بالنار؟ ثم لنفترض ان الفرقة الناجية من( 73) هي فرقة الشيعة تحديدا؟
معنى ذلك فرقة السنة وبقية الفرق بالنار؟ واذا افترضنا ان فرقة السنة هي الناجية معنى ذلك فرقة الشيعة مع بقية الفرق الاخرى بالنار؟ سؤال آخر ايضا : كتاب ( صحيح البخاري ) تم تأليفه خلال 16 سنة يحتوي على 650 الف حديث . الّفه رجل يدعى ابو عبد الله بن اسماعيل ولد في بخاري 194 هجري قال عن كتابه بعد ان سمع من الف شيخ ( جعلته حجة بيني وبين الله ) .علما ان الرجل ضرير،. ولذلك يعتبر صحيح البخاري الكتاب الثاني بعد القرآن الكريم مباشرة وله اتباع اكثر من مليار مسلم على سطح الكرة الارضية . وهؤلاء القوم يعتبرون من اهل السنة والجماعة .. وفلسفتهم هي انهم يعتبرون جميع صحابة الرسول هم (عدول )، ومن يخالف ذلك فهو شاذ ويستندون على ادلة منها يقول القران ( انكم خير امة اخرجت للناس )، ( انك رؤوف رحيم، غفور رحيم)، ويقول نبيهم محمد : "أصحابي كالنّجوم بِأيّهم اِقْتَديتم اِهْتديتم " ؟ بمعنى علي بن ابي طالب مثل ابي سفيان!، ومعاوية بن ابي سفيان مثل عمر بن الخطاب، وكاتب الوحي عبد الله بن ابي و عبد الله بن سلول وهؤلاء زعماء المنافقين هم مثل عمار بن ياسر!. وبالتالي الكل تدخل الجنه مع اقاربهم واصدقائهم واولادهم وبناتهم وزوجاتهم وذرياتهم والى يوم الدين، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟
امّا فرقة الشيعة : فلديهم اهم كتاب بعد القرآن هو كتاب (الكافي) لمؤلفه الشيخ محمد بن يعقوب الكليني، حيث جمع 16199 الف حديث ثم يليه كتاب الشيخ الطوسي ثم كتاب الشيخ الصدوق. .. والشيعة عندها ارض كربلاء هي قطعة في الارض من الجنة في السماء، وبالتالي عندهم، أجر زيارة كربلاء وزيارة ضريح الإمام غاية للوصول الى الجنة. وكل من يزور قبر الامام الحسين في كربلاء فان الملائكة تستقبله منذ دخوله القبر ويشايعونه عند توديعه قبر الامام الحسين .. وبالتالي كل من يزور قبر الحسين سيرا على الاقدام حافيا فله قصر في الجنة .
أمّا بقية الفرق( 71) فرقة بعد ان ذكرنا فرقتين هما السنة والشيعة فالله اعلم بتعاليمهم وقوانينها!!.. أمّا القرآن الكريم وهو الكتاب الرئيس المقدس لعموم المسلمين بمختلف فرقهم (73 ) فرقة فيقول صراحة ما يلي: لا يدخل الجنة ابد إلا الشخص المؤمن بالله فقط ولا يشرك احدا به، ثانيا بعد هذا الشرط هو ان يقوم الشخص المؤمن بمزاولة وممارسة الاعمال الصالحة التي تخدم الناس عموما .. ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا )، القرآن اوصى : بالجار القريب و الجار الجنب ( اي البعيد ) والصاحب بالجنب ( اي رفيق الطريق ) .. ( الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات اولئك هم الصالحين )، ( ويسألونك ماذا ينفقون؟ قل ما انفقتم من خير فا للوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تعملوا من خير فان الله به عليم.).( ان الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما، انما يأكلون في بطونهم نار،.. ان الصالحين هم الذين يحررون اسيرا ويطعمون جائعا مسكينا ويتقربون من يتيم " فك رقبة " واطعام في يوم ذي مسبغة، يتيما ذا قربة، او مسكينا ذا تربة.)، عكس ذلك الاعمال هو الهلاك في النار لان هؤلاء هم (الذين لا يحضون على طعام المسكين . يسمعون الله يقول لهم خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، انه كان لا يؤمن بالله العظيم، ولا يحض على طعام المسكين . فليس له حميم ولا طعام الا من غسلين )
والسؤال الآن : من هو الذي سيدخل الجنة؟.
في الختام اود ان اعلن : ان كل من يُكذب بحوث العلماء المسلمين من باحثين ومؤرخين وجغرافيين فهذا يعني انه كذب ½ نصف تاريخ التراث الإسلامي بالتمام والكمال! وبالتالي لم يبق سوى النصف الآخر من التاريخ وهو : كتاب صحيح البخاري ( 650) الف حديث خاص لأهل السنة والجماعة . كتاب الكافي ( 16199 ) حديث خاص بالمذهب الشيعي. واحاديث ابو هريرة الدوسي( 5374 ) حديث رواها للرسول عليه السلام .
وهؤلاء الناس ايضا جماعة منهم تُكذب جماعة أخرى والعكس صحيح، وبالتالي لم يسلم منهم سوى كتاب مقدس واحد وهو الذي دائما استند علية في بحوثي لأنه اصدق واوثق واشرف وثيقة مقدسة جاءت باللغة العربية هو القرآن الكريم وهذه حقيقة لا يمكن انكارها من أي كائن يكون ..والسلام .
...
1-9-2017

 

نشرت في وجهة نظر
الجمعة, 25 آب/أغسطس 2017 19:47

رسالة متأخرة الى كامل شياع

كما يلتقي الاحباء بعد غياب، وددت ان اكلمك بعد مضي عام على رؤيتك الاخيرة في روما، لا ان ارثيك الان، لا ان اتفجع على هذا الفراق المفاجيء الاليم، وان بكيت على صدر صديقنا الشاعر صلاح الحمداني حد المرارة عند سماعي خبر مقتلك ، فقد كنت تعلم بان الوطن مرصودة حريته ، يغدو فيه الشجعان مثلك الاكثر تجاسرا على الفعل، في فوهة النار والاغتيالات، وانت الحالم بهناء عيش، والمناضل لاجل مثلنا الجميلة، فهم يقتلون كي تبقى احلامنا مثل نزهة في منطقة ممنوعة علينا اسمها العراق. كنت اكثر من يعلم ان المرء يظل اسير احلامه مادام تواقا الى الحرية، وكنت اكثرنا سعيا اليها في ميادينها الحقيقية.
لم تدافع عن حريتك الذاتية، بل عن معركتك الكبرى التي كانت من اجل حرياتنا جميعا، فان يصل أي منا الى الحرية يعني، احيانا كثيرة، ان يصل الى الموت، ذلك ان الحرية ليست نقطة وصول، ليست نقطة مجيء، هي نقطة لقاء، وكل الاحرار مثلك ذهبوا الى الحرية ليروها وجازفوا، ذلك ان الحرية لاتصل الينا كفنجان قهوة في احد بارات روما القديمة التي احببتها، انها الغريبة والبعيدة التي عليك ان تبين شكلها وقسماتها والوانها وتعابيرها وخفاياها. وانت حين ذهبت الى الحرية، عبر رفض رغد العيش في بلجيكا، كنت تعلم انك ذاهب الى الموت. كنت تصنع الحرية بين اصابعك وافكارك وشغفك بها، وكنت تعرف ان صناعة الحرية في الوطن الذي احببته حتى العشق هي صناعة تقترب من الموت. وشهادتك هي ايضا واحدة من صناعة الحرية.
طيلة العام الماضي، حين التقيتك بروما بعد عودتك من رؤية ابنك " الياس" في بروكسيل، انظر الى صورتك التي اعطيتني اياها وقلت بانك لم تعط لاحد من قبل صورة شخصية، فوضعتها في محفظتي لازورك كل يوم وانظر بعيونك لالتقي بالحرية، فقد عودتني ان انظر اليها من النوافذ المغلقة والقضبان لاردد مع نفسي قولك وان تقطع عتابي لك بالذهاب الى بغداد بان الحرية " تصنع، ونراها، ونلمسها، ونتحسسها، ونشمها، فهي كالخبز" فهل عرف قتلتك الاوغاد بان استشهادك جعلنا نتلمس بقوة حتى الفيض تلك الحرية التي ناضلت وضحيت لاجلها؟ كنت كبيرا ياكامل شياع في ساحة الحرية، وفي معاركها الكبرى، وكنت انت حين رأيتك في بغداد، ونحن نزور سوية اصحابنا في صحيفة المدى وقهوة حسن عجمي والمطاعم الشعبية في شارع السعدون ، متعاليا على الجراح في دعواتك الانسانية الراقية الى دفن الاحقاد، والى التوحد بالوطن، وفي تصمميك الثابت على الاستمرار في تذوق طعم الحرية، لانك كنت تقول" الحرية فعل انتماء حقيقي كامل الوعي بالمسؤولية الى وطن حقيقي، وطن استبيح زمنا طويلا، وحان وقت العمل للوصول اليها".
لقد شققت دربك الى الحرية موشحا بنورها، كأنك كوكب يحمل نفسه على غيمة لينظر الى هذه الارض التي هي لنا، وبها اقدارنا، وبها الجحيم والنعيم وما يليهما، ولنا بيت من النجوم والهواجس، ولنا الفرح وكآبة الموت ايضا، وركام التاريخ، والم الجغرافيا، ولنا صلف عناد البقاء، ولنا الشعر واللون والخيال وانت كنت حقا ذلك الكوكب الجميل، فقد حجبك عنا غياب الشمس بكاتمات الصوت، فجاءت الصاعقة التي كنا ننتظرها بموتك.
اتذكرك ونحن نشرب قهوة الصباح في احد بارات روما وانت تقول لي" ماذا لنا غير كرامة الحرية، ونحن نخاطب البحر او غيوم العراق الحبيب،. نعم انا اخاف الموت الا اني مجند لقضية شعب".
ستظل يا كامل العزيز بيننا لامحالة والى الابد. عائدا بيننا كلما توهجت انفسنا عشقا الى الساحات والشوارع والمنازل والافكار التي احببت وناضلت من اجلها
لقد كتبت لك الشهادة كي تصبح خالدا، خارج حكم هذا الزمن الاغبر، عائدا الينا كلما تهيجت انفسنا الى رؤية الوطن الذي تصيبه اسلحة الاوغاد المتفجرة على غفلة، فثمة من ماتوا ورحلوا، وثمة من سيموتون بعد، ولا احد يعرف كيفية ايقاف هذه الالة الجهنمية التي تحمل حقدها الفاشي، الذي يحصد كل شيء. كنت تحي فينا الحياة، وتحي فينا صراخاتنا واحتجاجاتنا على القاتل، وكنا نخشى عليك وانت في العراق الذي بات نهرا يهدر بالدم. وما تبقى ياكامل الحبيب هو الكلمات التي نكتبها في توديع الراحلين، وننتظر الكلمات الجديدة كي نودع من يرحل غدا. لقد جف كل شيء، والمأساة تتكرر حين تتساقط الجثث وتمتنع اللغة والافكار. ويظل كرهنا للفاشيست الذين اغتالوك هو من يعلمنا الانتظار وسط هذه الخيبة التي تزداد حدة فجر كل يوم، وتتفتح على احتمالات الموت في كل لحظة.


روما

 

نشرت في وجهة نظر

بعد صفحات من شروعي بقراءة كتاب موسى الخميسي "العرب وصقلية ملامح الثقافة والفنون" انزاح عني شعور الواجب وحل محله شعور بالمتعة وتعطش للمزيد من المعرفة وعاد الى ذهني ما سبق وأكدته لنفسي مرارا أننا كلما ازددنا اطلاعنا شعرنا إلى أي مدى نحن مقصرون تجاه ثقافتنا وكم هي الثغرات التي ينبغي ردمها. الكتاب أخذني، و اتوقع أن يفعل الشيء نفسه مع ألقارئ، إلى صقلية، سِرتُ على امتداد شواطئها، رأيت مدنها وشوارعها، تأملت قلاعها، مساجدها وكنائسها، تخيلت سحر مناظرها وقد زينها النخيل السامق وشممت عطر اشجار البرتقال. كتابة موسى الخميسي مشوقة ومفيدة و هما أمران لا أحسب أن أحدا من الراغبين بالمعرفة يبخسهما حقهما.
الامر الاول والأساسي الذي افادني به الكتاب هو أن صقلية ليست اقل شأنا من الاندلس في التواصل الثقافي مع أوربا، الكتاب يقدم البراهين على ذلك. هذان الطريقان لم يكونا نقاط احتكاك وصدام فحسب بل معبرا ثقافيا سلكته الثقافة كما الطيور المهاجرة بين الشمال والجنوب.
موسى الخميسي يحمل الجنسيتين العراقية والايطالية وثقافته هي مزيج من ثقافة البلدين. حصل على شهادة البكالوريوس في علم الاجتماع من جامعة بغداد ،ثم البكالوريوس في تاريخ الفن من أكاديمية الفنون الجميلة في فلورنسا، ثم الدبلوم في الإعلام الصحفي من معهد الإعلام في جامعة اوربينو، ثم الماجستير بتاريخ الفن المعاصر من الاكاديمية العربية بالدانمارك، وعمل ويعمل مراسلا للعديد من الصحف والمجلات العربية والعراقية، كاتب ومعد ومسؤول الإعلام في فضائية راديو وتلفزيون العرب التي تبث من روما. عمل كأستاذ لمادة تاريخ الفنون الشرقية في معهد الفنون الجميلة في فلورنسا وفي معهد دانتي للفنون، درّس مادة الحفر على الزنك. نشر في العديد من الصحف والمجلات العربية مجموعة من المقالات والدراسات التي تناولت الفنون التشكيلية والظواهر الاجتماعية والثقافية في ايطاليا. اصدر العديد من الكتب التي تعنى بالشأن الثقافي والتشكيلي العراقي، الايطالي والأوربي.
حصيلته من معارض الفن التشكيلي: عشرة معارض شخصية في مدينة بغداد، فلونسا، روما، افيتسانو، ترساكو. فيينا، بودابست ، دمشق . شارك بعشرات أخرى من المعارض الجماعية في العراق والعديد من المدن الإيطالية والعواصم الغربية.
بحكم هذه المقدمة المعرفية الواسعة والتأهيل العالي فإن توقعات القراء والمتخصصين بأن يكون هذا الكتاب إضافة نوعية للمكتبة العربية. لا شك ان هناك في بطون الكتب الكثير من الحقائق التي استشهد بها واعتمد الخميسي عليها في بحثه القيم المقدم، ولكن تكريس كتاب متخصص للفنون العربية في صقلية أو لتأثيرات الفنون العربية على فنونها وعلى الفن الايطالي عموما هو أمر غير مسبوق.
يرد في الكتاب "ولهذا السبب يتخذ كتابنا، الذي نقدمه للقارىء العربي عن النموذج الصقلي الذي لم ينل القسط الذي يستحقه من الاهتمام من قبل المؤرخين، مثالا على واحدة من الطرق التي تم فيها تطور الفن العربي من خلال الاشارة الى ملامح الفنون العربية وانماطها في اماكن اخرى، وبالذات في مصر الفاطمية والعراق العباسية وبيزطة المسيحية." ص. 36

