الأربعاء, 23 آب/أغسطس 2017

كتاب العرب وصقلية ملامح الثقافة والفنون

  منير العبيدي
تقييم هذا الموضوع
(0 عدد الأصوات)

بعد صفحات من شروعي بقراءة كتاب موسى الخميسي "العرب وصقلية ملامح الثقافة والفنون" انزاح عني شعور الواجب وحل محله شعور بالمتعة وتعطش للمزيد من المعرفة وعاد الى ذهني ما سبق وأكدته لنفسي مرارا أننا كلما ازددنا اطلاعنا شعرنا إلى أي مدى نحن مقصرون تجاه ثقافتنا وكم هي الثغرات التي ينبغي ردمها. الكتاب أخذني، و اتوقع أن يفعل الشيء نفسه مع ألقارئ، إلى صقلية، سِرتُ على امتداد شواطئها، رأيت مدنها وشوارعها، تأملت قلاعها، مساجدها وكنائسها، تخيلت سحر مناظرها وقد زينها النخيل السامق وشممت عطر اشجار البرتقال. كتابة موسى الخميسي مشوقة ومفيدة و هما أمران لا أحسب أن أحدا من الراغبين بالمعرفة يبخسهما حقهما.
الامر الاول والأساسي الذي افادني به الكتاب هو أن صقلية ليست اقل شأنا من الاندلس في التواصل الثقافي مع أوربا، الكتاب يقدم البراهين على ذلك. هذان الطريقان لم يكونا نقاط احتكاك وصدام فحسب بل معبرا ثقافيا سلكته الثقافة كما الطيور المهاجرة بين الشمال والجنوب.
موسى الخميسي يحمل الجنسيتين العراقية والايطالية وثقافته هي مزيج من ثقافة البلدين. حصل على شهادة البكالوريوس في علم الاجتماع من جامعة بغداد ،ثم البكالوريوس في تاريخ الفن من أكاديمية الفنون الجميلة في فلورنسا، ثم الدبلوم في الإعلام الصحفي من معهد الإعلام في جامعة اوربينو، ثم الماجستير بتاريخ الفن المعاصر من الاكاديمية العربية بالدانمارك، وعمل ويعمل مراسلا للعديد من الصحف والمجلات العربية والعراقية، كاتب ومعد ومسؤول الإعلام في فضائية راديو وتلفزيون العرب التي تبث من روما. عمل كأستاذ لمادة تاريخ الفنون الشرقية في معهد الفنون الجميلة في فلورنسا وفي معهد دانتي للفنون، درّس مادة الحفر على الزنك. نشر في العديد من الصحف والمجلات العربية مجموعة من المقالات والدراسات التي تناولت الفنون التشكيلية والظواهر الاجتماعية والثقافية في ايطاليا. اصدر العديد من الكتب التي تعنى بالشأن الثقافي والتشكيلي العراقي، الايطالي والأوربي.
حصيلته من معارض الفن التشكيلي: عشرة معارض شخصية في مدينة بغداد، فلونسا، روما، افيتسانو، ترساكو. فيينا، بودابست ، دمشق . شارك بعشرات أخرى من المعارض الجماعية في العراق والعديد من المدن الإيطالية والعواصم الغربية.
بحكم هذه المقدمة المعرفية الواسعة والتأهيل العالي فإن توقعات القراء والمتخصصين بأن يكون هذا الكتاب إضافة نوعية للمكتبة العربية. لا شك ان هناك في بطون الكتب الكثير من الحقائق التي استشهد بها واعتمد الخميسي عليها في بحثه القيم المقدم، ولكن تكريس كتاب متخصص للفنون العربية في صقلية أو لتأثيرات الفنون العربية على فنونها وعلى الفن الايطالي عموما هو أمر غير مسبوق.
يرد في الكتاب "ولهذا السبب يتخذ كتابنا، الذي نقدمه للقارىء العربي عن النموذج الصقلي الذي لم ينل القسط الذي يستحقه من الاهتمام من قبل المؤرخين، مثالا على واحدة من الطرق التي تم فيها تطور الفن العربي من خلال الاشارة الى ملامح الفنون العربية وانماطها في اماكن اخرى، وبالذات في مصر الفاطمية والعراق العباسية وبيزطة المسيحية." ص. 36

