الإثنين, 05 كانون1/ديسمبر 2016 20:56

الموطن الأصلي لديانة الصابئة المندائيين

 

ربما كان البحث في أصول ديانة قديمة يشوب تأريخها ونشأتها الغموض والسرية وتنحسر عنها المصادر التأريخية والدينية، ناهيك عن صعوبة القراءة والأطلاع على الكتب الروحية المقدسة لأتباع تلك الديانة والبحث في نصوصها لكونها دونت بلغة قديمة غير متداولة اليوم، ان الكتابة والبحث عن أصول وتأريخ ديانة كهذه هو أشبه ما يكون بالسير على أرض جليدية بأقدام عارية، فالأسترسال في المسير من ناحية قد يؤدي الى الأنزلاق والسقوط في متاهات الجليد، ومن ناحية اخرى فأن التوقف في منتصف الطريق فوق ارض متجمدة يؤدي حتما الى الأكتواء ببرودة تلك الأرض. ولكن في كل الأحوال فان كل خطوة اذا لم تؤدِ الى الهدف فأنها حتما ستؤدي الى الخطوة التالية.
ان جذور وأصول ديانة الصابئة المندائيين غير معروفة على وجه الدقة ويشوبها الغموض، ولعل السبب في ذلك هو قدمها وانعزال أتباعها وانغلاقهم الديني الشديد نتيجة تعرضهم لأضطهادات ومضايقات متواصلة على مر تأريخهم الطويل، وقد أدى ذلك التشتت والهجرات والأزمات المستمرة إلى ضياع الكثير من الوثائق والمدونات التي سجلت مسيرتهم عبر التاريخ ووثقت نمط حياتهم وفكرهم ومعتقداتهم. وما بقي منها لا يعدو كونه وثائق معدودة ونادرة، وقد تكون طالتها يد التشويه والتحريف. لهذا لايمكن للدارسين والمتخصصين أن يرسموا من خلالها صورة متكاملة لمسيرة هذه الديانة القديمة وأن يحددوا فترة ظهورها وانتشارها على وجه اليقين، فهنالك حتما جوانب هامة ومراحل طويلة اختفت تحت غبار المجهول .

أصل تسمية الصابئة
اُشتقت كلمة (صابئة) من الفعل (صَبأ) أو (صَبَغ) كما تلفظ اليوم، وهي كلمة مندائية آرامية تعني انغمر في الماء أو تعمّد، وكلمة الصابئة تعني الصابغة أو المتعمدون بالماء. وأُطلقت هذه التسمية على أتباع هذه الديانة بسبب ممارستهم التعميد الذي يعتبر طقسا أساسيا ورئيسيا من طقوسهم الدينية. فهم يقولون نحن الصابئة، أي الصابغة (اذ لاوجود لحرف الغين في اللغة المندائية)، ولا علاقة لهذه الكلمة بكلمة (صبأ) العربية التي تعني خروج الفرد من ديانة أسلافه الى ديانة اخرى موحدة. أما كلمة (مندائي) المقترنة بهم أيضا فهي مشتقة من كلمة (مندا) الأرامية والتي تعني المعرفة أو العلم. والمعرفة المقصودة هنا هي المعرفة اللاهوتية التي تتمحور حول الخالق وطبيعته وصفاته.
الصابئة المندائيون اليوم هم جزء من سكان وادي الرافدين، يشكلون أقلية دينية بين الأقوام والطوائف الأخرى التي يتكون منها شعب هذا الوادي العريق. ذكرتهم بعض كتب التأريخ ووصفتهم بانهم فئة أو طائفة دينية سكن معظم أتباعها، خلال القرون الماضية، القسم الجنوبي من وادي الرافدين. كما تشير الوثائق التأريخية واللقى الآثاريه ان بعضا منهم سكن جبال ميديا وسفوح جبال بشت كاوة شمالي العراق، واضافة الى وادي الرافدين فقد سكن الصابئة قديما اماكن اخرى كفلسطين (أورشليم تحديدا) ومدينة حاران شمال شرقي سوريا، كما اِستوطنوا قديما وحديثا الجزء الجنوبي الغربي من ايران. ويتميز أتباع هذه الديانة بأرتداء الأردية البيضاء وهي لباسهم الديني، ويتخذون من التعميد طقسا أساسيا، والصابئة يفضلون السكن على ضفاف الأنهار بسبب حاجتهم الدائمة الى الماء الجاري المتجدد لأجراء طقوسهم.
لم يختلف الباحثون والمختصون في الأديان في أمر طائفة دينية معينة مثلما اِختلفوا وحاروا في أمر الصابئة المندائيين وديانتهم، وسبب ذلك الأختلاف هو الجهل بحقيقة الأمور، اذ لم يكن لديهم ما يعينهم على معرفة أسرار هذه الديانة وبواطنها وكان لذلك الجهل اسبابه، فأضافة لما ذكر سابقا من قبيل تكتم أبناء هذه الديانة وقلة المصادر التي تتحدث عنهم وصعوبة لغتهم (اللغة المندائية) واندثارها، فهنالك أسباب آخرى مهمة منها، التقارب والتشابه (من ناحية بعض تعاليمها وطقوسها) بينها وبين ديانات اخرى كالمسيحية واليهودية، اضافة الى التقائها الفكري مع تيارات دينية غنوصية كانت معاصرة لها كالأسينيين والمانويين والزرادشتيين والحسح والمعمدانيين والقمرانيين والكسائيين والنوصيرم وغيرهم، سيما وان معظم هذه الطوائف اِستوطنت وادي الرافدين وبلاد الشام أيضا. فطوال فترة القرنين السابقين لظهور المسيح والقرنين اللاحقين له كانت منطقة الشرق الأوسط نقطة ولادة وانطلاق للكثير من الحركات الفكرية والمعتقدات والأديان، نتيجة اِختلاط وتمازج الثقافات والشعوب والأفكار واللغات مع بعضها وتعايشها في رقعة جغرافية واحدة.

كما ان اختلاط المسميات على الباحثين أوقعهم في حال من التشويش والضبابية اِنعدمت معها رؤية صورة الحقيقة كاملة، وادى ذلك الى الخلط والى القصور في التحليل فذهبت نتائج الأبحاث بعيدا عن الصابئة المندائيين بدلا من الاقتراب منهم. والصابئة المندائيون في حقيقتهم ساميون شأنهم في ذلك شأن العبرانيين والبابليين والكلدان والآشوريين والعرب والآراميين وغيرهم، وموطن هذه الأقوام جميعها هو وادي الرافدين والجزيرة العربية وبلاد الشام، لكن الباحثين أرادوا الغوص في عمق التأريخ المندائي في محاولة للوصول الى الجذور الحقيقية لهذه الديانة واكتشاف موطنها الأصلي ومنابعها الأولى على وجه التحديد.

ولابد هنا من الأشارة الى ان الكتابين المقدسين، العهد القديم (التوراة) والعهد الجديد (الأنجيل) اللذين يحتويان التاريخ الروحي والمادي للعالم القديم، لم يرد فيهما أي ذكر للصابئة المندائيين، لا كديانة ولا كأتباع، فهل كان تجاهلها كتحصيل حاصل لأنعزال أتباع هذه الديانة وتكتمهم الشديد، ام انها ذُكرت تحت مسمى آخر نجهله؟ واِن كانت ذُكرت تحت مسمى آخر فما سبب زوال تلك التسمية؟ لقد توسع الباحثون الغربيون في البحث عن الموطن الأصلي للصابئة منطلقين من مناهج بحثية حديثة اعتمد بعضها على قرائن في الجانب التأريخي وبعضها الآخر اعتمد على معطيات في الجوانب الجغرافية واللغوية والدينية (المعتقد والطقوس)، وكانت أغلب القرائن تشير الى وجود الصابئة منذ القدم على أرض وادي الرافدين وان ديانتهم انبعثت من هناك وأثرت بمحيطها من النواحي اللغوية والميثولوجية كما أثرت في الجوانب الفكرية والروحية للحضارات التي نشأت وقامت على تلك الأرض.

ففي النصوص الدينية والتراث الأدبي لهذه الطائفة يلاحظ وجود العديد من المفردات والمصطلحات وأسماء الأماكن ذات الصلة بوادي الرافدين، فقد وردت الكثير من المصطلحات والمسميات العراقية في كتابهم المقدس، الكنز العظيم او الكبير (كنزا ربا) والكتب الاخرى، منها على سبيل المثال ذكر لمدينة أور وبابل والطيب والجنائن المعلقة ودجلة والفرات والنخلة والتمر والسبي البابلي وجنة عدن وغيرها الكثير، كذلك وجود أسماء عراقية شرقية قديمة للذكور والأناث، كل ذلك يشير الى ان موطنهم الأصلي هو بلاد وادي الرافدين. ومن الدلائل الأخرى لأثبات الأصل الرافديني للصابئة المندائيين هو وجود الكثير من مفردات لغتهم -اللغة المندائية- ضمن مفردات اللهجة العراقية الدارجة، وهي دليل على التعايش المشترك والطويل لهذه الطائفة على ارض الرافدين، أي عمق وجودها الزمني هناك. وهذه الناحية ربما تشير الى كونهم كانوا كثرة في العدد وليسوا اقلية منعزلة، فالأقلية لا يمكن ان تؤثر في ثقافة الأغلبية، بل الأغلبية هي التي تؤثر في ثقافة وحياة الأقلية، ومعنى ان الصابئة المندائيين كانوا أغلبية يعني بالنتيجة ان وجودهم قديم وسابق للقوميات والطوائف والشعوب التي سكنت البلاد والتي انقرض بعضها كالسومريين والأكديين والبابليين والحضر، كما ذاب بعضها الآخر في العنصر العربي العراقي كالهنود والفرس وغيرهم.

المعروف أيضا ان ديانات قديمة كالسومرية والبابلية والزرادشتية والمانوية قد أستمدت بعض تعاليمها وأفكارها من الديانة المندائية خصوصا على صعيد الفكر الميثولوجي الخاص بأصل الخلق والتكوين والعالم الآخر والعقاب والثواب وغير ذلك، فديانة الصابئة المندائيين وكما يعلم الجميع هي واحدة من أقدم الأديان التوحيدية نشوءا، وبما ان الديانات التي تأثرت بها نشأت قبل الميلاد بفترة طويلة، اذن فالديانة المندائية سابقة الوجود في وادي الرافدين وقبل نشوء هذه الديانات بكثير. كما ان لغة الصابئة – اللغة المندائية - هي اللغة الوحيدة من بين اللغات العديدة الخارجة من ثوب الآرامية التي لها صلة وثيقة باللغة الأكدية، لغة أهل العراق القديم، وهذا دليل معايشة اللغتين في رقعة جغرافية واحدة هي وادي الرافدين.