هوية الثقافة

تطرق الكتاب إلى الفنون العربية أو الحضارة العربية أو الفترة العربية حتى الصفحة 35 ثم يرد ما يفيد اعتماد مصطلح آخر في تحديده لتعريف الهوية الثقافية، يقول: "ماذا حل بالمسلمين الذين لم يرحلوا عن ارضهم؟ هل استطاعوا ان يذوبوا بسرعة في المجتمع الجديد؟ هل ضيعوا فجأة ملامح شخصيتهم العربية والاسلامية".
ثم يفصّل ذلك بما يلي: "وبهذا تضمنت الحضارة العربية نمطين من المبادىء السلوكية هما: الاسلامية والعربية، وهما نمطان منسجمان ومجتمعان ولكنهما مختلفان، فاحدهما يمثل المبادىء الاخلاقية المتبعة للمسلم، اما الاخر فهو يصور المبادىء التي تتيح تحقيق العربية باعتبارها نموذجا ثقافيا، وهذان النمطان ليسا متعارضين، ولهذا ايضا علينا التأكيد بان ليس كل الشعراء والمعماريين والفنانين في البلدان الجديدة التي فتحها العرب وبالذات جزيرة صقلية والاندلس هم من المسلمين فقط كما تذهب اغلب الكتابات التاريخية، اذ ان منهم من هو مسيحي او ارامي او يهودي، وهم عرب بثقافتهم وفكرهم وابداعهم، لكنهم من ديانات توحيدية غير مسلمة، ساهموا جنبا الى جنب اخوتهم المبدعين المسلمين."
لا شك إن كل المصطلحات التي تحاول الإحاطة بظاهرة كبيرة تعاني بقدر ما من إشكالية التعميم من جهة وعدم القدرة على الإحاطة بالكامل بالظاهرة المعنية من جهة أخرى، ورغم أن مصطلح الحضارة العربية الإسلامية أو الحضارة الإسلامية أو أخيرا الحضارة العربية هي من المصطلحات التي تعرضت للنقد لدوافع شتى كان بعضها علميا موضوعيا وبعضها الآخر ليس كذلك بالضرورة، إلا أن دلالات هذا المصطلح وإطاره المتفق عليه قد تبناه الأوربيون أيضا. فالعرب من غير المسلمين هم عرب، و المسلمون من غير العرب هم مسلمون، و لكن هناك أيضا من ساهم في هذه الحضارة من غير العرب ومن غير المسلمين، هنا سنجد أن اطار المصطلح لا يحتوي هذه الشريحة. إن كل مصطلح يرسم اطارا عاما لظاهرة عامة ستشوبه بعض الاستثناءات ولكن وكما يقول الفرنسيون فإن وجود الاستثناء يؤكد وجود القاعدة، على أن الامر الحاسم لتقرير هوية الثقافة يتجسد في أمرين هما: ادوات الإنتاج المعرفي والفني أولا ثم ثانيا الإطار ألاجتماعي التاريخي الذي نشأت فيه.
إذا أخذنا البلدان التي خضعت للفتح الإسلامي بعد ظهور الإسلام في الجزيرة مثل العراق سنجد أن الغالبية العظمى من سكانه كانوا من غير العرب ولكنهم تعربوا فيما بعد، وهذا ينطبق على العديد من الأمصار التي فتحت بعد ظهور الإسلام. الحقيقة التي لم تعد موضع جدال أن الانتماء لأمة أو لثقافة ما مرتبط ليس بعوامل أثنية ثابتة إنما بعوامل مكتسبة متحركة تحددها الثقافة وأدواتها، وأهم هذه الأدوات هي اللغة التي هي، حسب ماركس، ليست وسيلة تعبير إنما وسيلة تفكير أيضا.
الإشكالية هذه تواجهنا أيضا في تعريف هوية المثقفين والعلماء من الجيل الثاني أو الثالث من أخلاف المهاجرين الى دول اوربا من الذين ولدوا أو ترعرعوا هنا وينحدرون من أصول اثنية مختلفة ممن باتوا يستخدمون الأدوات الثقافية للدول المضيفة. لا شك ان هؤلاء قد باتوا ألمانا، طليانا أو هولنديين .. الخ طالما حققوا منجزاتهم ضمن الاطار الذي وفرته الدولة المضيفة وكانوا يستخدمون أدواتها الثقافية وخصوصا اللغة التي تساهم أيضا في تحديد نمط التفكير كما ذكرنا.
يشير الكتاب معتمدا على هامش للدكتور عزيز أحمد، إلى أن "العنصر الصقلي كما يراه المرء اليوم هو عبارة عن مزيج من شعوب الشرق بين يونانين وكنعانيين وعرب وبربر ولاتينيين وجرمانيين، حيث يبلغ عدد سكان الجزيرة اكثر من ستة ملايين نسمة، يتكلمون نوعا من اللغة الطليانية المحرفة والتي تحمل اكثر من 1500 كلمة عربية." و يواصل:
"وتظهر الاهمية الحاسمة للفترة العربية في هذا المجال في وجود الفاظ عربية كثيرة متعلقة بالحياة الاقتصادية، حفظت في اللهجة الصقلية ونقلت الى الايطالية، وهي في معظمها تشير الى المجال الزراعي والى الري والادوات المتعلقة بالمزارع والادوات المنزلية ومنتجات التربة". لا شك أن الحديث هنا يدور عن الاصول الاثنية لمكونات سكان صقلية، أما الثقافة الحالية فهي امر آخر وهوية اخرى نشأت من مزيج الثقافات ثم اسست لهويتها الخاصة.
ويناقش الكاتب في مواضع أخرى هذا الموضوع بتفصيل أكثر إذ يقول: " الا انه لا يمكن ولا يعقل ان يطلق على الانجازات الفنية التي تركها العرب في الحواضر الجديدة بعد عمليات الفتح تسمية الفن الاسلامي، كما ان محتويات هذه الاعمال في جميع اتجاهاتها لا تحمل توجهات تبشيرية دينية لكي توضع تحت واجهة الفن الاسلامي فقط ص. 63
ثم يواصل: "الا ان المؤرخين جيّروا كل النتاجات باسم تبعة الدين الحنيف باعتباره القوة الكبرى المهيمنة، ومارسوا عملية مسخ المسيحيين والمندائيين واليهود العرب، الذين كانوا محسوبين ثقافيا على بيزنطة، من اجل اقامة فن ديني اسلامي صرف، حتى ان العديد من المؤرخين اقحم اسماء لفنانين مسيحيين وأراميين مندائيين ويهود عنوة في الفن الاسلامي مع ان أعمالهم تحمل توقيعات اسمائهم الصريحة التي تدل على انتساباتهم غير الاسلامية، مثل قرة بن قميطا الحراني، وهو فنان ارامي مندائي، والفنان ابو نصر النصراني، ويوحنا الراهب، وابو يوسف بهنام بن يوسف الموصلي، ودليل بن يعقوب النصراني وعشرات غيرهم. نصل الى نتيجة انه لا يوجد فن تصوير اسلامي خاص او فن تشيع فيه رموز دينية خاصة محددة."

في العمارة

يشير الكتاب الى دور العرب في تحديد ملامح فن العمارة في صقلية في أكثر من موقع، ولا يغفل مسألة تكييف اشكال وتصاميم العمارة الوافدة مع المناخ وظروف الحياة الجديدة خصوصا في مراعاة شكل محدد من التقسيم في الوحدة البنائية الواحدة حسب مطلع الشمس ومغربها واتجاهات الريح للحصول على افضل توصيل أو عزل حراري وانارة كافية. ففي حديثه عن مدينتي "مارسالا" التي كانت تسمى "مرسى علي" ومدينة "اكريجينتو" في الصفحة 11 يقول : " لا تزال العديد من أحيائها وشوارعها والقاب ابنائها تحمل أسماء عربية، كما ان الزائر لاحيائها القديمة يمكنه مشاهدة بيوتها القديمة ذات التصميم الشرقي الذي يعتمد على باحة الدار التي لايحدها سقف والتي عادة ما تتوسطها نافورة مياه، وتتوزع الغرف على الجوانب الأربعة."
و يرى الكتاب أن تأثيرات فن عمارة الفترة العربية لم ينتهِ بنهاية الدولة العربية ولا حتى بانعدام وجود العرب في صقلية انما استمر تأثيره للفترة اللاحقة ولا تزال ثمة شواخص تدل على تأثيراته قائمة حتى الآن ليس في ايطاليا فحسب بل أيضا في فرنسا وانكلترا إذ يشير "تجاوز تأثير العمارة العربية في صقلية والاندلس مجرد التأثير على العمارة في اسبانيا وايطاليا الى دول أوربية أخرى مثل فرنسا وبريطانيا حتى ان باب كنيسة بوي (BUY) بفرنسا تكسوه كتابات عربية واضحة. وفي بريطانيا توجد أمثلة نادرة من الزخارف العربية، ظهرت هذه الزخارف بكل وضوح في كنيسة نورثمبتن (Northampton)، وفي غيرها من الكنائس والحصون" ص. 178
و يواصل: " كما انه لا يزال، إلى يومنا هذا، العديد من البناءات المعمارية المنتشرة في اوروبا مأخوذ بتلك الرياح العربية التي يشاهدها المرء ليس في البناء المعماري وحده وانما ايضا في مئات الكلمات العربية التي تطعم العامية الإيطالية الصقلية، في المقاهي المنتشرة في كل مكان، وهي تصخب بلعب الدومينو والدامة، وفي الآيات القرآنية المجيدة المخطوطة على أبواب وجدران جوامعها القديمة التي تحولت إلى كاتدرائيات وكنائس..... " 14

النمط الفكري الذي حدد طابع العمارة

بوسع القارئ أن يعود إلى الفصل الرصين والشيق عن خصائص العمارة العربية في صقلية وأتمنى عليه أن يعود إلى الإشارات القيمة الواردة عن النسق الفكري الذي يُهدي الى القيم الجمالية والابداعية كما ورد في الصفحتين 172 ـ 173: "كل عمل فني ينظر اليه نظرة اخلاقية على اعتباره صورة للفضيلة، تستدعي استبصار ما هو سامي. فالعمل الفني عبارة عن مفتاح او مدخل لادراك حقائق اسمى، يقول الغزالي ( فمن رأى... حسن نقش النقاش وبناء البناء انكشف له من هذه الافعال صفاتها الجميلة الباطنة التي يرجع حاملها عند البحث الى العلم والقدرة). ويقول ايضا (ان الجمال ينقسم الى جمال الصورة الظاهرة المدركة بعين الرأس والى جمال الصورة الباطنة المدركة بعين القلب ونور البصيرة).
الفنون التشكيلية العربية في صقلية
اهتم الكاتب بتفاصيل طرق الرسم للمدارس المختلفة التي شاعت في صقلية ومثلت تأثرا بمختلف المدارس فتحدث عن كيفية رسم الوجه البشري والفرق بين الرسوم التي تمثل الذكر والانثى وطريقة رسم الجسد وطريق رسم العيون والانف والجسد البشري.
يشير في هذا الفصل الى أن العرب استوعبوا ثقافات الامم المغلوبة وهضموها ووظفوها :" وكلنا يعرف بان إسهام العرب خلال القرون الثلاثة الاولى من ظهور الاسلام كان اسهاما متواضعا. وحين رغبت الارستقراطية العربية خلال القرن السابع في تزيين بيوتها بالصور الجدارية، استعانت برعايا الامم المغلوبة التي كانت لها اساليب فنية موروثة".
ففيم تتجسد الاعمال والبراعات التشكيلية؟ يجيب الكتاب: "المخطوطات والمنمنمات والرسوم الجدارية، وتزويق المخطوطات الادبية والعلمية والمهنية والمعرفية، اضافة الى الكتابات العربية سواء منها القرآنية او التذكارية او الجنائزية والتي كانت تسجل على العمائر الدينية والمدنية والحربية والمنشآت الخاصة بتنظيم وسائل الري من قناطر وسدود، وعلى المخطوطات والفنون الزخرفية من تحف زجاجية وخزفية وخشبية واحجار وشواهد قبور، وعلى المشكاوات الزجاجية المزخرفة بالميناء والمموهة بالذهب، الى جانب المصنوعات من النحاس الاصفر أو البرونز المطعّم بالنحاس، وتلك المطعمة بالفضة والذهب، والحفر على العاج والمرمر، والملابس والمنسوجات بجميع تفاصيلها وألوانها وموضاتها، وفن الايقونات، وفنون صناعة السجاد والبسط، والمشغولات المعدنية، وأيضا المسكوكات العربية" ص. 58
ثم بسبب تزاوجه مع فنون اوربا هناك واكتسابه ملامح جديدة يرى الكاتب أن يطلق عليه اسم فن عربي مهجن ثم يشخص ملامحه بـ " تميز الفن العربي المهجن الجديد، الذي احتضنه النورمانديون بالرهافة والرقة الى حد اكسبه نبض الحركة والحياة، واصبح ظاهرة تجديدية وإبداعية بامكان اي منّا ان يستشف من ذلك الانجاز الاصيل مناخات التجديد والابداع للفنان العربي الصقلي." ص. 69
وفي حديثة عن المدارس الفنية يشير "ان اول المعابر التصويرية تَمَثّل بالمخطوطات العربية المزوّقة بالصور الملوّنة والتي ترجع في اغلبها الى المدرسة البغدادية التي اتخذت اسماء متعددة، مثل مدرسة مابين النهرين، ومدرسة بغداد، والمدرسة العباسية، والمدرسة السلجوقية، اثناء الخلافة العباسية، كما ان الشخوص فيها يحملون سمات عربية في الوجوه والملابس التي يرتدونها، فقد زركشت حوافيها واردانها بزخارف نباتية وهندسية متكررة وبكتابات اغلبها من الخط الكوفي، كما انها تمتاز بالابتعاد عن الواقعية حتى لا تتعارض مع الموقف الديني من التصوير."
حقق الحرف العربي و الكتابة العربية شهرة على اعتبارها وحدات تكوينية جميلة تشكيليا. وبغض النظر عن المحتوى أو الدلالة اللغوية، اهتم المشاهد الأوربي ولا يزال بشكل الكتابة العربية سواء كحرف مفرد ذي شكل رشيق أو كجمل طويلة ذات تناغم وايقاع تشغل حيزا مكانيا وبصريا. والكتاب يتعرض لهذا الاتجاه في الرسم منذ ذلك الحين فيقول : "استخدم الفنان العربي الصقلي، اسوة بالعديد من زملائه في الاندلس وبغداد ودمشق، طرقا متعددة لتنفيذ الكتابات بالخط الكوفي على الاثار العربية، فقد استخدم طريقة الحفر الغائر او البارز على الاحجار والاخشاب والمعادن كما يتضح في الاشرطة الكتابية في الاثار المنتشرة في ابنية العديد من المنازل القديمة، ص. 85
و قد دفع هذا بالكثير من الاوربيين إلى اقتباس الخط العربي دون معرفة مضمونه. وقد ذكر المؤرخ كريستي دليلين على اعجاب الاوروبيين بالزخارف الخطية العربية مع جهلهم بمعناها، و يورد الكتاب أمثلة على ذلك، صليب ايرلندي مطلي بالبرونز البراق يرجع عهده الى القرن التاسع الميلادي، وكتبت في وسطه عبارة البسملة بالخط الكوفي ص. 86
من ذلك كتابة عربية حول رأس السيد المسيح المصور فوق الابواب التي انشأها البابا ايوجينيوس الرابع (1431- 1447) في كنيسة القديس بطرس بروما، وخطوط اخرى متعددة على قميص القديس بطرس والقديس بولس، كما نجد كتابات ليس لها معنى حقيقي، او تكرار لكلمات مألوفة تعبر عن التمنيات الطيبة مثل العز، النصر، ليبعد الفنان عنه صفة الالتزام الديني بقدر انتمائه العربي، وان ما يقدمه هو أمثلة دنيوية وليست دينية، اي لم يكن القصد منها ان تكون عنصرا دينيا اساسيا بالضرورة.

