الثلاثاء, 07 آذار/مارس 2017

الإعدادية المركزية – من مذكرات طالب سابق 2

  تحسين مهدي مكلف
تقييم هذا الموضوع
(1 صوت )

الجزء الثاني والأخير- الدراسة والهيئة التدريسية

لابد عند الحديث عن الإعدادية المركزية من ذكر شيء عن الكادر التدريسي المتميز والكبير الذي كان يؤدي دوره التعليمي فيها، فبعض من مدرسي هذه الأعدادية اصبحوا اعلاما على مستوى مدارس بغداد يذكرهم الطلبة والمدرسون والمشرفون التربويون في كل مناسبة، ويعتز بهم ويفتخر من حالفه الحظ فتتلمذ على ايديهم. لايكفي ان يكون المدرس متمكنا في تخصصه، حاذقا في طريقة تدريسه أو ممتلكا القدرة على توصيل المعلومة بطريقة ذكية متفردة، بل لابد له ايضا ان يمتلك أسلوبا تربويا سليما في التعامل، من خلال الأهتمام بطلبته ورعايتهم والتقرب منهم، وان يتصف بالأتزان وعدم الأنفعال السريع وعدم الأساءة للطلبة وان يخلق فيهم روح المثابرة والتفاؤل دوما.

ان الوزارة التي تقود المؤسسات التعليمية عندنا تسمى وزارة (التربية والتعليم) وليس التعليم فقط، وذلك لكون مهنة التعليم تربوية أساسا، وعلى هذا الأساس اُطلق على المعلم اسم (المربي) لأنه يضطلع بمهمة تربية الأجيال وتعليمهم، فهو يمارس التربية الأجتماعية والنفسية من خلال الأهتمام بالطلبة ومتابعة مشاكلهم ومعرفة مايعوق حياتهم الدراسية. اذن فليست مهمة المعلم، التعليم فقط .

في الإعدادية المركزية كان بعض المدرسين ممن يمتلك تلك المزايا والصفات فتجده محبوبا من طلبته، كفوءا وناجحا في قيادتهم الى طريق النجاح وبمهارة. الا ان البعض الآخر للأسف لم يكن يمتلك ادنى مؤهل تربوي في التعامل مع طلبته، فتراه خشنا في أسلوبه، متعاليا في تعامله، حدي في اجاباته وردوده، لايساعد ولايسامح. ومدرس بهذه الصفات يكون قد اقام حواجزا وجدرانا متينة بينه وبين الطلبة ينعدم أزاءها التواصل السليم بين الطرفين، ومن الطبيعي في ظل أجواء كهذه ان تُخلق مشكلة نفسية كبيرة لدى الطالب الذي يبدأ لا شعوريا برفض تلك المادة (الدرس) ويصبح كلاهما (المدرس والدرس) بمثابة كابوس على الطالب مما يؤدي بالنتيجة الى فشله. المشكلة والخطأ الكبير في مدارسنا هو اهتمام المدرسين وحتى الأداريين بالمتفوقين واِهمالهم المتأخرين دراسيا، في حين ينبغي ان تكون المتابعة والأهتمام الحقيقي بالمتأخرين لمعرفة ظروفهم ومشاكلهم وأسباب تراجع مستواهم الدراسي، مثلما يحصل من المتابعة في بلاد الغرب.

وكطالب سابق في الإعدادية المركزية لاأرغب في استذكار بعض المدرسين وسلوكهم ونهجهم في التدريس وفي التعامل مع الطلبة لأنه كان سيئا للغاية، فهؤلاء كانوا يتصفون للأسف بالعجرفة والأسلوب الجاف وسرعة الأنفعال والتعامل غير الودي مع الطلبة، وذلك كان يجعلنا لانكره ذلك المدرس ودرسه فحسب، انما نكره اليوم الذي تكون لنا حصة معه. وأمر كهذا شائع في مدارس العراق والبلاد العربية مع الأسف. الا انه على نقيض اولئك، كان البعض الآخر ممن يتصف باللطف والوداعة وجمال الروح والأخلاق وباستخدامه النهج السليم في التعامل مع طلبته، يستمع لهم باهتمام، يشجعهم ويثني على قدراتهم العلمية ولايقيم حواجزا بينه وبينهم مطلقا مع احتفاظه بشخصيته ومكانته كمدرس.

ولابد هنا من ذكر بعض المدرسين من ذوي المكانة المتميزة آنذاك بسبب مهارتهم في التدريس وسلوكهم التربوي، لعل على رأس هؤلاء مدرس الفيزياء اللامع الأستاذ القدير (مؤيد سعيد) ابن الطائفة الغني عن التعريف، فاضافة الى كونه حاذقا كفوءا كمدرس، كان طيبا متواضعا محبوبا من طلبته، الا ان شعبتنا في السادس العلمي لم تكن لسوء الحظ ضمن مجموعة الشُعب التي يُدّرسها الأستاذ مؤيد، فكنا نستغل الدروس الشاغرة او غير المهمة للألتحاق بالصف الذي يقوم بتدريسه، وكان يحقق سنويا نسبة نجاح كبيرة.

