الجمعة, 03 شباط/فبراير 2017

دراسة تعريفية مصطلحات السرد القصصي والروائي

  عزيز عربي ساجت
تقييم هذا الموضوع
(0 عدد الأصوات)

يعد مصطلح علم السرد او السرديّة (Narratology) من المصطلحات التي دخلت دائرة التوظيف النقدي تحت تأثيرالبنيوية . وان الفلسفة العلمية النقدية لهذه الظاهرة كانت واضحة في المدرسة الفكرية التي تبناها المفكر الفرنسي كلود ليفي شتراوس ، عالِم آثار الثقافة ، في مقاله الشهير سنة 1945 وعنوانه ( التحليل البنيوي في اللغة والانثروبولوجيا ) ، الذي قاوم الفكر الفرنسي بفلسفة لغة متشعبة من مدرسة القواعد العامة في فرنسا ، في عملية فهم البناء اللغوي في الرواية او الحكاية او القصة القصيرة او في قصة الاسطورة ، وكيف تقوم هذه المكونات في إطار نظرية علم المعاني ، كي يولد مناخاً من الإنتباه العلمي المنهجي حيث تجد الألسنية حيزاً مهماً لها ، والتي تعطي وضعاً دقيقاً للمكونات الأساسية للملحمة القصصية المتعددة المضامين وحسب التدرج التالي : الهيكل ، الرمز ، الرسالة .
لذا فإن الهدف توفير الوصف المنهجي للخصائص التفاضلية للنصوص السردية ، ليشمل الجوانب النظرية والتطبيقية في دراسة منهجية السرد وبنيته . يرجح النقاد بأن النشأة الاولى للبنيوية في فرنسا تعود الى منتصف الستينيات من القرن العشرين ، عندما ترجم (تودروف) أعمال الشكليين الروس الى الفرنسيين ، فأصبحت أحد مصادر البنيوية ، وهذه المدرسة ظهرت في روسيا (1915 و1930) وهي تدعو الى الاهتمام بالعلاقات الداخلية للنص الأدبي ، ضمن منهج التحليل البنيوي الشكلي .
بدأ علم السرد او التحليل النقدي عند الشكليين الروس (( Rusian Formalists بتقطيع المقولة الى ( وحدات ) لغوية . وقد عّرفوا الأثر الأدبي بأنه منظومة ، وللعناصر التي تؤلف هذه المنظومة قيمة وظيفية . ويتركز تحليل الآثار الأدبية في البحث عن ( الوحدات ) ذات الدلالة ، وعن (العلاقات) المتبادلة بين هذه الوحدات ، والرائد الحقيقي في هذا الميدان هو فلاديمير بروب (V.Proppe ) 1928-1968 باحث روسي متخصص في الفن الشعبي او الفلكلور ينتمي الى المدرسة البنيوية ، اشتهر بدراسته لبنية الحكايات الروسية الطريفة ومنهجية دراسة الثقافة الشعبية ، والتي درس من خلالها أصغر مكوناتها الحكائية او السردية . في كتابه الموسوم : ( مورفولوجيا الحكاية الشعبية ) الذي حلل فيه تراكيب القصص إلى أجزاء ووظائف ، و( الوظيفة) عنده هي (عمل) الشخصية ، وقد حصر الوظائف في (31) وظيفة في جميع القصص .
وهو التأكيد على كل ما دار يبقى من الصحيح انه وبشكل رئيسي تحت تأثير الشكليين الروس " الذين نُدين بأكتشافهم في العالم الغربي مؤخراً لفيكتور إرليخ ( ( Victor Erlich من جهة والتحليل البنيوي في اللغات والانثرولوجيا من جهة اخرى ، أصبح خلف فن الشعر (Poetics) ، ويقول فلاديمير بوب في التحليل البنيوي السردي : " هو الخلط بين مبادىء هذا المنهج وبين تطبيقاته العملية المتفاوتة في نجاحها ، وفي العقد الأخير كان هناك بعض الأستلهام في الحقل لعمل فلاديمير بوب (Vladimir Propp) الرائد في الحكايات الشعبية ، وبالتالي فإن نقاداً كثيرون يقولون : إن مخططاتهم يمكن أن تطبق على أنواع أدبية بسيطة كالحكايات الشعبية ، ولكن الجدوى أزاء الروائع الأدبية سواءاً كانت اعمال وليم شكسبير او دوستوفيسكي ."
حيث يكون التركيز لمجرد التركيز على الحوادث الواردة في تكل النصوص الأدبية أهمية ضئيلة بالمقارنة مع صقل السرد والإنشاء الدرامي نفسه ، لا مجرد السرد الإملائي السطحي وترك جوهر المضمون لتلك النِتاجات الأدبية ، او ما يسمى بالسرد الفوضوي غير الخلاق في اختيار المصطلحات اللفظية او اللغوية ليست في مكانها وزمانها المعتاد ، والتي تضعف من قيمة العمل الأدبي الروائي والقصصي ، وهذا ينطبق على فن الشعر وبناء القصيدة الشعرية .
لكن في الحقيقة هي أن الشكليين الروس بدؤوا تحليلهم للنشر القصصي . بالتفريق بين القصة والعقدة أو بين الحوادث نفسها وبين نمط وجودها في العمل الأدبي . وان من المع التحليلات التي أنتجتها المدرسة الشكلية كان مكرساً لروايات دوستوفيسكي على وجه التحديد ، وخاصة دراسة باختين العظيمة (Bakhitin).