شعراء صقلية العرب

هذا الفصل هو واحد من امتع الفصول. يقدم لنا الكاتب خصائص الشعر العربي في صقلية وتأثيرات نعومة العيش والرفاهية وكذلك اشعار الحنين والافتقاد لمن غادرها من الشعراء. ويورد امثلة تغطي العديد من الصفحات لقصائد العديد من شعراء صقلية يمكن للقارئ ان يعود لها.
و لا يهمل تحليل ما طبع عليه شعراء صقلية و تأثيرات البيئة الجديدة عليهم، يقول : " كان الشاعر الصقلي يمتلك تطلعا حضاريا مماثلا لما كان يمتلكه زميله الشاعر العباسي، فهو لم يرتبط بزمن محدد، او يسجن في اللحظات الراهنة، كان يشعر انه لابد ان يسبق الحاضر، أعني يتصور الحاضر من قبل ان يقع، او يعمل على حضوره من قبل ان يحضر" ص. 107
و يستمر ...."يكشف هذا النوع من الابداع اصالة صقلية فيما ابتكرته وابدعته كاسهام رائع في تاريخ الادب العربي والحضارة الانسانية فالتقنيات التعبيرية، المرتبطة بنمط تعامل الشاعر مع اللغة وتحريكه لها، قد دشنت اساليب جديدة، واضافت عنصرا جديدا في فقه اللغة وعلوم الاجناس والانسان، كما انها وفي الوقت نفسه، عبدت الطريق امام ظهور دراسات استشراقية لاحقة اهتمت بالمخطوطات الاسلامية والتراث الشرقي عامة".
النماذج الشعرية التي قدمها الكتاب تتيح للقارئ أن يخرج بانطباع عن الخصائص المميزة لشعراء صقلية وخصائص التحديث في الغرض الشعري والبنية اللغوية كما و في سلاسة اللغة، ومن السهل ملاحظة الطابع العام للقصائد الذي تميز بالحنين والم الفراق، خصوصا وأن حكم العرب للجزيرة لم يدم طويلا واعترى تاريخها الكثير من الصراعات وعدم الاستقرار ما دفع بالكثير من الشعراء الى مغادرتها.
يتعرض الكتاب الى فنون أخرى مثل الطرب والموسيقى وكذلك صناعة المنسوجات التي هي تجسيد لقيمة استعمالية وجمالية، كما يتطرق الى اسماء الانواع المختلفة منها وكيف انها سميت على اسم المدينة التي نشأت فيها.

خلاصة
لا تستطيع هذه المقدمة ان تحيط بالكتاب، إنما هي، و كما ينبغي لها أن تكون، تمهيد لقراءته، مهمتها الأساسية تقديم انطباع عام عما ورد فيه. وكما ذكرت في صدر هذه المقدمة يحمل لنا الكتاب الكثير من المعارف والتحليلات وإقرارا من الآخر بعظم الاثار الفنية والثقافية التي تركها العرب في هذه الجزيرة رغم قصر فترة حكمهم.
ورغم ان تقييم الدور الثقافي لأمة ما لم يكن موضوعيا دائما وتأثر للأسف بالصراعات السياسية والعداء والكراهية، إلا اننا نلاحظ ان الحكم الموضوعي يشق طريقه بين ثنايا الكتاب والأهم إنه يرد من كتاب اوربيين وجدوا أن الامانة العلمية تلزمهم ببذل الجهود لتتبع الدور الذي لعبته امم أخرى في ثقافتهم. هذا الأمر يساعد على تأسيس خطاب للتقارب والتفاهم المشترك يكتسب اهمية قصوى في هذا الزمن المضطرب الذي تميز بتصاعد نبرة العداء والصراع والتطرف والعنصرية.
بذل المؤلف جهودا كبيرة في تتبع مصادر معلوماته مستفيدا من ذخيرته المعرفية واللغوية واورد في نهاية كل فصل المصادر التي اعتمدها ما يفيد القارئ الراغب بالاستفادة أو التحقق. ويلعب الكتاب والخطاب المنفتح الذي ساده دورا في تعزيز التفاهم المشترك.

نشرت في وجهة نظر
الجمعة, 09 حزيران/يونيو 2017 21:08

الرابح الخسران

الفرق بين نظرتنا ونظرة الأوربي للحياة ومفاصلها وتفاصيلها تختلف كثيراً وهي متأتية من ثقافة وأطباع مجتمع فنحن نجدها صراع ومنافسة كي نسبق أقراننا، القريب والجار والصديق، بينما يجدها الأوربي فرصة لا تتكرر للمتعة والفرح، فيكسر كل القيود وينطلق ليعيش ويتفاعل مع محيطه ويبحث عن السعادة بعلاقاته الأسرية والمجتمعية وفي العمل، وهو ليس في عجلة من أمره ولا بسباق مع أحد ولا مع الزمن مثلما نفعل نحن لتكون حصيلتنا بالنهاية... خسارة العمر كله.
في دول أوربا الغربية يأخذ بعض الطالبة الجامعيون (قيلولة) من الدراسة في أية فترة يختاروها، فيتوقفون لكورس دراسي أو سنة ويذهبون بسفرة طويلة وبعيدة لجنوب أفريقيا أو أمريكا أو جنوب شرق آسيا وأستراليا للنقاهة وتجديد حيويتهم ثم يعودون لكرسيهم من جديد، وتجد بعضهم حين يعود يستبدل أختصاصه بآخر لمجرد أنه يكتشف وبأستقلالية تامة أنها لا تلائمه وأن رغبته قد مالت لأختصاص آخر، فيبدأ الدراسة من جديدة، وفي حفل تخرجه تجد أن على يمينه يقف أبن العشرين ويساره أبن الخمسين. السؤال الذي يطرح نفسه، أيتمكن تلميذ بأسرة شرقية أن يختار طريقه بأستقلالية تامه وأن يدرس على مهل دون أن تقوم عليه الدنيا ولا تقعد؟ حتى الأسترخاء عدة أشهر بعد التخرج يجدهُ الأوربي فرصة ضرورية ليتحول من عالم الدراسة لعالم العمل حيث يتمتع بالهدوء ولملمة الأنفاس ليقوم خلالها عقله (بشحن) بدنه ثانية بينما نجدها نحن أحد نقاط الأنطلاق الفورية التي علينا من خلالها منافسة الغير.
لنسأل أنفسنا، لِمَ كنا بعجلة من أمرنا أيام الدراسة ولِمَ تسابقنا وكأننا بمباراة نعتقد أن فيها رابحاً وخاسراً؟ ما دامت الغاية من الحياة السعادة والمتعة وتحقيق الأهداف، دع الجميع يختار الوقت الملائم لذلك وليتمتع بأيام سوف لن تتكرر أبداً، فالأغلبية الساحقة في النهاية سيستلمون الشهادة وسيعملون ويأخذون رزقهم وحصتهم بالحياة، الأوربي يمكنه أن يعيش حياته ومتعها وبنفس الوقت قبل التخرج تجده يتابع تعليمه ويعمل ويكسب، الكل حينما يُنهي دراسته قبل أو بعد الآخرين بأشهر أو سنين تجده أيضاً راضٍ وسعيد ولا ينظر له مجتمعه كنظرة مجتمعنا على أنه شخص فاشل متأخر دراسياً، ليس شرطاً أن مَن يتخرج بعد أقرانه كان خاسراً، فربما هو قد عاش السنة التي أعادها بسعادة ومتعة أفضل مما لو عاشها بعد التخرج... أقول ربما!
في المرحلة الأولى من دراستي الجامعية، كنت أعيد الدور الثاني بمادتي الرياضيات والثرمنوداينمك وكان نظام العبور بدرس واحد فقط أي عليّ أجتياز أحدهما، لكن بسبب فرق درجة واحدة فقط كان يجب أن أعيد العام، قامت الدنيا ولم تقعد وتحركت نحو أستاذي وتوسطت دون جدوى وأعادوا تصحيح أجوبتي الأمتحانية، مر الوقت وصار أمر أعادتهما في العام الاحق واقعاً. آلمني ذلك كثيراً وأصبح لدي وقت (فري) طويل طيلة أيام الأسبوع وأضطرني أن أستبدل زملاء الصف بجدد. لاحقاً أكتشفتُ بأنها فرصتي أن ألهو وأن أستكشف متع الحياة دون ضغوط الدراسة الجامعية الشديدة، أنا اليوم وبكل صراحة أجد أنها (أنجح) سنة عشتها بشبابي، ربما ثقافة البعض ترفض هذا الطرح لكنني وبكل أمانة قد أقتنعتُ بذلك، هكذا أيضاً قص عليّ أحد الأصدقاء قائلاً بأن سنة رسوبه بالجامعة كانت أسعد سنة بحياته ، فملأ فراغه الطويل بعد تحرره من ثقل كاهل الدراسة، فصال خلال عام الرسوب وجال مستمتعاً بالحياة أكثر من أي وقت مضى.
لم نكن نحن الشباب الطلبة الشرقيون ولا أهلنا ومحبينا هم الوحيدون المتعجلون في أمر تخرجنا، فالبلد يريدنا أن نبدأ العمل والإنتاج يوم قبل آخر، لكن السؤال... هل لو كسبنا الوقت وغلبنا الزمن سنشغل المكان المناسب في بلداننا ونجلس على الكرسي المناسب؟
التجارب وحتى لو تكون قاسية أو قريبة جداً من الخطوط الحمراء التي نخطها لحياتنا أو يقوم الأهل والمجتمع بوضعها لنا أجدها ضرورية، فالتجارب قبل الزواج منحتنا الحصانة بعده. قيادة السيارة بسرعة كبيرة جداً بسن يافع وبمكان وزمان مناسبين نستكشف من خلاله أمر غالباً ما نتجنبه لاحقاً ولن يتكرر. كنا نضرب المواعيد الغرامية في صبانا ونتحمل الأنتظار ساعات بالشمس مغلبين الأمر حتى على دراستنا وكان الفشل نتيجة لكثير من تلك المغامرات لكن كان العمر يسمح والألتزامات قليلة، هو نفس الأمر لا نتحمله بسن متقدم، الشيء المنطقي والمفارقة الوحيدة بهذا الأمر أننا كنا نتحمل ذلك بعمر صغير ولا نتحمله بعمر أكبر، فمن لم يعِشه باكراً ربما سيمر به لاحقاً ويكون وقعه على شخصه أشد. الدخول بعراك وأشتباك بالأيادي في عمر الصبا أو الشباب يجعلك تجرب سرعة رد فعلك وقوتك ومقاومتك ليكون لك درس لتُحسن من مستوى أداءك لأنك ربما تكون في موقف عند الكبر وقد تحتم عليك أستخدام عضلاتك. التجارب يقول المثل هي أحسن البراهين والتقييم لن يأتي بالأقوال بل بالأفعال.
في يوم جاء أحد الأقرباء ودعانا لسهرة (ساخنة) بوجود فرقة نسائية راقصة، وكان بحاجة لدار معزول كالبيت بداخل المزرعة التي كنا نمتلكها بمدينة (هبهب) قرب (الخالص)، كان الجواب حاسم وحازم بأن ما يفكر به هي التفاهة بعينها، كانت ردة فعلنا صدمة شديدة له، توقف الرجل عن الكلام وأستطرد قائلاً بأننا نحن من على الخطأ لأننا لا نجيد التمتع بأيامنا كما يجب، غادر وهو يلعن الساعة التي جاء بها عندنا. بغض النظر عن مبادئنا ومبادئه بالحياة، فهذا الرجل يتمتع بأيامه ـ من وجهة نظره ـ بشكل أفضل منا نحن الذين نتبنى سلوكيات تملأها علينا قوانين ومبادئ أجدها حادة جداً أفقدتنا أياماً راحت ولم تتكرر كنا لأستكشفنا من خلالها أموراً غابت عنا ولم يعد بأمكانها العودة.
ربما نحن قد ربحنا المبادئ لكن من أجلها خسرنا معظم متع الحياة. لو نعود بتفكيرنا للوراء ونبحث بسني عمرنا، كم من الفرص التي أضعناها لأن مقاييسنا ومقاييس المجتمع من حولنا عمن هو الناجح غير صحيحة، عندها سنكتشف أننا قد خسرنا الكثير من أجل أن نربح!

_________________________________________
× يمر الشاب والشابة بمجتمعاتنا العربية بمراحل حياتية يفرضها عليهم مجتمعهم وتقاليدهم وعليهم هم الألتزام بها، وليس فيها من المرونة كما هي في المجتمعات الغربية، فمن المحتم أن يستكمل دراسته الجامعية ببداية العشرينات وأن يعمل ويتزوج قبل بلوغه الثلاثين، والسؤال المحير هو هل من تعاليم سماوية نزلت بذلك ليكون ديننا وديدنا؟ أنا لستُ على دراية بذلك!