هوية الثقافة

تطرق الكتاب إلى الفنون العربية أو الحضارة العربية أو الفترة العربية حتى الصفحة 35 ثم يرد ما يفيد اعتماد مصطلح آخر في تحديده لتعريف الهوية الثقافية، يقول: "ماذا حل بالمسلمين الذين لم يرحلوا عن ارضهم؟ هل استطاعوا ان يذوبوا بسرعة في المجتمع الجديد؟ هل ضيعوا فجأة ملامح شخصيتهم العربية والاسلامية".
ثم يفصّل ذلك بما يلي: "وبهذا تضمنت الحضارة العربية نمطين من المبادىء السلوكية هما: الاسلامية والعربية، وهما نمطان منسجمان ومجتمعان ولكنهما مختلفان، فاحدهما يمثل المبادىء الاخلاقية المتبعة للمسلم، اما الاخر فهو يصور المبادىء التي تتيح تحقيق العربية باعتبارها نموذجا ثقافيا، وهذان النمطان ليسا متعارضين، ولهذا ايضا علينا التأكيد بان ليس كل الشعراء والمعماريين والفنانين في البلدان الجديدة التي فتحها العرب وبالذات جزيرة صقلية والاندلس هم من المسلمين فقط كما تذهب اغلب الكتابات التاريخية، اذ ان منهم من هو مسيحي او ارامي او يهودي، وهم عرب بثقافتهم وفكرهم وابداعهم، لكنهم من ديانات توحيدية غير مسلمة، ساهموا جنبا الى جنب اخوتهم المبدعين المسلمين."
لا شك إن كل المصطلحات التي تحاول الإحاطة بظاهرة كبيرة تعاني بقدر ما من إشكالية التعميم من جهة وعدم القدرة على الإحاطة بالكامل بالظاهرة المعنية من جهة أخرى، ورغم أن مصطلح الحضارة العربية الإسلامية أو الحضارة الإسلامية أو أخيرا الحضارة العربية هي من المصطلحات التي تعرضت للنقد لدوافع شتى كان بعضها علميا موضوعيا وبعضها الآخر ليس كذلك بالضرورة، إلا أن دلالات هذا المصطلح وإطاره المتفق عليه قد تبناه الأوربيون أيضا. فالعرب من غير المسلمين هم عرب، و المسلمون من غير العرب هم مسلمون، و لكن هناك أيضا من ساهم في هذه الحضارة من غير العرب ومن غير المسلمين، هنا سنجد أن اطار المصطلح لا يحتوي هذه الشريحة. إن كل مصطلح يرسم اطارا عاما لظاهرة عامة ستشوبه بعض الاستثناءات ولكن وكما يقول الفرنسيون فإن وجود الاستثناء يؤكد وجود القاعدة، على أن الامر الحاسم لتقرير هوية الثقافة يتجسد في أمرين هما: ادوات الإنتاج المعرفي والفني أولا ثم ثانيا الإطار ألاجتماعي التاريخي الذي نشأت فيه.
إذا أخذنا البلدان التي خضعت للفتح الإسلامي بعد ظهور الإسلام في الجزيرة مثل العراق سنجد أن الغالبية العظمى من سكانه كانوا من غير العرب ولكنهم تعربوا فيما بعد، وهذا ينطبق على العديد من الأمصار التي فتحت بعد ظهور الإسلام. الحقيقة التي لم تعد موضع جدال أن الانتماء لأمة أو لثقافة ما مرتبط ليس بعوامل أثنية ثابتة إنما بعوامل مكتسبة متحركة تحددها الثقافة وأدواتها، وأهم هذه الأدوات هي اللغة التي هي، حسب ماركس، ليست وسيلة تعبير إنما وسيلة تفكير أيضا.