نشرت في تاريخ
الإثنين, 24 تشرين1/أكتوير 2016 21:19

استذكارٌ لعالم آثار مَنسي

في مطلع التسعينات من القرن الماضي، ولم يكن قد مضى على عملي كمنقب آثار في الهيئة العامة للآثار والتراث سوى بضعة أشهر، حدث أن جاء يوماً أحد الزملاء الى قسم التنقيبات والتحريات الاثرية حيث كنت أعمل، ليبلغ منتسبي القسم (جاء عمو علي).. فما كان من الجميع ألا أن تركوا ما بأيدهم مسرعين الى حيث يتواجد الرجل للترحيب به... بعد قليل وبدافع من الفضول سرت بخطى بطيئة للغرفة التي التقى فيها الزملاء بالضيف المجهول (عمو علي)... عند بابها وقفت أتطلع بالرجل الجالس مُحاطاً بالجميع، وهم يصغون بصمت مُطبق لكلامه كما لو كان أب يروي قصة ً مشوقة لأبنائه، فتراهم يريدون اقتناص كل كلمة يقولها. كان قد تعدى الثمانين من العمر، بسيط الملبس أنيقه.. يجلس بوقارٍ لطيف.. لم تستطع سنين الدهر التي سلبته الصحة وسواد الشعر من أن تسرق أبتسامته الطفولية الجميلة الملازمة لكلامه وحدّة ذكائه الواضحة من عينيه رغم ضعف بصرهما. بقيت بوقفتي هذه عدة دقائق مُمعناً النظر في الرجل حائراً مُحاولاً تحديد هويته، حتى أنتبه هو لوقوفي مُدركاً عدم معرفتي له، فسأل الزملاء كأنه يعرف جميع العاملين في الهيئة (الأخ جديد هنا؟)، بعد أجابتهم بالايجاب دعاني الى مشاركتهم الجلسة ماداً يده لمصافحتي والابتسامة تأبى أن تفارقه، فبادر أحد الزملاء ليزيل حيرتي، أستاذنا (محمد علي مصطفى). ما أن تفوه هذا الاسم حتى عقدت المفاجأة لساني... (أذن هذا هو العالم الكبير الذي طالما درسنا على مدى سنين الدراسة الجامعية أبحاثه واكتشافاته الأثرية وأساليبه المميزة الرائعة في علم التنقيب، والذي كان منذ ثلاثينات القرن الماضي أحد أهم ركائز وأعمدة علم الآثار في العراق ومن أوائل مشيدي ومطوري مؤسسته العلمية)... بعد أنضمامي للجلسة تابعت مع الباقين الأصغاء لحديثه المشوّق ذو الكلمات المعبرة المنتقاة، الذي غلب عليه ذكريات عمله الجميلة المضنية على مدى عقود عديدة مع آثار الوطن متنقلاً من (أريدو) الى (واسط) ثم (سامراء) و(الحَضر) التي أسهب بالحديث عنها، وغيرها من مواقع ومدن أرض الرافدين التي أفنى زهرة شبابه بين روابيها وتلولها الأثرية... ولعل أكثر ما يشّد المقابل لهذه الشخصية أضافة لعلمه وجمال كلامه هو شدة تواضعه وبساطته المتناهية، هذه الصفة التي كانت على مدار الزمن أجمل ميزات العلماء والمفكرين... لم يستمر اللقاء أكثر من ساعة حيث غادَرنا هذا العالم الجليل متعللأ بصحته المُتعبة. لكن على الرغم من قصر اللقاء والذي كان الأول والأخير لي معه ألا أنه كان كافياً ليكمل الصورة التي كنت قد رسمتها عنه في مخيلتي من خلال قراءتي لمؤلفاته وبحوثه العلمية واكتشافاته الأثرية الكبيرة ، كذلك ما قاله عنه أساتذتنا الجامعيين ومنقبي الآثار الذين عملوا معه وتتلمذوا على يديه.. كل ذلك جعلني أتأثر به الى حدٍ بعيد حتى دون أن التقيه، لأجعل منه مثلاً أعلى وقدوة أتعلم منها في مسيرة حياتي الآثارية..... بعد سنوات من هذا اللقاء سمعنا عن سوء حالته الصحية وتدهورها، ليردنا فيما بعد خبر وفاته في خريف عام 1997 بعد حياة حافلة بالانجازات العلمية.. عانى ما عانى خلالها من ظروف قاسية أحاطت به.. لم يتزوج طيلة حياته ولم يكوّن أسرة ناذراً نفسه لعلمه ومهنته التي عشقها منذ شبابه (الآثار)، ولم يتبقى له من عائلة في هذه الحياة سوى أبنة أخٍ وحيدة كفلت رعايته في شيخوخته.. عاش بسيطاً ومات بسيطاً.. كان يبتعد عن كل وسائل الأعلام فلم تجد له على الأطلاق أية لقاء أو حديث عبر صحيفة أو محطة اذاعية وتلفازية، أو حتى صورة ولو عابرة له، مفضلاً العزلة والعيش منزوياً عن الاضواء ليعمل بهدوء ونكران ذات قلّ نظيره في هذه الدنيا. كره أن ينادى بلقب (أستاذ) رغم حصوله على درجة (بروفيسور) ولم ينادى في المحافل العلمية العالمية أو يُذكر أسمه في مؤلفات الآثاريين الأجانب ألا (بروفيسور علي)، بل يفضل بدلاً عنه كما سبق ذلك اللقب المُحبب الى قلبه (عمو علي) كونه الكنية التي كان ينادوه بها عمال التنقيب.. يعتبر أقدم الآثاريين العراقيين وأجّلهم سمعة دولية حتى عُرف لدى الجميع ب(شيخ الآثاريين).. فاق بعلمه وانجازاته ومعرفته الآثارية بمراحل عديدة أقرانه من العلماء الذين زاملوه في المهنة. أضافة الى أنه كان مُرشداً وموجهاً ومُعلماً للعديد من علماء الآثار من مختلف دول العالم مثل بريطانيا وأمريكا وفرنسا الذين تدربوا على يديه، وهؤلاء تحدثوا باسهاب عن هذا العالم في معظم مؤلفاتهم واستشهدوا بأنجازاته الكبيرة، أضافة الى العشرات من الكوادر الآثارية العراقية التي تدربت على يدييه وكسبت خبرة كبيرة منه في مجال التنقيب والمسح الأثري والصيانة الأثرية.... لكن المفارقة المؤلمة جداً هي انه رغم كل هذا وما كان قد أنجزه هذا العالم الكبير على مدى سنين طويلة من الزمن إلا أنه يكاد لا يعرفه أحد غير المختصين بحقل الآثار أو من واكبوا حقبتي الثلاثينات والأربعينات وما بعدها من القرن الماضي، أما جيل الشباب فمن المؤكد أنهم لم يسمعوا حتى باسمه... ولأجل ذلك وكجزء من الوفاء، دعيت قلمي لاستذكار هذه الشخصية الفذة..... فمن هو (محمد علي مصطفى) أو (عمو علي)....

- ولد عالم الآثار (محمد علي مصطفى) في بغداد بتارخ 28 - 11- 1911 .... وأكمل دراسته الابتدائية والثانوية فيها.... درس الهندسة المدنية ليحصل على أجازتها عام 1935. في عام 1936 عيّن في مديرية الآثار العامة (كما كانت تسمى حينها).

- عمل في التنقيب الأثري في مختلف المواقع لمختلف الفترات التاريخية... حيث بدأ عمله عام 1936 حتى عام 1938 ممثلا ً عن مديرية الآثار العامة لدى البعثة الأمريكية لجامعة بنسلفانيا في كلا ًمن موقعي (تبة كًورا) و(تل بلا) في شمال العراق الذين يعودان لعصور ما قبل التاريخ. للفترة 1938_ 1940 ترأس هيئة التنقيب في مدينة (واسط)، ليكشف خلال تلك التنقيبات عن عيوب بنائية في جامع (الحجّاج) فيما يتعلق بأتجاه القِبلة. كما ترأس الهيئات التنقيبية في موقعي (الدير) و(العقير) في جنوب العراق للفترة من 1940 - 1942 اللذان يعودان للحقبة السومرية، كما أجرى التنقيبات الأثرية في موقع (حسونة) في شمال العراق للفترة 1943- 1944 الذي يعود لفترة العصر الحجري الحديث. وخلال السنوات 1944- 1949 قام بتنقيبات واسعة في مدينة (أريدو) وكشف عن أهم الأبنية والطبقات الأثرية فيها، كما قام خلالها بواحدة من أعظم عمليات التنقيب في العراق، حيث كشف بمساعدة زميله عالم الآثار الراحل (فؤاد سفر) بأسلوب التنقيب المُدرّج، وهو أسلوب صعب ومعقد جداً عن ثمانية عشر معبداً متسلسلاً عند طرف زقورة المدينة تمتد فترتها الزمنية من 4500 - 2100ق.م. وترأس للفترة ما بين 1950- 1956 أعمال التنقيب والصيانة الأثرية في مدن (سامراء) و(نفر) و(الكوفة). بعد عام 1957 وحتى مطلع الستينات قام بأعمال التنقيب والصيانة الأثرية في مدينة (الحَضر) حيث كشف الكثير من معالمها ليضع كذلك التصاميم والمخططات الهندسية لإعادة ترميم أبنيتها.

- في مطلع الستينات من القرن الماضي، أنيطت به مهمة الأشراف العام على كافة التنقيبات الأثرية في العراق.... وكان من بين أهم الأعمال التي أنجزها خلال هذه الفترة أشرافه المباشر على التنقيبات التي اجراها عام 1967 وما بعدها (د. بهنام أبو الصوف) في (تل الصوان) قرب سامراء، والذي يعود لفترة العصر الحجري الحديث. وبقى في منصبه هذا حتى آخر أيامه الوظيفية.