نشرت في وجهة نظر
الأحد, 28 أيار 2017 17:12

ايطاليا تحتفل بذكرى غرامشي

ثمانون عام على الرحيل
1891ــــ 27 نيسان 1937

أكد غرامشي على ضرورة امتلاك الجماهير كمّا من الثقافة يختلف شكلا ومضمونا عن الثقافة المحترفة.فالثقافة الشعبية يجب ان توجد الموقع الذي على الانسان العادي ان يحتله من اجل اعادة صياغة المجتمع والعالم، وفي هذه الحالة، من وجهة نظر غرامشي، بالامكان انتاج معرفة جديدة تغيب فيها الفروق بين الثقافة المحترفة والثقافة الشعبية. وللوصول الى هذا الطموح يفرض غرامشي ضرورة الغاء الشكل التقليدي لفهم الفلسفة التي يصورها المحترفون من رجال الثقافة على انها امر بالغ الصعوبة ومقتصرة على فئة محددة من العلماء المختصين والفلاسفة المحترفين، والحقيقة هي ان الفلسفة الحقيقية هي فلسفة البشر( كل انسان هو فيلسوف)، فلسفة رجل العفوية، فالجماهير الشعبية لها فلسفتها الخاصة بها. وهو يقول" لانستطيع ان نتصور وجود انسان لايستطيع التفكير حتى وان لم يكن فيلسوفا، لان فعل التفكير من خصائص الانسان من حيث هو كذلك".
والفلسفة الجماهيرية التي تحدث عنها غرامشي مزيج من اللغة والحس العام والحس السليم والفلكلور" باعتباره انعكاسا لشروط حياة الشعب الثقافية". وكذلك المعتقدات الدينية الشعبية، ولا يمكن ان تتحقق هذه الثقافة وتتكامل الا من خلال المنظم لها وهو الحزب السياسي، اذ من دون هذا المنظم الذي يطلق عليه اسم" الامير الجديد" فان هذه الثقافة هي بشكل او بآخر جزء من الثقافة المحترفة المتسلطة التي تقف ضد الثقافة الشعبية التي هي انعكاس حقيقي للشروط المادية والروحية والفكرية للشعب، وما حضور الثقافة الشعبية الا الحضور السياسي للقوى الشعبية وتجسيدها في استقلال سياسي.
وفي تراجع هذه القوى، تغدو الثقافة الشعبية والاشتراكية والحزب، عبارة عن مفاهيم مجردة ليس الا. اما كيف يمكن تحقيق التقدم الثقافي للجماهير، فهذا الامر من وجهة نظر غرامشي، يعتمد بالدرجة الاولى على الحياة اليومية التي في جوهرها تتحول الفلسفة الى تصور متناسق متجانس واضح للعالم، ولا يأتي هذا من خلال استيراد وتلقين خارجي، لان العملية ستقع في المطب نفسه الذي هو امتداد للتلقين الديني والمدارس الرسمية، بل يتحقق من خلال التعليم والتعليم الذاتي، وتحقق من خلال الفعل اليومي المبدع الذي يرتقي بالحس الجماهيري العام الى مقام الفلسفة" ان نقد كل فلسفة اعدت حتى اليوم، انما هو على قدر ما تركت في الفلسفة الشعبية من طبقات مرصوفة، ان بداية الاعداد النقدي هي الوعي لحقيقة الذات، اي" اعرف نفسك" من حيث انك حصيلة سير تاريخي تم حتى الان، وهذا السير ترك في كل واحد منا عددا لانهاية له من اثار لم يتوفر لنا احصاؤها، فيجب البدء باحصاء هذه الآثار ووضع قائمة بها".
التفكير النقدي لدى غرامشي يسعفنا في الاستنتاج لانه يجعل من المساءلة والمراجعة والخلخلة ادواته وآلياته، بغية محاكمة الافكار والنصوص والتراث والسياسة والوجود. فهو يرى بان التفكير النقدي نشاط عقلي يفترض دوما الانتقال من الاسطورة الى العقل، ومن الادراك الى الفهم، مع ما يصاحب هذا الانتقال من إرادة تهدف الى كشف المستور وزعزعة الثوابت ومراجعة اليقينيات. فالنقد الماركسي الذي تبناه في عمله الفكري يشدّد على تعبئة قدرات العقل لتشخيص الواقع التاريخي والاجتماعي والسياسي وكشف آليات السيطرة والاستغلال المتخفية في ثناياه وفي سياقاته المتعرجّة.
لغرامشي مكانة دائمة ومنزلة اساسية في الفكر الماركسي خلال عقود طويلة من الزمن. بل ربما يعاد اليه الفضل حين يدور الحديث حول رياح التحرر التي طبعت مسيرة الاحزاب الشيوعية وعلى رأسها الحزب الشيوعي الايطالي، والتي جعلته الاقوى والاكثر ديمومة بين الاحزاب الشيوعية الاوربية الغربية، كما جعلته على الدوام قادرا على مواكبة حركة التاريخ، فهو يعتبر احد ابرز المنظرين الاساسيين للفكر النضالي في القرن العشرين. يبقى فضل غرامشي الكبير على الفكر الماركسي في كونه اعتمد وحدة النظرية مع الممارسة كمحور وكمركز ارتباط استراتيجي لتحليلاته، وعارض بشدة اية محاولة للفصل بينهما، بل كان فكره عبارة عن سبيكة متينة من النظرية والممارسة، اذ تتميز مقالاته ومؤلفاته الاجتماعية قبل الاعتقال بطرح المسائل بجرأة وغزارة وبعناصر التحليل النظري التي تجلت حتى في كل مقالة قصيرة تعالج حدثا آنيا. وقد تطور هذا الاسلوب تطورا عضويا لاحقا في فترة سجنه التي تعمق فيها فكر غرامشي وتغلغل في مجالات جديدة.
وغرامشي هو ذلك المفكر المناضل الذي ظل يتساءل باستمرار عن كيفية تحقيق الانتقال من النظرية الى التاريخ. وفعلا لقد اجتهد كي يحقق وحدة الممارسة بين التاريخ والفلسفة، وعلى الصعيد الثوري السياسي عمل بثبات على تحقيق الوحدة بين العفوية والقيادة الواعية ممثلة بحركة المجالس العمالية، وطبيعة علاقة الحزب بالجماهير وبين القيادة والقاعدة، الحزب/ يساوي التثقيف/ يساوي المثقف الجماهيري. اما على الصعيد النظري، فقد أكد بانه من الممكن ان يحدث تعارض النظرية المعاصرة مع المشاعر العفوية للجماهير، ولكن "هذا التعارض هو تعارض كمي وليس تعارضا نوعيا" المهمة كما يراها غرامشي تتمثل في تحقيق ارتباط الماركسية بالحكمة الشعبية فتستوعبها وتتجاوزها في آن معا.
اما على الصعيد الثقافي، فانه قد اولى مسألة الادب الشعبي اهمية كبيرة على ضوء كيفية تحقيق الارتباط بين الادب والشعب، وكيف يمكن وضع أدب النخبة بمتناول الشعب والامة. وهاتان المسألتان تفسران اهتمام غرامشي الدقيق بواقع الامة التاريخي، ذلك الاهتمام الذي لايمكن عزله عن الاهتمام النظري.
ابرز ما يميز هذا المفكر- المناضل تأكيده على ضرورة الانطلاق من خصوصية الواقع المحلي لاي مجتمع من المجتمعات في حالته لايجاد الطريق الخاص الى بناء الاشتراكية، وكانت الكيفية التي يتم بواسطتها تحقيق الانتقال من النظرية الى التاريخ سؤالا دائما لديه.
كرس غرامشي بحوثه النظرية لمفهوم " الهيمنة" الذي نبعت صياغاته الاولى من خلال دوره في المجالس العمالية التي كان وراء تأسيسها في مدينة تورينو عام 1919 وشهدت هذه المدينة في احدى مراحلها، تجربة سيطرة عمالها على مصانعها، فراحوا يديرونها بانفسهم في ظل قيادة غرامشي نفسه. وتتكون عناصر هذا المفهوم من:
1- بسط الطبقة العاملة هيمنتها على مرافق المجتمع كافة قبل استلامها السلطة.
2- منح المثقفين العضويين( اي المرتبطين بهموم المجتمع) دورا في عملية التغيير.
3- تحالف العمال مع جميع القوى الاجتماعية ذات المصلحة في عملية التغيير.
4- الحفاظ على خصوصية العملية الثورية، وعدم استيراد اشكالها واساليبها من الخارج.
ورغم ان تنزيل هذا المفهوم على ارضية الواقع، او لنقل الاسلوب السياسي الشامل، سيصطدم بعقبة السيطرة الثقافية- المادية التي تحوز عليها عادة الطبقات السائدة سياسيا فانه وجد صداه في المجتمع الايطالي حتى اليوم، فيسار الوسط الايطالي الذي يحكم البلاد حاليا يملك ثقلا كبيرا، كما ان التاريخ الانساني حمل تجارب عبرت عن امكان تحقيق هذا الاسلوب نتائج محسومة، ومنها تاريخنا العربي، اذ امتلكت ثقافة المعارضة على الدوام نفوذا جماهيريا اوسع من نفوذ السلطات. واعطى غرامشي اهمية خاصة لمسالة الدين ومكانته في المجتمع، وقد قسم الدين الى رسمي وشعبي، واعتبر المجالس العمالية داخل المصانع مفتاحا رئيسيا لحل المعضلات، وحلا وحيدا لامكان ضمان العمال تجاوز حال الضياع والاغتراب الاقتصادي، النفسي- الثقافي، والشعور بمسؤولتهم ومستقبلهم.
وابرز مساهمات غرامشي النظرية كان في مجال المعرفة وكيفية إنتاج معرفة جديدة تتلاشى فيها الفروقات بين الثقافة الشعبية والثقافة المحترفة. يقول" ان نشر نمط متجانس من الفكر والفعل انطلاقا من قيادة متجانسة هو الشرط الاساسي لكنه ليس الشرط الوحيد، فمن الاخطاء الشائعة الاعتقاد بان كل فئة اجتماعية تصوغ وعيها الذاتي وثقافتها الذاتية بطرق متماثلة بالمناهج، اي بمناهج المثقفين( المحترفين) وهذا المفهوم يرتكز على ثلاث نقاط اساسية هي:
• لاتحقق الطبقات الاجتماعية ثقافتها الذاتية بطرق متماثلة
• لايمكن ارجاع الانتاج الثقافي الى جهود المثقفين المحترفين
• ضرورة تأمين شروط ومبادرات متعددة، والمبادرة تعني هنا الاقتراح الذي يستلزم التجريب والفعل وتحرير الامكانات. فالمطلوب كما هو واضح ليس تثقيف الجماهير بالمعنى التقليدي، بل المطلوب هو اطلاق حركة الجماهير التي هي المنتج الحقيقي للثقافة الجديدة.
واعطى غرامشي اهمية خاصة لمسألة الدين ومكانته في المجتمع، وقد قسم الدين الى رسمي وشعبي، واعتبر المجالس العمالية داخل المصانع مفتاحا رئيسيا لحل المعضلات، وحلا وحيدا لامكان ضمان العمال تجاوز حال الضياع والاغتراب الاقتصادي، النفسي- الثقافي، والشعور بمسؤوليتهم ومستقبلهم.
وغرامشي يؤكد على ضرورة امتلاك الجماهيركما من الثقافة تختلف شكلا ومضمونا عن الثقافة المحترفة، فالثقافة الشعبية يجب ان توجد الموقع الذي على الانسان العادي ان يحتله من اجل اعادة صياغة المجتمع والعالم، وفي هذه الحالة، من وجهة نظر غرامشي بالامكان انتاج معرفة جديدة تغيب فيها الفروق بين الثقافة المحترفة والثقافة الشعبية. وللوصول الى هذا الطموح يفرض غرامشي ضرورة الغاء الشكل التقليدي لفهم الفلسفة التي يصورها رجال الثقافة المحترفون، على انها امر بالغ الصعوبة وهي مقتصرة على فئة محددة من العلماء المختصين والفلاسفة المحترفين، فالفلسفة الحقيقية هي فلسفة البشر( كل انسان هو فيلسوف) فلسفة رجل العفوية، فالجماهير الشعبية لها فلسفتها الخاصة بها، وهو يقول" لانستطيع ان نتصور وجود انسان لايستطيع التفكير حتى وان لم يكن فيلسوفا، لان فعل التفكير من خصائص الانسان من حيث هو كذلك".
كتب غرامشي مؤلفه الكبير" دفاتر السجن" في سجنه، ويشمل ستة مجلدات موزعة اصلا على 32 كراسا يعالج كل واحد منها موضوعا في حد ذاته، سواء أكان هذا الموضوع سياسيا ام فلسفيا ام اقتصاديا، ام يعالج مسائل التاريخ الثقافي، ام الاجتماعي ام الفني ام الادبي، وهذه النصوص لاتمتلك طابع اليوميات، بل ارتدت طابع الدراسات العلمية الخالصة، بحيث ان كل كراس اتى على شكل بحث علمي مثل" ملاحظات ميكافيلي"، " الدولة الحديثة وسياستها" ، " الانبعاث" الذي يعتبر دائما اقوى الدراسات التي تناولت تطور البرجوازية الايطالية ونموها" بين الماضي والحاضر" ثم خصوصا " الادب والحياة الوطنية" الذي لايزال ينظر اليه دارسو غرامشي وكاتبو سيرته على انه النص الافضل والاقوى بين كل نصوص هذه المجموعة، و" الكوميديا الالهية" و" المادية التاريخية وفلسفة بنديتو كروشى" وصولا الى دراسته المميزة التي تناول من خلالها الادب واللهجات المحلية( العامية) ودور الثقافة حولها من مجرد جزء من " بنية فوقية" في المجتمع، بحسب الفهم الماركسي السائد في ذلك الحين، الى ان يرى دورا خاصا لها، حتى وان ارتبطت ببنية المجتمع واوليات هذا المجتمع، فهي ترتبط ارتباطا خاصا يجب البحث دائما عن هويته وجذوره.
اما مشكلة المثقفين فهي اساسية وجوهرية، اذ يرى غرامشي ام كل البشر مثقفون بمعنى من المعاني، ولكنهم لايملكون الوظيفة الاجتماعية للمثقفين، وهي وظيفة لايملكها الا اصحاب الكفاءات الفكرية العالية الذين يمكنهم التأثير في الناس. ومن هنا يستخلص الفارق بين المثقف التقليدي والمثقف العضوي. الاول في برجه العاجي ويعتقد انه اعلى من كل الناس، في حين ان الثاني يحمل هموم كل الطبقات وكل الجماهير وكل الفقراء والمحرومين والكادحين. وعليه، فان المثقف الحقيقي هو المثقف العضوي الذي يعيش هموم عصره ويرتبط بقضايا امته.
ولد انطونيو غرامشي في 23 كانون الثاني( يناير) 1891 في مدينة "اليس" في جزيرة سردينيا.
عام 1908 اضطر الى الانقطاع عن الدراسة بسبب فصل والده من عمله، فعمل في مكتبة صغيرة لاعالة العائلة، ثم عاد في ما بعد لمواصلة دراسته بسبب اصرار امه. وفي عام 1911 حصل على منحة دراسية حكومية لدراسة الادب في جامعة تورينو.
عام 1913 سجل في منظمة الشباب الاشتراكي، وساهم في كتابة نشرة " صرخة الشعب" التي كانت تصدر عن ذلك التنظيم.
عام 1916 انضم الى الحزب الاشتراكي الايطالي في مدينة تورينو، وبدأ الكتابة في جريدة" افانتي"(الى الامام) الناطقة بلسان الحزب، حيث كتب مقالات فنية وثقافية، وبعد عام اصبح مسؤولا عن نشرة" صرخة الشعب" وظهرت تأثيرات فلسفة هيغل وماركس في كتاباته، وفي سنة 1917 انتخب سكرتير لفرع الحزب في تورينو، وفي 1919 بدأ مع رفاقه، تولياتي وتوسكا وترنجيني باصدار المجلة الاسبوعية" الاوامر الجديدة". وكان يصدر العدد الاول من تلك المجلة في الاول من ايار( مايو). بعد ذلك كتب غرامشي برنامج الحزب الاشتراكي الايطالي الذي اعتبره لينين في وقته يلتقي كليا مع المبادىء الاساسية للكومنترن.
وفي عام 1921 تحولت مجلة "الاوامر الجديدة" الى جريدة يومية، ومن ثم بدأت التهيئة لتأسيس الحزب الشيوعي الايطالي، فعقد الاجتماع الاول في مدينة ليفورنا في مقاطعة توسكانا وتشكلت اول لجنة مركزية للحزب الشيوعي الايطالي.
في عام 1921 دعي الى موسكو ممثلا عن الحزب الشيوعي الايطالي في مؤتمر الاممية الشيوعية، ولم يكن يتمتع بصحة جيدة مما حمله على دخول احدى المستشفيات السوفياتية، وتعرف اثناء مكوثه في المستشفى الى فتاة موسيقية وتزوجها واسمها جوليا سكوكت، وانجب منها ولدين، ديليو وجوليانو يعيشان حتى الان في مدينة موسكو. وفي عام 1924 غادر غرامشي الى ايطاليا، وانتخب كنائبا في البرلمان الايطالي عن مقاطعة " الفينيتو" الشمالية، وفي الوقت نفسه تسلم مهام سكرتارية الحزب الشيوعي الايطالي، وفي عام 1926 حضر المؤتمر الشيوعي في مدينة " ليون" الفرنسية، ونال خطه السياسي 90 في المئة من المؤتمرين.
ولكن في 18 تشرين الثاني( نوفمبر) من العام ذاته تم اعتقاله في روما من قبل قوات الحرس الفاشي، وقدم الى محكمة خاصة بتهمة القيام باعمال تخريبية وتعريض امن البلاد للخطر، فحكم عليه بعشرين سنة واربعة اشهر وخمسة ايام. وفي 1929 بدأ كتابة مؤلفه الكبير" دفاتر السجن" الذي يعكس المساهمات الفكرية التي لاتزال تحظى باهتمام المثقفين والسياسيين في جميع انحاء العالم، وتتمتع بتقدير كبير لدى عدد كبير من المع المؤرخين وعلماء الاجتماع. والمعروف ان " دفاتر السجن" عبارة عن رؤوس اقلام وملاحظات حددت الظروف الخاصة التي سجلت فيها طابع هذه المواد غير المكتمل بعض الشيء وكان المؤلف يعتزم انجازها، ومما لاشك فيه ان عدم اكتمال وانجاز مؤلفه الكبير هذا، خصوصا في المرحلة الابكر على حد سواء، يمكن ان يفسر بالظروف التي عاشها وعمل فيها، ومع ذلك لايقل اهمية ان نرى ونؤكد شيئا اخر، فقد عكس بفكره المتنور هذا رفضه الخطوط البيانية المغلقة والجمود العقائدي، وسعيه الى التكيف مع الظروف القائمة، وسير الاحداث بصورة منسجمة.
لقد تحاشى غرامشي فكره السعي الى بناء انظمة مصطبغة، وناهض منذ البداية الجمود العقائدي، فقد كتب يقول" لم يكتب ماركس انجيلا، وهو ليس رسولا ترك بعد غيابه عددا لايحصى من الوصايا المفعمة بتوجيهات قطعية وقواعد مطلقة غير قابلة للنقاش، ان ماركس بالنسبة الينا، مثال روحي واخلاقي، وليس راعيا يمسك بسوط".
ومع نهاية العام 1935، انهى غرامشي 33 دفترا، الا انه كان يحمل الى المستشفى لمعالجته باستمرار، وظلت صحته تتدهور حتى مات في احدى مسشفيات روما في 27 نيسان ( ابريل) 1937، وقد اتهم" اومبيرتو كارديا" احد اقطاب الحزب الشيوعي الايطالي في عام 1988، تولياتي بالتهاون مع ستالين في دعم فك حصار العزلة القاتلة التي عاشها غرامشي داخل السجون الفاشية، اذ يعتقد كاديا بان تولياتي لم يفعل شيئا من اجل انقاذ غرامشي ويعزي السبب في ذلك" الى ان غرامشي تميز بمواقفه الواضحة من الممارسات الستالينية داخل صفوف الحزب الشيوعي السوفياتي ضد المعاضة من اعضاء اللجنة المركزية، وكذلك فان غرامشي كان يطالب باستمرار بعدم التنكيل بالمعارضة الداخلية داخل الحزب وضرورة احترام مواقفها، ولهذا فان غرامشي دفع ثمن مواقفه تلك بان بقي وحيدا منعزلا داخل السجون الفاشية حتى وفاته.