الإشكالية هذه تواجهنا أيضا في تعريف هوية المثقفين والعلماء من الجيل الثاني أو الثالث من أخلاف المهاجرين الى دول اوربا من الذين ولدوا أو ترعرعوا هنا وينحدرون من أصول اثنية مختلفة ممن باتوا يستخدمون الأدوات الثقافية للدول المضيفة. لا شك ان هؤلاء قد باتوا ألمانا، طليانا أو هولنديين .. الخ طالما حققوا منجزاتهم ضمن الاطار الذي وفرته الدولة المضيفة وكانوا يستخدمون أدواتها الثقافية وخصوصا اللغة التي تساهم أيضا في تحديد نمط التفكير كما ذكرنا.
يشير الكتاب معتمدا على هامش للدكتور عزيز أحمد، إلى أن "العنصر الصقلي كما يراه المرء اليوم هو عبارة عن مزيج من شعوب الشرق بين يونانين وكنعانيين وعرب وبربر ولاتينيين وجرمانيين، حيث يبلغ عدد سكان الجزيرة اكثر من ستة ملايين نسمة، يتكلمون نوعا من اللغة الطليانية المحرفة والتي تحمل اكثر من 1500 كلمة عربية." و يواصل:
"وتظهر الاهمية الحاسمة للفترة العربية في هذا المجال في وجود الفاظ عربية كثيرة متعلقة بالحياة الاقتصادية، حفظت في اللهجة الصقلية ونقلت الى الايطالية، وهي في معظمها تشير الى المجال الزراعي والى الري والادوات المتعلقة بالمزارع والادوات المنزلية ومنتجات التربة". لا شك أن الحديث هنا يدور عن الاصول الاثنية لمكونات سكان صقلية، أما الثقافة الحالية فهي امر آخر وهوية اخرى نشأت من مزيج الثقافات ثم اسست لهويتها الخاصة.
ويناقش الكاتب في مواضع أخرى هذا الموضوع بتفصيل أكثر إذ يقول: " الا انه لا يمكن ولا يعقل ان يطلق على الانجازات الفنية التي تركها العرب في الحواضر الجديدة بعد عمليات الفتح تسمية الفن الاسلامي، كما ان محتويات هذه الاعمال في جميع اتجاهاتها لا تحمل توجهات تبشيرية دينية لكي توضع تحت واجهة الفن الاسلامي فقط ص. 63
ثم يواصل: "الا ان المؤرخين جيّروا كل النتاجات باسم تبعة الدين الحنيف باعتباره القوة الكبرى المهيمنة، ومارسوا عملية مسخ المسيحيين والمندائيين واليهود العرب، الذين كانوا محسوبين ثقافيا على بيزنطة، من اجل اقامة فن ديني اسلامي صرف، حتى ان العديد من المؤرخين اقحم اسماء لفنانين مسيحيين وأراميين مندائيين ويهود عنوة في الفن الاسلامي مع ان أعمالهم تحمل توقيعات اسمائهم الصريحة التي تدل على انتساباتهم غير الاسلامية، مثل قرة بن قميطا الحراني، وهو فنان ارامي مندائي، والفنان ابو نصر النصراني، ويوحنا الراهب، وابو يوسف بهنام بن يوسف الموصلي، ودليل بن يعقوب النصراني وعشرات غيرهم. نصل الى نتيجة انه لا يوجد فن تصوير اسلامي خاص او فن تشيع فيه رموز دينية خاصة محددة."