يقول بان مونفريد :يبدو انه بهذه الوسيلة السردية وحدها يمكن للرواية أن تعلن عن نفسها كبنية غير محددة وأنها خارج قيود التحليل البنيوي ... إن غزارة العقد ، وعدم التحديد الأساسي للحالة الرئيسية مؤشرات على مناهج التحليل البنيوي . والفكرة هي ان رواية معينة لها بنية غير محددة ، وان التحليل البنيوي يستطيع أن يتعامل مع البنى المحددة ، أو أنه بالأحرى يحدد كل البنى ، وبالتالي لا يستوعب هذه الرواية ذاتها ، ولكن العكس هو الصحيح بالنسبة للتحليل البنيوي .
وصاغ الفيلسوف الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف مصطلح "علم السرد" لأول مرة عام 1969 في كتابه ( قواعد الديكامرون) وعرفّه ب(علم القصة) . وهو يكتب عن النصوص الأدبية وتاريخ الفكر ونظرية الثقافة ، ومن أشهر مؤلفاته في هذا المجال كتابه : (مدخل الى نظرية الأدب : البنيوية والأدب ) أنتجت الأيام المشرقة للنظرية البنيوية في الأدب ، وهناك بعض الأعمال الرائعة في محاولة تحويل علم السرد الى مشروع علمي ، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر : نحو القصة لتودوروف ، وبارت ، وغريماس ، وعلم السرد المرتكز على الخطاب لجينيت وبال وسانزل .
أصبح السرد فيما بعد مادة لكثير من الطروحات خارج حقل الدراسات الأدبية ، إذ بدأ العلماء ينظرون لوظيفة السرد في كتابة التاريخ ، والدين والصحافة ، والممارسة القانونية ، والتربية ، والسياسة ، إلى آخره . لدرجة ان معظم المنشورات عن موضوع السرد في هذه الأيام تبدأ بعبارات مثل ، السرد في كل مكان ، أو القصص في كل مكان حولنا .
وبالنظر الى حقيقة أن معظمنا يتفق على أن الواقع كما نعرفه ليس معطى مدرك بالحواس ، بل أنه بناء ذاتي ، يبدو أن السرد في كل مكان حولنا ، لان بناء التمثيلات السردية هو أحد الوسائل التي نعطي بها شكلاً ومعنى للواقع الذي ندركه .السرد هو ، بعبارة أخرى ، طريقة أساسية " للتفكير" أو ( أداة معرفية ) .
ترتكز التعريفات على عدد من المقدمات النظرية على وجه التحديد : (جنيت والمصطلحات الأساسية : الصوت ، وعالم الحكي الخارجي والداخلي ، والتبئير ). و (جاتمان والمصطلحات الأساسية : الظهور ، التواري ) و (لانسر والمصطلحات الأساسية : الصوت ، المحدودية البشرية ،الإحاطة) و ( ستانزل والمصطلحات الأساسية : الموقف الذي عنى طريقه يعرض السرد ، المؤلف ، المجازي ، العاكس ) و (بال والمصطلح الرئيسي : المؤبر) أما الجانب التطبيقي فإنه يتناول بدايات روايات منتخبة ومتنوعة ذلك أن الروايات ، تبعاً للمؤلف ، وسط غني ومتنوع للغاية : كل ما يمكنك أن تجده في أنواع أخرى من السرد ، سواء أكان ذلك النوع في السرد الطبيعي غير التخيّلي أو الروائي والدراما والسينما ، وما الى ذلك .
هذه الدراسة المختصرة تتعلق بالنظرية بتدريج تعليمي ، مع تطبيقات عملية مكثفة لأعمال أدبية متنوعة ، لتثبت أن عناصر السرد ، تكاد تكون واحدة ، ( حدث وشخوص وزمان ومكان وحوار ...وغيرها ) . السؤال الأول الذي يتبادر إلى ذهن القارئ عند قراءة عنوان كتاب يان مانفريد "علم السرد: مدخل إلى نظرية السرد" هو: هل استطاع السرد الروائي أن يبلور نظرية علمية خاصة به؟ وإذا ما كان قد توصل إلى تحقيق ذلك، فما هي ملامح وأسس هذه النظرية؟ .
في مقدمة المفاهيم والتعريفات التي يقدمها ، والخاصة بنظرية السرد ، تأتي العناصر السردية التي تبرز صوت السارد وهي : محتوى النص السردي، والتعبيرات الشخصية التي تشير إلى ثقافة السارد ومعتقداته وقناعاته وتوجهاته السياسية والفكرية وموقفه من الناس والأشياء ، وكذلك الإيماءات أو التعبيرات التي تشير إلى وعي السارد بالمتلقي . بينما يميز بين نوعين من السرد: سرد يكون فيه النص متجانسا عندما يروى السرد بضمير المتكلم الشاهد على أحداث القصة ، والسرد غير المتجانس الذي يتحدث فيه السارد عن شخص ثالث.
وفي الإطار السردي ، يعيد الينا الباحث القدير مانفريد، بدايات ظهور مفهوم علم السرد بوصفه علما له قواعد وأصول إلى نهاية ستينيات القرن الماضي على يد تودروف، ثم يقدم تعريفا له بوصفه نظرية البنائيات السردية المستوحاة من البنيوية ، والتي تتجلى وظيفتها في تحليل ظاهرة السرد إلى الأجزاء التي يتكون منها ، وصولا إلى تحديد الوظائف التي تناط بها ، والعلاقات القائمة فيما بينها ، ويؤكد أن أجناس السرد بناء على ما يقوله رولان بارت غير محدودة ، لكنه يتحدث عن مجموعة منها هي: سرد التجربة الشخصية أو ما يسمى برواية السيرة الذاتية، ورواية السيرة الذاتية التاريخية، والسرد السينمائي والسرد الداخلي..