-أحيل على التقاعد عام 1973 بعد مسيرة حافلة بالعطاء... لكنه أستمر بأبداء النصح والمشورة للباحثين والآثاريين العراقيين والأجانب، خاصة في مشاريع التنقيبات الأنقاذية الكبيرة في أحواض (حمرين) و(الموصل) و(حديثة) خلال سبعينات و ثمانينات القرن الماضي.

- نشر مئات البحوث والمقالات الآثارية وتقارير التنقيبات في مجلة (سومر) التي تصدرها الهيئة العامة الآثار والتراث، وكذلك في مجلات وموسوعات الآثار العالمية وبمختلف اللغات.. كما الف مع العالم الراحل (فؤاد سفر) كتاب (الحضر مدينة الشمس)، وكتاب (أريدو) باللغة الانكليزية .. كما قدم للطبع العديد من الكتب لكنها للأسف لم ترى النور، مثل (تطور المعابد و البيوت الخاصة بين الألفين السادس والثالث ق.م) و(عمارة مدينة الحضر) و(العمارة الاسلامية في القرون الثلاثة الأولى للهجرة).

- توفي في 10- 10- 1997

وأذ أنهي هذه السطور بحق عالم الآثار الكبير (محمد علي مصطفى) واستذكاري البسيط هذا، فأني استذكر معه جميع علماء ومفكري العراق، لاسيما المنسيين منهم، أولئك الذين طمست سيرهم الناصعة فوضى هذا الزمان، ممن رحلوا عن عالمنا وتركوا أرثاً علمياً وثقافياً ثرّاً منح وطننا سمعته وبريقه الحضاري، هؤلاء الأفذاذ الذين أفنوا حياتهم لأجل بلدهم وشعبهم والعلم الذي أبدعوا فيه، ولم يتبقى منهم شيء سوى كتابات متناثرة هنا وهناك، وشواهد قبور ضمها ثرى الوطن.. وكما قال فصدق الشاعر الفيلسوف (عمر الخيام)...

