الخميس, 08 آب/أغسطس 2013 01:16

القتل المجاني

مرة اخرى أقدم برابرة العصر الجديد على ارتكاب جريمة القتل، ومن جديد يكون احد اطفالنا هدفا.
اصبح القتل عقوبة البراءة والوداعة الانسانية البريئة
اية ازمة غير قابلة للحل هي ازمة التعصب وعدم التسامح، الذين لم يجد اصحابها سوى وسيلة واحدة لاسكات الغضب المندلع في وجوههم الحمقى
انه شهيد البراءة الانسانية. ولم يكن الاخير
فالجريمة متصلة ومستمرة استمرار النهج البربري المعادي لكل القيم الانسانية ولكل الشرائع الدينية
وإذ يدين اتحادنا، اتحاد الجمعيات المندائية في المهجر، هذا العمل الاجرامي السافر، ومعنا كل الخيرين من التجمعات والروابط والمنظمات العراقية والعربية والعالمية وسائر مناضلي شعبنا بعربه وكورده واقلياته، فهو يدعو، في الوقت نفسه، الرأي العام العالمي والعربي، وجميع الشرفاء الذين تعز عليهم قضية اغتيال البراءة الانسانية، ان يرفعوا اصوات الاحتجاج والسخط بوجهة القتلة ويصعدوا تضامنهم من الاقلية المندائية العالقة في منفاها بسوريا
الموت للقتلة
المجد للطفل علي عباس فاضل السيفي

اتحاد الجمعيات المندائية في المهجر

نشرت في كلمة الأتحاد

آراء للمناقشة

 

تطرق الأخوان الى موضوع مايسمى " بالتبشير! " وهو مصطلح "غريب" في المندائية والذي يقابله في المندائية مصطلح:ـ الأقناع بالبرهان ، أي اقناع أصحاب الأديان الأخرى بأن طريقنا(ديننا) هو الطريق  الصحيح للعبادة والحياة ، وليس الأدخال!؟

سأتحدث عن المندائية ليس في أطوارها الأولى ونشوؤها، فهذا سيبعدنا قليلاً  عن موضوعنا الأساسي فالبعض قد يتساءل ويقول ان كتبنا الدينية تقول:ـ

اننا من نسل آدم ونحن من أمدنا الحي العظيم بالناصورائية وهي العلم والمعرفة  فكيف أصبحنا أدياناً وشعوباً وقبائلا؟  لذا سيتوجّب عَليّة أجابته ، ثم يسأل وأجيب ... وهكذا

وأقول له : " لو أراد الخالق العظيم (الحي العظيم) لجعل في الحياة ديناً واحداً للعبادة ومبدءاً وذوقاً ولوناً واحداً في الحياة، ولكن حكمته، فلوعرفنا سِرّها لضاعَ طعمَ الحياة  وللآبتعاد عن هذا التحاور" اللامنتهي!" دعوني أدخل في الموضوع وأقول  المندائية تسيرعلى المبادئ والأصول (  "العقلانية" ، إن جاز لنا القول) التالية:ـ

أولاً: مبدأ المندائية في الأساس وفي زمن "يحيى الصابِغ" والى اليوم هو:ـ  ـ" لكم دينكم ولي ديني وطريقي الخاص في العبادة"ـ  وهذا يعني ان المندائي مندائي ولاتحبذ ولاتريد خروجه من المندائية  والذي يخرج " لايعود!"، فهي لاتقتله جسدياً ــ كما في الأسلام ــ لكنها "تقتله" روحياً، ثم  لاتريد المندائية من أحد الدخول فيها  ربما سيطرح البعض السؤال التالي : ـ

ماذا لو بدأت المندائية بمنع خروج معتنقيها والسماح "للغرباء" الدخول فيها وقطعت رقبة " الـُمرتـَد ؟ ـ   بالتأكيد لن تفعل ذلك ، لأن الأديان القديمة لها إتجاهات تختلف عما هو في الأديان الحديثة(المسيحية والأسلام )ـ

ثانياً: "الأقناع " بالبرهان الذي بدوره يؤدي الى "الأرضاء" دون الأنصهارـ  وهذا المصطلح المندائي يقابل المصطلح في الأديان الأخرى: " التبشير "ـ  الذي يعني " الأدخال " في الدين المُبَشـّر به    وهذا مافعلته النصرانية في مراحلها الأولى والمسيحية بعد ذلك إذ قامت بالتبشير ومافعلته الكنيسة وعلى المكشوف وفي نطاق واسع والى اليوم  والأسلام في بداياته إنتشر بالسيف والترغيب( الجنة والحوري ... والأنهار؟) ثم إنتقلوا الى الشرح والتفسير بهدف الأقناع واصطدم الناس بعدم تطابق النظرية والتطبيق والى اليوم ، وهذا معروف للجميع

فلو بدأ الأسلام بالشرح والتفسيروالأقناع في بداياته لما إنتشر  لهذا بدأوا بالقول المشهور   ـ إسْلم تسْلم ــ   فهدف المندائية بالتبشير ( لو أجيز لنا القول)هو ليس دخول " الغرباء" في المندائية ، بل نجعلهم يؤمنون ان ــ طريق المندائية وطقوسها في العبادةــ هو الطريق الصحيح للتقرب من (  الحيّ العظيم) وعبادته ـ  رغم انه ليس لدينا " دعاة " متمكنين يقودون حملات التبشير هذه كما يفعل أصحاب الديانات الأخرى التي تمارس التبشير، لكننا نملك طقوساً تحلَّ محل التبشير  والدليل على ذلك صباغة " الغرباء" من قبل ( يحيى الصابِغ ) على ضفاف نهر الأردن   هو ليس إدخالهم في الدين المندائي، بل لانهم آمنوا وأعترفوا ان " الصباغة" المندائية هي أحدى الطرق الصحيحة للتقرب من الخالق العظيم وعبادته.ـ

وقد نشرت قبل أيام " بوثا " تصب في هذا الأتجاه وهي:ـ  فيؤمن بعض اليهود... ويهديهم الى آسم ملك النور السامي  الـ " بوثا " تقول " : يؤمن ويهدي ولم يَقـُل : يُدخِل ...ـ  وهذا هو مفهوم " الأقناع " الذي يقابل " التبشير" في الأديان الأخرى  وهذا هو هدف المُصطبغين ، فهم آمنوا بهذ  الطريق الصحيح للعبادة وليس بهدف  أن يصبحوا " مندائيين "ـ  والدليل على ذلك هذه الحكاية القصيرة:ـ

نشرت قبل سنة أو أكثر أن هناك أحد المدرسين المسيحيين الألمان ، الذي يُدرّس اللغات  في إحدى دول شرق آسيا أراد أن يصطبغ صباغة مندائية ، لانه يؤمن انها الطريق  الصحيح للعبادة في الحياة، وليس الدخول في المندائية  ولم يجبني أحد من رجال الدين الأفاضل

ومن جانب آخر ان "الأقناع" يمكن أن يكون أيضاًً نوعاً من أنواع التبشير  لكنه لايذيب دين بدين  فاختلاف الأديان في الحياة هي مثل إختلاف الألوان والأفكار والأذواق و..و.. و..ـ التبشير هو بالحقيقة محاولة " إذابة" الأديان وإنبثاق دين واحد المُبشر به وهنا نسأل: أما كان بمقدور الخالق من البداية  ان يفعل ذلك ؟  أم ينتظرأن يقوم البشر بهذا " الدمج " عن طريق التبشير ؟  ثم ألا يعتبر التبشير عملاً ضد إرادة الخالق ؟ المندائية تقرّ ان إختلاف الأديان حقيقة ، لذا لا يجوز ان "يذيب" أحد الأديان ديناً آخراً ؛ فلو إلتزم أصحاب الديانات الأخرى التي تمارس التبشير  بعقائدهم لما قاموا بذلك  ونوجه هذا السؤال ايضاً:ـ

لو مزجنا لوناً بلونٍ نخرج بلون موجود اصلاً   إذن ، لماذا هذا الأندماج؟  لكن لو حصلنا على لونٍ غير معروف وجديد، فالمزج يصبح له أهمية  وهذا ينطبق مع هدف الأديان المُبشِّرة من التبشير  إذابة دين بدين يؤدي الى ظهور  أحد هاذين الدينين الموجود أصلاً   إذن، لماذا هذا الأندماج؟  ترى كيف  ستكون الحياة بلون وبدينٍ واحد؟  واضيف الى ماورد أعلاه مايلي:ـ

قضية " التبشير" لو جاز لنا القول ، هي قضية تقبل الأثبات والنفي. فإذا كانت مثل  هذه القضية موجودة، إذن يُطلق عَليها: " تكافؤ الأدلـّة" ، والأخوان القانونيين يَعرفونَ ذلك.ـ  فللوصول الى نتيجة تـُرْضي الأطراف ، يَجب علينا أن نتـَّجـِه الى (المحاورة أو الحِوار) للوصول  الى الحقيقة  فالشك والرأي  من قبل جميع الأطراف حول هذه القضية مَوجود  بوجود الشك في قضية اخرى مثلاً  المندائية تقول أن البشرية بدايتها كانت في الأساس مُوحدة ثم ظهرت " التعددية" ـ  بالضد من الفلسفة التي تقول العكس  فالحقيقة موجودة أصلاً في تعدد الأراء هذه، فعن طريق الحوار الهادئ نصل   بالتأكيد الى هَدفنا  يُقال أن سُقراط كان لايُلقـِّن تلاميذه أو يَفرض عليهم رأيه  بل يصل الى الحقيقة عن طريق الحوار  لآن القضايا الدينية لها خصوصيتها ، لذا يَجب التعامل معها بهدوء وعقلانية، حتى لايتأوَّل النص الديني  بالأتجاه الخاطئ أو يُفسّر تفسيراً بعيداً عن محتواه (أي المحتوى الديني    لهذا النص المتعلـّق بما يُسمى   (ـ" التبشير"ـ

 

وهيي زاكن

الثلاثاء, 04 حزيران/يونيو 2013 05:20

اعلان من لجنة الطوارئ

 

باسم الحي العظيم

))رأسُ الحنانِ أن تَحِنَّ الى الفقراء والمضطَهدين((

المندائيات والمندائيون الكرام

تحيةطيبة

نود اعلامكم بان لجنةالطوارىء ، مستمرة في أعمالها وأتصالاتها ومساعيها لأسناد ومساعدة وانقاذ كل مندائية ومندائي طلبوا المساعدة .

 

وخلال الأشهر الثلاث الماضية تم عقد عدة أجتماعات مكثفة مع أعضاء المؤسسة المندائية في سورية ورئيس وممثلي مجالس العوائل وتم مناقشة كافة المقترحات والطروحات المقدمة وخطط العمل والتنفيذ وتم الأجابة عن كافة الأستفسارات المطروحة من قبل المندائيين هناك ، وصولا الى عمل أحصاءات متكاملة بعدد العوائل التي ترغب المغادرة الى دولة أخرى مثل تركيا والعراق

.

بعد ذلك تم عقدالاجتماع الموسع للجنة الطوارىء بتأريخ 11_05_2013 هذا وقد حضر الأجتماع :ـ

السيد توما زكي زهرون ـسكرتير مجلس الشؤون نيابة عن رئيس الطائفة الريش أمة ستار جبارحلو

الدكتور صهيب غضبان رومي الناشى ـ سكرتير أتحاد الجمعيات المندائية في المهجر

الكنزبرا سلام غياض ـ رئيس لجنة الطوارىء

الدكتور جبار ياسرالحيدر ـ عضو لجنة الطوارىء

السيد غسان عودة بطي رئيس الهيئة الادارية للجمعية المندائية في سورية

السيد سلام شنان نائبرئيس الهيئة الادارية للجمعية المندائية في سورية مع أعضاء الهيئة الادارية

السيد هشام الحلي ـ رئيس مجلس العوائل في سورية مع عدد من ممثلي مجالس العوائل

السيد حيدر يعقوب يوسفـ سكرتير مجموعة حقوق الأنسان المندائية ـ مسؤول مشروع الأيادي البيضاء

السيد سهم مهاوي ـسكرتير مجلس شؤون أربيل

السيد أدور سلومي ـ عضولجنة الطوارىء

الدكتور سلام جاوي فرحان ـ سكرتير المجموعة العالمية للأزمة المندائية ـ عضو لجنةالطوارىء

الاستاذ حامد مغشغشالسعدي- عضو لجنة الطوارىء

هذا وقد سبق الاجتماع بمدة أكثر من اسبوعين تبليغنا الرسمي الى مسؤولي المؤسسة في سورية لغرضالاتصال بكافة العوائل في سورية وتكملة جرد واحصاء متكامل بالعوائل التي ترغب بمغادرة سورية لاعداد خطة عمل وبرنامج وتوزيع اللجان ومهامها ، حيث بذل العاملين في المؤسسة المندائية في سورية جهودا كبيرة في هذا الصدد وكانت نتيجة الجرد الاولي حتى ساعة الاجتماع اربعة عوائل مندائية فقط ترغب بمغادرة سورية ممن تم تسجيل اسمائهم وبطلب رسمي وضمن النموذج المرسل من قبلنا رسميا الى المؤسسة المندائية في سورية

.

تم خلال الأجتماع دراسة تكاليف نقل العائلة الواحدة ابتداء من سورية والانتقال الى اربيل والبقاء فيها هناك لمدة محدودة وتم تخمين تكاليف البقاء في مندي أربيل وحتى الحصول على تأشيرة الدخول الى تركيا ثم تكاليف النقل الى تركيا واستقبالهم من قبلاللجنة المشرفة في تركيا والتي تقوم بمهمة تهيئة مستلزمات السكن والأستقراروالحصول على الموافقات الامنية والمعيشة. هذا وتم نقل عائلة مندائية مكونة منخمسة افراد كمرحلة اولى وسيتم الاستمرار بنقل من يرغب بذلك وحسب الآليات المتفق عليها  ضمن مشروع الطوارىء.

.

ملاحظة

علما ان لجنة الطوارئ لاحظت مؤخرا ازدياد اعداد العوائل المندائية من اللاجئين التي بدأت في جني ثمار جهود كافة الخيرين من ابناء الطائفة وعلى رأسهم منظمة محام وذلك من خلال اجتماعاتها المتواصلة وضغطها على المفوضية العليا لشؤون اللاجئيين ، حيث تصاعدت وتيرة سفر العوائل المندائية الى بر الامان ، وبنفس الوقت ندعوا بقلوب مؤمنة لبقية العوائل المندائية بأنهاء ملفات توطينهم وسفرهم الى بر الامان .