في العمارة

يشير الكتاب الى دور العرب في تحديد ملامح فن العمارة في صقلية في أكثر من موقع، ولا يغفل مسألة تكييف اشكال وتصاميم العمارة الوافدة مع المناخ وظروف الحياة الجديدة خصوصا في مراعاة شكل محدد من التقسيم في الوحدة البنائية الواحدة حسب مطلع الشمس ومغربها واتجاهات الريح للحصول على افضل توصيل أو عزل حراري وانارة كافية. ففي حديثه عن مدينتي "مارسالا" التي كانت تسمى "مرسى علي" ومدينة "اكريجينتو" في الصفحة 11 يقول : " لا تزال العديد من أحيائها وشوارعها والقاب ابنائها تحمل أسماء عربية، كما ان الزائر لاحيائها القديمة يمكنه مشاهدة بيوتها القديمة ذات التصميم الشرقي الذي يعتمد على باحة الدار التي لايحدها سقف والتي عادة ما تتوسطها نافورة مياه، وتتوزع الغرف على الجوانب الأربعة."
و يرى الكتاب أن تأثيرات فن عمارة الفترة العربية لم ينتهِ بنهاية الدولة العربية ولا حتى بانعدام وجود العرب في صقلية انما استمر تأثيره للفترة اللاحقة ولا تزال ثمة شواخص تدل على تأثيراته قائمة حتى الآن ليس في ايطاليا فحسب بل أيضا في فرنسا وانكلترا إذ يشير "تجاوز تأثير العمارة العربية في صقلية والاندلس مجرد التأثير على العمارة في اسبانيا وايطاليا الى دول أوربية أخرى مثل فرنسا وبريطانيا حتى ان باب كنيسة بوي (BUY) بفرنسا تكسوه كتابات عربية واضحة. وفي بريطانيا توجد أمثلة نادرة من الزخارف العربية، ظهرت هذه الزخارف بكل وضوح في كنيسة نورثمبتن (Northampton)، وفي غيرها من الكنائس والحصون" ص. 178
و يواصل: " كما انه لا يزال، إلى يومنا هذا، العديد من البناءات المعمارية المنتشرة في اوروبا مأخوذ بتلك الرياح العربية التي يشاهدها المرء ليس في البناء المعماري وحده وانما ايضا في مئات الكلمات العربية التي تطعم العامية الإيطالية الصقلية، في المقاهي المنتشرة في كل مكان، وهي تصخب بلعب الدومينو والدامة، وفي الآيات القرآنية المجيدة المخطوطة على أبواب وجدران جوامعها القديمة التي تحولت إلى كاتدرائيات وكنائس..... " 14