يذهب مانفريد إلى الفضاء الزماني والمكاني ، والربط في العلاقة بين الزمان والمكان في السرد الروائي يجعل وجود أحدهما استدعاء لوجود الآخر حكما. لكنه يميز بين المكان في الرواية عن المكان في الفنون البصرية ، نظرا لأن المكان في التخيل السردي لا يمكن عرضه كاملا على خلاف ما يحدث في السينما مثلا. وفي ضوء ذلك يعرف الفضاء الأدبي أو التخيلي بأنه البيئة التي تتموضع فيها الأشياء والشخصيات وبصورة أكثر تحديدا هي البيئة التي تتحرك وتعيش فيها الشخصيات. وفي تحديد المكان داخل الفضاء الأدبي يظهر دور المعينات المكانية الخاصة بإدراك المكان ، بما فيه أشكال المكان المتعارضة كالأماكن المؤقتة والأماكن الدائمة والأماكن الخاصة مقابل الأماكن العامة. ويرى أن أهمية هذه الدلالات المكانية تتأتى من خلال تأثيرها في شخصيات وأحداث العمل الروائي.
في مفهوم الزمن والبناء الزمني ، تسليط الضوء في مقالة الكاتب القدير يادكَار لطيف على محاور رواية القاص العراقي تحسين كريماني المعنونة :( الحزن الوسيم ) نموذجاً ، والتي تناول فيها حقبة محزنة من تاريخ العراق الحديث ، ومركزها الدلالي . تناول في المحور الاول دور (الاسترجاع الخارجي ) وبيان فاعليته الأدائية في البناء الزمني ، وخصص المحور الثاني ( ارتباط الترتيب بالديمومة ) لدراسة السرعات السردية في علاقاتها مع الترتيب الزمني ، ويركز في المحور الثالث : ( بناء الزمن من خلال الأشياء )على تشخيص فاعلية الراوي في توظيف الأشياء الصغيرة في البناء الزمني ، إذ حوّل الراوي عناصر مادية بعينها الى عناصر فعالة في البناء الزمني للرواية ، اما المحور الرابع : (التواتر) بيّن فيه علاقات التكرار بين القصة والخطاب السردي .
وفي دراسته للشخصية الروائية يحدد القواعد والأسس التي يتم بها خلق تلك الشخصية ثم يحاول الإجابة عن مجموعة من الأسئلة تتعلق بمن هو الفاعل؟ ومن هو المفعول به؟ وما هي الخصائص والسمات التي يمليها كل منهما؟. في هذا السياق يركز الباحث على ثلاثة معايير أساسية في تحليل الشخصية لبيان الفاعل التشخيصي هل هو السارد أم الشخصية؟ وهل تتجلى سمات هذه الشخصية من خلال الكلمات أو الأفعال التي يقوم بها؟ وهل شخصية السارد هي من تقوم بالحديث عن نفسها أم أن شخصا آخر يقوم بذلك؟. وكما هي العادة يقوم بانتخاب أمثلة روائية تطبيقية للتدليل على الاستراتيجيات التي يقوم عليها عمل هذه المفاهيم في النص الروائي.