فطوبى لكل من عمل عملا صالحا

 

مع التقدير

 

الكنزبرا سلام غياض

مسؤول لجنة الطوارئ

 

نشرت في اخبار محام
الجمعة, 05 نيسان/أبريل 2013 23:02

التطورات في النقاش حول أصل المندائيين

تسبب وجود اسطورة هجرة الصابئة المندائيين من حوض الاردن الى الجبال الميدية "طورا دماداي" وحران في مخطوطة "هاران جويثا" (حران الداخلية) بسبب اضطهاد اليهود لهم ووجود بعض العناصر السامية الغربية في الدين (مثل الكرمة "جفنا" والحق/العهد "كشطا") في نشوء نظرية الأصل الغربي للمندائيين مبكراً. وأشار الى ذلك مستشرقون كبار مثل نولدكه وليدزبارسكي، ثم أيدت الباحثة الكبيرة في المندائيات ليدي درور هذا الرأي لاحقاً، وهو الرأي الذي صاغه عالم الساميات المعروف رودولف ماتسوخ، وأيده كذلك كورت رودولف. من جانب آخر، وبسبب الجذور البابلية والرافدينية العميقة للدين، أشارت أقلية من الباحثين مثل باومغارتنر وفورلاني الى أن أصل المندائيين هو بابل، وهو الرأي الذي بدأ يتردد مجدداً بين أوساط علماء المندائيات.

يلخص ماتسوخ نظريته في مقدمة كتابه عن اللغة المندائية الكلاسيكية والمعاصرة فيقول: "يجب أن تكون هجرة المندائيين من وادي الاردن الى المرتفعات الميدية قد حدثت أثناء حكم الملك الفرثي أرتبان الثالث. وأثبتت محاولة ك. رودولف لوضع الهجرة في زمن أرتبان الخامس، وآراء إي. بامل بأنها حدثت في فترة حكم أرتبان الرابع القصيرة، أنها لا تأريخية. وقبل انتهاء الحكم الفرثي، انتشر المندائيون في كافة أرجاء وادي الرافدين. وفي القرن الثاني للميلاد أخذ العيلاميون والميسانيون منهم خطهم الذي اقتبسوه من الأنباط".

أما كورت رودولف فيقول في كتابه المندائية (لايدن 1971) "من الصعب الحديث عن أصل المندائيين وتأريخهم، لأنه أمر لم يدرس في كتبهم على الاطلاق. وهم أنفسهم يعتقدون بأن دينهم كان الأول ووضعه عالم النور، ولا يعنيهم تأريخ هذا العالم في شيء... وتوجد اسطورة متوارثة عن إضطهاد الجماعة (بالأصح 360 كاهن) في اورشالام علي يد اليهود الذين قادهم أدوناي والروها والشوفّا. ويعتقد أن تدمير اورشالام على يد قوى النور جاءت عقاباً لليهود على ذلك.. علاوة على ذلك، نجد في هاران جويثا تفاصيل إقامة الناصورايي في تلال ميديا (طورا دماداي) أو حران الداخلية، حيث هربوا بقيادة الملك أردبان من الحكام اليهود. وتم تشخيص أردبان الغامض هذا بالملك الفرثي أرتبان الثالث، أو الرابع أو الخامس... أي في فترة حكم الملوك البارثيين المتأخرين في القرن الأول أو الثاني الميلادي..". وأدوناي هو اله اليهود، الروها هي روح العالم المادي الشريرة، والشوفّا (شفياهي بالعامية المندائية، وهي شوبّا أو شوفّا أي السبعة) هم الكواكب السبعة الشريرة، أعوان ملك الظلام.

ويستمر رودولف "إن تحليل نمط ومواضيع هذا التراث المندائي القديم ومقارنته مع مختلف النصوص اليوحناوية يوضح بأنه يرتبط بالتراث المسيحي الفلسطيني – السوري القديم. ولا يعطينا الأدب المندائي أية إشارة الى أن الطائفة كانت في يوم من الأيام مسيحية على العكس من رأي بعض العلماء... ولا يمكن نكران الأصل اليهودي للطائفة أو الناصورايي رغم النقاشات الحامية ضد اليهود في الأدب المندائي... وتذكر لفافة هاران جويثا أن الناصورايي أحبوا الرب أدوناي الى أن جاء المسيح! ومن الواضح أن معاداة هذه الطائفة اليهودية المارقة لليهودية الرسمية أدت الى وقوع الاضطهاد عليها، من المفترض خلال حروب اليهود التحررية في القرنين الأول والثاني... ومن الأفكار القديمة نجد بهيري زدقا (المختارون الحقيقيون) ومار إد ربوثا (رب العظمة) ورازا (السر) والكثير من المصطلحات واللغة الرمزية حول التعميد وكأنها تكرار لنصوص قمران. والاردن دائماً هو اسم أي ماء مناسب للتعميد للمندائيين. وتؤكد العلاقة الواضحة مع الطوائف المعمدانية شرقي الأردن ومع المسيحية البدائية في سوريا، علاوة على العديد من العناصر السورية الغربية المميزة في اللغة والميثولوجيا المندائية (مثل مندا، ناصورايي، جفنا، كشطا، والملائكة التي تبدأ بـ "يو") نظريتنا في الاصل الغربي للمندائية".

أولاً نترك المواضيع المتعلقة بهجرة ما جانباً، فهي تكرار لتقاليد قديمة (هجرة ابراهيم الى حران ثم الى كنعان، هجرة أخوة يوسف الى مصر ثم الخروج العبري من مصر بقيادة موسى، هجرة يسوع وعائلته الى مصر الخ). وهناك أمثلة عديدة في تأريخ الأديان حول اقتباس أساطير وقصص من الشعوب الاخرى (والمثال الأسطع هو اطلاع اليهود على الميثولوجيا والأساطير الرافدينية بعد نفيهم الى بابل، ومنها استمدوا أساطيرهم بعد تحويرها، مثل الخليقة والطوفان، وذلك عند تحرير التوراة وكتب الأنبياء والمزامير وغيرها من كتبهم في فترات متأخرة). ما يهمنا هو العناصر الغربية في الدين المندائي. أحد أهم العناصر هو تعبير ناصورايي وهو العالم في الدين والمتبحر في اموره وأسراره، فمن أين أتت هذه الكلمة وما معناها؟

أصل الكلمة الفعل نصر هو صيغة قديمة للفعل نطر، ومنها ينطر، أي يحرس، يحمي ومنا الناطور أي الحارس. وهي كلمة معروفة في العديد من اللغات السامية، مثل العبرية والآراميات وحتى العربية. لكن المهم هو استعمالها الديني. فهي لا ترتبط بالمندائية فحسب، بل بالقمرانيين وباقي طوائف البحر الميت وبالمسيحية كذلك.

نجد في نصوص قمران مصطلح نوصري ها-بريت، وهو يعني حرفياً حماة العهد، في إشارة الى عهد يهوه مع ابراهيم في التوراة، وهي تسمية أطلقها مؤلفوا النصوص القمرانية على أنفسهم، وتختصر بالعبرية الى نوصريم. ويمكن اعتبارها الاسم الذي عرّف به القمرانيون (أو غيرهم) أنفسهم. ومن المؤكد أن التسمية العربية للمسيحيين، النصارى، هي على نفس النحو وليس من النسبة المفترضة للمسيح الى مدينة الناصرة التي لم تكن قد وجدت في عصر المسيح، وإنما ظهرت في فترات لاحقة بعد تدوين الأناجيل (القرون الثاني-الثالث الميلادي). فيسوع نفسه، كان يلقب بالناصورايي، أو النازاري (تحولت الى الناصري بالعربية). ويجب الحذر عند الاعتماد على المصادر المسيحية أو الكلاسيكية، فغالباً ما يرتبك الأمر على الكاتب والناسخ بسبب ضعف الاطلاع على ماهية أديان أو طوائف تتميز بسرية التعاليم أصلاً، وبسبب التشوش الهائل الذي سببه التغير في النطق عند ترجمة الأسماء من العبرية والآراميات الى اليونانية واللاتينية. فهناك اشارات في كتب الآباء المسيحيين الأوائل وكتب المؤرخين القدماء الى طوائف في شرقي الاردن تتشابه في أسمائها مع ما نعرفه من الأدب المندائي: فيذكر هيغيسبوس (من القرن الثاني الميلادي، حسب كتاب تاريخ الكنيسة ليوزيبيوس الذي توفي في 339م) الطوائف اليهودية السبع وهي: الأسينيون، الهيميروبابتست (المتعمدون في النهار) الجليليون، المصبوثيون (المعمدانيون) والسامريون، والصدوقيون والفريزيون. فالمتعمدون في النهار، والمصبوثيون هي أسماء قد تكون لطائفة معمدانية واحدة، الاولى عرفت بالاسم اليوناني، والثانية بالاسم الآرامي. ويتحدث أبيفانيس أسقف سلامينا (أواخر القرن الرابع) عن الناصورائيين والنازاريين والاوسيين في حوض نهر الاردن، وقتها كان المندائيون يعيشون في ميسان أي جنوب العراق. ونجد في مخطوطات قمران تسمية ثانية للجماعة القمرانية، وهي "عوسي ها-توراه" أي مطبقي أو محققي التوراة، وتختصر الى عوسيم، وهي نفس الأوسيين التي تحدث عنها أبيفانيس. وكما مر، فإن ناصوري ونازاري تعودان الى جذر نصر، أو نطر بمعنى ناصورايي، وتغير اللفظ حسب تأثير اللغة اليونانية أو اللاتينية، لغة المصادر التي نقلت الينا الأخبار الشحيحة عن هذه الطوائف!. المصطلح إذن شائع في تلك الفترة، حماة العهد، حماة الدين الخ، ولا يرتبط بدين معين كما رأينا.

وعن علاقة اليردنا بنهر الاردن، فالأمر واضح، ولا يمكن اعتبار استعمال المندائيين كلمة يردنا هي دليل على الأصل الغربي وإشارة الى نهر الاردن الحالي. تعني كلمة يردنا في اللغات الآرامية الماء النقي، الجاري. ويبدأ البارسيون (في الهند) أسماء الأنهار بسابقة هي "أرد"، وهناك العديد من الأنهر في أوروبا تذكرنا باليردنا: الرون والراين، ولاننسى رودانوس التسمية القديمة. على ما يبدو أن الكلمة ترجع الى فترات بعيدة في تأريخ البشرية القديم.

إن الطبقة الأساسية للدين المندائي رافدينية الطابع، ولا يمكن تصورها في أية بيئة ثانية عدا بيئة الأهوار والأنهار والماء الوفير في جنوب العراق كما يشير عزيز سباهي بصواب في كتابه "اصول الصابئة". فهل يقبل المنطق العلمي وضع كل العناصر البابلية الغزيرة في الأدب المندائي جانباً والتشبث بحفنة من العناصر "الغربية" في الدين، لإثبات نظرية الأصل الغربي؟.

والأهم من كل ذلك، هو وجود "العناصر الغربية" في جنوب بابل في تلك الفترة، متمثلة باليهود الذين آثروا البقاء في جنوبي وادي الرافدين على العودة الى أرض كنعان. فما الداعي "لاستيراد" العناصر الغربية ما دامت قد جائت من قبل مع اليهود الذين سباهم الكلدانيون الى بابل وبقوا على اتصال ببلاد كنعان؟. هذا ينطبق مثلاً على ما يسميه المستشرقون "مخلوقات يو" مثل الملائكة يوشامن ويوزاطق وغيرهم. وسابقة يو هذه تعرف بالحرفين وهي مختصر للحروف الأربعة يهوه اله العبرانيين القومي. وهناك الحروف الثلاثة يهو (ياهو، مثلاً في نتانياهو). واسم يهوه مقدس عند اليهود لايلفظوه، بل يقرأون إيلوهيم بدلاً منه (لذلك يجري تحريك كلمة يهوه بحركات كلمة إيلوهيم في النصوص). ويوشامن هو اسم مستعار من التراث الكنعاني، وأصله بعل شمين أي سيد السموات (في الأصل بعل شمايم، تحولت الى بعل شمين ثم الى يوشمين عند اليهود ومنها اشتق المندائيون يوشامن)، أما يوزاطق، فهو من يو-صادق. ومن المفترض أن تكون الصيغة المندائية ليوحنا المعمدان، يهيا يهانا (يحيى يوحنا) على نفس الشاكلة. لكن لماذا لا يكتبه أو يلفظه المندائيون يوهانا بدلاً من يهانا التقليدية؟ هذا أمر لم يتطرق اليه أحد ويتطلب البحث.

إن اقتباس المندائيون هذه الأفكار من جيرتهم اليهود في بابل هو أسهل بكثير من نقلها عبر هجرة واسعة من وادي الاردن الى حران فبابل. ولربما هاجر عدد صغير ممن كانوا يسمون بالناصورايي من حوض الاردن فعلاً، وانظموا الى المندائيين الموجودين أساساً في أرض بابل، وهو أمر تشير اليه لفافة هاران جويثا صراحة، لكن ذلك ما لا يمكن نفيه أو إثباته في الظروف الحالي. ومع ذلك وحتى التسليم بإحتمال مثل هذا لا يفترض تأييد نظرية الأصل الغربي ما دام القادمون الجدد انظموا الى جماعة قائمة منذ زمن، ولم يأتوا بدينٍ جديد.
ولعبت نظرية الأصل الغربي دوراً في تعقيد الصورة المعقدة أصلاً، على سبيل المثال أثناء النقاش حول الخط المندائي الذي يتشابه مع الخط النبطي (في الغرب) والخط العيلامي (في الشرق). فمن يؤمن بالأصل الغربي لابد وأن يقول بأسبقية الخط النبطي على المندائي، لأن الصورة لا تستقيم إلا هكذا، فيكونوا قد أخذوا الخط من النبطيين بطريقهم الى ميسان، حيث اقتبسه منهم العيلاميون كما رأينا عند ماتسوخ. ومن المفترض أن الخط المندائي كان قد بلغ اكتماله في القرن الثالث الميلادي، ويصعب تصور اقتباسه من العيلاميين كما يرى يوسف نافيه أو يانوش هارماتا لأسباب تتعلق بتأريخ التدوين عن الشعوب الايرانية التي لم تطور أبجدية خاصة بها، ولم تستقر على أبجدية إلا بعد الاسلام عندما اختارت الحروف العربية، وحتى الأبجدية الفهلوية كانت تتألف من ثلاثة عشر حرفاً فقط. ولو كان العيلاميون هم من ابتكر وطور الأبجدية هذه، لم نبذوها ولم يستعملوها لاحقاً؟. من جانب آخر ذكر رودولف أن المندائيون طوروا أبجديتهم بعد وصولهم الى ميسان. وستظل الأبجدية رهينة النقاش حول أصل المندائيين رغم اللقى الأثرية من نقوش ونقود وكتابات.