النمط الفكري الذي حدد طابع العمارة

بوسع القارئ أن يعود إلى الفصل الرصين والشيق عن خصائص العمارة العربية في صقلية وأتمنى عليه أن يعود إلى الإشارات القيمة الواردة عن النسق الفكري الذي يُهدي الى القيم الجمالية والابداعية كما ورد في الصفحتين 172 ـ 173: "كل عمل فني ينظر اليه نظرة اخلاقية على اعتباره صورة للفضيلة، تستدعي استبصار ما هو سامي. فالعمل الفني عبارة عن مفتاح او مدخل لادراك حقائق اسمى، يقول الغزالي ( فمن رأى... حسن نقش النقاش وبناء البناء انكشف له من هذه الافعال صفاتها الجميلة الباطنة التي يرجع حاملها عند البحث الى العلم والقدرة). ويقول ايضا (ان الجمال ينقسم الى جمال الصورة الظاهرة المدركة بعين الرأس والى جمال الصورة الباطنة المدركة بعين القلب ونور البصيرة).
الفنون التشكيلية العربية في صقلية
اهتم الكاتب بتفاصيل طرق الرسم للمدارس المختلفة التي شاعت في صقلية ومثلت تأثرا بمختلف المدارس فتحدث عن كيفية رسم الوجه البشري والفرق بين الرسوم التي تمثل الذكر والانثى وطريقة رسم الجسد وطريق رسم العيون والانف والجسد البشري.
يشير في هذا الفصل الى أن العرب استوعبوا ثقافات الامم المغلوبة وهضموها ووظفوها :" وكلنا يعرف بان إسهام العرب خلال القرون الثلاثة الاولى من ظهور الاسلام كان اسهاما متواضعا. وحين رغبت الارستقراطية العربية خلال القرن السابع في تزيين بيوتها بالصور الجدارية، استعانت برعايا الامم المغلوبة التي كانت لها اساليب فنية موروثة".
ففيم تتجسد الاعمال والبراعات التشكيلية؟ يجيب الكتاب: "المخطوطات والمنمنمات والرسوم الجدارية، وتزويق المخطوطات الادبية والعلمية والمهنية والمعرفية، اضافة الى الكتابات العربية سواء منها القرآنية او التذكارية او الجنائزية والتي كانت تسجل على العمائر الدينية والمدنية والحربية والمنشآت الخاصة بتنظيم وسائل الري من قناطر وسدود، وعلى المخطوطات والفنون الزخرفية من تحف زجاجية وخزفية وخشبية واحجار وشواهد قبور، وعلى المشكاوات الزجاجية المزخرفة بالميناء والمموهة بالذهب، الى جانب المصنوعات من النحاس الاصفر أو البرونز المطعّم بالنحاس، وتلك المطعمة بالفضة والذهب، والحفر على العاج والمرمر، والملابس والمنسوجات بجميع تفاصيلها وألوانها وموضاتها، وفن الايقونات، وفنون صناعة السجاد والبسط، والمشغولات المعدنية، وأيضا المسكوكات العربية" ص. 58
ثم بسبب تزاوجه مع فنون اوربا هناك واكتسابه ملامح جديدة يرى الكاتب أن يطلق عليه اسم فن عربي مهجن ثم يشخص ملامحه بـ " تميز الفن العربي المهجن الجديد، الذي احتضنه النورمانديون بالرهافة والرقة الى حد اكسبه نبض الحركة والحياة، واصبح ظاهرة تجديدية وإبداعية بامكان اي منّا ان يستشف من ذلك الانجاز الاصيل مناخات التجديد والابداع للفنان العربي الصقلي." ص. 69
وفي حديثة عن المدارس الفنية يشير "ان اول المعابر التصويرية تَمَثّل بالمخطوطات العربية المزوّقة بالصور الملوّنة والتي ترجع في اغلبها الى المدرسة البغدادية التي اتخذت اسماء متعددة، مثل مدرسة مابين النهرين، ومدرسة بغداد، والمدرسة العباسية، والمدرسة السلجوقية، اثناء الخلافة العباسية، كما ان الشخوص فيها يحملون سمات عربية في الوجوه والملابس التي يرتدونها، فقد زركشت حوافيها واردانها بزخارف نباتية وهندسية متكررة وبكتابات اغلبها من الخط الكوفي، كما انها تمتاز بالابتعاد عن الواقعية حتى لا تتعارض مع الموقف الديني من التصوير."
حقق الحرف العربي و الكتابة العربية شهرة على اعتبارها وحدات تكوينية جميلة تشكيليا. وبغض النظر عن المحتوى أو الدلالة اللغوية، اهتم المشاهد الأوربي ولا يزال بشكل الكتابة العربية سواء كحرف مفرد ذي شكل رشيق أو كجمل طويلة ذات تناغم وايقاع تشغل حيزا مكانيا وبصريا. والكتاب يتعرض لهذا الاتجاه في الرسم منذ ذلك الحين فيقول : "استخدم الفنان العربي الصقلي، اسوة بالعديد من زملائه في الاندلس وبغداد ودمشق، طرقا متعددة لتنفيذ الكتابات بالخط الكوفي على الاثار العربية، فقد استخدم طريقة الحفر الغائر او البارز على الاحجار والاخشاب والمعادن كما يتضح في الاشرطة الكتابية في الاثار المنتشرة في ابنية العديد من المنازل القديمة، ص. 85
و قد دفع هذا بالكثير من الاوربيين إلى اقتباس الخط العربي دون معرفة مضمونه. وقد ذكر المؤرخ كريستي دليلين على اعجاب الاوروبيين بالزخارف الخطية العربية مع جهلهم بمعناها، و يورد الكتاب أمثلة على ذلك، صليب ايرلندي مطلي بالبرونز البراق يرجع عهده الى القرن التاسع الميلادي، وكتبت في وسطه عبارة البسملة بالخط الكوفي ص. 86
من ذلك كتابة عربية حول رأس السيد المسيح المصور فوق الابواب التي انشأها البابا ايوجينيوس الرابع (1431- 1447) في كنيسة القديس بطرس بروما، وخطوط اخرى متعددة على قميص القديس بطرس والقديس بولس، كما نجد كتابات ليس لها معنى حقيقي، او تكرار لكلمات مألوفة تعبر عن التمنيات الطيبة مثل العز، النصر، ليبعد الفنان عنه صفة الالتزام الديني بقدر انتمائه العربي، وان ما يقدمه هو أمثلة دنيوية وليست دينية، اي لم يكن القصد منها ان تكون عنصرا دينيا اساسيا بالضرورة.