كذلك لاتزال عالقة في ذاكرتي وبقوة، صورة وأسلوب مدرس الكيمياء العبقري (كمال النعيمي) الذي كان متمكنا في تخصصه بشكل منقطع النظير، وفي رأيي الشخصي ان مدرسا بمستواه يمكن له ان يكون أستاذا جامعيا بامتياز. كان بإمكان هذا المدرس الأجابة على أي سؤال وحل أي معادلة وتفسير أي قانون في علم الكيمياء، ببساطة وبكثير من الثقة في النفس. كما كان حضوره يفيض حيوية ونشاطا رغم كبر سنه آنذاك. وكان صبورا طويل البال لاتزعجه ولاتربكه اسئلتنا ومداخلاتنا العديدة اثناء اِلقائه محاضراته.

ولايغيبن عن بالي المدرس الأكثر طيبة وتواضعا، انه صاحب الذكر الطيب مدرس العربية الفذ (الأستاذ نواف)، ربما يندر ان نجد لهذا المدرس مثيلا بين المدرسين لما يمتلكه من اخلاق فاضلة وصفات جميلة، رجل متواضع وقور، تربوي من طراز خاص، يتعامل مع الطلبة تعاملا ابويا ودودا الى ابعد الحدود، لا تفارق الأبتسامة الهادئة مُحيّاه، لديه أسلوب سلس في الشرح والتدريس، لم يُخطئ بحق احد من الطلبة قط. ولا أظن ان أحدا ممن تتلمذ على يديه سوف ينساه مطلقا.

كذلك لابد من استذكار أسماء بعض المميزين من مدرسي هذه الإعدادية، كالأستاذ (مهدي قدرة) مدرس اللغة العربية المخضرم، والأستاذ (طالب الحاج) مدرس الرياضيات صديق الطلبة الودود، والأستاذ (نزار الوهاب) مدرس الأنجليزية الظريف المجامل الذي اصبح مديرا عاما في وزارة التربية، و(سامي بطي) مدرس الكيمياء ذو الشخصية المميزة، وغيرهم.

الا اني وبعد ذكر تلك الأسماء اللامعة من مدرسي اعداديتنا العريقة، لابد لي ان اذكر بفخر واعتزاز المدرس الذي كنت معجبا بشخصيته وفاعلية حضوره وطريقته المميزة في التدريس، واعتبرته بحق المثال الأعلى بين المدرسين، انه الأستاذ (صلاح جبار عوفي) ابن الطائفة المقيم في السويد حاليا. كان الأستاذ صلاح مدرسا كفوءا نشطا صبورا، عُرف بأسلوبه المتزن في إدارة صفه الدراسي وتفانيه في مهنته. كان ودودا لطيفا في تعامله مع الطلبة، وحازما حين يقتضي الموقف حزما الا انه لا يجرح ولا يوبّخ. فأحبه تلامذته بصدق. وكان من المدرسين القلائل الذين لاينال منهم الطلبة مايناله مدرسون آخرون من الشتائم والسخرية بغيابهم. لم اكن اعلم انه صابئي، وقد علمت ذلك فيما بعد فزدت به اعجابا وبطائفتي افتخارا.

ووفاء وتقديرا مني له، اود هنا ذكر شيء موجز عن سيرته التدريسية.
تخرج الأستاذ صلاح من كلية العلوم تخصص بايولوجي في العام 1971 ، ثم عمل مدرسا في مدينة سوق الشيوخ مسقط رأسه، ثم في بغداد (متوسطة سيناء) حتى عام 1977 ، بعدها تم تنسيبه الى الإعدادية المركزية بسبب اخلاصه ومهارته في التدريس. بقي في المركزية حتى عام 1990 ثم اُضطر الى التقاعد بسبب الضغوط السياسية. وكان قد عمل مدرسا أيضا في الإعدادية النظامية لموسمين متتاليين. خلال خدمته في الأعدادية المركزية ساهم في تطوير مختبر الأحياء وقام بتفعيل الدروس العملية في المختبر وساهم مع اللجنة الوزارية في تطوير مناهج علم الأحياء للدراسة الأعدادية.

كذلك عرفتُ في الأستاذ صلاح ثقته الكبيرة بقدراته العلمية وبحبه لمهنته واحترامه لبيئة ومتطلبات تلك المؤسسة التعليمية (المدرسة المركزية)، كنت اراه الشخصية الأقوى بين المدرسين رغم كونه الأصغر سنا بينهم، فهو لم يتجاوز سن الثامنة والعشرين حين بدأ خدمته في تلك الإعدادية مدرسا لمادة الأحياء. تعرفنا عليه كطلبة في الرابع العام، شابا وسيما، حسن المظهر، شديد الجدية، ولا أتذكر حصول مشكلة واحدة بينه وبين طلبته. وكان يحقق سنويا نسبة نجاح تتجاوز 90% مثلما علمت.

اِلتقيتُ والأستاذ صلاح في سنوات لاحقة وتعارفنا عن قرب فأكتشفت فيه من التواضع وحب العمل الشئ الكثير، وازداد تواصلنا مع بعض حين عملنا معا قبل 18 عام كأعضاء في هيئة تحرير مجلة آفاق مندائية حين كانت في اوج رونقها وانتشارها. الا اننا افترقنا بسبب الهجرة، منذ العام 1999 وحتى اليوم.

خلال زيارتي الأخيرة الى بغداد صيف عام 2015 قمت بزيارة مدرستي الأثيرة (المركزية) والتقطت بعض الصور لواجهتها ولبعض المباني المحيطة بها والأزقة القديمة القريبة منها، لتبقى تلك الصور شاهدا على مرحلة زمنية جديدة تمر على هذه المدرسة العريقة.

الدخول للتعليق