يا ثرى كم فيك من جَوهر ٍ .... يَبين لو يُنبش هذا التراب

نشرت في تاريخ
الأحد, 09 تشرين1/أكتوير 2016 18:12

نساء من الفرات ومن النيل

((ما أنتِ إلا مَوقد سرعان ما تُخمد ناره في البرد
أنتِ بابٌ لا ينفع في صدِّ الرياح العاصفة
أنتِ قصرٌ يتحطم بداخله الأبطال
بئر تبتلع غطاءها
أنت حفنةُ قيرٍ تلوِّث حاملَها وقربةُ ماء تبلِّل صاحبها...
أنتِ حذاء تقرص قدم منتعلها...))
هكذا خاطب (حمورابي) بمسلته الشهيرة الآلهة (عشتار) التي كانت تمثل الخصب والحرب في بابل القديمة وتجمع بين الأغواء والإغراء والقوة والدم.
تتخذ الحضارات العظيمة رموزاً لأشد ما يؤثر في مجتمعاتها، الحرب والجنس، وكما هي (عشتار) آلهة الحب والجمال في الحياة، والتضحية والفداء في الحرب لدى البابليين، كذلك الآلهة (إنانا) لدى السومريين و(عشاروت) الفينيقية و(أفروديت) اليونانية و(فينوس) الرومانية.
وقد تغنى بحب (عشتار) الشعراء وتفنن برسمها الفنانون والنحاتون وتعدد تصويرها وهي تأخذ من النجمة المنتصبة على ظهر أسد وبيدها باقة من الزهور رمزاً لها أو أن تكون على هيئة امرأة عارية تركب وحوشاً لتسيطر على العالم وتحكمه وقد صوروها على أنها فتاة ذات جمال باهر تدور بحثاً عن ضحايا فكان يمكنها الوصول إلى ملوك الأرض فتعدهم بالزواج وتأخذ كل ما يملكون ثم تتركهم يبكونها ليلاً ونهاراً.
لكن وكما هو (حمورابي) ينعتها بمسلته، نجد أن الكتاب المقدس يؤكد ذلك ويقول في سفر الرؤيا أنها... (الزانية الجالسة على المياه بيدها كأسٌ ذهبية فأسكرت ملوك الأرض، على جبهتها مكتوب سر بابل العظيمة...).
صوّرها البابليون طوراً مع حبيبها الإله (تموز) بالنجمة والوردة والقمر كي ترمز للأنوثة والخصوبة وأستمرارية الحياة، وطوراً آخراً تمتطي أسداً كرمز للقوة أو تحمل الأفعى كرمز للشفاء. معبدها الرئيسي كان في نينوى، أبيها الإله (سين) إله القمر وأمها الآلهة (ننكال) وأخوها (أوتو) إله الشمس وأختها (ارشكيجالآ) آلهة العالم السفلي عالم الأموات أعظم الآلهات وأسماهن منزلة بمدينة أوروك (الوركاء) عاصمة بلاد سومر التي كانت تعد أهمّ المراكز الدينيّة والحضاريّة وقد لعبت دورا هاماً في ملحمة (جلجامش).
تقول الأسطورة أن راعي أغنام رأى (عشتار) فذهلهُ جمالها وأغوتهُ عيونها فقام بذبح شاة لها كي تبقى بجانبه أطول وقت، فأكلت ثم رحلت، وفي اليوم التالي ذبح لها وفي الثالث فعل نفس الشيء حتى لم يبق لدى الراعي ما يقدمه لها، وحينما سألها البقاء معه، قالت بأنه لم يعد لديه ما يغريها بالبقاء فتركته ومضت، فقام الراعي بسرقة شاة وأخذ يبحث عنها ليقدمها لها، من يومها أصبح هذا الراعي الذئب الذي يسرق الرعاة على أمل أن تعود (عشتار) لتجالسه.
وبينما تصلنا قصصاً عن الغدر والخيانة، تسرد الأسطورة السومريّة ضرباً من الوفاء، حيث أن الإلهة (اينانا) نقلت ذات يوم شجيرة من ضفاف نهر الفرات إلى مدينة الوركاء وزرعتها ببستانها المقدّس على أمل أن تنمو وتصير شجرة باسقة فتصنع من خشبها عرشاً وسريراً لها. عندما كبرت الشجرة وحان وقت قطع أغصانها اكتشفت أن أفعى قد اتخذت من أسفلها مخبأ وأن طيراً جارحاً قد بنى في أعلاها عُشّاً وأن عفريتاً استقر بوسط جذعها، فاستنجدت (اينانا) بأخيها (أوتو) إله الشمس الذي أسند المهمة إلى البطل الشجاع (جلجامش)، فجاء متسلِّحاً بدرع سميك وفأس ثقيلة أستطاع أن يقتل الأفعى، عند ذاك فرّ الطير وهرب العفريت إلى الخرائب المهجورة، فقطع (جلجامش) أغصان الشجرة وحملها هدية إلى (اينانا) لتصنع منها عرشاً وسريراً. وحينما مات حبيبها (تموز) ونزل للعالم السفلي حزنت عليه وقررت وفاءاً له النزول إليه وهي حية فتوقفت الحياةعلى الأرض وأنقطع النسل حتى عادت بأمر من السماء كي تستمر الحياة من جديد... ويعتبر هبوط (إنانا) أختيارياً للعالم السفلي أول ملحمة إنسانية في التضحية.
× × ×
(الجميلة أنتِ) هو معنى أسم الملكة (نفرتيتي) زوجة الملك (أخناتون) فرعون الأسرة الثامنة عشر حامية (توت عنخ أمون)، كانت تعد من أقوى النساء في مصر القديمة وقد ساعدت (توت عنخ أمون) على تولى المُلك. عاشت فترة قصيرة بعد وفاة زوجها، وكانت لهذه الملكة الجميلة منزلة رفيعة أثناء حكم زوجها. عاشت في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، ومثلما حدث لزوجها فقد تم محو اسمها من السجلات التاريخية كما تم تشويه صورها بعد وفاتها. أشتهرت (نفرتيتى) بالتمثال النصفى لوجهها المنحوت على قطعة من الحجر الجيرى بواحدة من أروع القطع الفنية الموجودة بمتحف برلين ويوجد تمثال آخر لرأسها بالمتحف المصري من الكوارتز الأحمر. شاركت الملكة (نفرتيتي) زوجها في عبادة إله الشمس (آتون) ليكونا الوسيط بينه وبين الشعب.
أنجبت نفرتيتي من (أخناتون) ست بنات شاركن بعبادة الإله (آتون) وكانت نفرتيتى تساند زوجها أثناء الإصلاحات الدينية والإجتماعية، ثم انتقلت معه إلى (أخيتاتون) أو تل العمارنة وظهرت معه أثناء الاحتفالات والطقوس وبالمشاهد العائلية وفي المشاهد التقليدية للحملات العسكرية التي صورتها وهى تقوم بالقضاء على الأعداء.
بعد وفاة إحدى بناتها اختفت (نفرتيتى) من البلاط الملكى وحلت إبنتها (ميريت أتون) محلها وحصلت على لقب الزوجة الملكية العظمى. لم يوجد بعد ذلك أي ذكر لها ويعتقد أنها توفيت ودفنت في مقبرة أخت (أتون) ويعتقد أيضا أن (توت عنخ آمون) قد نقل مومياءها وقد عجز علماء المصريات عن إيجاد قبرها طيلة سنوات من البحث، وبعد أكتشاف قبر (توت عنخ آمون) صار الأعتقاد بأنها ربما تكون قد دفنت سرا في داخل نفس القبو.
× × ×
ولدت (كايوباترا) أبنة بطليموس الثاني عشر العام 69 قبل الميلاد، وصفت بأنها أثرت بنشاط على السياسة الرومانية في فترة حرجة، ووصفت بأنها جاءت لتمثل النموذج الأول لرومانسية المرأة الفاتنة. كانت جميلة وساحرة على نقيض ماتبرزها الصور التي وصلت إلينا، بدليل أنها أسرت بجمالها الرجال الذين وقعوا بغرامها وتحت تأثير شخصيتها القوية وذكائها ودهائها، أنتهى نزاعها مع أخيها بطردها من بلدها مصر الذي كان بتلك الفترة مملكة تحت الحماية الرومانية. حين أقبل (يوليوس قيصر) إلى مصر وجد أن حرباً أهلية قد نشبت فيها، كانت (كليوباترا) تحاول العودة إليها، ولأنها تدرك قوة الرومان وسلطتهم، جاءت أمام يوليوس قيصر ملفوفة بسجادة لتستنجد به بتحقيق غايتها لتكون حاكماً أفضل من شقيقها، فأسرته بمفاتنها ليساعدها بالتغلب على عدوها (بطليموس) وأغراقه بنهاية معركة.
حكمت (كليوباترا) بضع سنوات، بعد مصـرع يوليوس قيص، ثم أحبها (أنطونيوس) فكلّفته علاقته الغرامية معها فقدان حظوته في روما فأنتهى أمره بالانتحار إثر هزيمة أنزله بها غريمه (أوكتافيوس)، ولما سمعت كليوباترا بالنبأ أنتحـرت هي الأخرى، وكانت وسيلة أنتحارها ثعبان كوبرا، وهي قصة نفتها بعض المصادر التي قالت بأنها ماتت حين شربت خليط من العقاقير قتلتها في الحال بينما لو كانت لدغة أفعى لتعرضت كيلوباترا لألم شديد ومعاناة لفترة طويلة قبل الوفاة.
× × ×
تحكي الأسطورة أن سيولاً عارمة أنسابت ذات يوم على نهر الفرات ففاض وتدفقت مياهه وخرجت الاسماك تستلقي على الشاطئ، زكان من بينها سمكتان بدأتا بدفع بيضة كبيرة طافية إلى ضفة النهر، واذ بحمامة بيضاء كبيرة تهبط من السماء وتحتضن البيضة بعيدا عن مجرى النهر، رقدت الحمامة على البيضة حتى فقست وخرجت طفلة رائعة الجمال أحاطتها أسراب الحمام ترفرف بأجنحتها لترد عنها حر النهار وبرد الليل.ثم بدأت الحمائم تبحث عن غذاء للطفلة، فاهتدت إلى مكان يضع فيه الرعاة ما يصنعون من جبن وحليب، فتأخذت منه ما يمكن أن تحملع بمناقيرها لتقدمه للطفلة، وحين لاحظ الرعاة ذلك راقبوا الحمائم ليهتدوا للطفلة التي تربت سعيدة لا تعرف معنى الشقاء. ما شاهدوا من جمال رائع لصبية جعلهم يحتضنوها ويسمونها بلغتهم (الحمامة) أي (سميراميس) وأخذوها إلى خيامهم، واتفقوا على أن يبيعوها يوماً بسوق (نينوى)، فذهبوا بها بيوم موسم الزواج الذي يقام كل عام حيث تجتمع في السوق الكبير جموع الشبان والشابات قادمة من كل النواحي ليختار كل شاب عروسه الشابة، أو ينتقي الرجل صبية يحملها إلى داره فيربيها كي تبلغ سن الزواج فيتزوجها أو يقدمها عروساً لأحد ابنائه. شاهدهم (سيما) مرابط خيول الملك، وكان عقيماً لا ولد له فهفا قلبله لها ورغب بتبنيها، ساوم الرعاة وعاد بها إلى منزله، ما أن رأت زوجته هذه الصبية ذات الجمال الرائع حتى فرحت فرحاً غامراً واعتنت بها وظلت ترعاها حتى كبرت واستدارت وبرزت أنوثتها كأجمل ما تكون النساء!
في يوم كان (اونس) مستشار للملك يتفقد الجمهور المحتشد واذا بعينه تقع على (سميراميس) وهي بعمر مناسب للزواج، فصعق مذهولا من جمالها وبراءتها، أخذها معه إلى (نينوى) وتزوجها هناك وصار لهما توأم هما (هيفاتة) و(هيداسغة).
كانت (سميراميس) فائقة الذكاء تقدم لزوجها النصح والمشورة في الامور الخطيرة فأصبح ناجحا بكل مساعيه. أثناء ذلك كان ملك نينوى ينضم حملة عسكرية لأحتلال مدينة (باكتريا)، فأعد جيشا ضخما لانه يدرك صعوبة المهمة. صمدت المدينة بوحهه فحاصرها الملك وشعر أنه بحاجة إلى مستشاره (اونس) فأرسل في طلبه، كان هذا الأخير لا يريد مفارقة زوجته الحبيبة (سمير أميس) فسألها مرافقته ففعلت. هناك تابعت (سميراميس) سير المعارك ودرستها بعناية ووضعت العديد من الملاحظات عن الطريقة التي يدار بها الحصار. فبينما كان القتال جاريا في السهل فقط ولم يعر المدافعين للقلعة أهمية، طلبت (سميراميس) إرسال مجموعة من الجنود المدربين على القتال في الجبال إلى المرتفع الشاهق الذي كان يحمي الموقع ففعلوا ذلك ملتفين حول خاصرة العدو المدافع فوجد الأعداء انفسهم محاصرين لا خيار لهم سوى الاستسلام.
في ثنايا هذه الأحداث صار الملك (نينوس) شديد الاعجاب بـ(سميراميس) لما ابدته من شجاعة ومهارة لحسم المعركة. منذ اللحظة اخذ الملك يتمعن في وجهها الساحر وجمالها المدهش، فادرك ان قلبه غير قادر على مقاومة سحرها فطلب أن تكون زوجته وملكته. ثم عرض على (اونس) ان يأخذ ابنته بدلا عنها، إلا أن اونس رفض ذلك مما حدا بالملك ان يهدده بقلع عينيه، وتحت وطأة الخوف واليأس استسلم لمطلب الملك لكنه انهى حياته بعد فترة من زواج (سمير أميس) من الملك. هكذا افلح الملك بالزواج من (سميراميس) وصار لهما طفلاً اسمياه (نيناس). بعد موت الملك أعتلت (سميرأميس) العرش 800 ق.م. لتكون الملكة الآشورية في نينوى عاصمة بلاد مابين النهرين، ومن بين 42 عاماً حكمت مع زوجها، كان لها بعد وفاته فقط خمسة سنوات حكماً مطلقا بدأته ببناء ضريح فخم في نينوى تمجيدا لزوجها الملك (نينوس).
و(سميراميس) ليس هي التي طلبت من الملك الأشوري (نبوخذنصر) بناء الجنائن المعلقة ببابل بل كان تلك الحدائق تلبية لرغبة زوجته الميدية.
و(سميرأميس) هو تحريف أغريقي غير صحيح للأسم الأشوري (سمورامات) زوجة الملك (شمشي أدد الخامس) ابن الملك شلمنصر الثالث وأم الملك الآشوري (أداد نيراري الثالث).
و(سمورامات) ملكة ذات شخصية قوية وذكاء حاد وجمال أخاذ جعلها تفرض سطوتها وتمسك مقاليد حكم بلاد بين النهرين طيلة عشرات السنين. وقد عثر على نقش حجري تذكاري في مدينة (آشور) تصور فيه على انها الملكة التي حكمت خلفا لزوجها المتوفى. لم تكتف هذه المرأة العظيمة بالسلطة السياسية وإدارة شؤون البلاد بل تعدتها إلى التأثير في الحياة الدينية والفكرية والاجتماعية حيث أن اصلها الجنوبي منحها بعض الخصوصيات المذهبية والثقافية فتمكنت ان تشيع المؤثرات البابلية على طريقة الحكم وعلى الكهنوت الآشوري وعلى عموم الحياة في نينوى فأضافت نوعا من الرقة والروحانية الجنوبية على المذهب الآشوري الذي كان يتسم أكثر بتقديس الفحولة المتمثل بالاله (آشور) وكذلك الميل إلى منطق القوة الحرب. وقد نجحت بابراز ادوار آلهات كانت ثانوية عند الآشوريين مثل إله الحكمة (نبو). حكمت (سمورامات) كالملوك العظام وأقامت مسلة لتخلد ذكرها في ساحة المسلات في معبد آشور، وقد سجل على هذه المسلة العبارة التالية... (مسلة سمورامات ملكة سيد القصر شمس ملك الكون ملك الجهات الاربعة...).
أمتد حكم (سمورامات) عشرات السنين وقامت بمشاريع عمرانية واسعة أهمها بناء مدينة آشور بمعابدها وقصورها الضخمة وأحاطتها بالأسوار العالية. من الاعمال الجبارة التي قامت بها هذه الملكة بناء نفق مقبب من الحجر تحت مجرى نهر دجلة ليوصل طرفي المدينة. كذلك قامت بعد ذلك بفتوحات كثيرة استطاعت ان تسيطر على مصر وبلاد الشام وبلاد ميديا ويعتقد انها قد بلغت الهند.

× البحث منقولاً من عدة مصادر ومن (ويكيبيديا) على الغالب وفيه نلقي الضوء على أسماء رنانة لنساء كتبن بأفعالهن التاريخ القديم، وربما يشتمل على بعض الهفوات يمكن لمتخصصي التاريخ والآثار تصويبه، لذلك أود أن أسترعي الأنتباه.