نشرت في وجهة نظر
الجمعة, 19 أيار 2017 19:54

نَشْوَةُ الأملِ

بعدَ ترددٍ وحيرةٍ
وبينَ
خجلٍ ووجلْ
بعثَ لها بمرسالِ
حُبهِ
وفيه كَلاَمٌ مُختزلْ
بثَ بهِ لوعةَ الحُبِ
وأنتقى
جملاً رقيقةً
من
أدبِ الغرامِ والغزلْ
وحددَ لها
موعداً بذاتِ المكان
الذي التقتْ فيه نظراتُهم
لأولِ مرةٍ
فارتجف لها قلبُه
وعجّل مُبكراً
لموعدِ اللقاء
اتخذ نفسَ الطاولةِ التي جلست عليها
وأحتسى بقلقٍ
ثلاثةَ كؤوسٍ
من نبيذِ العسلْ
وراحَ يعومُ
بوجلٍ في يمِّ
الشكِّ واليأسِ والغرامْ
فدنتْ من خلفِ رأسهِ
نسمةُ عطرٍ
آسرةٍ ساحرة
هامسة بالآذنِ
أُحبُكَ
أدارَ الرأسَ والقلبَ
بكلِّ توقٍ ولهفة
فتلاقتْ المُقلِ
وبشوقٍ وعلى عجلٍ
تعانقتْ الشفاهُ بحميمٍ مِن القُبل
وبنشوةِ الظفرِ بالنصِرِ
ارتشفَ مِن شهدِ عناقِ القبلْ
فرقصَ الفؤادُ
وغنى مواويلَ
العشقِ والطرب
وتراقصتْ ثَمِلةً
الخمرةُ
في
الرأسِ والكأسِ
مالمو في نيسان/أبريل 2017