خلال مؤتمر جمعية آرام عن المندائيين في اوكسفورد في عام 2002، شددت الدكتورة كريستا مولر-كَسْلَر على ضرورة فتح ملف أصل المندائيين مجدداً وفقاً للمعطيات الجديدة التي أفرزتها دراسة اللقى الأثرية في وادي الرافدين. وكَسْلَر مهتمة بدراسة نصوص التعاويذ التي عثر عليها في وادي الرافدين منذ القرن التاسع عشر وخلال القرن العشرين والتي بقيت في المخازن دون ترجمة. وتعتقد كَسْلَر أن الدين المندائي تكون في جنوب وادي الرافدين وتنكر الأصل الغربي لعدم وجود ما يبرر هذه النظرية، أيدها في ذلك البروفسور المؤرخ أدموندو لوبييري من جامعة أودينا الايطالية.
وترى مولر ـ كَسلَر أن نصوص التعاويذ المندائية كانت موجودة وتلمس الكثير من عناصرها في نصوص تعود الى فترات أقدم من الهجرة المفترضة، الى منتصف القرن الثاني قبل الميلاد مثلا. وتدل الدراسات الحديثة حول نصوص الأدعية المندائية أن هذه النصوص رافدينية جنوبية بالتمام، لا بل تحمل بصمات محلية ضيقة غير معروفة حتى في مناطق اخرى قريبة من بلاد الرافدين. وتجادل كَسْلَر أنه كان على الجماعة المهاجرة من فلسطين في القرن الأول أن تغير لغتها وتترجم نصوصها الدينية بثلاث لغات خلال فترة زمنية قصيرة تقرب من مئة عام هي الفترة الفاصلة بين انطلاقهم المفترض من حوض الاردن لغاية وصولهم الى جنوب وادي الرافدين، وهو أمر مستحيل عملياً، بالإضافة الى أن مثل هذه الترجمة للنصوص لابد وأن تترك بصماتها مثل وجود عناصر لغوية ومفردات من اللغة الأسبق، وهو أمر لا نعثر عليه في النصوص المندائية. وتقول في دراسة سابقة لها صدرت في مجلة آرام (عدد 11-12): "إن إحياء دراسات النصوص المندائية القديمة المكتوبة على الرصاص والأوعية الخزفية في السنوات الأخيرة، يجبرنا على إعادة تقييم معلوماتنا عن معرفة المندائيين للثقافة البابلية القديمة ودورهم في نقلها. كذلك أن نصوص التعاويذ المندائية هذه بالذات هي التي ترتبط بشكل وثيق بقضية أصل المندائيين. هذا الأدب الخاص يكشف معلومات مفصلة حول الكثير من الأسئلة التي لم تحصل إجابتها. إن طبقة الصوتيات والمفردات والتعابير في اللهجة المندائية يجب أن تكون أدلة كافية لإثبات الأصل البابلي للمندائيين، لكن يبدو أن هذه الحجج اللغوية لم تكن مقنعة بالنسبة لأجيال من علماء الأديان".

ولم تقنع هذه الحجج البروفسور رودولف، فهو يعارض هذا الرأي لحد الآن، ويصر على أنه من الصعب تحديد أصل المندائيين بالاعتماد على دراسة نصوص الأدعية وحدها.

بظهور الأجيال الجديدة من علماء المندائيات، وتزايد الاهتمام بدراسة اللقى الأثرية – وهي الأدلة المادية على تأريخ جماعة ما -، يأخذ الخوض في أصل المندائيين منحىً جديداً، رغم تعقد الموضوع وتشابك عناصره وشحة المصادر التأريخية والأثرية التي ترتبط بالمندائيين

نشرت في تاريخ
الجمعة, 05 نيسان/أبريل 2013 18:43

الأنهار المقدسة

اسبر اغوار نهر الروح .. من أين جئت وبأمر من .. وبالرغم من انك اصبحت عبداً لهذا الجسد الفاني ، قم انهض مجددا واتبع النظام الذي منه انحدرت وشارك في السبب المقدس.. )نص آكادي)

غالبا ما تظهر الأنهار في المعتقدات الدينية كرموز النفوذ الإلهي والاتكال الحياتي ، والانهار تستحضر صورة الطاقات العقلية والروحية ، مغلفة المستويات المتعددة للحياة الكونية والفردية لتربطنا بشكل حميمي بالمصدر الروحي الذي يغذينا ويديمنا،. وهي تتدفق دوما لتوصلنا بكل الاشياء. وقد استوعب القدامى، ومنهم المصريون، هذه الهبة الكونية فسموا مصر هبة النيل، وقدموا له الصبايا الجميلات قرابين بشرية لإرضاءه.
الأنهار المقدسة هي ليست مجرد تذكير اسطوري بحقائق منسية، انما تمثل دفق الوجود البشري "من نحن؟ وماذا نحن؟" وليست كينونة ساكنة او جامدة وانما سيلا فاعلا للبهاء الإلهي. فقد وصفها الفلاسفة منذ القدم بأنها البذرة أوالبيضة التي تحوي الخصب الكوني الذي يحبل به رحم الكون اللامتناهي زمكانيا.
وينظر لهذه البذرة على انها ثمرة الأسلاف والاكوان السابقة المليئة بالحياة والذكاء والوعي. اذ من الطبيعي تخيل هذه البذرة اللامتناهية تنبثق في لحظة معينة لتتدفق نهرا جارفا من الطاقة غامرة الكون بـ "مياه" البهاء والألق أي الفوضى البدئية التي نجم عنها خلق المجرات والمجاميع النجمية تحوي كواكب جنائنية مثل كوكبنا الأرض.
وتقدم لنا قصيدة التكوين والخلق البابلية وصفا دقيقا مدهشا لانبثاق دجلة والفرات بسلسلة من اعمال القتال، بدأت بقتل أپسوApsu وهو عنصر الذكورة في مزيج الحياة البدئية، حيث كانت تيامت Tiamat تشكل فيه عنصر الأنوثة والأمومة وكانت تحكمه وتتحكم فيه، وهي التي منحت أپسو شعارات السلطة والتألق الخارق للطبيعةMelamu . وبالنسبة لأپسو فقد تمكن الإله (أيـا) بتعويذة سحرية من اختصاصه تعطيل حركته وتجريده من شعاراته، ثم قتله، بحيث لا يتحول الى العدم بعد عملية القتل هذه بل ليصبح العنصر الرطب اي محيط المياه العذبة الباطنية، حيث يتخذ الإله أيا مقره. وعلى هذا المحيط ، يتم فيما بعد، من قبل الإله مردوخ تكوين قرص الأرض.
اما تيامت حين منحت وحدها ودون الرجوع الى مجمع الآلهة السلطة لكينغو Kingo الذي اتخذته قرينا له بعد موت او تحول أپسو. ووفقا لهذا الرأي نفسه ، كان الإله مردوخ يمثل النظام والتصور السليم يرافقه تخطيط بارع يدل على حسن استعداده للمعركة مع تيامت واختياره لسلاحه ، وبعد انتصاره على تيامت، فانه شطر جسمها الهائل الى نصفين مثل ما تشطر السمكة التي يراد تجفيفها ثم تناول نصفا وقنطره وجعل منه شكل السماء وفي موضع كبدها احدث المناطق السماوية العلوية وكوّم فوق رأسها جبلا وأخرج منه ينبوعا وفتح في عينيها دجلة والفرات كما اعد ردفها لسند السماء وسقّف نصفها الآخر لتدعيم الأرض.
ويمكننا تبيان أهمية الأنهار في فكر الانسان العراقي في كل اساطيرنا القديمة التي دونها ببراعة لا تضاهى الشعراء السومريون ومن بعدهم البابليون بما جال في خيال وتصور العقل البشري في تدوين مغامرات جلجامش وبحثه عن سر الخلود ومعنى الحياة والذي قاده الى "أبو البشرية" الذي يسكن عبر البحر مع الآلهة في "حديقة الشمس" التي تقع عند مصب الأنهار. وقد استعارت التوراة العبرية هذا التصور حيث نقرأ في سفر التكوين 10:2 "وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة. ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس".
وكما الانهار تنحدر من مصادرها البدئية ـ من الامطار والثلوج ـ فانها تجرف معها الطمي وعناصر الطبيعة الاخرى من المناطق التي تجري فيها كما تجرف معها الاقذار البشرية التي تساهم في تلويث هذه الانهار الواهبة للحياة بغض النظر عن كونها اقذارا جسدية ام روحية. لقد كان كل من هومير وافلاطون مقتنعين تماما بتصويرهم لجريان الانهار الى العوالم السفلية، اذ نجد في نظرية نشأة الكون اليونانية ان الأقيانوس التايتاتي ، هذا النهر الاسطوري قد ولد عن السماء والارض وهو اب لكل الانهار ، النهر السماوي التي تحيط مياهه بالارض. ومن بين بناته الواتي ليس لهن عد هناك اربعة منهن انهار العالم السفلي الرئيسية بالاضافة الى نهر النسيان Lethe ، وهذه الانهار تلتقي لتسيل جنوبا ملتفة حول بحيرة الجحيم Acherusian لتصب اخيرا في الجحيم Tartarus . وتقوم هذه الانهار في العالم السفلي بتنقية الارواح والعقول من آثامها وانانيتها.
ان الاساطير تروي لنا بأن الانهار هي مظهر تكاملي للنظام البيئي الروحي العقلي الجسدي من خلال جريانها عبر العوالم الثلاثة الأرضية والسماوية والسفلية. ان الاسطورة الهندوسية حول نهر الهند المقدس الغانج تمكننا من تخيل هذا النهر على انه إلهة ـ حيث انها هي الإلهة الأم (ام الغانج) الواهبة للحياة ، وهي الطاقة الأنثوية ـ الأمومية ـ الذكية العاقلة الكونية قرينة الإله سيفا Siva . وهي النهر الذي ينبع من ابهام قدم فينشو حين ثقب بقدمة قبة السماء . من فينشو حامي الكون تجري غانجا باستمرار الى رأس دورفا ، النجم القطبي ، مطهرة في طريقها كل نفس تلمسها كي تصعد الاجساد الى الفردوس . ملايين الهندوس تأتي الى مثابات ومعابر الغانج المقدسة للاغتسال وتطهير الاجساد المتعبة في مياهها المقدسة والذين يحتضرون يحتضنون ضفافها للموت هناك لكي تعبر ارواحهم نهر الحياة والموت باتجاه الحياة الابدية.
وراء هذه الطقوس والرموز تكمن حكمة كونية ملهمة. افكارها المركزية تعبر عنها بوضوح استثنائي الثيوصوفية** المندائية. فمن البيئة المائية ، لأهوار دجلة والفرات، التي استوطنها المندائيون الناصورائيون اصحاب "الألق المعرفي" ظهرت افكارهم التي ارتبطت ارتباطا روحيا وعضويا بهذه المياه. ان الكوزمولوجيا المندائية تشير الى الكينونة الأسمى بـ "الحياة العظمى" التي توصف بانها غريبة متفردة ـ نكرايي ـ بمعنى انها بعيدة لايمكن فهم كينونتها لكونها تفوق الوصف. وبسبب غموضها وتجريدها فان المندائيين يتكلمون عنها دوما بصيغة الجمع الحيادي.
ان رمز الحياة العظيمة (هيي ربي) هو الماء الحي، الذي يسميه المندائيون (يردنا) وهو العنصر الاساسي الذي ترتكز عليه طقوسهم وعلى الخصوص (الصباغة) ـ التعميد ـ التي يجب ان تتم في الماء الجاري (الحي) ولا يجوز ارتماسهم في ماء تحيط به يابسة لأنه ماءا راكدا و(ميتا). ويردنا هي تسمية المندائيين لكل نهر جاري ـ ارضي أو سماوي ـ ويصرون على انه ليس اشارة مباشرة للأردن ولنهره. ان المندائين يعتقدون بأن كل الانهار تنبع من مصدر سماوي ـ نهرا نقيا يدعى الفرات البهي ـ "فراش زيوا".
أدبيات المندائيين تشرح لنا بأن نهر الحياة والنور يجري من نقطة واحدة (رحم) خفية لا يعرف سرها الا الحياة العظمى، الا ان ادعية معينة تقول بأن البهاء (الألق) ـ زيوا ـ هو الذي يرفع حرارة هذا المركز التوليدي ـ الرحم ـ مسببا ذوبانه وجريانه من (مشكنته)، اي من بيت الحياة ـ بيت هيي ـ أي الكون.
ومن هنا نستطيع الوصول لفهم امثل لطقوس الصباغة (التعميد) المندائية. ان الصباغة اليومية هي التعبير المادي الأقصى لما يحدث في حياة المندائين الفكرية والروحية. وهذا الارتماس في المياه الجارية التي تمثل اليردنا السماوي هو في الواقع تمثيلا للفعاليات الخلاقة لما يحدث في عالم النور ـ آلما د نهورا ـ ان هذه الطقوس التي تسمى (مصبوتا) تهدف الى تنقية المرء حيث يدخل الى هذه المياه (مجازيا) "اسودا" ليخرج منها "ابيضا" ، أي يدخل اليردنا نجسا او ملوثا ليخرج منها نقيا.
والماء الذي يعكس النور يعتبر شكلا من اشكال النور. فالشخص المصطبغ حديثا يعتبر مرتديا "حلة النور". وفكرة ان الفلك مملوء بضياء سائل والماء شكل مكثف من اشكاله، تظهر في الاعتقاد بوجود الزوارق الفلكية التي يرسمها المندائيون في منمنماتهم. والماء مع ذلك ليس كله سائلا سحريا واهبا للحياة . ان جزءا واحدا (مثقالا) من تسعة اجزاء (مثاقيل) منه فقط هي الماء الروحي الحيوي ـ ماء الحياة الذي يديم جسم الانسان، وسائر الاجزاء الاخرى تسمى ((تاهمي)) وهي سائل عديم الحياة يمر باستمرار في طريقه الى مياه البحار المرة جارفا معه فضلات ونجاسات الجسم البشري ، في حين يقوم الماء الحي باداء واجبه او يرتفع الى السماء مرة اخرى حيث الـ " يردنا" السماوية " فراش زيوا" او الفرات النوراني.
ان المياه النجسة كلها تصب في بحر العالم القريب من عوالم الظلمات ذات المياه السوداء الداكنة جدا، التي تغلي وتفور وتلتوي، من يشرب منه يمت وكل من يخوض فيها يحترق. ما من احد يطيق رائحتها باستناء ذلكم الذي خرج منه.
ان طقوس الاغتسال بالماء التي تقام مع اجراءات وأدعية وصلوات معينة هي بمثابة احتفال ديني تجلب جميع خواص هذا الماء السماوي وتضعها موضع التطبيق وتجعل متناوله قادرا على الاستفادة منه. هذه الاراء قديمة قدما سحيقا وتشير الى استمرارية الفكر والتقاليد. فمياه دجلة والفرات والكارون والزاب هي ذات قداسة متساوية لأن جميعها تحتوي على هذا الجزء السحري من الماء "ميا هيي" او ماء الحياة. والـ "يردنا" هي العلامة الخاصة بالمندائين الذي بدونه لا تتم مراسيم ـ طقوس ـ الصباغة :
" روشـمـي إمـشـي روشـمـي بـيـردنـا ربـا اد مـيـا هـيـي اد انـش ابـهـيـلـي لا مصـي . اشـم اد هـيـي واشــم اد مـنـدا اد هـيـي مـدخـر إلـي"
(( ان علامتي هي اليردنا العظمى الماء الحي الذي لا يستطيع الانسان ان يحصل عليه بقوته وحده. ان اسم الحياة واسم مندادهيي منطوقان علي)).
ان ولادة الماء الحي ، وفق نظرية الخلق المندائية، لم تأتي هينة يسيرة بل مرت بمخاضات عسيرة منذ ان حددت المانات العظمى لحظة البدء التي نشأت منها الاكوان والسموات التي امتدت اتساعا فيها النجوم تبزغ فتومض فيها متلألئة. وكانت هنالك مياهً وحرارة حية وحرارة آكلة في السماء ذات النجوم المنتشرة وپتاهيل المكلف بالخلق يذرع الاكوان يريد لها فكاكا من الظلمات والنيران الآكلة التي تلفها.
لقد صاغ پتاهيل النار من الثمرة والشجرة والكرمة ـ ومن هذه النار الحية خلقت المياه الحية في دار الحياة، ثم اتى بها پتاهيل الى تيبل ـ الأرض ـ ولكن الحرارة الحية تغيرت فغدا الماء بيده بدون لمعان. بثاهيل حاول كل شيء غير ان الماء لم يعد عذبا حلو المذاق فأمرت الحياة الحياة العظمى مندا اد هيي ان يمضي الى قمة الماء ليسحب جرعة خفيفة من الماء الجاري الحي ويتركها تجري حتى تسقط اخيرا في الماء العكر وتنساب معه، عند ذاك اصبح الماء حلوا فشرب منه بنو آدم وغدو شبيهين بالحياة.
ان الماء الحي هو النهر المندائي المقدس ـ نهر پرياوس ـ الذي ينبع من بوابة الشمال، من تحت عرش الحياة الكبرى عبر مياه الظلمات التي تحيط بتيبل ـ الأرض ـ من كل حدب وصوب اذ انه ليس وفي وسع قوى الظلام ان تقطع الماء الحي النهر المقدس ( يردنا ) عن مقام النور.