وفي دراسة الخطاب السردي بدءا من أنواع من هذا الخطاب بما فيه الخطاب المباشر والخطاب غير المباشر، وتفرعات كل منهما، وخصائصه، دون أن يغفل الحديث عن تيار الوعي في الرواية الذي يتميز بالشخصية المفككة من حيث ترابطها العقلي، وانفصال مستويات الوعي عندها، وأهم التقنيات التي يقوم عليها سرد تيار الوعي، وفي المقدمة من ذلك المونولوج الداخلي الذي يقوم على تدفق غير منقطع من الأفكار التي تعيشها الشخصية دون ترابط منطقي فيما بينها. كذلك السرد النفسي الذي يتم فيه عرض حالات وعمليات وعي الشخصية ولا وعيها ومناجاة النفس والإدراك الحسي للشخصية.
تكمن أهمية هذا الموضوع بالرغم من صعوبته ، لكنه يضم بين دفتيه تعريفاً علمياً منهجياً لبعض من مصطلحات نظرية السرد . لكن في ذات الوقت تتوفر مصادر التنوير المتنوعة حول هذا الموضوع في النت ، هذا الموضوع الهام بالنسبة الى كتّاب الرواية والقصة القصيرة او الحكاية وغيرها من التناول بإسهاب وسهولة ، حيث يقدم نظرية السرد بشكل تعليمي يكاد يكون متفرداً ، "والى المهتمين به على معرفة آليات عمل هذه المفاهيم والتقنيات داخل النصوص السردية التي يستعين بها، من أجل إظهار كيفية تماثل عناصر السرد وتكامل وظيفتها داخل بنية العمل السردي". ويمكن ان تكون مادة تعليمية وبحثية يسهل الاستفادة منها ، ومدخلاً بسيطاً ومتواضعاً في الولوج لهذا العلم الحديث .
المصادر
*عالم السرد - مدخل الى نظرية السرد / تأليف يان مانفريد / ترجمة الكاتبة الفلسطينية أماني أبو رحمة / دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع /2011.
*مانفريد يتقصى مفاهيمه النظرية وتطبيقاته النصّية - السرد :اصوله وفضاءاته / الملحق الثقافي / جريدة الاتحاد الالكترونية / 2014.
*منهج التحليل البنيوي الشكلي / دراسة في النقد النقد / تحليل الخطاب الأدبي على ضوء المناهج النقدية الحداثية - محمد عزَّام / من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق- 2003 .
* مجلة كلية الآداب / العدد -101/ مقال / بقلم د.سلام احمد خلف .
* كلود ليفي شتراوس - عالِم آثار الثقافة / الموقع الثقافي المندائي / النشر- 2014.
* فاعلية الراوي من خلال البناء الزمني في رواية (الحزن الوسيم ) للقاص العراقي تحسين كريماني / مقالة / بقلم : الكاتب يادكَار لطيف جمشير.
*السرد والاسلوب / بقلم : محمد بلوافي / ديوان العرب / منبر الثقافة والفكر والأدب .
* الموسوعة الحرة : ويكيبيديا .

الدخول للتعليق

مسابقة المقالة

كمن ينتظرُ موسمَ الحصادِ في حقـلٍ لا زرعَ فيه - فاروق عبد الجبار - 8.6%
مكانة المرأة في الديانة المندائية- إلهام زكي خابط - 3.3%
الدلالة الرمزية في قصص ( امراة على ضفاف المتوسط ) للقاص نعيم عيَال نصَار - عزيز عربي ساجت - 0%
رجال الدين المندائيين بين الاعداد التقليدي والتحديات المعاصرة - الدكتور كارم ورد عنبر - 85.3%
الإباحية في الفن الروائي والقصصي - هيثم نافل والي - 2.5%

Total votes: 360
The voting for this poll has ended on: تموز/يوليو 15, 2014