نشرت في وجهة نظر

وموضوع الخرافة وعلاقتها بالمنتج التشكيلي، لاشك انه معقد وشائك، رحب الارجاء، مترامي الاطراف، يصعب حشره في أطر تأليفية ، خاصة وان التحليل الاجتماعي والسيكولوجي يكاد يكون ضعيفا للغاية، كما تنعدم في مجتمعاتنا العربية،الابحاث الانثروبولوجية والاثنوغرافية التي يمكن ان تقدم الوقائع المحسوسة لكل بحث نظري حول هذه العلاقة الشائكة بين الفنون التشكيلية والخرافة. الا ان الخرافة والاسطورة والفلسفة والسحر والدين والفن كانت ولا تزال الى يومنا هذا، وفي العديد من تجمعاتنا الانسانية، تتداخل جميعها لتشكل مجتمعة او متصارعة، نمطا معينا من التفكير او الذهنية، غالبا ما اطلق عليها اسم الذهنية الالتباسية، مقابل الذهنية العلمية. فالخرافة لم تتلاش من سلوكياتنا وافكارنا ومعتقداتنا وطموحاتنا، لانها لاتزال تشكل جزءا من لغة التعبير الشعبي، فقد تبدل شكلها، اما طبيعتها فلا زالت باقية مترسخة. وقد يتغير دورها، اما بنيتها تستمر في علاقة جدلية مع البنية الاجتماعية وذائقتنا الجمالية للاشياء التي تحيطنا، انها تتعايش وتتكيف حتى اصبحت تشكل جزءا لايتجزأ من بنية قيمنا الاخلاقية ومحرماتنا الدينية. الخرافة لازالت تشكل جزء من لغتنا في مسيرة التغيير والتطور .
فالخرافة تصدر عادة عن العاطفة والشعور لا عن العقل الواعي باعتبارها سرد خيالي شعبي عفوي ذو معنى رمزي، تتضمن بعض الاحيان تقليدا قديما او حكاية عن شخصيات واحداث وتشير عادة الى ظواهر طبيعية او الى مرحلة تاريخية او الى مضمون فلسفي او خلقي او ديني، ويقال ان جميع الميثولوجيات العالمية انطلقت من اسس خرافية تشعبت وتلاحمت لدى عدد من الشعوب. والخرافة تبرز احداثا وشخصيات وهمية تتراءى من خلالها احداث وشخصيات واقعية. وترتبط بوقائع مادية وخيالية ، مأساويا او دينيا وترتبط بعقائد إيمانية او بشعائر سحرية .انها بعبارة اخرى عبارة عن تمثلات نسبية يعبر الفرد من خلال تداولها احداثا نفسية قادرة لان تكون جزء من مفاهيم ادراكية وسيرورات ومسارات.
والخرافة ولدت مع اول الافكار التي كان يشعرها الانسان، لتكبر وتتسع مع توسع مداركه، امتلكت سطوتها لتشكل اجابة للعديد من الظواهر التي واجهها الانسان ، واستطاع ان يصوغها كاجابات للاسئلة المستحيلة التي يرددها العقل البشري منذ ان وعى وجوده. ومن الضروري والحالة هذه ان تكون الاجابات التي خلقها الانسان لنفسه وللآخرين المحيطين به، تصويرية حية تمنح وتسبغ قوة هائلة على القدرات الغيبية بكل مشتقاتها وتكوناتها الدينية والسحرية.
وهذا البعد الوجداني لكل من الفن التشكيلي والخرافة يبرز تشابها بنيويا، باعتبار ان الفن قوة روحية خلاقة، وهو تجربة" شبه دينية" شخصية وجدانية تتم خارج نطاق الحواس فلا تقيدها قيود الواقع ولا المنطق. والفنان حسب عالم النفس"كارل يونغ" ليس مخلوقا عاديا يبدع اعماله عن قصد وتفكير ورؤية بل هو مجرد أداة في يــــــد " قوة عليا" لاشعورية. ويتسم مفهوم يونغ على مستوى البنية بروح قدرية تعد هي الاخرى ملمحا من ملامح التشابه بين الفن والخرافة، فالعمل الفني يصنعه الفنان وليس العكس، لان الفنان عبر منجزه الفني قادر عبر الادراك المباشر على النفاذ الى باطن الحياة. الفن هو حدس يستولي على الذات العارفة فيجعلها تتطابق مع موضوع معرفتها. وبرأي الفيلسوف الالماني" شوبنهور" فان الفنان الذات العارفة الخالصة المتحررة من الارادة واسر الجسد وعبودية الاهواء، فهو لايعود يعيش الا بوصفه مرآة لموضوعه، بعد ان فقد ذاته واستحال ذاتا عارفة خالصة عارية من الارادة.
ان اللجوء الى الفكر الغيبي والخرافي القائم على اسس غيبية لاعقلانية، له منطقه المختلف تماما عن منطق الفكر الموضوعي، والخرافة المكونة لهذا الفكر تنزع دائما الى اضفاء صفات قدسية غامضة على مواضيعها واشيائها واشخاصها، ولا مشادة ان الخرافة لها عمليا مستلزمات غيبية تستند اليها في كثير من الاحيان في الواقع، وتنعكس بواسطتها على الكثير من الظواهر الاجتماعية والسلوكية، فهي تتحول في كثر من الاحيان الى ممارسات وسلوكيات لتكرس الكثير من المفاهيم، وهذا يعكس من ناحية ثانية مدى اتساع آفاق المخيلة عن طريق الحلم والتخيل، وما الفن الا نظام رمزي قادر على الايحاء والتأويل، ومن ثم القدرة على كشف اللاانساني واللااخلاقي في رؤية الفرد. ولهذا نرى بان السحر والخرافة والاسطورة عند الفنان تحظى باهتمام أكبر منه عند الفئات الاجتماعية الاخرى . ويبدو ان ذلك يرجع الى ان الانسان الفنان ، بحكم ظروفه الحياتية المادية والذهنية يحتاج الى السحر والخرافة بدرجة اكبر مما يحتاجه الانسان المنتمي لمسارات حياتية اخرى. لانه يحيا حياة اكثر حساسية واكثر شفافية، تتسم بالكثير من الاوهام والاحلام والهواجس وبالقلق والخوف والتهديد، والشعور بالاستلاب والاغتراب، على كل مستويات الحياة بحكم اختلاف امكانات هذا الفرد التكنولوجية والعلمية واقترابه للمتخيل المنبثق عن اللاوعي. فهو كفرد اجتماعي ، مشحون بالعواطف والاحساسات، قليل البرهان العقلي، ولايخضع للمشاهدة الحقلية او المختبرية، ولا للتصحيح والتصويب بل يتقيد في العديد من الاحيان بالاعتبارات الخرافية الغامضة. يعيش في كثير من الاحيان عوالم مغلقة يقتصر وجودها على افراد وفئات محددة، يدخلونها بواسطة طرق واساليب اشبه ما تكون بالطقوس، لها خصوصية متفردة تحمل افكار وآراء من اعتقادات يكثر فيها الوهم والغرابة والغيبية، قادرة على الدخول الى ميادين كثيرة في فكر الفنان وممارساته ومنجزه الفني، فهو يرضي من خلالها دوافع نفسية مختلفة يجعلها في مقدمة الوسائل التي تدعم الوجود الذاتي والاجتماعي.
وعندما نستحضر تاريخ الفن التشكيلي، فانا نبدأ من مفهوم استجابة الانسان لشكل الاشياء القائمة امام حواسه وسطحها وكتلتها، باعتبار ان الاحساس بتناسق المنجز ومتعته، هو احساس بجماله، ولهذا فاننا نستحضر في صنيع الفنان، التاريخ متداخلا مع الميثولوجيا والخرافة والسحر والاسطورة، باعتبار ان الخرافة والسحر هما الملاذ الاول للانسان للانتصار على خيباته ولتخطي فواجعه، وبواسطتهما استطاع الانسان اتمام عملية الحلم والتخيل والاستذكار.
كان الخلق الفني لدى الانسان البدائي يعني اعادة تمثيل العالم المرئي من جانب، وهروبا من فرضية الحياة وتحكماتها من جانب آخر، وفي كلا الحالتين يشعر الفنان حتى في وقتنا الحاضر، برغبة في الامتاع اذ لم يكن هناك شيء مستمر او ثابت في حياته، فلم يكن لديه احساس بالديمومة والبقاء. فقد كان ولا يزال يتصرف ويسلك بصورة غريزية عند كل تحول للاحداث، ولذلك فانه عندما ينجز عملا ذو مسحة فنية يعتبره عملا من اعمال الاستعطاف السحري، في محاولة منه لخلق تعبيرا مرئيا عن الحال التي يعيشها، بمعنى انه يسعى لخلق مكانا خارج زمنه، ويحدد شكلا ظاهريا معبرا عن حالة هروبية ليجعل من كل امر غير طبيعي يواجهه وسيلة للتعاطف مع الطبيعة والمجتمع وتحيدهما.
اما عملية توظيف الخرافة في المنجز الفني، فنحن نعلم ان ما من فنان في العصور القديمة او المعاصرة، الا ووظف جوانب خرافية في اعماله، انها تشكل بحق نظاما خاصا يمتلك كل مواصفات الغرابة في بنية المنجز الفني. وقد يكون البعد التأويلي في الفن والخرافة هو الرابطة بينهما، باعتبار ان الفن كان على الدوام يعكس تعبيرا فردانيا عن مكنون مبدعه، فالمنجز الفني هو من انتاج فرد، غير ان الفن نفسه جزء من الحياة الاجتماعية. واذا لم يكن الرسم والنحت جزءا من الحياة الاجتماعية فسيكون من المستحيل انتاج الرسومات الفردية وتماثيل النحت. الفن نفسه عبارة عن عمل ماهر ذي مستوى رفيع لايهدف الى انتاج الضرورات المباشرة للحياة كالمأكل والمأوى. غير ان المعرفة ذاتها من جانب الفنان لما هو عليه نفسه وكذلك لما هي عليه حياته انما هي امور تتوقف على الديناميات الاساسية للمنجز الفني التي تجعل المجتمع نفسه حيا ومتغيرا. فان اردنا ان نجد مفتاحا يلج بنا الى طبيعة الفن والجمال فعلينا اولا ان نفحصها من حيث عمليتها الدينامية وتناميها المستمر. باعتبار ان العلاقة بين الظاهرتين المركبيتين تمتلك تركيب معقد له جذور راسخة في عالم الوجدان الانساني.
عندما ترافق الخرافة التكوين البشري منذ الازل حتى اقرب العصور، فان ثمة وضعا انسانيا مستلبا بحاجة الى تشكيلها وابداعها واللوذ بها ، وبالفعل فقد استطاع العديد من الفنانين العالميين ان ينطلقوا من البنية التراثية التي ينتسبون اليها ليشكلوا بدائل منها ويتجاوزونها، فصارت الحكاية والحدث الخرافي عند هؤلاء كثيرا ما تضاف اليها عناصر جديدة تتوال مع العناصر التقليدية ، ثم يعاد تركيبها جميعا في شكل متجدد يتنافى مع القيم الفنية والاخلاقية التي كان متعارف عليها من قبل. ووجد العديد من الفنانين العالميين في مجالات واسعة وحرية كبيرة، في الفن اللاصوري الذي تجنب فيه الفنان النقل وتمثيل الواقع وتخطي ضرورات الوجود الفردية وخلق فن صاف متحرر مما يحمله ويمليه الواقع، نتيجة شعور الانسان بهواجس الخوف والقلق والحيرة والظلم.
واذا كان الفن والخرافة قد ارتبطا عمليا من قرون فان اخضاع هذه العلاقة الارتباطية لمحاولات التفسير يعد حديا نسبيا، الا انه لايمكن تقليل اهمية الخرافة في عالم الفنان لانها تبقى في احيان كثيرة عنصرا بنائيا مكونا لرحلة الفنان في عالم التخيل، اي تبقى واحدة من الحلول الجمالية في ممارسة الفنان، وقد ابدع العديد من الفنانين التشكيليين من الذين اعجبوا بالدادائية ومن بعدها بالسريالية وانطلقوا منهما، لما وجدوا في هذه الاتجاهات من تمرد وتعبير عن ازمة ذاتية ملازمة تتفق ومشاعرهم الخاصة، فكان هدفهم من الممارسة الفنية الوصول الى منتج فني غريب برؤاه وعوالمه الخاصة، منتج تتحكم فيه الهفوات الخرقاء والاخطاء المفتعلة والاشكال المغلوطة المناقضة لللاواقع، ليحولها الفنان الى مادة جمالية، معتبرا اللاوعي والعالم الخرافي بكل استعارته الرمزية وتأليفاتها اللامنطقية اللاواقعية والغير متجانسة، والتي لاتمتلك اية علاقة بالادراك البصري للعالم الخارجي، مصدر اساسي للعمل الفني الذي اكتسب مفهوما مغايرا في مفهوم المدى الفضائي التشكيلي الذي كان متبعا في اللوحة المسندية . وان تتتبعنا العديد من الاتجاهات والاساليب المعاصرة التي انتجها العديد من الفنانين العالميين من اعمال فنية لاشكلية ،اثناء وخلال فترة الحربيين العالميتين الاولى والثانية، سيقودنا حكمنا الى ملاحظة هامة، هي بروز الصدفة والعفوية والنزوع الى حالات التصور نحو عوالم خرافية، على نحو يتعارض مع المفهوم الشكلي، وهذا البروز لم يتسم بالارادية، بل هو خليط من وقائع خرافية وجدناه في مدارس واتجاهات فنية متعددة منها على سبيل المثال، التعبيرية والتجريدية والسحرية والايهامية... الخ، كما وجدناه في الاتجاهات الحديثة التي افرزتها اتجاهات واساليب ما بعد الحداثة وعلى رأسها المفاهيمية، التي اعتمدت على رفض كل ما هو احساسي وذاتي، معتمدة الفكرة وما تتصف به من عفوية وتلقائية لاتعكس اي وضع عقلاني.
يقول سيجموند فرويد ان الفن هو الميدان الوحيد في حضارتنا الراهنة الذي لانزال نحتفظ فيه بالقدرة المطلقة للفكر، ففي الفن وحده يندفع الانسان تحت وطأة رغباته اللاشعورية لينتج ما يشبه اشباع هذه الرغبات.
الفن اذن من وجهة نظر فرويد نقيض للواقع، وواقع الفن اوهام، لكنها اوهام ترضي العقل الذي يريحه دائما ان يتصور اشياء او يتخلص منها بطرق متنوعة.
ان اللاشعور، ذلك المستودع لجميع الدوافع الرئيسية التي اطلق عليها فرويد اسم الغرائز، يتكلم في كل مكان ويعلمنا كيف نفك رموز اللسان في الحلم الذي هو احجية، وفي اشكال العصاب، حيث يمثل العرض دالا من الوجدان لمدلول الكبت، وفي الجنون تلك الكلمة التي ابت ان تعرفنا بذاتها، ذلك القول الخلو من كل ذات.
ان وصف فرويد للاحلام بانها مملكة اللامنطق والتحقيق المتفكر لامنية مكبوتة او التوفيق بين متطلبات ميل ممنوع والمقاومة التي تثيرها الرقابة النابعة من" الانا" واكتشاف اللاشعور بالوسيلة التي وضعها في مؤلفاته، كل ذلك خلب لب، استثار اهتمام وولع السرياليين للغور في هذا المجهول من الوجود الانساني الذي اصبح من وجهة نظرهم يمثل الحقيقة العارية للانسان، ومصدر الطاقة الحقيقي للابداع الفني. ولذا فان الرسم السوريالي حسب وجهة نظر كثير من النقاد، هو تطبيقات عامة لرموز خرافية تتعلق بالنواحي الجنسية المستندة على الفهم الفرويدي،
وفي الرسم بوجه التحديد، يجسد اللاشعور بنيته بتلك الرموز( الاشارات) الصامتة، فالاشارة بالفهوم اللغوي عند" دي ساوسو" متّكونة من اتحاد المعنى والصورة السمعية، وعلى هذا الاساس يمكن تحليل مجموعة العلاقات الرمزية التي تكسو لوحة ما، وذلك بالاعتماد على علم العلاقات الذي يقودنا الى تعيين محاور العلاقات وتفصيلاتها من اجل الوصول الى مفهوم البنية، ونقصد الترابط الداخلي بين الوحدات المتشعبة التي تشكل منظومة مرئية( صورية) لغرض الوصول الى فهم مقارب لاي عمل فني، حيث ان وعي المشاهد يعمل على ان يتشكل لنفسه منظومة مدركات متكونة من تلك العلاقات المنطقية واللامنطقية التي تترابط بين الحدود المتواجدة لرموز العمل الفني.
اللجوء الى الخرافة عند الفنان يمثل استحضار لما هو غائب وحنين وتوق الى تمثل حالات موحية، يعيد من ان محاولات بعض النقاد البنيوين وعلى سبيل المثال" رولان بارت" بتطبيق مبادىء النقد اللغوي البنيوي على تحليل الصورة، خاصة في ميدان الدعاية، حيث الرسالة اللغوية في هذه اللوحات تشكل ميدانا خصبا لتطبيقات التحليل النفسي، لكن التطبيقات في هذا المجال مازالت محدودة ومقصورة على مجال معين في فن الرسم. وهنا سوف نحاول القاء بعض الضوء على الاعمال الفنية لاحد شيوخ الفن السوريالي، والذي وصفت اعماله من قبل كبار النقد الفني وعلى مدى عصور متعاقبة بانها اعمال تنتسب لعالم الخرافة ، وهي ثمار واضحة لطاقة اللاوعي، حيث الاشكال والالوان ذات التمازج الغريب ذو الطبيعة الكيميائية، والتي تركت تأثيراتها على مخيلة كثير من الفنانين.
ولقد حاولت مدرسة التحليل النفسي ان توجد في لوحاته، حقل جديد لتطبيقاتها، تلك اللوحات ذات الميزة الفنية الغريبة، والتي تحمل رائحة ولون الجحيم والخطيئة.
ان اعمال " جيروم بوش 1450- 1516" هي شهادة حقيقية لخوف هذه البشرية تحت ظل السلطة الكهنوتية المتنكرة بسوادها القاتم، فمن هو " جيروم يوش" ؟ انه رسام فلمنكي منحدر من عائلة رسامين مقيمة في
" شيرتوكينفو" ومن ذلك المكان تم اختيار اسمه المنتحل. كان عضوا في جمعية مريم العذراء الدينية. ويرتبط اسمه اليوم بحوالي ثلاثين لوحة وكثير من الرسوم التخطيطية. لذا فأن التسلسل التاريخي لاعماله يعتمد بشكل خاص على المعايير الاسلوبية. واسلوبه يبدو على الفور وكأنه ذاتي جدا بافتراض انه كان ذو معرفة كبيرة بعظام الرسم الفلمنكي، خصوصا الفنان" بورتس". وكثير من خصائص فنه يؤكد على الاعتقاد بانه غير بعيد عن اسلوب الرسم المنمنم والمنقش الدقيق ذي الدرجات الحسية الوافرة والمتضمن على مجموعة غزيرة من مشاهد الشيطنة والغرابة( حيوانات خرافية قريبة من الاشكال الهامشية لخطوطات الرسم في القرن الرابع والخامس عشر).
لقد اتاح اكتشاف اعمال " بوش" في حوالي القرن التاسع عشر، الفرصة لظهور الكثير من الكتابات النقدية. ان الرموز الغامضة التي تملأ اللوحة تلفت النظر كتكوينات كيميائية تقترب بدلالاتها من الادب وفن السير التاريخية للقديسين الشعبيين، ومن التراث المسرحي والادب المجازي.. الخ. فما يكتنف اعماله من غموض وابهام، مرده انه سعى الى تصوير ما يعتمل في دخيلة وجداته، نافذا ببصره الى الاعماق الدفينة للانسان التي تكتنز بالرغبات المكبوتة، مثلما نفذ اليها فرويد بعده بأربعة قرون.
كما ان موضوع الخرافة والجنون يستولي على القسم الاكبر من اعماله، وخصوصا لوحته المشهورة(من الخطيئة الى الموت) التي كانت ثمرة لمناخ ذلك العصر الذي عانى من الازمات الروحية. ويضع العديد من النقاد الفنيين" بوش" بين المدافعين عن الارثدوكسية، او بين الملحدين، وتشير اعماله الاولى( االخطايا السبعة الرئيسية) و( المشعوذ) و( عصاب المجانين) او تلك التي تنحو منحا اخلاقيا نقديا، وخصوصا الاعمال الكبيرة كـ" حديقة الافراح" و" عربة العلف" و" يوم الحساب الاخير" و" اغراء القديس انطونيو" ولوحته الشهيرة" الشارد" تشير جميعا الى حس نادر في التأليف، حيث تسفر رؤياه الفنطازية الزاخرة عن كائنات غرائبية متنوعة ( حيوانية، نباتية، اشكال بشرية غير طبيعية) كدست بالتجاور عبر مخيلة الفنان غير المحدودة، وعبر حسه الروائي المتدفق، مشاهد جهنمية وشيطانية بتفاصيل شهوانية عنيفة. وفي اعماله الاخيرة يضع النقاد اللوحات التي تتبنى النظر الانجيلي عن عذابات السيد المسيح كلوحة" تاج الشوك" مثلا بانها تؤدي جميعا الى مستو متميز من التلوينية الداكنة، حيث تنكشف فيها رؤوس جانبية كاريكاتيرية حادة. ان عالم الفنان" بوش" قابع تحت سلطان الجحيم ببوابته الكبيرة المفتوحة، عالم خاضع لديكتاتورية الشيطان بحيواناته ونباتاته الملعونة، عالم محكوم برعب الموت والنهاية الحتمية لهذا الوجود.
ان مضمون لوحته" يوم الحساب الاخير" يتكرر من دون انقطاع حتى في اللوحات الاخيرة التي يعالج فيها موضوعات مغايرة.
ان معظم لوحاته تصور الجحيم مقابلا للفردوس، او الحياة الزاخرة مقابل تهديد الفناء، كون نصفه مشّوه متفكك مهيمن عليه من قبل الشيطان حيث الاحساس المضطرم بالخطيئة.
ان السورياليين، بالاستناد الى دراسات فرويدية، يقترحون ارتباط لوحات" بوش" بالاحلام الخرافية واحلام اليقظة وهلوسات الوعي الباطني، معطوفة على تلك الثقافة الواسعة. اما المؤرخون الاكثر ميلا الى العقلانية، فانهم يفترضون ان "بوش" كان عضوا في جمعية هرطقية تدعى" الاداميين" تنطلق من مكانة الانسان في ، لاحياة فيهاالكون، واستقلاليته في الوقت الذي لايمكن اعتباره مسؤولا كليا عن خطاياه.
ان لوحاته عبارة عن انمساخ رهيب للشر والكره، حيث النظام القلق للاشياء. ثمار هائلة تتفجر في وسط اجساد عارية يمر عبرها موكب مخلوقات قبيحة، وفي مسافة بعيدة يبرز وميض حريق يذّكر بلهيب الجحيم، هذا الوميض الذي يعكر صفاء المشاهد الطبيعية والمديات الزرق حيث تبحر الاسماك والزواحف الخيالية، وبدون شك فان فهم عالم" بوش" كان اكثر سهولة لمعاصريه، في حين اضحى بالنسبة لمعاصرينا اكثر صعوبة، حيث الضرورة اضعف لتجعلهم يفسرون رموزه، او ينفذون لنوايا الفنان الخبيئة، مما عرقل التقييم الدقيق للقيم الفنية للوحاته. واذا كان عصرنا لاينطوي اليوم على ما يقابل المعنى الخفي للوحات" بوش" فنحن قادرون على ان نفهم بشكل تام عصره والعالم الذي انتج فيه روائعه التي تنم عن شعور ديني حاد، وعن صراع قاس بين الخير والشر، بين الله سبحانه وتعالى وبين الشيطان، وعن تلك الحسية القوية الغارقة في الملذات الجسدية للفلمنكيين وصوفيتهم على السواء. لم تكن الاخلاقيات الاباحية والحروب الكلامية سوى حفلات جدل وهجاء ضد الكهنة وضد الجماعات المتكاثرة على اطراف الدين.
فنان آخر اكثر معاصرة، هو الايطالي جيورجو كيريكو(1888ـ 1978) والذي كان من بين الفنانين الايطاليين الذين وقعوا على بيان الداد لسنة 1920.، اسس مع زميلة الفنان الايطالي المستقبلي كارلو كارّا ما عرف باسم " المدرسة الميتافيزيقية، وانجز قبل ظهور الحركة السريالية اعمل مهمة ذات طابع خيالي لا واقعي، اعتبرها النقاد بمثابة ضربا من الخرافة، وكان لها اثر كبير على تطور الفن السريالي. نلاحظ في اغلب منجزاته الفنية، ارتباط مباشر بالتصوير الغيبي، تتخلله ايهامية، مستعينا بالمنظور العلوي والاضواء والظلال الهلسية. ومع اعماله التي تأثر بها جيل كبير من الفنانين السرياليين امثال ماغريت، دالي، تاغي، دلفو، ميرو، ماسون، متى، وعشرات غيرهم، ننتقل من نموذج العالم الخارجي، المرئي، الى النموذج المنبثق عن العالم الداخلي الذي يحمل الهلوسات والخرافات، والغيبيات، فقد عزل هذا الفنان هذه العوالم عن محيطها الطبيعي كما تعودنا ان نراها، ووضعها داخل اطر جديدة اكثر تخيلا لتوحي بغرابة الاشياء وزلتها وفراغها وهي تعكس عوالم ذات طابع حلمي مصدرها التقابل اللاعقلاني مليئة بالخوف والقلق، كما الحال بلوحته النموذج التي اطلق عليها اسم" نشيد الحب" حيث يجمع الفنان بين رأس تمثال يوناني وكف جراح وطابة وقاطرة، وضعت كلها وسط ابنية ذات قناطر توحي بالفراغ، وتعبر عن تداعيات قد تكون على علاقة بهواجس الفنان الغيبية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*موسى الخميسي ؛ كاتب وفنان تشكيلي يعمل ويعيش في ايطاليا