نشرت في تاريخ
الجمعة, 05 نيسان/أبريل 2013 18:41

الصابئة المندائيون في العراق القديم

لا أحد يعلم على وجه التحديد متى ظهر الصابئة المندائيون في العراق القديم ، ولكن اسمهم ارتبط بالنبي ابراهيم الخليل الذي عاش في مدينة اور السومرية ـ مدينة الهة القمر نانا ـ منتصف الالف الثالث قبل الميلاد، وكان ابراهيم عليه السلام أول من نبذ الاصنام وودعا لرب واحد عظيم القدرة اطلق عليه السومريون اسم [ لوگـال ـ ديمير ـ آن ـ كي ـ آ ] ملك الهة ما هو فوق وما هو تحت [ رب السماوات والارض] . وقد آمن الصابئة المندائيون بتعاليمه واحتفظوا بصحفه ومارسوا طقوس التعميد التي سنها لهم واستمروا عليها الى يومنا هذا. وقد هاجر قسم منهم معه الى حران والقسم الآخر بقي في العراق ، وقد عرفـوا فيما بعد بـ [ ناصورايي اد كوشطا ] اي حراس العهد الذين أسسوا بيوت النور والحكمة [أي ـ كاشونمال ] ـ بيت مندا (بيت المعرفة) فيما بعد ـ على ضفاف الانهار في وادي الرافدين لعبادة مار اد ربوثا ( الله ـ رب العظمة)، واتخذوا من النجم القطبي (اباثر) الذي دعاه السومريون (( نيبورو )) قبلة لهم. كما ارتبطت طقوسهم بمياه الرافدين فاعتبروا نهريها ادگـلات وپـورانون (دجلة والفرات) انهارا مقدسة تطهر الارواح والاجساد فاصطبغوا في مياهها كي تنال نفوسهم النقاء والبهاء الذي يغمر آلما د نهورا (عالم النور) الذي اليه يعودون . ومفهوم الاغتسال والتغطيس (التعميد) مفهوم رافـديني قديم ورد في العديد من النصوص المسمـارية حيث كتب الشاعر السومري في مرثية مدينة اور: (( شعب الرؤوس السوداء ما عادوا يغتسلون من أجل اعيادك ، اناشيدك تحولت الى أنين ، مدينة اور مثل طفل في شارع مهدم ، يفتش لنفسه عن مكان امامك)).

والصابئة المندائيون هم شعب آرامي عراقي قديم ولغته هي اللغة الآرامية الشرقية المتأثرة كثيرا بالاكدية . وقد تواجد الآراميون جنبا الى جنب مع السومريين والأموريين والكلدان وغيرهم ، واستوطنوا وسط العراق وبالأخص المنطقة الممتدة من بغداد وسامراء من ناحية دجلة وليس من ناحية شبه جزيرة العرب، في وقت مبكر قد يصل الى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد . وقد عثر المنقبون على وثيقة أكدية ـ نقش ـ منذ عهد نارام ـ سن 2507 ـ 2452 ق.م تتحدث عن انتصاره على مدينتي شيروم ( سامراء) وآرامي ، ويستدل على انهما تقعان في منطقة شرق دجلة بين الزاب الأسفل وديالى، ثم انتشروا في كل العراق، على ما يبدو.

وفي العهد البابلي الأخير تبنى العراقيون ، وكل شعوب المنطقة اللغة الآرامية لغة رسمية لأسباب كثيرة واستخدمت بكثرة في بابل والقسم الاوسط من العراق القديم وكانت اللغة المهيمنة في القسم الجنوبي من بلاد ما بين النهرين وما يعرف الآن ببلاد خوزستان في ايران وهي نفس اللغة التي يستخدمها الصابئة المندائيون اليوم في كتبهم ونصوصهم الدينية . لقد امتهن المندائيون في تلك الحقبة نسخ العقود والمخطوطات وكتابة الرقى وتولعوا بالارقام ومراقبة والنجوم وافلاكها وزاولوا الطب بنوعيه الروحاني والسريري (الأشيـپو والآسي) والتي ورثوها عن الأكديين ، حيث كان الأشيـپـو يعالجون المرضى بطرد الارواح الشريرة بواسطة الطقوس السحرية وقراءة التعاويذ وكتابة الرقى وأوعية الاحراز، خصوصا اذا علمنا بأن سكان وادي الرافدين كانوا يعتقدون بأن الأمراض هي عقاب يوقعه الالهة على البشر نتيجة للآثام والخطايا التي يقترفونها، في حين يقوم الآسين، وهم الصيادلة (العشابون)، باعداد الوصفات الدوائية للمرضى .

ان العثور على أوعية السحر (الاحراز) في مناطق شاسعة من العراق شاهد على انتشار المندائيين في وادي الرافدين واستخدام لغتهم ذات الأبجدية المميزة. لقد تأثر كتبة التلمود البابلي منتصف الألف الأول قبل الميلاد بالمندائية حيث نجد بصمات هذه اللغة واضحة تماما في سفري دانيال وعزرا من كتاب التوراة، كما تأثرت بمعتقداتهم الكثير من الديانات كالمانوية وغيرها. ان المندائيين لا بد ان يكونوا قد وصلوا الى بلاد عيلام (خوزستان الحالية) في القرن الثاني الميلادي عبر شمال بابل وبلاد ميديا ، وان الدين المندائي قد وصل حينئذ الى مرحلة من النضج واحتوى على النصوص المقدسة والطقوس الدينية التي نعرفها في وقتنا هذا. وكل هذه النصوص تشير الى الغرب اي الى منطقة حوض الاردن اي ان اصولهم من هناك وان بدأت التأثيرات البابلية والفارسية تظهر لديهم واضحة في أدبياتهم.

إن اول اسم يذكر في تاريخ المندائيين هو امرأة اسمها ( شلاما بنت قدرا ) ، وهذه المرأة ، التي تسمى باسم امها / او معلمتها في الكهانة ، هي اقدم امرأة (اسم شخص مندائي ) ورد اسمه على انه ناسخ النص المعروف بالكنزا شمالا كتاب المندائيين المقدس الذي يتألف من قسمين (يمين شمال) والجزء الأيسر بشكل نصوص شعرية يتناول صعود النفس الى عالم النور .. و[الكنزا ربا] هو اقدم نص مندائي . وشلاما هذه يعود تاريخها الى سنة 200 بعد الميلاد ، وهي بذلك تسبق بعدة اجيال الناسخ المندائي الشهير زازاي بر گـويزطه سنة 270 بعد الميلاد والذي يعودالى حقبة ماني)) .

لا يمكننا اليوم البت تماما فيما اذا كان الناس الذين يتحدثون بالارامية في مناطق شوشتر و ديزفول و عيلام و سوسة هم من اصول مندائية ، ولكن الكتابات الآرامية التي وجدت في الأهواز والتي تعود الى القرن الثاني هي هي مقاربة للأحرف المندائية. إن الكتابة المندائية قد سبقت العيلامية، كما اثبتت البحوث الحديثة قدم وجودهم في مناطق العراق الجنوبية حيث عثر على قطع نقود تحمل كتابات مندائية ، وتعود تلك النقود الى حدود سنة 150 ميلادية ، كما عثر على نصوص مندائية منقوشة على الواح رصاصية تعود لنفس الفترة التاريخية.

في زمن الدولة الفارسية تمتع المندائيون تحت حكم الملك ادشير الأخير بحماية الدولة (الامبراطورية) ولكن الأمر تغير حين جاء الى السلطة الملك الساساني بهرام الأول سنة 273 ، اذ قام باعدام ( ماني ) في بداية حكمه بتأثير من الكاهن الزرادشتي الأعظم (كاردير ) . وامتد الاضطهاد الساساني الديني ليشمل اتباع الديانات الاخرى الغير زرادشتية مثل المندائية والمانوية واليهودية والمسيحية والهندوسية والبوذية. ويمكننا ان ننتهي الى ان المندائيين قاموا بجمع تراثهم وأدبهم الديني وترتيبه وحفظه وهذا واضح في الجهود المكثفة التي قام بها الناسخ (زازاي ) في هذا المجال.

وبالرغم من حملة الاضطهاد الشعواء التي قادها الحبر الاعظم للزرادشت (كاردير) الى انه لم يستطع القضاء تماما على المندائية، ولكن التدوين توقف تماما لعدة قرون ولم نشاهد التأثيرات والكتابات المندائية الا فيما يسمى بأوعية ( قحوف ) الاحراز والأشرطة الرصاصية . ان المدونات المندائية التي عثر عليها كانت جميعها قد نشأت في بلاد الرافدين والتي يعود بعضها الى القرن الرابع الميلادي، والقسم الأكبر قد دون قبل ظهور الاسلام، الا ان محاولات التأليف المندائية لم تنقطع بظهوره وانما واصلت اعمالها تحت ظله الى ما بعد قرون عديدة.

لقد اصبح المندائيون في العصر الساساني الكتبة والنساخ الرئيسيين للوثائق الرسمية وعمل التعاويذ السحرية بكل اللهجات السائدة ، واهتموا باللغات فاصبحوا همزة الوصل بين الاقوام العربية والارامية وبين الفرس الساسانيين ومن ثم الجيوش اليونانية التي غزت العراق في القرن الرابع قبل الميلاد واتخذت من بابل عاصمة لها تحت قيادة الاسكندر المقدوني، وقاموا بترجمة اساطير وعلوم بابل الى لغة الأغريق . وبناء عليه يمكننا ان نطلق عليهم تسمية (مثقفو) العراق في تلك الحقبة، وقد اتخذ خالد ابن الوليد اثناء اقامته في الحيرة كاتبا ومترجما (سكرتيرا) مندائيا يدعى (مـُرَّة) ليقوم بكتابة الرسائل بالفارسية والآرامية والعربية.

كانت الكثرة من اهل المدائن (طيسفون) عاصمة الفرس الساسانيين الشتوية من الاراميين والمندائيين و فيها لهم معابد عديدة، وازدادت اعدادهم في الفترة الساسانية خصوصا شرق دجلة وضفاف الكرخة والكارون فاستوطنوا ديزفول (عاصمة بلاد عيلام) والاهواز والخفاجية والبسيتين والمحمرة وكان اغلب سكان شوشتر من المندائيين الصابئة، كما اصبحت الطيب (طيب ماثا) اهم حاضرة لهم. وتفوقوا في صناعة الذهب والفضة والاحجار الكريمة التي كانت تجلب من مملكة آراتا في المرتفعات الايرانية. اما القسم الاكبر منهم فقد امتهن الفلاحة وزراعة الارض واستوطنوا الاهوار وضفاف الانهار وقاموا بتنظيم قنوات الري في ارض السواد ، وأسسوا لهم حواضر مهمة مثل كـوثـا و سـورا ، وقد اطلق عليهم العرب تسمية انباط او ( نبت ) كونهم ينبتون الآرض وقد ذكرهم الامام علي (ع) بقوله نحن من قريش وقريش من النبط والنبط من كوثى.

لقد قدمت بابل ومملكتي فارس وميديا ظروفا طبيعية ملائمة لنمو عقائد دينية توفق بين التقاليد والشعائر القديمة وبين الافكار القادمة من الحضارة الصينية القديمة بواسطة فلاسفة الهند الفيديين ، تلك الافكار التي جددت عقائد الناس وبعثت فيهم الروحانيين والهمتهم خلود الروح وان مصدرها الكائن الالهي فاصبحت بلاد الرافدين بوتقة (كوزموبوليتينية) ضمت ديانات عديدة كالزرادشتية والمجوسية واليهودية والمندائية (المعرفية) والغنوصية والمانوية والمسيحية بالاضافة الى عقائد الاقدمين من سكان وادي الرافدين، واقواما مختلفة كالفرس والاراميين والبابليين والكلدان والاشوريين، والعبرانيين الذين سباهم نبوخذنصر، والعرب والارمن، والاغريق الذين جلبهم الاسكندر من مكدونيا.

وعلى صعيد آخر برزت مدينة حرّان (حرانو) في الشمال والتي هاجر اليها قسم من الصابئة مع ابراهيم الخليل كاحدى المراكز الرئيسية للحضارة الآرامية ووارثة حضارات الشرق الأدنى القديم من بابلية وآشورية وكنعانية وكلدانية، والبوابة التي تمر من عبرها حضارات فارس والشرق من جهة وحضارات اليونان والرومان خصوصا بعد فتوحات الاسكندر الاكبر (323 ) قبل الميلاد ونتيجة لذلك برع صابئة حران في الترجمة واصبحوا النقلة الأساسيون للحضارة الغربية الهلنستية الى الدولة العربية الاسلامية فيما بعد.