نشرت في تاريخ
الثلاثاء, 13 أيلول/سبتمبر 2016 20:11

الهجاء في شعر سوادي واجد جبير

آن دراسة وقراءة القصائد والابوذية التي قالها الشاعر سوادي واجد جبير جميعها او معظمها عبارة عن تهجم وهجاء ساخر ان الهجاء فن من فنون الشعر الذي يعبر فيه الشاعر عن عاطفة الغضب والاحتقار والاستهزاء يمكن تسميته بشعر السب والشتم لانه على العكس من المدح التي نجد فيه تعداد وذكر الصفات الحسنة ويبرزها وفي شعر سوادي نلاحض نقائض الفضائل التي يتغنى فيها المدح ، فيكون الجهل ضد العلم ، الجبن ضد الشجاعة ، البخل مقابل الكرم والعطاء والسخاء ، الغدر مقابل الوفاء .
عاش سوادي عيشة بسيطة فقيرة بائسة ممتلئه بالخوف والياس والصعوبة كبقية الطائفة في المجر الكبير وقلعة صالح وبقية مدن العراق وايران وفي مناطق تجمعاتهم التي تكون قرب الانهار لممارسة الطقوس الدينية وغالبا ما تكون تحت السيطرة العشائريه وهيمنة الشيخ وسطوته وجبروته وتنفيذ كل رغباته فيكون الشيخ هو الحاكم الناهي ومن هنا نلاحظ ان الشاعر سوادي عاش في حالة فقر وضيق وعوز مادي ذات رزق شحيح قليل لا يسد احتياجات الحياة اليومية ومن خلال الطبائع العشائرية المنتشرة في تلك الحقبة الزمنيه نلاحظ تمسكه بقيم بالية فيشجع كثير من العادات حتى على حساب عائلته وأهله يهاجم الطائفة وعائلته وأخوانه لانه عاشوا من اسعار بيع جلود الثعالب لذلك يصفهم بالجبن والبخل ويعتبره نوع من النقص والعار لكل من يصطاد الثعالب ويبيع جلدها ويذكر الاسماء نساءا رجالا وحتى احيانا العشيرة والنسب والاقارب ويذكر الشاعر كل الصفات السيئة ليصب غضبه وسمه بالخصوم ويستخدم كافة الكلمات القاسية ويطلق القوافي على شكل صور فيصب غضبه على الخصم والناس ، نرى هنا ان الشاعر سوادي سليط اللسان لا يحسب حساب اي عتبار اجتماعي او علاقة رحم او قربة وكان من ذلك جميعه قصائد عديدة جميعها تهجي الناس وأبناء الطائفة وجميعها تحتوي على نوع من البلاغة والفصاحة والاستهزاء والتمثيل المضحك نلاحظ القصيدة التالية التي يخاطب فيها أبناء عمومته وأبناء المندائي بصورة عامة التي تقوم بصيد الثعالب والاستفادة من أثمان بيعها كقوت لهم ....
يگلي خضر بالجوار شفت أثنيين
من الصبّه وگالوا غصب مطلوبين
أبن درباش وذاك مدري أمنين
هنا يسخر من أقاربه ومعارفه وبكلمات قاسية نابيه في منتهى الاساءه فتناول بعض الاسماء والانساب وصورها بشئ من التحايل ولا يبالي في ذم كل الطائفة كما هو مبين ويرجع ذلك عدم تمكنه من القيام بصيد الثعالب نفسه كما بينا يقول في مقطع اخر ...
فضه تبچي وتعتب على التاوه
تجار الجلود ربیچ وشناوه
وفليفل وگشيش رجل بدليه
لقد كان هدفه الانتقام منهم والانتصار عليهم وكأنه في معركة ويتناول الاسماء بشكل علني ومخزي ويستعيب من عملهم وبسخرية لاذعه نلاحظ النص التالي في احدى قصائده ..
هله ياراعي المچوچ
مامش ضرس بس أفچوچ
يخوتي لملموله أعلوچ
هذا النص يفيض بروح السخرية والتهكم من بدايته الى نهايته فالشخص الذي يرعي المجوج يصفه سوادي بوصف مضحك يسخر منه ويهزا به امام الناس وجعله مادة للسخرية ..
ان سوادي لا يباريه احد في الوصف الساخر المضحك فقد رزق ملكة وصفة خاصة في السخريه والدعابة والوصف ودائما يصف الناس بالحيوانات فمن قوله ...
خوش وگده من البرد
جنكم أچلاب الكرد
توه خلص راس القند
كل يوم يعويله أبدار
مما تقدم ان الشاعر له الرغبة الشديدة من الانتقام والهجوم من اي شخص او جماعة دون ان يتقرب من الناس الكبار والشيوخ او رجال الشيخ وخدمه لذلك في الابيات السابقة يعمد ان يمثلهم اي الناس البسطاء بالكلاب السائبة التي ليس لها محل ثابت بل كل يوم في دار وهذه قمة السخرية والوصف المهين الغير لائق في الشعر من قصيدة يناشد فيها الثعالب ..
ناسينا يواوي لو لزمنا الفاس
أبن شنان فلش راسك أبفاعوس
ما تدري العشه أمخصص لبن حسحوس

ان سوادي يهاجم المهجو هجوما عنيفا ويلق به اضرار بالغة في السوء ورداءة الوصف وينعته بأسوء المفردات والكلمات وكانه في ثورةوفي ساحة قتال ويذكر اكثر عيوبه ويضيف عليها ما يريد ويطوع الكلمة والقصيدة كما يريد ولا يترك له اي مجال او سبيل الى المقاومة والرد ، ولم يسلم من لسانه حتى اهله بل حتى نفسه فأي شعر مندائي ذات كلمات خشنه سيئه ولفظاً نابيا او عبارات غي لائقة جافة وبدون رحمة او حتى خجل فيكون قائله سوادي قال في اهله ....
اليوم اتهوج روحي أتريد المحبين
أگلها وين يامچبوحة أتريدين
نروح الخال گلبي الزين بيّ شيمة
أبو أحريج الذبحلي ومطلع القيمة
نروح السهر زلمه ماهو أزليمه
أردن صوب گاري أخايرچ يا روح
گاري هو أخو سوادي
لم يسلم من لسانه اي شخص حتى نفسه ..
فتگ أللفاك سوادي
رجل هان ورجل غادي
حجيك شگص كله رد
خشمك گصير أمعجرد
لسانك چنه المبرد
ثم يناشد دشداشته وصفا دقيقا ..
يادشداشتي جبتي الخزي ليه
آشوفچ سمل صرتي موش تمليه
يادشداشتي بيچ الوساخه آهواي
شمرد آغسلچ خايف عليچ من الماي

لقد سار سوادي في هذا السبيل فبلغ في الهجاء شخصية يحسب لها حساب وتبتعد عنه الناس خوفا من لسانه الذي لا يعرف الرحمة وقد تجاوز كل الشعراء المندائيين القدماء في دقة التصوير والتعبيروالهدف والنيل من خصومه بالشعر ، عند دراسة شعر سوادي نلاحظ ان جميع اشعاره قيلت في الهجوم على الناس والطائفة بصورة خاصة ومعارفه بالذات انه يستخدم لغة بسيطه يفتقر معظم شعره الى كلمات الشعر الجميل وكل ما تحتويه سب وشتم على الناس الفقراء لم نلاحظ اي شعر له يطرح شئ من وصف الحياة الاجتماعية او الاضطهاد الديني او تسلط الشيوخ والقطاع وخدم الشيوخ لا من بعيد او من قريب خوفا من بطشهم .

نشرت في تاريخ
الجمعة, 12 آب/أغسطس 2016 21:28

حيرة كًلكًامش

كًلكًامش لم يزل
هائماً .. حائراً
يسعى وراء حلمٍ
بعيد
يدعى الخلود
متى يعود الشريد..
متى يعود؟
شعبه مقهور
اثخنته الجراح
يبحث عن شعاعٍ
في ظلمة
هذا الوجود
متى يعود له الأمل..
متى يعود؟
سومر
زنبقة غضة
بيضاء
اغتصبتها حراب
الجنود
متى يعود ربيعها..
متى يعود؟
نخيل أوروك
بكّاء
يرنو لجثمان أنكيدو
يسأل الطير
يسأل الريح
متى تعود له الروح..
متى تعود؟
متى تعود؟