نشرت في وجهة نظر
الأربعاء, 03 أيار 2017 19:18

مدن حدودية

لنتصور لعبة تنس بدون شبكة وخطوط، حينها تزول الحواجز وتختفي الحدود وندخل بفوضى لا طائل حتىللحكم كي يتخذ قرارات صائبة، إذاً هي ضرورية لقيام نظام وقواعد، كذلك الأمر عند الحدود التي تمتد بين الدول، لها منافع تنظيمية جمّة وعلينا عدم تحميلها مسؤولية التفريق بين البلدان (وليس الشعوب) لأن من أوجدها إنما كان يبغي السيطرة والأشراف على سلوك مواطنون يختلفون أو حتى يتناقضون. تقول بعض الأبحاث والدراسات أننا يمكن أن نكون في قمة أبداعنا حينما لا تتوافر لنا حرية مطلقة أي عندما نواجه قيوداً وحدوداً بالحياة، قامت أحدى الدراسات بالمقارنة بين مجموعتي متطوعين، أعطي لأحدهما مواد بشكل مطلق لأجل عمل نموذج فني، في وقت حُدد الثاني ببعض المواد، فكان الأبداع من الفريق الثاني أكثر والعمل كان أجمل، هذا يعني أن القيود قد تدفعنا للأبداع والتميز أكثر. الفنانون الذين كانوا يعانون من أجل الحصول على تمويلاً لأعمالهم قد أبدعوا أكثر من الذين كانت المساحة مفتوحة أمامهم حيث كان عليهم التفوق ومواجهة العوائق والتغلب عليها بأمكانيات محددة. لو نعود للاعب التنس نرى أنه يبدع أكثر ويضرب الكرة الصفراء بشكل أدق حينما تقيده حدود الشبكة.
لكن السؤال فيما لو نصبت شبكة (بشكل مجازي) بوسط مدينة، هل ستؤدي العمل التنظيمي نفسه أم أنها ستكون حاجزاً وعنصراً غير مرغوب فيه؟
× × ×
كان تسلسلي في الإختبار السابع من بين عشرة مرشحين في الإمتحان التنافسي لنيل أحد ثلاث كراسي لإيفاد هام (سوفت وير) البدالات الأكترونية في شركة تومسون الفرنسية في منتصف الثمانينات، وكان ضمن الست الأوائل أربع مهندسات. جاءت تعليمات وزارة المواصلات تشترط أن الثلاث الأوائل من الذكور هم المرشحين بأعتبار أن البنات تمتعن بإيفادات طوال فترة خدمة الذكور العسكرية فاصبحتُ ضمن الثلاث الأوائل، قام مسؤول الإيفادات بالوزارة بغير سابق أنذار بظم أحد المهندسين وقال بأنه سيكون على الإحتياط، ثم وبقدرة قادر صدر أمر أداري بنقلي من مركز صيانة البدالات الحضرية إلى مركز صيانة البدالات بحجة إفتقار المركز للكادر الهندسي الذكوري وأن معظم مهماتهم خارج بغداد!
كانت الامور قد ترتبت ولا سبيل لتغييرها، جميع الزملاء لاحظوا الغبن ووجدوا أن في أنتقالي ليس خسارة الإيفاد فقط بل بالعمل خارج بغداد كلما دعت الضرورة وهو يعني عدم الأستقرار، لكني وجدتها فرصة المرونة بالدوام والسفر وأستكشاف قرى وقصبات العراق من شماله الى جنوبه وهو ما سيشبع فضولي وكان خلال أيفاداتنا تخدمنا سيارة ستيشن حديثة درنا بها من عقرة شمال العراق إلى الفاو جنوبه ومن بدرة وجصان شرقه حتى أقصى غربه حيث مدينة القائم الحدودية التي كان لي فيها بحكم حاجة القضاء لخدمات بدالة كفوءة علاقات واسعه ولي مع أهلها جولات في البراري وعلى الحدود. المعروف عن أهل الرمادي (الدليم) أنهم شديدوا الفطنة والفراسة الأمر الذي ساعدهم لأستدلال طريق الصحراء في جولاتهم بجمع الكمأ والعودة بسهولة بمجرد النظر للسماء ولبعض الشواخص كالوديان والتلال التي أطلقوا عليها بعض التسميات الغريبة ومشابهتها بأعضاء جسم المرأة.
في أحد زياراتي وبينما كنت أتجول بسيارة الدائرة رأيتُ شيخاً يبيع (القمر الدين)، كان يجلس قرب عارضة الحدود (المغلقة حينها) بين العراق وسورية، حينما أقبلتُ عليه حمل الرجل على عجل بضاعته وأخفاها ظناً منه أنني جهة رقابية حكومية ستحاسبه لترويجه بضاعة سورية، حينها سألتُ رفاقي كيف بالبضاعة السورية تصلهم وأن ما بين النظامين عداء أشد مما بينهما وبين إسرائيل، قالوا أن الأمر بين مدينتي القائم وألبو كمال يختلف وعلاقة التصاهر والقربى بينهما تتحدى النظامين القمعيين وأكدوا بأن بين الناس عبر الحدود تقوم بأستمرار مبادلات تجارية بالخفاء، حين ترجلنا سيراً على الأقدام بمحاذاة نهر الفرات لاح لي من بين مزارع الجت بيوتات من بعيد قالوا لي بأنني الآن قريب جداً من الأراضي السورية، فأقفلت مسرعاً. تمتد نفس المناطق الزراعية المتاخمة لنهر الفرات في القائم العراقية وألبو كمال السورية ويزرع الطرفان نفس المحاصيل، وهي متداخلة كثيراً كما في (رفح) بين غزة ومصر حيث تسكنها نفس العشائر وأن خط حدود قد سُحب على المسطرة عنوةً فقسمها لنصفين.
(رفح) مدينة واحدة ولما أراد الإنكليز فصل مستعمراتهم وتحديدها كان عليهم رسم خط مستقيم من خليج العقبة حتى البحر المتوسط، وأختلفوا مع الأتراك بأتجاه زاوية المستقيم. العداء بينهما دفع الإثنين لمحاولة كسب أراضٍ على حساب مصلحة الآخر فأتفقا على وضع خط مستقيم بزاوية محددة، حينما تم رسمه على الأرض شق مدينة رفح وكان حينها لا سبيل للعودة من جديد، ولأن الأثنان لا يهمهما شأن المدينة بشيء فقد أخذ به بحيث فصل حتى البيوتات المتجاورة.
× × ×
من الملفت للنظر حقاً أنك تلمس بشكل مباشر الفرق بين مستوى أية دولتين من خلال المدن الحدودية بينها، حيث الفرق في أسعار المواد والتناقض بالخدمات العامة والبنى التحتية، ويجد التجار وبعض المتحايلين بعملية الأنتقال بين طرفي مدينة حدودية الفرصة لترويج بضاعة أو النصب والأحتيال مستفيدين من أختلاف القوانين وقيمة العملات علىمسافة عشرات الأمتار فقط.
أمثلة كثيرة في العالم، في أميركا الجنوبية وفي كوريا، تجد دائماً أن السياسة تفرق أكثر مما تجمع حتى بين أفراد المدينة الواحدة، لكن شتان بين هذه الصور المحزنة وبين ما نراه اليوم في أوربا، الحدود لم تعد ذات أهمية والتنقل صار أسهل مما بين محافظتين ببلد عربي، كازينوا وبيت ومكتبة... تقسمهم حدود لا تهم سوى ساعي البريد.
تاريخ أوربا الحديث يحدثنا عن شطر ألمانيا وللسياسة بالطبع دور بذلك، فبعد خسارة ألمانيا النازية الحرب العالمية الثانية وتقسيمها لألمانيا شرقية (الديمقراطية) التي كان الأتحاد السوفيتي قد أجتاح أراضيها وغربية أحتلتها كل من بريطانيا وفرنسا وأميركا، فوقعت العاصمة الألمانية (برلين) داخل حدود الجزء الشرقي وتمتعت بوضع خاص بأن قُسمت هي الأخرى لجانب شرقي هو برلين الشرقية وأعتبر عاصمة لألمانيا الشرقية وغربي فصل بجدار دام 45 عاماً حتى سقوطه التاريخي في عام تسعين، خلال هذه الفترة كانت ألمانيا الغربية (الأتحادية) تقول بأن الوضع مؤقت وأن العاصمة (بون) التي أتخذتها عاصمة هي بديلاً مؤقتاً، قبل السقوط كان يميز شطري برلين أختلاف مستوى المعيشة وصفة التفاؤل بالجانب الغربي وبعكسه بالشرقي المظلم الذي حدثتنا عنه الرسومات التي غزت متن الجدار الشرقي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
× من البلدات الحدودية التي تكون أسوأ مما نتخيل، بلدة (تاجيليك) وهي بين بورما وتايلند وهي منطقة مكتظة تضم سوقا بأكشاك صغيرة تمتد في جميع الاتجاهات لتعرض كافة السلع الممنوعة بطرف والمسموحة بالطرف الآخر.
× مدينة (واجاه) الحدودية بين الهند وباكستان، يتحرك جنود من الدولتين وهم يرفعون أقدامهم بغضب تفصلهم عن بعض عدة أمتار، وهذه مراسم تقليدية متفق عليها بين البلدين يعتقد أنها تساعد (بتخفيف) التوتر بين البلدين وتمنع أندلاع عنف حقيقي على الحدود.
× شتان بين حدود الولايات المتحدة وكندا شمالاً وتلك التي بينها وبين المكسيك جنوباً، ففي الوقت الذي تخضع فيه مدينة (داربي) بالجنوب بتقسيم (تعسفي) من قبل الأمريكان تجد أن خطاً وهمياً يمتد وسط مدينة (ستانستيد) مع كندا ليؤلف حدوداً لم تقسم شوارع المدينة فحسب وإنما مكتبتها العامة أيضاً، المثير بالأمر أن كتباً تحكي لك قوانين البلد وإلى الأمام منها أخرى تتكلم عن قوانين البلد الآخر!
× في مدينة حدودية مشتركة بين ألمانيا وهولندا تقوم منشآت معمل لإنتاج البيوت الجاهزة للمدينة بالجانب الألماني، يقوم المعمل بتشييد الدور بالجانب الهولندي للمدينة، وهو أمام هيئة الضرائب الألمانية لا يتحمل ضرائب كبيرة لأن أنتاجه يذهب للتصدير في وقت لا تستطع الحكومة الهولندية تحميل مشاريعه على أراضيها ضريبة لأن مواده مستوردة وبالتالي يفترض أن تكون مدفوعة الضريبة ببلدها ألمانيا، بهذا تهربت الشركة من دفع ضرائب كبيرة للطرفين.