وفي الحقيقة كان المندائيون قد اعتبروا من قبل الاسلام على انهم من اهل الكتاب ، اذ ان بالتعبير (( الصابئين )) الذي ورد في القرآن الكريم، بثلاث ايات لا تقبل التأويل، لم يقصد بلا شك الا تلك الجماعة العراقية الموغلة في القدم التي آمنت بالتوحيد و اتخذت التعميد شعارا ورمزا لها. اما النص المندائي التاريخي الأهم هو الذ ي يبين بأنه عندما جاء الاسلام وجعل يميز بين الاديان ذات الكتب المنزلة والاديان التي لم تكن موجهة من السماء قدم الريشما ( آنوش بن دنقا ) 639 ـ 640 ميلادية ـ الذي ترأس وفد الصابئة المندائيون ـ كتابهم المقدس كنزا ربا (الكنز الكبير) للقائد العربي الاسلامي آنذاك ، وربما كان سعد بن ابي وقاص، واطلعه على ديانتهم كما ذكر له بأن نبيهم هو يحيى بن زكريا الذي يجله المسلمون فقبل منهم ذلك واكرمهم.

وليس من شك في ان مؤهلاتهم العقلية وخدمات بعض نوابغهم العلمية هي التي اهابت بالمسلمين الى منحهم الحماية كأهل الكتاب، وبرز منهم المئات من امثال ثابت بن قرة وابو اسحق الصابي والبتاني الفلكي وابن وحشية (صاحب كتاب الفلاحة النبطية) وسنان بن ثابت و الكيماوي الشهير جابر بن حيان.

وقد اجبرت جموعهم ، فيما بعد، الى الاسلام، لأن الدخول الى الاسلام لم يكن هناك بدا عنه، فقد قضت المصلحة الفردية به من وراءها حب التخلص من تأدية الجزية وما فيها من اذلال والتهرب من الاذى والرغبة في المناصب والتمتع بالحرية والامان، كما ارتكبت بحقهم العديد من المذابح . ونتيجة لذلك تناقصت اعدادهم تدريجيا وباتوا على شفير الانقراض. لقد احصى المستشرق الالماني بيترمان المندائيين في جنوب العراق فوجدهم بحدود (560) عائلة، وذلك في سنة 1841 .

ومهما قيل في اصل الصابئة المندائيون فإن وجودهم في العراق منذ منذ اقدم العصور لا يختلف عليه اثنان . فهم الباقون منذ القدم شهودا على عظمة ارض الرافدين التي كانت مهدا للحضارة البشرية.

نشرت في تاريخ
الجمعة, 05 نيسان/أبريل 2013 13:55

أسطورة الماء في الأديان ، فكرا وطقسا

أن الإنسان هو ذلك العالم الصغير، الكبير بمفارقاته وتلاوينه وقوته وضعفه وتأثيره وتاثره بمن حوله وبالطبيعة ككل. وهو وحدة لا تقبل الفصل من هذا الكون الفسيح، يؤثر فيه ويتأثر به. هنالك ترابط روحي لا بل حتى مادي ما بين الإنسان والطبيعة التي يعيش في كنفها. فهذا الاتصال والترابط او التعايش ما بين الإنسان والطبيعة بجميع مظاهرها وعناصرها المختلفة .. كان له تأثير كبير جدا، لا بل كان هو المجال الواسع الذي ترعرعت فيه بذرات الفكر الإنساني.
ان هذا التلاقح او الاتصال الروحي ما بين الإنسان وطبيعته، أدى إلى خلق وتكوين أروع واعظم ألافكار الإنسانية التي انبنت شيئا فشيئا الى ان وصلت الى ما هي عليه الان.
فعندما ياتي ذكر التعميد او طقوس الاغتسال، يجب ان يسبقه الحديث عن الماء ودوره التاريخي في روحية وأفكار الأقوام والشعوب. لان ما بين التعميد والماء (واللذان يشكلان وحدة طقسية مهمة في ممارسات الأديان عموما) علاقة رمزية صميمية حياتية لا تقبل الفصل، ولان الماء الوسيلة الوحيدة لاقامة طقوس الاغتسال الديني او ما يعرف (بالتعميد).
فتأخذنا هذه الأسطورة السحرية (الماء) إلى أعماق سحيقة في التاريخ الإنساني، والتي عاصرته وهو يبني حضارته وفكره الديني منذ بدايات طفولته الفكرية إلى الآن. فالماء ملازما عقلا وفكرا وطقسا للإنسان.
لا اعتقد بوجود أي امرئ في هذا العصر، وعلى هذا الكوكب الأرضي، ناضج عقليا، لا يعرف ما للماء من أهمية كبيرة في حياة الكائنات الحية. فحتى الإنسان في تاريخه المبكر (الإنسان القديم)، ومن جملة اكتشافاته الأولية، شعر وأدرك بغرائزه ما لهذا العنصر من أهمية له ولحياته الخاصة، فكانت عبادة الماء وتقديسه من الأفكار الدينية المنتشرة في كثير من مناطق وحضارات العالم القديم. فلذلك سوف لا اتطرق الى اهمية هذا العنصر ودوره من الناحية العلمية واكتفي بالاشارة الى الهم الاكبر للعلماء، وهو محاولة اكتشاف ولو اثر بسيط على وجود الماء في الكواكب الأخرى، لكان دليل قاطع على وجود نفس الحياة في تلك الكواكب. الماء ببساطة يعني الحياة، وان العثور على هذا العنصر الهام يعني العثور على كائنات فضائية أخرى غير الإنسان. فالماء يستعمله العلماء والمستكشفون كجهاز إنذار مبكر رفيع المستوى، يكشف عن وجود حياة من أي نوع كانت، وفي أي منطقة. اذن نستنتج من ذلك ببساطة ان الماء يساوي الحياة.
أن هذا العنصر في الطبيعة قد شكل أهمية كبيرة لا يمكن الاستغناء عنه في حياة الكائنات الحية جميعا فبجانب هذه الأهمية والمكانة الكبيرة التي احتلها من الجانب العلمي، احتل أيضا أهمية كبيرة كما في العقلية الدينية والروحية لكثير من أديان ومعتقدات الإنسان قديما وحديثا لاتقل عن أهميته العلمية. وهذا يظهر جليا واضحا عندما نتتبع النصوص الدينية فقط، بغض النظر عن الممارسات الفعلية والطقوس المصاحبة لهذا العنصر (الماء). فلا تكاد تخلو عقيدة دينية إلا وكانت تقدس هذا العنصر، بطريقة معينة سواء فكرا أو طقسا. وهذا يرجع ما للماء من أهمية كونية، وماله من ارتباط وثيق بحياة الإنسان سواء أكان شعبا أم فردا.
فياخذنا هذا العنصر موغلا في التاريخ الميثلوجي للحضارات القديمة، ومنها الحضارة الرافدينية القديمة. فنرى ان الآلهة انانا قد استعادت الحياة بتناولها طعام الحياة وماء الحياة، بعد ان اوشكت على الموت. ونجد التفريق واضحا بين المياه العذبة (الالهة ابسو) والمياه المالحة (الالهة تيامت).
فالإلهة (تيامت) مصدر أساسي للموت والأمراض عند البابليين، وهي سبب جميع الشرور والأمراض في هذا العالم. ولذلك كان يحتفل بفشلها رمزيا في بداية كل سنة جديدة وفي عيد (الاكيتو) استبشارا بطرد الشرور والأمراض. أما الإله (ابسو) الذي يعتبر مصدر الشفاء والطب، لانه اله المياه العذبة، فهو أبو الإله (ايا) الذي هو رب الطب الأعلى.
وقطرات الماء الساقطة من السماء إلى الأرض على شكل مطر، والذي يسبب إنماء وارواء الأرض - هذه العملية كان لها مغزى كبير وعميق في التفكير الإنساني. فهذه القطرات تمثل في الأساطير الدينية القديمة كالمني التي يطلقها الذكر (المتمثل في السماء الواهبة) لتخصيب الأنثى (المتمثلة في الأرض المستلمة). فهذه عملية حياتية في عمق فلسفة الأديان، ولها دور كبير جدا في فكر الإنسان وتأملاته.
وعلى الأخص كون الماء عنصرا رمزيا للتنظيف والطهارة وغسل الذنوب عند البشر. والله سبحانه تعالى قد خلق الإنسان من ماء وتراب وكان يوحنا المعمدان وقومه يعيشون قرب المياه كي يعمدوا أطفالهم به والمنتمين الجدد، وهناك طوائف أخرى كثيرة تربط حياتها الاجتماعية والدينية بالمياه وتعيش على ضفاف الأنهر.
فالماء ينظر اليه بالمنظار المقدس في جميع الأديان قاطبة القديمة منها والحديثة. فهو في مرتبة عالية في الممارسات والفكر الديني الإسلامي (وخلقنا من الماء كل شيء حي) القران الكريم، أي انه أساس لكل شيء حي، وهذا تقديس كبير للماء. ولا يخلو أي مسجد من مصدر للمياه النظيفة السائلة يستخدمه المسلمون للوضوء قبل الصلاة خمس مرات في اليوم .
وفي الديانة المسيحية نجد في الماء عنصرا مهما في إقامتها لمراسيم التعميد ولا يستعاض عنه. كما أن السيد المسيح (ع) تعمد بالماء الجاري (نهر الأردن) على يد النبي يحيى يوحنا (ع) فكان لهذا التعميد أثره الخاص والمهم بلاهوت المسيح والكنيسة من بعده. فيدخل الماء في عملية التعميد الكنسي وصلوات القربان المقدس عند المسيحيين كرمز للتطهير من الذنوب.
أما في الديانة اليهودية فالماء عندها مقدس تقديسا كبيرا وهذا يظهر جليا واضحا في مراسيمها الدينية، وفي فكرها أيضا (روح الله يرف على وجه المياه) التوراة\التكوين.
ومن فرائض اليهودية أيضا استخدام الماء في طقوس التنظيف وتبرئة الذات من الذنوب وفي التعميد أحيانا. كما يعمد اليهود إلى غسل أياديهم قبل كل وجبة طعام وعن طريق تقليب الماء بين الكفين اليسرى وا ليمني بمثابة تبرك .
وكانت للديانات ا لقديمة قدسية خاصة للمياه لهذا فقد اعتبر الإغريق القدماء أن بعض الأنهر والبحار مقدسة ومنحو المياه آلهة مسؤولة عن الخير والخصوبة والكوارث .
ويرى الدكتور جواد علي بان القدماء كانوا يرون في أعماق الآبار والينابيع والأنهار العذبة قوى خفية مؤثرة تمنح مياه تلك المواضع قدسية خاصة. وفي الواقع أننا لا نزال نرى هذا التقديس باقيا حتى الان عند كثير من الشعوب.
ان الماء الحي (ميا هيي) شعار وصفة ملازمة من الناحية الفكرية والطقسية للديانة المندائية. فللماء في الديانة المندائية قدسية عظيمة وواضحة وضوح الشمس.
لكن ليس كل ماء هو مقدس في المندائية، وانما فقط الماء الجاري الحي الذي يطلق عليه (يردنا) فهناك الماء الراكد اوالميت الذي ترفضه الديانة المندائية، والذي يرمز الى الظلام والموت. أما الماء الجاري الحي (يردنا) فهو الماء الذي يحمل كل صفات الحياة. الماء الذي ينقي نفسه بنفسه.
ف(يردنا) لها أهمية رمزية كبيرة في عملية الخلق وانبثاق الحياة والعوالم. فهي تعتبر من صفات الخالق المقدسة والعظيمة والتي انبثقت في اخر يوم من ايام الخلق العلوي الخمسة (البرونايا). وتذكر بعض النصوص الدينية المندائية بان اليردنا هو مخلوق كائن بذاته، له القابلية على الخلق أيضا (عبارة رمزية).
فاليردنا او الماء الحي هو الذي كان سببا في إنعاش الحياة على الأرض. وكأنه بمثابة مادة الحياة (الدم) في الإنسان وجريانه بدورتيه الكبيرة والصغيرة المعروفتين، سبب في بقاء الإنسان على قيد الحياة. لان الأرض عند خلقها لم تكن روح الحياة متيسرة، فكانت مليئة بالماء الآسن الأسود الذي خرجت منه الأرواح الشريرة والشر. فبامتزاج (يردنا) السماوي في مياه الارض الغير حية ازدهرت الارض وانتشرت رائحة الحياة عليها.
وليس كل ماء جار هو يردنا، وانما جزء منه يردنا سماوي والذي يغذى من قبل عوالم النور العليا السماوية (آلمي اد نهورا). فعملية امتزاج (يردنا) السماوية الجارية في عوالم النور والمحملة بالحياة والنور ب(يردنا) الارضي، تعطي للاخيرة صفة الحياة والقوة على البعث والإخصاب. فلذلك ان وجود يردنا السماوية في يردنا الارضية يثبت وجود العلاقة الحياتية بين عوالم النور (آلمي اد نهورا) وعوالم الظلام (آلمي اد هشوخا) والتي من ضمنها الارض (ارا اد تيبل).
وهذا يعني ان روح الحياة متيسرة في هذا العالم. وحسب الفكر المندائي ان هذا الاتصال مهم جدا بين الماء الجاري الحي العلوي والماء الجاري الارضي. وان لم تصب المياه العلوية في المياه الارضية ستبقى الاخيرة سوداء غير حية كما كانت بعد الخلق. ف(يردنا) السماوية كانت مصدرا وسببا في ازدهار الحياة على الارض بعد الخلق واصبحت مهيئة لخلق الانسانين الاولين (ادم وهوا) عليها.
الخلاصة اذن ان (يردنا) الارضية تغذى من قبل (يردنا) السماوية والتي تعطيها صفة الحياة والديمومة، وهي عبارة عن نور الله المتجسد في الماء. كما ان يردنا هي المادة او المصدر الذي تتزود منه الكائنات الاثيرية والارضية على حد سواء، القوة والحياة.
وان الماء الحي (ميا هيي – يردنا) هو جوهر طقس (المصبتا – الصباغة) التعميد المندائي. و(يردنا) عموما يرمز الى صفة الاب وعنصر الحياة (السائل الحيوي للحياة والتكوين) في الفكر والممارسة الطقسية المندائية. ف(يردنا) هي نفسها التي سيولد بها الانسان المصطبغ (المتعمد) مرة اخرى تاركا خطاياه بعيدة. فالماء اذن مغذ ومنعش ومطهر دائما.
واخيرا يجب ان نذكر بان كلمة (مصبتا) مشتقة من جذر الفعل الثلاثي المندائي (صبا) بسكون الصاد وفتح الباء – وتعني مندائيا التعميد او الصباغة بالذات. ومن هذه الكلمة جاءت تسمية المندائيين بالصابئة أي الصابغة او المتعمدين او السابحة. والأخيرة اقترحها عباس محمود العقاد، في كتابه (إبراهيم أبو الأنبياء)، جعل سببها كثرة الاغتسال في شعائرهم (أي الصابئة المندائيين) وملازمتهم شواطئ الأنهار من اجل ذلك.
وان طقس الاغتسال بالمياه الجارية (التعميد) والذي يأخذ في رأيي أشكالا متعددة بين أقوام واديان وشعوب العالم، لكن يبقى جوهره واحدا وهدفه الرئيسي هو التطهير واكتساب منحة الحياة والاتصال بالقوى الحياتية، لما للماء مثلما أوضحنا، من أهمية بالغة في عقيدة الأديان. والكثير من هذه الأديان تعتقد بوجود القوى الخفية التي تحمي هذه المياه وتعطيها البركة اللاهية والقوة على الإنعاش والتواصل مع الحياة، والتي تظهر مميزات هذه القوة في المياه عندما يرون بان الماء باعث الحياة للأرض الميتة، ومعطية جرعة الحياة للإنسان والكائنات الحية.
ولايخفى بان شعوبا واقواما عديدة قد مارست هذا النوع من الطقوس المصاحبة للمياه. اندثرت بعضها ولم يبق منها غير الذكر التاريخي، والقسم الآخر موجود حاليا يمارس لحد ألان وتمارسه كثير من الأديان والمذاهب بصور تختلف أو تتشابه فيما بينها.
ويذكر لنا التاريخ أن هناك فرقا يهودية قديمة عديدة كانت تمارس مثل هذا النوع من الطقوس. فاليهود الذين سكنوا بلاد مابين النهرين (الشتات) لجاوا اليه حين بشروا بدينهم هناك، إذ كانوا يلزمون من ينضم إلى اليهودية بالتعميد (كان المتهودون يعمدون او يغطسون بالماء في نهر قريب عادة علامة تطهير). وهذه الأخيرة موجودة في الدين الإسلامي حيث يلزم من يدخل الإسلام، الاغتسال وقراءة الشهادة، يقصد به أيضا التطهير والدخول للدين الجديد.
فكانت الديانة اليهودية تفرض تطهيرات عديدة بالماء، وتفرض في العديد من حالات النجاسة، اغتسالات طقسية، تطهر وتواصل للعبادة. ونلاحظ في التوراة والتاريخ العبراني أسماء لمواقع مائية مقدسة جدا في عقيدتهم، وهذا نستطيع ان نجده في الكثير من الأديان.
ولقد اكتشف في السنوات القليلة الماضية منطقة تقع شرق نهر الأردن، ولقد قمت بزيارتها شخصيا، وقد أكد بعض الباحثين بان البلدة المكتشفة ترجع للنبي يحيى يوحنا (ع) ولتلاميذه من بعده. وربما ترجع لطائفة الاسينيين، وخاصة انها قريبة من مركزهم الرئيسي في منطقة قمران. وعلى العموم ان البلدة المكتشفة تحتوي على العديد من الأحواض المختلفة الحجوم، وهي بالتأكيد لأغراض الاغتسال والتطهير الديني.
وعلى الجانب الغربي من نهر الأردن، هنالك طائفة الاسينين التي اكتشفت لها أحواض خاصة في منطقة خربة قمران (شمال غرب البحر الميت) لاداء هذه المراسيم على الرغم من اندثار هذه الطائفة. فلقد كانت الحمامات المرتبة طقسيا مألوفة لدى هذه الطائفة، مثلما كانت عند جماعات دمشق وقمران.
ان البحوث جارية للكشف عن هذه الطائفة التي تعتبر التعميد او الغطس بالمياه الجارية، الطريق الذي يوصلهم إلى الاتصال بالخالق. فمن تعاليم هذه الطائفة انغمار المرء كليا في الماء ثم يشرع في رش الماء على نفسه. ويقول جوزيفوس المؤرخ اليهودي الذي ادعى معرفته بالطائفة، في كتابه (حروب اليهود) المجلد الرابع صفحة 222، أن الطهارة لدى الاسينيين هي شكل من اشكال التعميد لأنها كانت تمارس قبل وجبة الطعام اليومية العمومية. او إذا تدنس أخ بتماسه مع أفراد فئة أدنى منه دينيا، او في حالة قبول مرشح عضوا في النظام الكهنوتي.
فالتعميد اذن هو شكل من اشكال الاغتسال في الماء من اجل التطهر، والذي يتميز بالغطس في المياه الجارية، وتلاوة التراتيل الدينية، التي تدعو الى التقرب للذات العليا، واستلام منحة الحياة والتقديس من خلال عنصر الماء الذي يمثله بكونه عنصرا للتطهير اولا، وبكونه المادة الحية الأولى التي خلق منها كل شيء حي ثانيا.
وبما ان الأساطير الدينية تتحدث عن خلق الإنسان الأول من التراب والماء، وكان الإنسان قد حاول في فكره الديني ان يحول أسطورة خلقه الأولى الى ممارسة طقسية يقوم بها بحياته وكلما احتاج الى أن يولد ويخلق من جديد، فهي اذن عملية تواصل مع الخلق الأول والتجديد في الحياة.
وان عملية الغطس وقطع النفس عند انغمار المرء تحت الماء أثناء مراسيم الصباغة المندائية (مصبتا - التعميد) ليست الا دلالة قيمة وواضحة ترشدنا الى عملية الخلق الاولى للإنسان. فهي تعني الموت والاندحار ومن ثم الخروج من على سطح المياه، دلالة الخلق والولادة والازدهار.
كذلك ان طقوس الاغتسال الديني التي كانت تجرى في بابل او مصر او ربما غيرها أيضا كانت تجرى في الأنهار الجارية، ومن المعلوم أيضا أن ارتداء الملابس البيضاء التي ترمز الى النظافة والطهارة عند التعميد والاستحمام الديني كان شائعا لدى العديد من الأقوام.
من باب آخر يذكر التاريخ وعلى لسان الكثير من المؤرخين والباحثين، وكما ترويه لنا الشواهد الأثرية، بان هذا النوع من الطقوس امتد بعيدا في التاريخ. فحتى الديانات المصرية والسومرية والبابلية والكلدية والآشورية لها ممارسات على مثل هذه الطقوس والتي تقام بمصاحبة المياه الجارية النقية، والتي تمتلك صفة الحياة، فمثلا في مصر كان التلميذ المرشح للكهانة إذا نجح في الامتحان القاسي الذي يجري له، يخلع ملابسه ويستحم (يتطهر) في الماء ويطيبونه بالعطور ثم يرتدي زي رجال الدين، ويجب أن يقوم الكاهن بطقوس التطهير لنفسه وللمعبد، وذلك قبل الشروع في أداء شعائر العبادة. ويقوم الفرعون بمراسيم تبخير المعبود وتطهيره بسكب المياه المقدسة عليه، ثم يقدم القرابين لأبيه الذي يمنحه الحياة، وللعلم ان المصريين القدماء قد عرفوا الأحواض المقدسة المملوءة بالمياه الخاصة للتطهير.
ويعتبر تناول الماء المقدس عند الحضر، من طقوس الاحتفال الديني المهمة جدا، ويكون حوض الماء المقدس دائري الشكل ويستعمل لأغراض التطهير. كما ويعتبر الوضوء عند المسلمين وغسل الجنابة شكلا من أشكال الاغتسال والتطهير في الماء أيضا. وان الغسل في الماء بقصد الطهارة والوضوء في الديانة الإسلامية، ويتحقق الغسل الارتماسي بغمس الجسد في الماء دفعة واحدة.
وهناك ترى الصابئة المندائيين، الذين يحرصون على ان يكونوا في سكناهم قريبين من مصادر مياه جارية وحية، على ضفاف الأنهار، وخاصة دجلة والفرات في عراق اليوم. والمهاجرين منهم، في استراليا خاصة، يمارسون طقوس تعميدهم بكل حرية على ضفاف نهر نيبين في مدينة بنرث.
وان هذا التعميد الذي يقوم به الصابئي المندائي والذي يسميه شعبيا (صباغة) وفي اللغة الرسمية الدينية (مصبتا)، له تأثيراته على أصول وتطبيقات طقوس ومراسيم الاغتسال عند بعض الأديان الأخرى مثل المسيحية.
ومن الجدير بالذكر أيضا، اكتشاف الأحواض والبرك الجارية في كثير من الحضارات القديمة، والتي يؤكد بعض الباحثين على أن الناس كانوا يستحمون (يغطسون) من ضمن المراسيم الدينية (أي بمصاحبة القراءات الدينية).
من هنا تبدأ اهمية المحافظة على المياه العذبة، وعدم تلويثها لانها من العناصر الجوهرية في المحافظة على البيئة وجعل الطبيعة مزدهرة دوما. فعملية تلويث المياه والعبث بها بما يؤدي الى نقصانها او زوالها، يدخل من ضمن المحرمات الدينية التي نصت عليها كثير من اديان العالم القديمة والحديثة، اضافة الى الاعراف الدولية في المجتمع المدني الجديد.