نشرت في تاريخ
الأربعاء, 13 تموز/يوليو 2016 22:10

14 تموز ... يوم أنتصر أبناء سومر

بعد مايقارب القرن من عمر الأمبراطورية الأكدية التي أسسها (سرجون الأكدي) عام 2371 ق.م أخذت عوامل الضعف تدب فيها كنتيجة طبيعية للتوسع الكبير الذي امتدت اليه ولاستنزاف امكانياتها وطاقاتها الاقتصادية والبشرية في الحروب المستمرة مع البلاد الأخرى وفي أخماد الثورات وحركات التمرد في الداخل وفي الأقاليم البعيدة المحتلة، مما أدى بالنهاية الى ضعف السلطة المركزية وحدوث حالة من الانقسام والانفلات الاداري في عموم الدولة المترامية الأطراف، خاصة في السنوات الأخيرة من حكم ملكها الخامس (شار كلي شري) 2254_2230 ق.م، فاستغلت قبائل (الكَوتيين) الرعوية الهمجية القاطنة في منطقة جبال (زاكروس) تلك الأوضاع المتردية لتشن هجمات متتالية على مدن وادي الرافدين مسقطة اياها الواحدة تلو الأخرى، ثم أعقبتها عام 2230 ق.م بهجوم كاسح أخير على العاصمة (أكد)1 لتدمرها وتحرقها، منهية حكم هذه الامبراطورية.... وقد وصف أحد الكتاب السومريين همجية هؤلاء (الكَوتيين) أبلغ وصف بعبارته....((الكَوتيون أفاعي وعقارب الجبال... الذين يأكلون اللحم النيئ... الذين لايعرفون دفن موتاهم)).
أستمرت سيطرة (الكَوتيين) على مدن وادي الرافدين لأكثر من 125 عاماً، اعتبرت هذه الفترة بحق من الفترات المظلمة في التاريخ حيث تميزت بندرة واضحة في الكتابات وغموض يكتنف الاوضاع السياسية، كما توقفت خلالها عجلة التقدم الحضاري بشكل كبير في كافة المجالات، وعمت البلاد فوضى عارمة لخصتها العبارة الطريفة التالية التي أوردها كتّاب جداول الملوك السومريين2 لوصف ومليء فراغ تلك الحقبة الزمنية السوداء.. ((من كان الملك ومن كان غير الملك؟)) .. لم يترك هؤلاء (الكَوتيين) كونهم من البرابرة ونتيجةً للفارق الحضاري الكبير بينهم وبين سكان وادي الرافدين آثاراً محسوسة أو ملموسة في ثقافة البلاد ومسيرة تاريخها العام، كذلك لم يتمكنوا من أحكام قبضتهم على جميع مدنها، فظلت سيطرتهم مقتصرة فقط عند المدن الأكدية في الوسط، لذا بقيت المدن السومرية في الجنوب تتمتع بحكم شبه مستقل وبحرية سياسية واقتصادية، حكمت خلالها عدد من السلالات القوية، لعل أشهرها سلالة (لكًش الثانية) خاصة في زمن أميرها (كَوديه) عام 2200 ق.م، بالإضافة الى سلالات أخرى في مدن (نفر) و(أور).
في سنة 2120 ق.م تأسست سلالة قوية في مدينة (الوركاء) هي السلالة الخامسة، أسسها الأمير السومري (أوتو حيكَال) الذي عمل على تشكيل جيش قوي، بذات الوقت سعى للتحالف مع بقية المدن السومرية وتزعمها، ثم توحيد جيوشها ليعلن نفسه ملكاً على بلاد سومر وأكد. معلناً العصيان على الحكم (الكًوتي) والثورة عليه، فبدأ بتحرير مدن وادي الرافدين من سيطرة (الكًوتيين) غير عابئ بتحذيرات ملكهم (تريكَان) الذي أرسل له الرُسل لإنذاره بأشد العواقب. على أثر ذلك جهز (الكَوتيون) بالمقابل جيشأ كبيراً لملاقاة جيوش سومر، دارت حينها معركة كبيرة بين الجانبين عند مدينة (كاركار) قرب مدينة الحلة، أستطاع السومريون بقيادة (أوتوحيكَال) من الحاق هزيمة منكرة بالجيش (الَكَوتي) الذي هرب من أرض المعركة ومعه ملكه المهزوم (تريكَان)، ليلاحقه السكان حتى قبضوا عليه مع عائلته عند مدينة (دبروم) شمال مدينة بعقوبة، حيث كان يريد الهروب الى الجبال، فجلبوه ليركع عند قدمي (أوتوحيكَال) الذي وضع قدمه على رأس (تريكَان). والمفارقة الغريبة هو وقت حدوث هذا الانتصار، وذلك في يوم الرابع عشر من تموز، فقد صاحب ذلك اليوم حدوث خسوف للقمر من تلك السنة فكان فألاً سيئاً على (الكَوتيين) حسب المعتقدات السومرية...... ترك (أوتوحيكَال) بعد انتصاره العظيم وتحريره أرض سومر نصاً تاريخياً مدوناً باللغة السومرية تحدث فيه عن قصة هذا النصر المؤزر....
((فوض الاله (أنليل)3 سيد البلدان... الرجل العظيم (أوتوحيكَال) ملك (الوركاء)، ملك سومر وأكد، أن يحطم أسم (الكَوتي) أفعى وعقرب الجبال، الذي رفع يده ضد الآلهة، الذي نقل ملوكية بلاد سومر الى بلاد غريبة وملئها بالحقد والكراهية، الذي أبعد الزوجة عن زوجها وأبعد الطفل عن أهله، الذي أقام العداوة والعصيان في كل البلاد... آنذاك ذهب (أوتوحيكَال) الى سيدة الآلهة (أينانا)4 ليدعوها قائلاً : ياسيدتي يالبوة الحرب التي تهاجم أعداء سومر، لقد فوضني الاله (أنليل) أن أسترجع ملوكية سومر فكوني حليفتي في ذلك... ليسير (أوتوحيكَال) الملك الذي منحه الاله (أنليل) القوة، واختارته الالهة (أينانا) الى قلبها، الى المعركة ضد (تريكَان) ملك (الكًوتيين)، حينذاك تملك الفرح أهالي (الوركاء)، وتبعه كل الرجال في بلاد سومر كأنهم رجل واحد... في يوم الرابع عشر من تموز وصل (أوتوحيكَال) الى (كاركار) المكان الذي جمع فيه (الكَوتيون) جيشهم... لتساند الآلهة أبناء سومر، فأخسفت القمر ذلك اليوم، ليكون نذير شؤم على الملك (الكَوتي) وأيذاناً بهزيمته في المعركة... فتحققت أرادة الالهة، وتمكن البطل العظيم (أوتوحيكَال) من دحر (الكَوتيين) وتحطيم جيشهم، ليفر (تريكَان) بعدها من أرض المعركة الى (دبروم)... لكن أهلها قبضوا عليه وعائلته ووضعوا القيد في يديه، ثم اقتادوه الى (أوتوحيكَال)، فألقى بنفسه عند قدميه، ليضع (أوتوحيكَال) قدمه على رقبته... هكذا أعاد هذا البطل الملوكية الى سومر)) .


أن قدرنا مع تموز لقدرٌ أزلي... فيا ترى متى يأتي تموزنا الجديد...؟

الهوامش
1_ (أكد) أو (أكادة)... عاصمة الامبراطورية الأكدية التي شيدها الملك سرجون لتكون مقراً لمُلكه... لم تكتشف بقاياها حتى الآن، كما لايزال موقعها غير محدد بشكل دقيق، لكن يعتقد انها تقع بين مدينتي المحمودية والحلة.
2_ (جداول الملوك السومريين)... قوائم متسلسلة بأسماء وسنوات حكم الملوك والسلالات التي حكمت وادي الرافين منذ تأسيس مدنه الأولى في زمن ما قبل الطوفان وحتى زوال سلطة السومريين السياسية.. يُعتقد أنها دونت في مطلع الألف الثاني ق.م.. تعتبر من المحاولات الأولى لكتابة التاريخ.
3_ الإله (أنليل)... أقوى آلهة السومريين، وهو إله الجو والهواء، مقره مدينة (نفر).
4_ الإلهة (أينانا)... إلهة الحب والحرب السومرية، تقابلها (عشتار) في الأكدية، مقرها مدينة الوركاء.

نشرت في تاريخ
الأحد, 26 حزيران/يونيو 2016 12:47

شذرات من مدينة سوق الشيوخ

 

لكي لاينسى الاحفاد مدن الاباء والاجداد

{} الامتداد التأريخــــــــي :
تحت سطح أرض سوق الشيوخ ، تغفو مدينة سومرية ، تسمى ( سوق مارو / سوق الحكيم ) ، والبارز من هذه المدينة ، هو التل المرتفع نسبياً ، والذي يشكل مركز المدينة ... وقد تم تحديد مئة وعشرين موقعاً أثرياً ، لم يجري التنقيب فيها لحد الآن ، وذلك في مدينة سوق الشيوخ وناحية العكيكة وهور الحمّار وغيرها من المناطق المحيطة بها .
{} التسميــــــــة :
وكما ذكرتُ ، بأنَّ الاسم التأريخي لهذه المدينة ، هو ( سوق مارو ) .. و ( مارو ) تعني بالسومرية ( الحكيم ) .. أي أنَّ أسمها الأول ، هو ، ( سوق الحكيم ) .. ثم تغيَّر أسمها في العصر الحديث إلى ( سوق النواشي ) .. لماذا ؟ .. وذلك نسبة إلى إسم قبيلة أو عشيرة أو مجموعة من الناس ، كانوا يسكنون منطقة أهوار متاخمة للمدينة الاصلية ، وتسمى هذه الأهوار بــ ( أهوار النواشي ) ، حيث كان سكنة هذه الأهوار يتبضعون ، وبطريقة المقايضة ، من محلاتٍ مبنيَّة من القصب والطين ، على تلك التلّة الأثرية .. ثم تحول الاسم من سوق النواشي إلى ( سوق الشيوخ ) ، وذلك بعد أن أصبحت تلك المدينة تحت سيطرة وحكم عائلة ( آل السعدون ) ، ولأنَّ شيوخهم يتبضعون من محلات تلك المدينة ( التلَّة ) ، فإنقلب الإســــــم من ( سوق النواشي ) إلى ( سوق الشيوخ ) ، بعد أن كان في الاصل ( سوق مارو )
{} المحلات السكنية الاصلية :
في سوق الشيوخ ، ست محلات أصلية ، هي : الصابئة ، الحويزة ، النجادة ، البغادَّة ، الحضر ، الاسماعيلية :
{} محلة الصابئة :
أكّدَ باحث تأريخ عراقي ، قبل أربع سنوات ، في حديث له ، على إحدى القنوات الفضائية ، بأنَّ الصابئة المندائيين ، أول من سكن مدينة سوق الشيوخ ، ثم جاءت بعدهم المِلل الأخرى .. وقد أنشأ المندائون بيوتهم من القصب ، في الجانب الشرقي من المدينة ، الذي يفصله عن الجانب الغربي نهر الفرات القادم من جهة الشمال .. ثم بدأت الأقوام الأخرى تسكن جانب المدينة الغربي ، الذي أصبح المدينة الرسمية فيما بعد ... وقد إمتهنوا ، وبذكاء ، النجارة والحدادة والصياغة ، وهي ثلاث حِرَف تحتاج لدقة عمل ، إضافة لإحتياج مجتمعات تلك المناطق ، التي إمتهنت الزراعة والتجارة ... وعلى ما يبدو ، أنَّ الصابئة إبتعدوا عن الخوض في الزراعة والتجارة ، لأنهما مهنتان تحتاجان إلى سند عشائري ، لما يدور بين أصحابها من خلافات ومعارك جانبية ، تصل حد الصراع المسلح أحياناً .. فالمندائيون الذين تورطوا بأعمال الزراعة والتجارة ــ وإن على قلَّتهم ــ إنتهى أغلبهم للفشل
{} محلة الحويزة :
أسسها وسكنها ، المهاجرون من منطقة الأحواز ( الأهواز ) في إيران ، وعدد أسرهم الاصلية ( 28 أسرة ) .. ثم تَتابَعَ سكن ( 30 أسرة ) من مدن عراقية مختلفة .
{} محلة النجــــادة :
أسسها وسكنها النجديون القادمون من نجد ( السعودية ) اليوم ، وكانوا ( 34 أسرة ) ، ثم لحقت بهم ( 13 أسرة ) من المدن العراقية الأخرى .
{} محلة البغادَّة :
سمِّيت بهذا الاسم ، لأنّ أول من سكنها ، القادمون لها من بغداد ، ثم تبعهم عراقيون من مدن أخرى مختلفة ، وكان عدد الأسر في هذه المحلــــة ( 12 أسرة ) .
{} محلة الحضر :
وهذا الاسم جاء من أصل الأسر التي أسست هذه المحلة ، فهي أسر
متحضرة متمدنة تتميز بثقافة جيدة ، آنذاك .. وعدد هذه الأسر كان ( 26 أسرة ) عراقية الأصل ، ثم سكنت معهم ( 13 أسرة ) نزحت من منطقة ( الاحساء ) أي من السعودية اليوم .
{} محلة الاسماعيلية :
وهذه المحلة أنشأها الفقراء الزنوج النازحون من أفريقيا ، بحثاً عن قوت يومهم ، مقابل جهدهم العضلي المضاعف ، وموقعها في المنخفض الذي يقع خلف تل المدينة الاصلية .. وليس لديَّ معلومة عن تسميتها ، ولكن أعتقد أنَّ الاسم يعود لشخصية رسمية ، قد يكون حاكم أو قائممقام المدينة .
{} النسب المئوية لأسر سوق الشيوخ عدا ( الصابئة والزنوج الأفارقة ) :
في متابعة بسيطة ، لهذه التشكيلة ، وجدتُ مايلي :
إنَّ مجموع الأسر ، في المحلات الأربع فقط ( الحويزة ، النجادة ، البغادّة ، الحضر ) ، كانت ( 156 أسرة ) ، وطبعاً كل أسرة متفرعة إلى عدد من البيوتات .. وقد توزعت هذه الأسر حسب أصولها إلى :
34 أسرة من نجد و 13 أسرة من الاحساء ( السعودية ) وهي تشكل نسبة 30 %
28 أسرة من الاحواز ( إيران ) ، وتشكل نسبة 18 % .
81 أسرة عراقية الأصل ، ومن مدن عراقية مختلفة ، وهي تشكل نسبة 52 %
{} معلومات أخرى :
* بعدما إحتلها الايرانيون في 6 تموز 1915 ، توسعت الجالية الايرانية ، وإزداد نشاطها التجاري والسياسي ، بحيث تم تعيين قنصل فخري لحكومة إيران في سوق الشيوخ ، هو السيد محمد علي بهبهاني .
* وكان كذلك في سوق الشيوخ ، جالية يهودية ، لها معبدها الخاص ( الكنيس ) ، ومازالت بقايا هذا المعبد في محل النجادة ، وبالضبط أمام دار السيد علي العرفج. وكان آخر يهودي غادر سوق الشيوخ ، هو القمّاش ( الياهو يعقوب ) .
{} سوق الشيوخ مدينة الثقافة والفن :
تميّزت سوق الشيوخ ، بأنها مدينة ثقافة وفن ، فقرأ شبابها الأوائل مختلف أنواع الكتب التي تصل أيديهم .. فالسياسية ، من " كفاحي " لهتلر حتى " رأس المال " لماركس وإنتهاءً بمؤلفات لينين .. وفي الأدب العربي ، من المنفلوطي وتوفيق الحكيم وطه حسين وموسى سلامة وأحمد شوقي والجواهري وبدر شاكر السياب ، وإنتهاءً بالقصة والرواية العالمية ..
* وقد تأسست أول مكتبة فيها خلال الحرب العالمية الاولى .
* ومن شعرائها القدامى ، هم ، مصطفى جمال الدين ، عبد الرقيب يوسف ، حمدي الحمدي ، مجيد النجار ، سلمان عبد الرحمن ، معن العجيلي ، أبراهيم عثمان ، شاكر الحيدر ، أبو معيشي ، حميد حسن السنيد ، وتومان صيّاد المهنا .
* وعلى مستوى الفن ، ومن القدماء ، كان عازف القانون الفنان سالم حسين ، والمطرب ناصر حكيم ، والمطرب نجم عبد الله المهنا .
وعلى أيدي هؤلاء ، تعلَّم وتدرب وتخرّج العشرات من الشعراء والفنانين ، الذين شكلوا الرعيل الثاني أو الثالث .