نشرت في وجهة نظر
الجمعة, 31 آذار/مارس 2017 22:11

كيف نتربى على تذوّق الجمال؟

كتاب يتناول تغيّير المفاهيم وتطوّر القيم الجمالية
صدرَ عن دار الثقافة والإعلام بالشارقة كتاب جديد يحمل عنوان "التربية الجمالية في الفكر المعاصر- سِراج المنهاج والخيال الوهّاج"للناقد التشكيلي العراقي موسى الخميسي وهو في الأصل بحث شارك فيه بمسابقة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي عام 2016 وفاز بالجائزة الثانية.
يتألف هذا الكتاب من مقدمة وستة فصول إضافة إلى ثبتْ بالمصادر والمراجع العربية والإيطالية التي أغنت البحث وأثرتْ خِطابه الفكري والجمالي. تبدو الآراء الواردة في المقدمة وكأنها الخلاصة التي خلا منها هذا البحث الذي يتمحور تحديدًا على "مناهج التربية الفنية في المدارس والمعاهد ودورها في خلق فنان تشكيلي مميز في الوطن العربي".
يستهل الخميسي مقدمته بالقول إنّ الفن شكلٌ من أشكال النشاط الاجتماعي الذي لا يهدف إلى تغيّير الطبيعة حسب، وإنما يسعى إلى تغيير الإنسان، وتطوير ذائقته الفنية، وتشذيب رؤيته الجمالية. فالفن من وجهة نظره "طريق للمعرفة" التي لا تتحقّق من دون مشاركة الآخرين فلاغرابة أن يؤكد، مرارًا وتكرارًا، على ضرورة التوحّد بين ذات الفنّان وذوات الآخرين على اعتبار "أن الفنّ يتشكّل في وجدان المبدع، ويحيا في وجدان المتلقي"(ص15). يركِّز الخميسي على أهمية الخيال ويعتبره قوة رئيسة من قوى الطبيعة الإنسانية التي تفتح آفاقًا جديدة لم يألفها الإنسان من قبل فمن بين ثمرات الفن المتعددة المتعة والدهشة والانبهار وهي في مجملها تجعل الحياة أخفُّ وطأة على الكائن البشري.ينوّه الباحث إلى أنّ الفن تعويض عن انعدام التوازن في الواقع، وكلّما ازاداد الواقع اضطرابًا كلّما تضاعفت الحاجة إلى الفن لاستعادة التوازن بين الإنسان ومحيطه الخارجي.ثمة آراء أخرى تحفل بها هذه المقدمة لكنها باتت في حُكم المسلّمات من بينها أنّ الفن منحاز للحق والخير والجمال، وأنه لم يعد تقليدًا أعمى للطبيعة، أو أنه يطهِّر النفس البشرية، ويهذِّب السلوك الإنساني وما إلى ذلك.
أكدّ الخميسي في الفصل الأول من الكتاب بأنه ليس هناك معيار ثابت لمفهوميّ الجَمال والقُبح، فما تراه جميلاً قد يراه الآخر قبيحًاويسوق أمثلة كثيرة على ثنائية الجمال والقبح التي تثير الدهشة حقًا، فعلى الرغم من استقرار العديد من القيم الإغريقية للجمالإلاّ أن الناس المنضوين في الحركاتالهامشية مثل الهيبز والبانك والكلوشار وغيرها بدأوا يسعون للقُبح المُستفِّز كنوع منالتمرد على القيم الرأسمالية المهيمنة فصاروا يعمدون إلى غرز الدبابيس في الأنف واللسان والشفاه والحواجب، كما وشَموا غالبية مناطق الجسد الظاهرة منها والمخفيّة، هذا إضافة إلى ارتدائهم الملابس الرثّة المُهلهلة. وفي عصر النهضة كانت المرأة الإيطالية تنتف حاجبيها كليًا، كما في لوحة الموناليزا، بينما تكتفي غالبية النساء في مختلف أرجاء العالم بالحفِّ والتزجيج. وفي السياق ذاته يَعتبر السُكّان الأصليون في أستراليا الأنفَ المُفطلح جميلاً بينما يرى مُعظم الناس في الأنف الصغير ميزة جمالية يسعون لتحقيقها بعمليات تجميلية باهضة الأثمان. يرى الباحث أن ظهور الديانة الإسلامية في القرن السابع الميلادي قد أثرّ تأثيرًا جذريًا في تطوّر الفنون والنظريات الجمالية على الشعوب المجاورة لمركز الخلافة الإسلامية آنذاك. ويعتقد بأن جوهر الدين الإسلامي لا يتعارض مع القيم الجمالية الأمر الذي أفضى إلى إزدهار الخط العربي، والزخرفة، والنقش،والموسيقى، والعمارة وسواها من المظاهر الفنية والعمرانية على مدى قرون طويلة. يزدان هذا الفصل بآراء مهمة لفلاسفة ومفكرين كبار ، قدماء ومحدثين، أمثال سقراط، إفلاطون، وأرسطو، إمبيرتو إيكو وبنديتو كروتشه وآخرين لا يسع المجال لذكرهم جميعا.
يناقش الخميسي في فصل "التذوّق الفني" مفاهيم عديدة تتمحور حول إدراك الأعمال الفنية والاستمتاع بها. فثمة أعمال جميلة لكنها ليست فنيّة، وهناك أعمال قبيحة لكنها تنطوي على مُسحة فنية جميلة. ويورد مثالاً مهمًا في هذا الصدد مفاده أن الفن يمكن أن نلمسه في التناغم الهندسي الموجود في الأواني البابلية والفرعونية والأتروسكية والإغريقيةكما يمكن أن نلمسهفي غياب هذا التناغم في الفن البدائي. وبغية تذوّق أي عمل فني قديم أو حديث لابد من تأمله والاستغراق فيه، والنفاذ إلى أعماقه، وإجراء نوع من التواصل الوجداني معه، فالتأمل العميق كما يذهب الناقد البريطاني روجر فراي "هو تمرين روحي ذو أهمية متميزة"(ص42).
يُعتبر فصل "التربية الجمالية والطفل" من الفصول المهمة في الكتاب لأنّ الباحث يتتبّع فيه الإنسان في مختلف مراحلة العمرية التي تبدأ بالمرحلة الجنينيّة، ورياض الأطفال، مرورًا بالمرحلة الابتدائية والمتوسطة، ولا تنتهي في المرحلتين الثانوية والجامعية، وإنما تستمر مع الإنسان الذي ينفعل ويتفاعل دائمًا مع العمل الفني بوصفه مُتلقيًا إيجابيًا يطوِّر من قدراته الفنية طالما بقيّ على قيد الحياة. وبما أنّ الجنين يستجيب للموسيقى الهادئة وهو في رحم أمه فما بالكَ إذا خرج للنور وبدأ يُخربش على الأرض أو يرسم على الجدران.ينتقد الباحث عالمنا العربي الذي يُغرِّب الطفل عن واقعه الاجتماعي ولا يوجِّه عنايته إلى الأعمال الفنية التراثية أو الشعبية لسهولة النهل من المصادر الغربية، كما يعيب على المدارس العربية التي تسمّي الحصص الفنية ترفيهيّة بينما يُطلق عليها الغرب "الفن والتصورات" ويدّرسون فيها الفن بدءًا من رسوم الكهوف حتى آخر المدارس والتيارات الفنية المعاصرة دون أن يغفلوا تاريخ الفن، وأصول النقد الفني وكل ما ينمّي الذائقة الجمالية عند الإنسان.
يُركِّز الخميسي في فصل "الفن والطفل" على دور المربّين والمربيّات الذين توصلوا إلى نتائج مُذهلة من خلال دراساتهم التي أثبتت أن الأطفال الرُضّع يعبِّرون عن إعجابهم بالأشكال والألوانمن خلال مدة التحديق، وهم يفضِّلون الألوان المُبهجة كالأحمر والأزرق والأصفر على الألوان المعتمة والرمادية، ويتذوّقون الأشكال بعد سنتين من الولادة. أما الأعمال الفنية التي يستمتعون بها فإنها تستقر في المنطقة المحصورة ما بين الوعي واللاوعي التي تُلهِم المبدعين منهم لاحقًا. يدرس الباحث أوجه التشابه بين رسوم الأطفال والفن المعاصر ويتوصل إلى أن الطرفين ينطلقان في الخيال الجامح بلا قيود، ويُعبرّان عن العواطف والأحاسيس بحرية تامة.
أوفى الباحث حق المُتحف ودوره العميق في التربية الجمالية فقد شبّه المتحف بـ "كنزٍ مقدّس" أو بـ "معبد للثقافة والفنون" وبإمكان المتلقي أن ينهل منه ما يشاء من الفنون البصرية المتعددة، فهو منجم لذاكرات تاريخية وفنية واجتماعية لذلك لا تخلو المناهج الدراسية لكل المراحل من زيارات سنوية مُنظّمة لهذه المتاحف وغالبًا ما تعقبها دروس مكثفة عن عصر النهضة والفن المعاصر بكل مدارسه المعروفة كالانطباعية والواقعية والسريالية والمستقبلية.
يختم الخميسي بحثه في كيفية قراءة العمل الفني ولا يجد ضيرًا في تفسيره مُستلِفًا من بول فاليري مقولته الذائعة "لا ينبغي أبدًا الاعتذار عن الكلام في الرسم"(ص115) فكل عمل قولي أو بصري "يفسِّر إمكانيات خالقه، ولكنه يفسر أيضًا رأي المتلقي"(ص117). بكلمات أخر إذا أراد المتلقي أن يلج العمل الفني، ويغوص في شبكة علاقاته الداخلية العميقة، فعليه أن يتحول إلى تلميذ، ليس بالمعنى الأكاديمي كما يذهب الباحث، وإنما أن يكون لكل تلميذ قراءته الخاصة به، وتفسيره المختلف والمغاير لتفسيرات الآخرين. لا يمجِّد الخميسي في هذا الكتاب الفنان الخالق فقط، وإنما يصطّف إلى جانب المتلقي الذي يفهم العمل، ويتذوقه، ويستمتع بلذّته الفنية.

لندن

نشرت في وجهة نظر
السبت, 25 آذار/مارس 2017 19:33

الطقــوس والأخلاقـيــات

لست أعرف سببا للهجوم المستمر الذي يشنه بعض الأخوة على طقوسنا الدينية، فطالما نقرأ كتابات تتهم رجال الدين بالأهتمام بالطقوس وعدم اهتمامهم بنشر التعاليم اللاهوتية، وهؤلاء الأخوة يعلمون ان الدين دون طقوس ليس سوى أفكار جامدة لا معنى لها، فلا دين من دون عبادة، والعبادة تتطلب طقوسا وإجراءات، وهي الإجراءات التي توجبها الفرائض التي يؤديها الفرد المؤمن ليبقى على تواصل روحي مع خالقه. وبغير الطقوس لايمكن ان تقيم رابطة مستمرة ودائمة بينك وبين الخالق. فالرشاما والبراخا والتعميد كلها طقوس واجبة، وعمل اللوفاني والقماشي والرهمي هي طقوس تميزنا عن غيرنا. وكل اجراءآتنا في الأعياد والزواج وتكريس رجال الدين هي طقوس، حتى التسبيح الى الخالق والدعاء اليه هي طقوس ايضا.

والطقوس هذه عند تأديتها تجعل المؤمن الحقيقي (وليس المتدين الزائف) يعيش جوا من الرهبة والخشوع والقداسة يشعر خلاله بالسلام الداخلي والأمتلاء الروحي، ويفيض قلبه بالسعادة والطمأنينة فيمتليء محبة ورحمة ويصبح اكثر قربا من خالقه، وحينذاك يبتعد عن الشرور والمعاصي ويميل الى طريق الفضيلة والصلاح.

فأين الضرر والخطأ في ذلك؟ وكيف يمكننا تطبيق مبادئ العقيدة وفرائض الدين ووصايا الرب من دون تلك الأجراءات؟
وهنا ارجو ان لايفهمني البعض خطأ فيظن اني ادعو الناس لقضاء حياتهم بالعبادة، انما العبادة لها وقت محدد مثلما هنالك وقت للعمل وللدراسة وللأسرة وللراحة، وغير ذلك من أمور الحياة.

واذا ما استثنينا الطقوس فلكل دين جانبان، هما المعتقد والأخلاقيات. المشكلة الكبيرة عندنا كصابئة هي الأهتمام الكلي والكبير بالمعتقد، أي بالجوانب اللاهوتية، مع تجاهل كبير لمسألة الأخلاقيات (الوصايا، النواهي، المحرمات)، وهي في رأيي الشخصي الجانب الرئيسي والمهم لجميع الديانات. ذلك ان العالم كله لايمكن إصلاحه ولايمكن درء الشرور والظلم فيه الا من خلال اصلاح الأنسان وردعه عن فعل الشرور وحثه للسير في الطريق القويم، وهي الغاية الكبرى من نشوء الأديان. الا ان ذلك يتطلب وجود ولو بذرة صغيرة من الإيمان في قلب كل انسان، فهذا شيء مهم، فمن غير ايمان لايوجد خوف، وبالتالي لايوجد رادع من السير في طريق الرذيلة.

ان العمل الحقيقي الذي يتوجب ان يقوم به الجميع، خصوصا الآباء ورجال الدين، هو التركيز على الجوانب الأخلاقية التي أتت بها ديانتنا السمحاء، الحث على حفظ الوصايا وتطبيقها الفعلي في الحياة، ففيها الكثير من الدعوات الى المحبة والمساعدة والمسامحة والأخاء والتواضع والبذل والتضحية والعدل والإحسان والأحترام ... الى غير ذلك. وفيها من النهي عن ارتكاب الآثام والشرور، الكثير، فالديانة المندائية تدعو للأبتعاد عن الأحقاد والحسد والنميمة والخداع والغش والنفاق والتعالي... الخ. اما المحرمات فهي كثيرة ومعروفة للجميع الا ان المؤسف في الأمر هو عدم الألتزام بتطبيقها (الأبتعاد عنها) فمعظم تلك المحرمات أصبحت سائدة في مجتمعنا مع الأسف (بدل ان تكون معدومة)، اما الكذب والُسكر والسحر والربا وغيرها من الأفعال والتصرفات فحَدّث ولا حَرج.

ان سبب شيوع تلك الأفعال بين الكبار والصغار هو عدم الأهتمام بما جاءت به كتبنا الدينية من تعاليم ودروس أخلاقية عميقة. مع ان هذه التعاليم هي السبيل الوحيد لأصلاح الفرد ومن ثم المجتمع كله، فكثيرا مانسمع من مثقفينا دعوات للتركيز على القضايا التي تخص العقيدة فحسب، فراح البعض يكثر من الكتابة والشرح عن قضايا مثل، ماذا يحدث بعد الموت وأين تذهب النفس وماذا يحصل للروح والجسد، وكيف يعاقب الخاطئ في الآخرة... الخ، متناسين ان الجيل الحاضر يعيش الأن في كنف ارقى المجتمعات، وهو غارق في عصر العلم والتكنلوجيا والسرعة والتقدم المذهل الذي شمل كل شيء، وهم (شبابنا) يفضلون ان يواكبوا كل جديد في هذا العالم وان ينشغلوا بالتحصيل العلمي والثقافي بدل انشغالهم بمعتقدات يعتبرونها خيالية وغيبية يرددها أهلهم على مسامعهم عنوة، طالبين منهم حفظها ليكونوا أبناء صالحين!!

تعليم النشئ شيئا عن العقيدة، ليس خطأ، بل هو امر مهم، الا ان الخطأ في الأمر هو التركيز الكبير على هذه الأمور وكأننا نريد ان نجعل منهم رجال دين او اساتذة لاهوت. في حين نتجاهل التوجيه والأرشاد والتعليم بما جاءت به ديانتنا من وصايا تخص اخلاقيات الأنسان واعماله وسلوكياته، وهو الأمر الأهم، بل ان ديانتنا تُحذّر من تجاهل تلك الوصايا. وماأحوجنا اليوم كطائفة الى اتباع تلك التعاليم بعدما آلت اليه علاقاتنا من التفكك والضعف وارتخاء اواصر القربى، وماوصل اليه الأمر بين بعض الأفراد وربما العوائل أيضا من تناحر وشقاقات وخصومات وتعيير وتعديات بسبب عدم الأحترام والتعالي وفقدان الصدق والزيف في العلاقات والضغينة والتفرقة وطغيان المصالح الشخصية والعائلية وسيادة روح التعصب الأعمى والعنصرية البغيضة، وغير ذلك الكثير. وما انسلاخ بعض الشباب والشابات وتوجههم الى ديانات أخرى الا بسبب ذلك كله.

فكيف يتم اصلاح ذلك؟
ان الأصلاح لايتم من خلال الشعارات التي يرددها البعض، ولا بتجميل الواقع المزري ولا بتغييب الحقائق المرة. فعلاقاتنا اليوم هي في اسوأ حالاتها، وهي السبب الحقيقي لتدهور طائفتنا، والخطر الذي يهدد وجودها، اضافة الى خطر التشتت المريع. وان القادم أسوأ في مايخص تدهور العلاقات وانحلالها، بعد موت المحبة الحقيقية والوداعة والطيبة التي كانت تملأ القلوب.

الا ان اخطر ما في الأمر هو ان يرث الأبناء من الأباء تلك الأخلاقيات ومشاعر البغضى تجاه الاخر فتنتقل تلك الصراعات وذلك التناحر الى الأبناء، وهو مانلمسه الان في كل مكان مع الأسف.
اذن لا حل لتلك السلوكيات والمشاكل، ولا وسيلة لزرع المحبة والإلفة والتسامح وحب الآخر الا بالرجوع الى وصايا الرب (وهي من صلب كتبنا) وتطبيقها في حياتنا العملية من خلال التدرب اليومي عليها.

وهنا اقترح على كل رجل دين ومسؤول ومثقف – رجالا ونساء- ان يبدأوا بتنظيم محاضرات وندوات وامسيات ولقاءات وإقامة مخيمات من اجل طرح وشرح تلك الوصايا والنواهي والأرشادات وبيان أهميتها وتدريب الشباب على حفظها لأتخاذها نهجا في حياتهم، وان يقوم الأهالي بخطوات جادة وسريعة في هذا المجال فدورهم هو الأكبر والأهم في الحفاظ على ابنائهم. وليكن افتخار الناس مستقبلا بما يحملونه من اخلاق فاضلة، بدل افتخارهم الآن بالقوة والغلبة والجاه والزينة الباطلة.

نشرت في وجهة نظر
الصفحة 1 من 17