المصادر:
مخطوطات مندائية.
أصول الصابئة المندائيين .. عزيز سباهي.
بخور الآلهة .. خزعل الماجدي.
المصبتا (دراسة في التعميد المندائي) .. الترميذا علاء النشمي.
معرفة الحياة .. سيناثي كندوز ترجمة د. سعدي السعدي.

نشرت في تاريخ

ترد من آونة لأخرى عبارة ( الفلسفة المندائية ) في العديد من الكتب والمقالات وخاصة في الصحافة المندائية الناشئة وكذلك نجدها في الترجمات لبعض المستشرقين والباحثين في المندائية . ترى ما هو المقصود بتلك العبارة ؟ وما علاقة تلك الفلسفة بالفلسفات المعروفة في حضارات البشرية مثل الفلسفة اليونانية والإسلامية وغيرها ؟ ثم متى ظهرت تلك الفلسفة ؟ وما هي الحقبة الزمنية التي نضجت بها تلك الفلسفة ؟ ومن هو العقل أو العقول المبدعة لها ؟ قد تكون هناك إجابات لتلك الأسئلة لدى البعض وأسهلها طبعا إنها من عند الحي الأقدم أو إنها صحف آدم أو غير ذلك من الإجابات النابعة عن الأيمان لا عن العقل الذي يقدسه المندائيون ولا اعتراض على ذلك لكنها خارجة عن نطاق محاولتنا في البحث عن أيجاد أجوبة علمية لتلك الأسئلة .

إن الخوض في هذه المواضيع لمجازفة حقيقية بالنسبة لي وذلك بسبب الغموض الكثيف الذي يحيط بالمندائية بصورة عامة ولكوني لست متخصصا فيها . ولكن لابد من بداية وكلي أمل أن تغري تلك البداية أحدهم ليسير بها قدما في هذا الطريق الوعرة ، ولابد أن أحدهم سيصل يوما إلى الحقيقة التي نرنو إليها جميعنا .

إلى الآن وجميع المنافذ الجادة مغلقة أمام الباحث في معرفة نشأة المندائية ومن هي تلك العقول الكبيرة التي وراءها وأين انطلقت أولا وغيرها من الأسئلة التي يتشوق كل مندائي وأنا واحد منهم في معرفة الحقيقة العلمية عنها . ومع كل إصدار جديد عن المندائية تكبر علامات الاستفهام ولا ألوم أحد هنا فكل البحوث إلى اليوم تدور في نطاق الظن والفرضيات .

كنا نأمل أن نجد ولو بعض الأجوبة الجادة لتلك الأسئلة في ترجمات ( الكنزا ربا ) ولكن تلك الترجمات جاءت لتزيد الأمور تعقيدا . فترجمة الدكتور " قوزي " والتي نقحت ووضعت بشكل يتماشى مع الظرف الخاص الذي يمر به المندائيون في العراق خرجت وكأنها " وصف العميان للفيل " . تجد فيها حقائق ولا تجد فيها الحقيقة الأهم . أما ما ترجم في أستراليا فلم يكن أكثر وضوحا حيث اختلطت الترجمة بآراء المترجمين سواء العرب أو الألمان . أظن إن ترجمة الكنزا ربا بحاجة إلى جهد أكاديمي متخصص واسع بالتاريخ وتأريخ الأديان خاصة وفي اللغات والفلسفة مع حس مندائي بعيد عن التداخل مع النص .

وبعد الرجوع إلى أغلب ما كتب وترجم في المندائية وجدت إن من بين أهم ما يميز المندائية هي نظرتها في مسألة النشوء والخلق والانبعاث ومسألة النفس وخلودها . فما تقوله المندائية في تلك المسائل ؟ وكيف تشترك في العديد من تلك الأمور مع الأديان والفلسفات الأخرى؟

إذا نظرنا أولا إلى أسطورة نشأة الكون نجد أن الفكرة المندائية عن النشوء تختلف كليا عن تصور الأديان التوحيدية الأخرى لها . فلم يخلق الله السماوات والأرض في سبعة أيام ثم استوى على العرش أو خلد للراحة وإنما ترى المندائية أن نشأة الخلق تمت على مراحل يمتد فيها الزمن لآلاف الآلاف من السنين اشتركت فيها العديد من عناصر الطبيعة وإن تمت بإرادة الحي الأقدم.

ورد في كتاب كنزا ربا" يمين " الجزء الثالث ما يلي :

حيثما كانت الثمرة " بيرا" داخل الثمرة.
وحيثما كان الأثير "آير" داخل الأثير .
وحينما كان " مانا " ذو الوقار العظيم هناك .
ومنه تكونت " المانات " العظيمة الكبيرة .
أنتشر بريقها وعظم نورها . وما كان قبلها في الثمرة العظيمة شئ .فانتشر نورها بلا حدود.أكثر من انتشار الكلام .
وجل نورها عن أن يوصف باللسان والتي كانت وقتئذ في تلك الثمرة ثم تكونت منها آلاف آلاف الثمار بلا نهاية .
وملايين ملايين المواطن بلا عدد.
تقف هناك وتمجد " مانا " الموقر العظيم .
الذي يحل في " آير " العظيم.
وتكون الماء الجاري " يردنا " الذي لا حدود له.
وبقوة الحي العظيم انبثقت منه مياه جارية " يردني "
بلا نهاية ولا عدد.
..................
...............

وهكذا يستمر النص بوصف التكوين الأول " الحياة الأولى " والتي تمت بإرادة الحي العظيم " هيي ربي " وتصور هنا النضج الأول داخل الحياة الأولى " هيي قدمايي" وفي " هيي قدمايي " "الحياة الأقدم " الحياة الأولى تشترك عناصر أساسية في عملية التكوين .