{} سوق الشيوخ مدينة سياسة :
بالاضافة إلى أنَّ مدينة سوق الشيوخ ، مدينة علم وأدب وشعر وثقافة ، فهي مدينة سياسة ، فمنها كان إثنان ، من ثلاثة قادة أسسوا أول خلية للحزب الشيوعي العراقي ، في عام 1928 م ، والقادة الثلاثة ، هم :
* يوسف سلمان يوسف ( فهد ) ، من سكنة الناصرية .
* غالي الزويِّد ، كان يعمل لدى بيت السعدون في سوق الشيوخ .
* أحمد جمال الدين ، وهو من ناحية كرمة بني سعيد ــ سوق الشيوخ .
وكان من أبرز الشيوعيين الآوائل في سوق الشيوخ ، هم ، المحامي طالب بدر جابر ، طعمة مرداس ، عطشان منخي ، ورد عنبر فارس ، فرحان عنيسي البدري ، طالب ظنون ، حمدان كطان ، وغيرهم العشرات ، ممن كانت " نقرة السلمان " بيتهم الثاني .
ثم ظهرت في عقد الخمسينيات من القرن الماضي ، أولى خلايا حزب البعث ، وكان من أبرز مؤسسي وقياديي البعث في سوق الشيوخ ، هم مجموعة من المعلمين ، منهم ، يعقوب الحمداني ، نعيم حداد ، جعفر العيد ، محمد زمام السعدون ، وغيرهم ، إذ وصل بعضهم إلى مستوى القيادة القطرية لحزبهم .
*********************************
وفي الختام هذه قصيدة للأخ العزيز إبن الطائفة البار الدكتور صلاح زهرون وهام السام ، وهو يعبّر فيها عن إعتزازه وإعجابه بمدينة سوق الشيوخ وأهلها ، بعد أن قضّى فيها عدة سنوات ، كطبيب أسنان ، ثم مديراً لمستشفى المدينة .. فتحية لأبي سام .
{}{}{} سوق الشيوخ {}{}{}
ــــ الدكتور صلاح زهرون السام ـــ
سوق الشيوخ يا مدينة العطاء
مدينة الشعر ومهد الشعراء
مدرسةٌ صنعتِ أنقى الأدباء
سوق الشيوخ يا أصيلةً رمز النقاء
أقولها صادقةً بلا رياء
ناصعةً أقولها بلا طلاء
سوق الشيوخ يا مدينةَ الوفاء
فيكم وجدتُ الحبَ لم ألقَ جفاء
أبوابكم مشرعةٌ متى أشاء
بلسمٌ للجُرحِ أنتم ودواء
عاشرتكم كنتم ليَ الأهل ونِعمَ الأصدقاء
أحاسيسكم دافئة كانت لِيَ الكساء
من زادكم أكلتُ .. ترويني من بيوتكم قطرة ماء
كنتم لها أهلاً ودوماً كُرَماء
أذكركم بالخير صُبحاً ومساء
ويلهجُ اللسانُ بالثناء
لا واقفاً أقولها بل بإنحناء
غادرتكم ونابضي يدعوني للبقاء
وحينما ودَّعتكم أجهشتُ بالبكاء
إفتحو قلبي فيه لكم نداء
لكُ منّي ألفَ حاءٍ وألفَ باء
إلى اللقاء يا أحبتي إلى اللقاء
********************
المصادر :
*** كتاب تأريخ مدينة سوق الشيوخ ـــ عبد الكريم محمد علي
*** معلومات شفوية من بعض المخضرمين من أهالي المدينة

نشرت في تاريخ
السبت, 18 حزيران/يونيو 2016 10:02

طبيعة المجتمع العراقي القديم

أخذ شكل المجتمع العراقي القديم بالوضوح بعد ثورة استيطان المدني التي حدثت في جنوب وادي الرافدين في أواسط الالف الرابع ق.م، حيث تحولت المستوطنات والتجمعات القروية القديمة التي شيدها الانسان العراقي في ذلك الجزء من وادي الرافدين الى دويلات صغيرة عامرة، أخذت أنظمتها السياسية بالاستقرار والثبات تدريجياً، لكل منها حدودها وإدارتها المستقلة ومعبودها القومي وجيشها الحامي، واقتصادها الخاص المستقر.. ثم انعكست هذه المتغيرات الأساسية بمجملها بالتالي على طبيعة المجتمع العراقي بشكل كبير، فتعقدت وتشابكت علاقات أفراده مع بعضهم، خاصةً بعد أن أصبح مجتمعاً متعدد الطبقات كنتيجة طبيعية لظهور مبدأ التخصص في العمل.