شعراء صقلية العرب

هذا الفصل هو واحد من امتع الفصول. يقدم لنا الكاتب خصائص الشعر العربي في صقلية وتأثيرات نعومة العيش والرفاهية وكذلك اشعار الحنين والافتقاد لمن غادرها من الشعراء. ويورد امثلة تغطي العديد من الصفحات لقصائد العديد من شعراء صقلية يمكن للقارئ ان يعود لها.
و لا يهمل تحليل ما طبع عليه شعراء صقلية و تأثيرات البيئة الجديدة عليهم، يقول : " كان الشاعر الصقلي يمتلك تطلعا حضاريا مماثلا لما كان يمتلكه زميله الشاعر العباسي، فهو لم يرتبط بزمن محدد، او يسجن في اللحظات الراهنة، كان يشعر انه لابد ان يسبق الحاضر، أعني يتصور الحاضر من قبل ان يقع، او يعمل على حضوره من قبل ان يحضر" ص. 107
و يستمر ...."يكشف هذا النوع من الابداع اصالة صقلية فيما ابتكرته وابدعته كاسهام رائع في تاريخ الادب العربي والحضارة الانسانية فالتقنيات التعبيرية، المرتبطة بنمط تعامل الشاعر مع اللغة وتحريكه لها، قد دشنت اساليب جديدة، واضافت عنصرا جديدا في فقه اللغة وعلوم الاجناس والانسان، كما انها وفي الوقت نفسه، عبدت الطريق امام ظهور دراسات استشراقية لاحقة اهتمت بالمخطوطات الاسلامية والتراث الشرقي عامة".
النماذج الشعرية التي قدمها الكتاب تتيح للقارئ أن يخرج بانطباع عن الخصائص المميزة لشعراء صقلية وخصائص التحديث في الغرض الشعري والبنية اللغوية كما و في سلاسة اللغة، ومن السهل ملاحظة الطابع العام للقصائد الذي تميز بالحنين والم الفراق، خصوصا وأن حكم العرب للجزيرة لم يدم طويلا واعترى تاريخها الكثير من الصراعات وعدم الاستقرار ما دفع بالكثير من الشعراء الى مغادرتها.
يتعرض الكتاب الى فنون أخرى مثل الطرب والموسيقى وكذلك صناعة المنسوجات التي هي تجسيد لقيمة استعمالية وجمالية، كما يتطرق الى اسماء الانواع المختلفة منها وكيف انها سميت على اسم المدينة التي نشأت فيها.

خلاصة
لا تستطيع هذه المقدمة ان تحيط بالكتاب، إنما هي، و كما ينبغي لها أن تكون، تمهيد لقراءته، مهمتها الأساسية تقديم انطباع عام عما ورد فيه. وكما ذكرت في صدر هذه المقدمة يحمل لنا الكتاب الكثير من المعارف والتحليلات وإقرارا من الآخر بعظم الاثار الفنية والثقافية التي تركها العرب في هذه الجزيرة رغم قصر فترة حكمهم.
ورغم ان تقييم الدور الثقافي لأمة ما لم يكن موضوعيا دائما وتأثر للأسف بالصراعات السياسية والعداء والكراهية، إلا اننا نلاحظ ان الحكم الموضوعي يشق طريقه بين ثنايا الكتاب والأهم إنه يرد من كتاب اوربيين وجدوا أن الامانة العلمية تلزمهم ببذل الجهود لتتبع الدور الذي لعبته امم أخرى في ثقافتهم. هذا الأمر يساعد على تأسيس خطاب للتقارب والتفاهم المشترك يكتسب اهمية قصوى في هذا الزمن المضطرب الذي تميز بتصاعد نبرة العداء والصراع والتطرف والعنصرية.
بذل المؤلف جهودا كبيرة في تتبع مصادر معلوماته مستفيدا من ذخيرته المعرفية واللغوية واورد في نهاية كل فصل المصادر التي اعتمدها ما يفيد القارئ الراغب بالاستفادة أو التحقق. ويلعب الكتاب والخطاب المنفتح الذي ساده دورا في تعزيز التفاهم المشترك.

الدخول للتعليق

مسابقة المقالة

كمن ينتظرُ موسمَ الحصادِ في حقـلٍ لا زرعَ فيه - فاروق عبد الجبار - 8.6%
مكانة المرأة في الديانة المندائية- إلهام زكي خابط - 3.3%
الدلالة الرمزية في قصص ( امراة على ضفاف المتوسط ) للقاص نعيم عيَال نصَار - عزيز عربي ساجت - 0%
رجال الدين المندائيين بين الاعداد التقليدي والتحديات المعاصرة - الدكتور كارم ورد عنبر - 85.3%
الإباحية في الفن الروائي والقصصي - هيثم نافل والي - 2.5%

Total votes: 360
The voting for this poll has ended on: تموز/يوليو 15, 2014