أولا " مانا العظيم " وهو ( العقل أو الفكر المدبر أو اللب أو وعاء الأنا أو النفس" نشمثه " ).

ثانيا " آير" الأثير وهو الهواء النوراني الأول أو الأثير الوهاج أو "آير ربا هيي " أثير الحي العظيم . "وهذه النظرة للتكوين الأول تذكر بالانفجار الكوني الكبير "
وثالثا الثمرة " بيرا " حيث تكونت من تلك الثمرة العظمى الثمار والمواطن .
ويلعب" مانا "( العقل)الدور الأساسي في عملية التكوين هذه وكذلك"مثيله الأنثوي النوراني"
وهنا يتدخل الخيال ويحول عنصر الحياة الأول إلى زوجان وهما الأولان في الثمرة العظيمة
وهكذا أنجب " مانا " العظيم المانات والتي تنشأ منها الحياة الثانية " يوشامن "وتنشأ الحياة الثالثة " أباثر " من الحياة الثانية ومن أباثر تنشأ الحياة الرابعة أو أرض تيبل " أرا تيبل " والتي أسهم في تكوينها " ابثاهيل " . " الفكرة ربما تكون قريبة من فكرة زواج الآلهة البابلية وخلق السماء والأرض وكانت تلك فكرة غنوصية شائعة.

وبعد ذلك العالم الذي يمثل الحياة الأولى" هيي قدمايي" عندما كانت الثمرة داخل الثمرة وكان الأثير داخل الأثير وكانت المانا العظيمة داخل المانا والتي يستغرق نضوجه ستة آلاف ألف من السنين تظهر الحياة الثانية وبنتيجة الإنبعاث تظهر الحياة الثالثة من الثانية مستغرقة ذات الوقت ومع ظهور الحياة الثانية يظهر النقص ويزداد مع كل تكون جديد. وكما تصف الكنزا ربا العملية :

أنا " مانا" أتحدث مع مثيلي " دموثا "
تعال أنا وأنت نود أن نبني
نود أن نبني بهتاف خفي ، نبني الثمرة العجيبة
حتى نغرس الأثمار حتى نهيئ المساعدين
..........................................
.........................................
انثنيت وانحنيت أمام رفيقي وتسلمت منه العهد الثمين
دخلنا المانات واختبأنا وقبلت أن تكون شريكتي
وعندما كانت هنا الحياة الأولى فكرت في الحياة الثانية
وحين كانت الحياة الثانية فكرت في الحياة الثالثة وحين كانت الحياة الثالثة فكرت في الحياة الرابعة .
......................................
......................................

مما تقدم أعلاه يفهم بأن " المانا " العقل هو العنصر الأساسي في عمليات التكوين الأربعة وإن كانت هناك عناصر أخرى تظهر في تلك العمليات مثل الماء "يردني " والنور " يورا " والبخار أو الغاز " تنا " والعديد من الأسماء والتي تكتب دائما "ملكي" بمعنى ملاك أو مخلوقات نورانية .

لننظر إلى ما هو دور العقل " مانا " المندائي أو ( logos ) اللاتينية في عمليات التكوين في الفلسفات اليونانية والإسلامية ؟ وهل التشابه الموجود بينهما جاء بشكل عفوي ؟ في الفلسفة اليونانية القديمة أي قبل ( أفلاطون )"600 قبل الميلاد " كان الاتجاه العام ينحو نحو أصالة الوجود وكان جهد الفلاسفة في ذاك الوقت منصب في البحث عن المادة الأولى المكونة للعالم .

فالفيلسوف اليوناني " طاليس " كان يقول أن الآلهة هي القوة التي بها يتحقق وجود الأشياء وبها تتحرك وإن قوة الآلهة كامنة في داخل الأشياء . ثم ظهرت نظرة فلسفية أخرى تقول إن العالم قد تكون بفعل عامل خارجي هو "العقل" وقالوا أن العقل هو القوة المحركة للعناصر " البذور" الغير متناهية الصغر المكونة للمادة وكون العقل هو قوة مادية تؤثر في تفاعل "البذور". وكانت الفلسفة قبل أفلاطون بصورة عامة هي فلسفة أقرب إلى النظرية المادية أما فلسفة أفلاطون فكانت تدعو إلى جانب أصالة " الماهية " ترى تحكم نظرية المثل "الأفكار " والتي هي ماهيات ثابتة تختص وحدها بصفة الوجود الحقيقي أما العالم الخارجي "المادي " فليس سوى ظلال عابرة لتلك المثل وبمثابة أشباح لها .( فكرة الدموثة المندائية ) .

ثم جاء أرسطو ( 350 قبل الميلاد ) وكان من أول المنظرين لموضوع أصالة الوجود فهو يعترف بأولوية الطبيعة وإن الموجودات " الجزئيات " عنده هي أولى الموجودات وأحقها بالوجود أما الكليات " الأجناس والأنواع " فوجودها قائم داخل الجزئيات وأطلق تسمية الجواهر الأولى على الجزئيات وقال إن ( الأجناس والأنواع ) هي الجواهر الثانية وبذلك نرى أن أفلاطون وأرسطو يرون أن الصورة تتفوق على المادة ويتفوق العقل على المحسوسات . ويرى الفكر اليوناني القديم بصورة عامة بأن الوجود أزلي أي أنه لا يأتي من العدم ويرون أن الله هو جزء من هذا الوجود ويمثل قمته ( القمة في الوجود ) . ويرون أن العالم عمل فني إلهي لا بأصله وإنما بتنظيمه .

أما الفلسفة اليونانية الحديثة ( إفلوطين 200 بعد الميلاد ) فهي تحصر الوجود الحقيقي في عالم العقول ( المانا ) الروحانية وهو تعبير عن الماهيات الكونية أي أن نظام الكون قائم على فكرة أصالة الماهية وكل شئ يتركب من مادة وصورة . وترى أن الكون نشأ عن طريق الفيض ، حيث أن الفيض الأول صدر عن حكم الله بالضرورة والطبع لا عن إرادة واختيار لأن الإرادة تنتهك هنا وحدانية الله والطبع هنا يعني إنه كما الله بذاته اقتضى أن يفيض عنه النور الذي هو وجود الكائنات وفق نظام مترا تب الدرجات . ولأن العالم المادي وجد عن طريق الفيض من المبدأ الأول بوسائط العقول الفلكية المفارقة فإن الفيض ما أن ينتهي إلى هذا العالم حتى يكون نصيبه من الإشعاع الإلهي ضئيلا وبذلك يمثل العالم المادي والظلام بالقياس إلى الأفلاك المفاضة عن الله مباشرة ( انظر كيف يدخل النقص بعد الحياة الثانية " يوشامن " ثم الثالثة " أباثر والرابعة " ابثاهيل حسب النظرة المندائية لمراتب التكوين ).

وترى الأفلوطينية كذلك إن كل ما هو مادي هو إمكانية وإن الفكر هو الذي يخلق العالم الواقعي لهذه الإمكانية وهي موجودة بالقوة " أي إنها كامنة في الشيء ذاته " قبل وجودها المادي الواقعي ، أي إنها ذات وجود أزلي ، وترى أيضا أن العالم المادي خسيس لأنه الدرجة الأدنى من درجات الفيض . حتى أن افلوطين كان يخجل من جسده كونه سجنا لنفسه . وهكذا يذكرنا باحتقار المندائيين للجسد ( بغره ) وتقديس النفس التي بداخله فقط .

ترى فلسفة افلوطين إن صدور الوجود هو اضطرارا أي غير مقترن بإرادة أو اختيار " إنما هو فيض " وترى أن الروح وحدها هي التي تصعد إلى الباري وترى أن الألوهية مبثوثة في كل مكان وذلك لأن الجسم المطلق " الهيولي " قد أتى عليه دهرا طويلا إلى لأن تمخض وتميز منه الكثيف واللطيف وإلى أن أخذ الأشكال الكروية الشفافة " الفلكية "، والتي تركب بعضها في جوف بعض ( تذكرنا تلك الأفكار كثيرا بالفكر المندائي من حيث النفس والجسم وصعود النفس فقط إلى باريها وكذلك تكون البذرة داخل البذرة ) . وإلى أن استدارت أجرام الكواكب النيرة وركزت مركزها وإلى أن تميزت الأركان الأربعة وترتبت مراتبها وانتظم نظامها .

بذلك نفهم من النص أعلاه وما سبقه أن الأجرام الفلكية وعناصر الطبيعة وما تولد منها من معادن ونبات وحيوان تكونت بعملية داخلية متسلسلة المراحل . بدأت من الجسم المطلق " الهيولي الأول" واحتاجت إلى وقت طويل حتى انتقلت إلى مرحلة التمخض الذي جرى بعملية جديدة أو بمرحلة أخرى في العملية المتصلة نفسها حدث خلالها نوع من الانتقاء أدت عملية الانتقاء هذه إلى قبول الجسم المطلق " الهيولي الأول " أولى أشكال المادة وهي الأشكال الكروية للأفلاك ثم جاء دور العملية داخل هذه الأشكال ( بتركيب بعضها في جوف بعض ) ثم حلت مرحلة انتقاء جديدة هي استدارة أجرام الأفلاك النيرة واتخذت مراكزها وتميزت أركانها الأربعة وهكذا كانت منها المولدات من معادن ونبات وحيوان ويصورها افلوطين بفلسفته بأنها عملية ارتقائية .

إن الأفلاطونية الحديثة بحاجة إلى دراسة مقارنة مكثفة مع الفكر المندائي . ففيهما تشابه كثير قد يساعدنا في فهم الفكر المندائي وحتى نشأته ربما.

أما الفلسفة الإسلامية والتي جاءت لاحقا أي أنها جاءت بعد المندائية زمنيا ستفيدنا دراستها حتما ابتداء من أخوان الصفا وحتى أبن رشد وذلك للبحث عن الفكر المندائي الذي قد يكون بعضه موجود فيها سواء كان تأثيرا أو التقاء فليس هناك انقطاع في مراحل تطور الفكر البشري ولابد أن ولادة أي فكر ستأتي من فكر الآخرين وإن كان يعارضه ظاهريا .

قبل الخوض في الفلسفة الإسلامية حبذا لو يساهم إخواننا المندائين المعنيين بالفكر المندائي في مناقشة ما ورد في المقالة لغرض التقرب من الحقيقة.

المصادر :
كنزا ربا الطبعة العراقية
كنزا ربا الطبعة الأسترالية
كتاب النشوء والخلق في النصوص المندائية للدكتور كورت رودولف – ترجمة الدكتور صبيح مدلول
معرفة الحياة س . كوندوز ترجمة الدكتور سعدي السعدي
الموسوعة الفلسفية
خريف الفكر اليوناني – عبد الرحمن بدوي –
افلوطين عند العرب – عبد الرحمن بدوي –
موجز حضارة وادي الرافدين – طه باقر –
الصابئة المندائيون – الليدي دراور -
مصادر أخرى مندائية متفرقة وغيرها

نشرت في تاريخ
الجمعة, 05 نيسان/أبريل 2013 13:49

الديمقراطية وحقوق الانسان في سومر

بعد ان روى لجلجامش تفاصيل الأحداث التي أدت الى الطوفان قال أتونوبشتم ـ والان
من سيجمع الالهة من أجلك ـ
ياجلجامش ـ لكي تنال الحياة التي تبغي ؟ ـ يرى أحد علماء الاثار الماركسيين
الروس ان المقصود بذلك انحسار وغياب النظام الديمقراطي المشاعي الذي ساد في
سومر في بداية الألف الرابع قبل الميلاد . والمقصود بالالهة ـ الأنوناكي ـ
نواب المزارع الذين كانوا يجتمعون دوريآ للتداول في شؤون مزارعهم التي تدار
جماعيآ وكان المعبد الذي يشيد عادة وسط هذه المزارع بمثابة البرلمان الصغير ،
وكانت مثل هذه المعابد منتشرة في كل أرجاء سومر وهي الشكل الاجتماعي للنظام
السياسي الذي كان قائمآ في سومر القديمة.لكن تراكم الأنتاج وتقسيم العمل وتطور
أدواته وبسبب قساوة الطبيعة التي تتمثل بالفيضانات أدى تدريجيآ الى ظهور
الملكية الخاصة ومن ثم نشوء طبقة من الأسياد وطبقة من العبيد الذين كانوا في
الغالب ممن يتم أسرهم في الحرب أو بالابتياع وكانت هناك فئة وسطية تتمثل
بالأحرار ، وهذه الفئة الأخيرة هي التي صاغت لنا ، بشكل أساسي التراث الأدبي
والعلمي والحضاري الذي وصلنا والذي هو فخر كل عراقي.
ان ما نقوله عن هذا النظام الديمقراطي الذي ساد سومر القديمة ليس اجتهادآ أو
تخمينآ بل أثبتته الاف الأختام واللقى الاثارية وكان المعبد يقوم مقام البنك
بعد تفكك المشاعية وانحسار دوره كبرلمان مصغر ، وبدأ الحاكم السيد ـ لوغال ـ
يسلب الكاهن الاعلى دوره أو يشاركه به أو يقصيه كما حدث لاوتونوبشتم ـ نبي الله
نوح الذي أنقذ البشرية من الطوفان .ومن المؤكد ان أنكي أو أيا هو الاسم
التوحيدي لله في ذلك الزمن وهو ذاته ـ الحي أو هيي
الذي تقترن عبادته بطقوس الخصب القديمة والتعميد ،في ذلك الزمن السحيق كان
الصابئة يدخلون في صراع مع الحكام الذين أرادوا تحويل المعابد من مكان لعبادة
الخالق وممارسة الديمقراطية وسيادة مبادئ الأخوة والعدالة الى بنوك ومراكز
للأوثان والأصنام.
كان جلجامش أقدم متصوفة التاريخ وكان في بحثه عن الله يبحث عن الديمقراطية التي
غابت للتو ، يبحث عن العدالة والقيم العليا التي بدأت تنحسر في مجتمعه ، وكان
هو نفسه حاكمآ مستبدآ اثمآ لكنه وفي لحظة من استيقاظ الوعي عندما تواجه بموت
صديقه أنكيدو قرر أن يبحث عن الخلاص ، عن الدين الذي تنزل في صحف ادم ـ ع ـ في
فجر التاريخ البشري جنوب العراق وبشكل خاص ، وكما تؤكده الاثار المكتشفة الى
الان ، في قرية أريدو بالذات ، حيث تؤكد السيدة دراور التشابه الشديد
والتطابق بين خارطة المعبد في أريدو مع المعبد المندائي وخاصة في بركة التعميد
التي ترتبط بنهر الفرات بمجرى على يمينها واخرى للبزل على يسارها لاحداث تيار
من الماء الجاري الضروري لطقس التعميد المصبتا ـ ، ولا تستبعد السيدة دراور أن
الطقوس المندائية ذاتها كانت تمارس في ذلك المعبد في ذلك الزمن القديم ، نهاية
الألف الخامس ق.م.
وبعد أسفار طويلة قام بها جلجامش استطاع خلالها قتل ـ خمبابا ـ أو الروح
الشريرة ـ الروهة ـ كما يطلق عليها في الماثر المندائية ، وبعد ان تعرفت نفسه
المضطربة على شعيرتي البراخة والرشامة ـ أي التبرك والصلاة ـ وفائدتهما في
تهذيب نفسه وتحقيق مبتغاه في بلوغ الحقيقة ، متبوعة بدعوات امه الطيبة ،
والكاهنة الرفيعة المستوى في أوروك ، ننسون المرفوعة الى الله بشفاعة الملاك
شامش ، بعد كل ذلك يصل جلجامش الى ـ أورشنابي ـ المسؤول عن مفاتيح خزائن
المعرفة التي خلفها للبشرية نبي الله ادريس ، أو أنانوخ المندائي ، أو بالصيغة
السومرية ـ أدابا ـ حيث توصله هذه المعرفة ـ أو الناصروثا الاصيلة الأولى ـ
الى هدفه ليلتقي باوتونوبشتم الذي يحاول تكريزه الى درجة دينية عليا معادلة
لدرجة الترميذا المندائية لكن جلجامش يفشل في الاختبار وفي طريق عودته الى
اوروك يفقد ما أوصى له به اوتونوبشتم من عشب دائم الخضرة ـ ويرجح أن يكون الاس
ـ كتعويض عن اخفاقه وسلوى لروحه المتطلعة الى الحق و الحياة الأبدية.
هكذا ، اذن ، يفشل جلجامش في بلوغ مبتغاه حيث من المستحيل عودة التاريخ الى
الوراء ،الى عصر كان فيه المعبد مكانآ لعبادة الله الحق ـ كشطا ـ للديمقراطية
والعدالة والأخوة بين بني ادم ـ ع ـ مكانآ للخير وتوزيع الثروة الاجتماعية بشكل
انساني ، مكانآ لتربية وتأهيل دعاة الرحمن وتزويدهم بالمعرفة الربانية الأصيلة
والقديمة المنزلة في الصحف الأولى.ومأساة جلجامش تؤرخ وتوثق أول انفصام في
التاريخ بين ايمان الانسان والمحتوى الاجتماعي لهذا الايمان ، الخالق ومخلوقه ،
شريعة السماء وشريعة الأرض .
في ذلك الزمن كانت المرأة مازالت تتمتع بحقوق كثيرة ، اجتماعية واقتصادية
ودينية ، ونلمس ذلك بشكل خاص في خطاب صاحبة محل الاستراحة الى جلجامش ، حيث
يفصح كلامها عن معرفة بطبيعة ذلك العصر فتسدي لجلجامش نصائح ذات طابع عملي
قائلة له ـ كن فرحآ مبتهجآ نهار مساء ، وأقم الأفراح في كل يوم من ايامك ،
وارقص والعب مساء نهار ، واجعل ثيابك نظيفة زاهية ، واغسل رأسك واستحم في الماء
، ودلل الصغير الذي يمسك بيدك ، وافرح الزوجة التي بين أحضانك ، وهذا هو نصيب
البشرية ـ.
ان شعبنا العراقي صاحب ومبدع هذه الحضارة العظيمة لا يطلب من حكامه الجدد اليوم
غير تمكين العراقي من العيش بكرامة وفق نصائح هذه المرأة العراقية ، أن يوفروا
للعائلة العراقية المقومات الأساسية للحياة وهي الأمن والسلام والماء والكهرباء
والعمل للفقراء الذين أنهكتهم حروب صدام ومجاعاته وجورة لكي يفرح الطفل وتسعد
الزوجة تمامآ كما جاء في نصيحة هذة الامرأة العراقية التي عاشت في نهاية الألف
الخامس ق .م
أما صدام الذي يحمل بالتأكيد الروح الشريرة للروها ـ أو خمبابا السومرية ـ
والتي ظن جلجامش عبثآ انه قضى عليها ، في حين انها لا تفتأ تتوالد وتتناسخ عبر
العصور أبناء وأحفادآ ، فالأجدر بحكامنا تقديمه مع أتباعه وكل عناصر الشر
والجريمة الى العدالة وتنفيذ ارادة الشعب بحقهم .

ملاحظة ـ سوف نذكر المصادر بعد الجزء ـ 2 ـ من هذه المقالة وصور اثارية
وتوثيقية مع تدقيق علمي ولغوي مقارن لما ورد فيها.

نشرت في تاريخ

المقدمه:
تعرض المندائيين طيله تاريخهم الذي يمتد الاف السنين الى العديد من جرائم الاباده الجماعيه وموجات من القتل و الاضطهاد و القهر والاجبار على تغيير دينهم وكان تكفير المندائيين هي الذريعه المستخدمه لاباده الشعب المندائي, وقد استخدمت هذه الذريعه من قبل جميع الاديان المجاوره لهم . وقد يكون الشعب المندائي هو الشعب الوحيد في التاريخ الذي تعرض ولا يزال الى هذا العدد من المذابح دون ان يرفع احد صوته. ونحن هنا لا نستطيع سرد كافه هذه الحالات اولا: لكثرتها وتنوعها و ثانيا لقله المصادر الدقيقه حول البعض منها. وادعوا كافه الاخوه المندائيين الى المساهمه في اضافه اي معلومه لديهم حول هذه المذابح او غيرها من انواع الاضطهاد وخصوصا التي حدثت في العصر الحديث وسوف اواصل نشر حالات الاجبار على تغيير الدين قريبا .
تعريف الاباده الجماعيه
جاء في الماده الثانيه من الاتفاقيه الدوليه لمنع ومعاقبه جريمه الاباده الجماعيه ما يلي ((ان جريمه الاباده الجماعيه تشمل كل الاعمال التي تستهدف و بقصد, الى تدمير جماعه عرقيه او اثنيه او دينيه بصوره جزئيه او كليه))
وقد جاء من ضمن الاعمال التي تقع ضمن جريمه الاباده الجماعيه هي :-
1 ) قتل اعضاء من الجماعه(المقصود هنا يكفي قتل بعض من افرادها بقصد ابادتها اوالحاق اضرار بالغه بافرادها)
2) الحاق اضرار جسديه او نفسيه بالغه باعضاء هذه الجماعه
3) فرض ظروف معاشيه قاسيه على هذه الجماعه بقصد تدميرها جسديا بصوره جزئيه او كليه
4) فرض ظروف على الجماعه تؤدي الى منع الولاده
5) نقل اطفال من هذه الجماعه الى جماعه اخرى
وكذلك جاء في الماده الخامسه من هذه الاتفاقيه ما يلي ((على الحكومات اتخاذ الاجراءات اللازمه لمنع ومعاقبه مرتكبي جرائم الاباده الجماعيه))
من اعلاه, نلاحظ ان ما يتعرض له المندائيون الان وفي الماضي يقع ضمن تعريف جرائم الاباده الجماعيه والتي تقع على الامم المتحده ومنظماتها الانسانيه مسؤوليه حمايه المندائيين و انقاذهم.

1) مذابح المندائيين في القرن الاول الميلادي:
المصدر : كتاب حران كويثا( حران السفلى)/من كتب التاريخ المندائي

لقد ورد نص في كتاب ( حران كويثا ) ما يؤرخ حادثة واحده على الاقل حدثت في القرن الاول الميلادي وهي قيام اليهود بالقيام باباده جماعيه للمندائيين في اورشلام(موطن المندائيين) حيث قتل في هذا الحادثة كما روي في هذا الكتاب الاف المندائيين وكان بينهم( ثلاثمائه وستين رجل دين مرة واحدة) لانهم مندائيون مما ادى الى هجرتهم الى خارج المنطقه وهذا هو النزوح الاول للمندائيين خارج وطنهم . ويعلم جميع المندائيين المذابح التي تعرضوا لها على أيدي اليهود في التاريخ القديم و في بدايه الدعوه المسيحيه والذي اشارت اليه كتبنا الدينيه والتي توقف بعدها التبشير بديننا بسبب هذه المذابح , ولا اريد الاسهاب في هذا الموضوع لانه معروف للجميع.

2) مذبحه سنه 273 م في ايران
المصدر : From : Wikipedia
حين جاء الى السلطة الملك الساساني بهرام الأول سنة 273(م) . قام بحمله اضطهاد شعواء قادها الحبر الاعظم للزرادشت (كاردير) ضد المندائيين, الى انه لم يستطع القضاء تماما على المندائية، ولكن التدوين توقف تماما لعدة قرون ولم نشاهد التأثيرات والكتابات المندائية الا فيما يسمى بأوعية ( قحوف ) الاحراز والأشرطة الرصاصية . وقد اجبرت جموع المندائيين ، فيما بعد، الى الدخول الى الاسلام، لأن الدخول الى الاسلام لم يكن هناك بدا عنه، فقد قضت المصلحة الفردية و حب التخلص من تأدية الجزية وما فيها من اذلال والتهرب من الاذى والرغبة في المناصب والتمتع بالحرية والامان من الاجبار على دخول الاسلام.
3) مذبحة (القرن الرابع عشر) في مدينة العمارة جنوب العراق :

المصدر : الليدي دراور- (الصابئه المندائيون في العراق و ايران)

حدثت مذبحه للشعب المندائي في القرن الرابع عشر في مدينة العمارة وهي موثقه في كتاب (الليدي دراور ) بعنوان( الصابئة المندائيين) ترجمة المرحومين غضبان رومي و نعيم بدوي(رواه نهويلخون) صفحات 56 و 57 جاء فيهما :

(( ومهما كان الامر فأن الصابئين في القرون الوسطى يظهرون وقد قهرهم الاضطهاد فقد تركت احد الكوارث في القرن الرابع عشر طابعها في ذكرياتهم حتى هذه الايام وقد عثرت على تسجيل لهذه المذبحه في نهاية احد الاحراز الطلسميه التي تفحصتها اخيرا ,كما وجدت نفس الشيء مسجل في ( التاريخ ) وهو مخطوط يمتلكه الشيخ دخيل يحكي المخطوط عن مذبحه رهيبه تعرض لها الصابئون في الجزيره حين كان السلطان محسن بن مهدي حاكما على العماره وكان ابنه فياض حاكما على شوشتر حيث تعرض بعض الاعراب على امرأة صابئية و نشب القتال واعلنت الحرب على الصابئيين فذبح الكهان والرجال والنساء والاطفال وبقيت الطائفه مهيضه وبلا كهان لعدة سنين )) .

4) مذبحه سنه) 1782( في الجنوب الفارسي :

المصدر : Jean de Morgan (mission scientifique en Perse ) voume 5
الترجمه الحرفيه كما يلي :
(( المسلمين في بلاد فارس ارادوا الحصول على الكتب الدينيه للمندائيين ولكنهم لم ينجحوا بالحصول عليها لا عن طريق الشراء ولا عن طريق السرقه.لذلك قاموا بأعتقال قادتهم وقالوا لهم انهم يتبعون الديانه المندائيه عن طريق التقليد عند القيام بالطقوس المندائيه الدينيه خوفا على كتبهم ,عند ذاك تم رمي قادتهم الدينين في السجن وتحت التعذيب, ولكنهم استمروا في انكار وجود اي كتاب مندائي لديهم ولكن المسلمون الفرس هددوا الكثير من قادة المندائيين بالقتل , البعض خوزقوا واخرون مزقوا ,احد المعذبين المندائيين تم قطع اطرافه الواحد بعد الاخر بدأ من اصابع الارجل ثم الايدي, بعض قادتهم تم جلدهم احياء والاخرين تم احراق اعينهم بوضع حديده حاميه جدا في اعينهم, ثم بعد ذلك تم ذبحهم ,والبعض الاخر تم احراقهم احياء .
الكنزبرا ( ادم ) الذي تم قطع يده اليمنى من قبل المسلمين الفرس كان واحد من هؤلاء المساجين هرب الى تركيا ( من المحتمل المقصود شمال العراق في العصر العثماني ) ولكن قبل هربه اخذ معه نسخه من الانياني ( الكتاب الرئيسي للمراسيم الدينيه المندائيه ) تم استنساخه من قبله رغم ان يده اليمنى كانت مقطوعه وهذا ( الكتاب الانياني هو المصدر الوحيد الذي اعتمد عليه في منطقة العماره ) وفي نفس الوقت فأن أدم هذا هو نفسه علم المندائيه الى شخص انكليزي اسمه (j.e.taylor ) والذي كان نائب القنصل في البصره واستمر تعليمه لمدة 12 سنة ( يبدو ان تيلر هذا بطيء جدا في التعلم ).(يوجد لدينا النص الانكليزي و الفرنسي لمن يرغب الاطلاع اكثر)

5) مذبحة سنه) 1870( في مدينة شوشتر:
المصدر:
http://leocaesius.blogspot.com )
شوشتر هي مدينة ايرانيه تبعد عن مدينة الشوش الحالية اقل من عشرة كيلو مترات وهي سابقا مدينة مندائيه بالكامل يقدر عدد نفوسها حين ذاك( 20 الف مندائي) وتقع شمال الاحواز في جنوب ايران سنة 1870 م تم ابادة اغلب المندائيين فيها على يد الحاكم الايراني انذاك ناصر الدين شاه الذي حكم ايران من سنة 1831 الى 1896 م مع العلم ان العائلة الصابوريه ,وهي من العوائل المندائيه الاصيله ( كانوا يسمون سابقا العائلة الششتريه) هم من مدينة شوشتر هربوا منها انقاذا لانفسهم ولعوائلهم. ومن يراجع الزهيرات على متن دراشة يهيى(تعاليم يحيى) وكذلك سدرا نشماثا الموجودة لدى الاخوى المندائيين في ايران سيجد اشارات عديدة الى هذه المذبحه ومن يزور الشوش حاليا سيجد كتابات مندائيه خصوصا على الجسر القديم للمدينه تشير الى هذه المذبحه, وهناك كتاب بعنوان قصص من حياة امير كبير من تأليف محمود حميدي باللغه الفارسيه جاء فيه ص161 ما يلي :
(( في رسالة من اردشير حاكم خوزستان سنة (1266هجريه) قال له فيها ان طائفة الصابئه الذين يعتقدون في ديانة حضرت زكريا في شوشتر يسكنون على ضفاف النهر ............... عدد من الاعيان والاشراف هناك قاموا بأيذائهم واضطهادهم واجبروهم ان يتركوا دينهم بطريقة العنف والاجبار ويدخلون في الاسلام )) .(ارجوا من الاحبه في ايران بتزويدنا بما لديهم حول الموضوع حتى ولو كان ذلك باللغه الفارسيه)

نشرت في تاريخ
الصفحة 1 من 6