في بداية تكوين المجتمع حددت علاقاته الاجتماعية الاعراف والتقاليد والنظم الموروثة من مرحلته القروية السابقة خلال الالفين الرابع والخامس ق.م، والتي كانت تسّير حركة المجتمع آنذاك، ثم ما لبثت هذا المجتمع كونه على درجة كبيرة من التعقيد والتباين بين شرائحه وطبقاته أن أصبحت تلك الموروثات لا تتلاءم مع التطورات والتغيرات السريعة في بنيته، لذلك ظهرت الحاجة الى وضع نظم وقواعد جديدة من قبل السلطات الحاكمة للسيطرة على المجتمع الجديد وتنظيم علاقات أفراده وتحديد واجباتهم والتزاماتهم إزائه، لذلك ظهرت القوانين تلبية لتلك الحاجة فأصبحت بالنسبة للباحثين نافذة تطل على عموم المجتمع آنذاك..
ويمكن القول أن قسماً كبيراً من معلوماتنا عن طبيعة المجتمع العراقي القديم أنما مستمدة من تلك القوانين... أضافة الى النصوص المسمارية الاخرى كالعقود والوثائق الاقتصادية والنصوص الادبية والدينية، كذلك الشواخص المعمارية واللقى الاثرية المتنوعة، التي واكبت تطور المجتمع منذ بداياته الأولى فرسمت صورة واضحة نوعاً ما عن طبيعته آنذاك.... ومن خلالها يمكن القول أن المجتمع العراقي القديم لا يختلف كثيراً عما هو عليه الان من حيث تناقضات حياته وحدّة مزاجه من جهة، وطيبة قلبه وانسانيته من جهة أخرى، المتأتيان بالأساس من تناقض طبيعته وبيئته، والظروف القاسية التي مر بها على مدى تاريخه الطويل وواكبت مسيرة حياته، ولم يختلف في الزمنين سوى الشخوص وأدوات الحياة.
التكوين الاجتماعي
المجتمع العراقي القديم كأي مجتمع آخر كان يتألف من طبقات وفئات متعددة منها الحاكمة، وهي المتنفذة سياسياً واقتصادياً ودينياً، أو المحكومة والتي على مدى تاريخها الطويل تحاول استرداد حقوقها وأثبات وجودها كعامل أساسي في بناء الحياة....
1_ الطبقة الحاكمة....
على رأسها العائلة الحاكمة، المسيطرة على دفة تسيير مجريات الحياة اليومية للمجتمع والمهيمنة على القسم الاكبر من موارده الاقتصادية، وقد أضفت الفلسفة الدينية الرافدينية هالة من القدسية على شخص الحاكم (أمير أو ملك) وعائلته، معتبرة إياه ممثلاً عن الالهة وينوب عنها في حكم البشر، وهي التي اختارته لهذه المهمة. لذلك كانت هذه الطبقة جلّ اهتمامها هو البقاء في الحكم بأي ثمن، مما دعاها باستمرار لشن الحملات العسكرية للقضاء على الثورات وحركات التمرد داخل البلاد وفي الاقاليم البعيدة المحتلة مستندة الى هذا الادعاء، مما كان يؤدي ذلك الى استنزاف الكثير من موارد الدولة الاقتصادية.
2_ الطبقة المُترفة....
وتسمى بالأكدية (أومانو)، وهي في الغالب أصل كلمة (أمناء) العربية، كما أنها سميّت ايضاً ب(أويلم)، وتضم في مقدمتها الوزير الأكبر الذي يسمى بالأكدية (سكال ماخ) الذي يعتبر اليد اليمنى للملك أو الأمير، ويلقب أحياناً باسم (صرماخ) و يعني الرأس الأكبر، ومن الطريف أن نذكر هذه التسمية لازالت متداولة بين مفرداتنا العامية ، حيث يكنى (كبر الرأس) أو المسؤول والشخص كبير المنزلة باسم (صماخ).... كما وتضم هذه الطبقة أيضاً كبار التجار، المُلاّك، موظفي القصر، الرتب العالية في الجيش، مثل الحاكم العسكري الذي يسمى (شكنا) وقائد الجيش (الترتانو)، وكذلك تضم حكام المقاطعات وكبار الكهنة... وكان لهذه الطبقة حقوق وامتيازات خاصة من الناحيتين الاجتماعية والقانونية، حيث أن لها دوراً كبيراً في أدارة المرافق الحيوية للبلاد من النواحي السياسية والاقتصادية والدينية، وتساعد العائلة الحاكمة في عملها، لذلك فأن مصالحهم ومصائرهم ارتبطت على الدوام بمصير الحكام.
3_ عامة الناس (الطبقة المحكومة).... وتتكون من فئتين :
الاولى / الاحرار أو المواطنين العاديين... ويسمون في اللغة الاكدية (مشكينم) وهي أصل كلمة (مسكين) العربية، كان هؤلاء يمثلون الجزء الاكبر من المجتمع، وهم العاملون في الحقول والمزارع والحوانيت التجارية الصغيرة والكتبة والشغيلة البسطاء والحرفيون وصغار الكهنة والصيادون وعمال تحميل مرافئ السفن، وبقية الشرائح الفقيرة المعدمة الأخرى، والتي تعتمد في عيشها على جهودها اليومية.. وكانت هذه الطبقة كحالها في كل زمان ومكان صامتة ومغلوب على أمرها همّها الاكبر توفير المعيشة لعائلاتها، ويتوضح ذلك جلياً بالمثل السومري البليغ (الفقراء هم وحدهم الصامتين في سومر)... ولعل أشد هذه الفئة بؤساً هم الفلاحون العاملين كأجراء لدى الملاكين الكبار أو لدى مؤسسة المعبد والسلطة الحاكمة، حيث مستواهم الاقتصادي متدني للغاية ولا يحصلون مقابل عملهم الشاق سوى كميات محدودة من الحبوب والخبز، تمنح لهم بشكل جرايات خلال فترات معين من العام، كما أنهم كانوا يعاملون معاملة العبيد بالحط من انسانيتهم وكرامتهم، وبأسلوب لا يختلف عن نظام الاقطاع الذي ساد في جنوب العراق ابان الحقبة الملكية (1921_1958)، حيث وصل الحال الى أنهم كانوا يباعون مع الاراضي التي يعملون فيها، وقد سمي هؤلاء في السومرية (كًوروش)، كما ادت حالة البؤس والفقر بين عموم الفلاحين الى حدوث تباين ثقافي واضح بينهم وبين سكان الحواضر والمدن..... وبالرغم من فقر طبقة العامة أو محدودية مستواهم الاقتصادي الا أنهم كانوا من الاحرار يتمتعون بقدر من الحقوق والامتيازات التي أقرتها القوانين، لكن تبقى حريتهم مقيدة بظروفهم الاقتصادية الصعبة الغير مستقرة.

الثانية / العبيد ... اختلفت تسمية العبد وتعددت حسب مصدر عبوديته، لكن أوضح تسمية رسمية له في الاكدية هي (وردم) والعبدة (ورداتم) وأحياناً سميت (أمتو) التي انتقلت بنفس معناها الى العربية بشكل (أمة).. كما كان العبد يسمى أيضاً (سوبارُم) أو (سبرُم) و اصل الكلمة يعود الى اسم المورد الاول الذي كان يتم جلب العبيد منه وهو بلاد (سوبارتو) التي تقع في احد المناطق الجبلية شمال شرق نهر دجلة، وكان سكانها يسمون بنفس اسم منطقتهم.. وهذا ما يوضحه أيضاً أول رمز في الكتابة الصورية لمعنى كلمة (عبد) والتي ظهرت أواخر الألف الرابع ق.م، فكان يرسم رمز الجنس ذكر أو انثى (عبد أو عبدة) والى جانبه صورة جبال.... ولم تكن هذه الطبقة تؤلف نسبة كبيرة أو ذات تأثير فعال في بناء المجتمع وتطور كيانه الحضاري، أما مصادرهم الاخرى أضافة الى ما سبق فكانت على الاغلب من أسرى الحروب، أو من الاحرار الذين يصبحون عبيداً لاقترافهم جرائم خاصة أو وقوعهم تحت طائلة الدين وعدم تمكنهم من سداده. وكان ينظر الى هؤلاء على أنهم من الاشياء المملوكة ويعاملون معاملة خاصة أمام القانون ويميزون عن بقية أفراد المجتمع (الاحرار) أما بأسلوب قص شعورهم أو بوضع علامات العبودية المميزة على أجسادهم كالوشم أو الكي. وكانت شخصية العبد غير كاملة الأهلية بالنسبة للمجتمع، ومع ذلك أعطت بعض القوانين شيئاً من الحقوق لهم فلم تسمح بتعذيب العبد أو ضربه ضرباً مبرحاً، كما لم تسمح بقتلهم حتى من قبل أسيادهم، وكان يحق لهذه الطبقة تكوين أسرة شرعية، فاذا تزاوج العبيد فيما بينهم كان الاولاد عبيداً مثل أهلهم أما أذا تزوجوا من طبقة الاحرار فأن الاولاد يكونوا أحراراً. وكانت العبدة تحصل على حريتها أذا أعترف مالكها وسيدها بأولادها كأبناء شرعيين له. وفي الالف الاول ق .م أجازت بعض القوانين الاشورية والبابلية المتأخرة للعبد أن يعمل لحسابه الخاص وأن يمتهن حرفة خاصة به بعد موافقة سيده لقاء نسبة معينة يدفعها له، كي يستطيع أن يفتدي نفسه وحريته بالمال. وتذكر بعض النصوص المسمارية المتأخرة أن بعض العبيد تقلدوا مراكز وظيفية لدى البلاط والحكومة والبعض منهم أمتلك أموالاً منقولة وغير منقولة بل وحتى امتلاكه العبيد.

المصادر


1_ طه باقر... مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة/ الجزء الأول
2_ طه باقر... مقدمة في أدب العراق القديم
3_ عبد الرضا الطعان... الفكر السياسي في العراق القديم
4_ فوزي رشيد... الشرائع العرقية القديمة
5_ عامر سليمان... القانون في العراق القديم
6_ G. Contenau ... Everyday Life in Babylon and Assyria
7_ H. Saggs ... The Greatness that was Babylon
8_ S. N. Kramer ... The Sumerians

نشرت في تاريخ
الإثنين, 13 حزيران/يونيو 2016 21:20

السدارة رمز الهوية العراقية

لقد ظل العراق تحت الاحتلال العثماني مدة اربعة قرون وكان يتألف من ثلاث ولايات ، بغداد والموصل والبصرة. وخلال هذه الفترة كان الشعب العراقي
يحاول ان يحافظ على هويته العراقية العربية الاصيلة ، ونلاحظ ذلك من خلال الازياء العراقية المختلفة فمنها الزي العربي العقال والعباءة والزي الكردي واليزيدي والمسيحي وفي الفترة الاخيرة الافندي ،البدلة، ودخول الطربوش العثماني الاحمر او الفينة كما كان يطلق عليه
وكما هو معروف
كانت اغلب شعوب العالم ولغاية النصف الاول من القرن الماضي تحرص على اعتمار غطاء للراس كجزء مكمل للشخصية والمظهر العام, وفي العراق تعددت اغطية الراس بتعدد ثقافاته, فكانت كل منطقة لها زيها والوانها التي تعبر عن ثقافتها الخاصة. وعرف العراقيون الفينة كلباس للراس بعد فرضها بشكل رسمي من قبل الدولة العثمانية التي كانت تسيطر على العراق لغاية العقد الثاني من القرن الماضي, حيث اصدرالسلطان العثماني محمود الثاني في عام1824م, فرمان سلطاني بجعل الطربوش لباس رسمي لجنود وضباط الجيش العثماني, وبعد اربع سنوات عمم الطربوش على جميع موظفي الدولة بما فيهم الوزراء والقادة,مع اختلاف لون الطربوش حسب درجة الموظف.
ومن الجدير بالذكر ان
العثمانيون قد اخذوا الطربوش من المغرب العربي بعد مشاهدة عدد من الجنود القادمين من تونس بقيادة ضابط فرنسي وهم يرتدوها, فقامت السلطات العثمانية بشراء خمسين الف طربوش احمر اللون من المغرب وعمل مصنع في اسطنبول لصناعتها, اما عن سبب تسمية العراقيين للطربوش الاحمر بالفينة فيعود الى ان معظم الفين كانت تصدر من فينا عاصمة النمسا, فاشتق اسم الفينة من فينا.

ولذلك ,كانت الفينة في العاصمة بغداد هي الغطاء الرسمي والشائع للرأس عند اغلب ابناء الشعب العراقي وخصوصا في المدن، لغاية تاسيس الدولة العراقية الحديثة مطلع العشرينات من القرن الماضي , ويعتمر الفينة الجميع سواءً كانوا من الافندية او من رجال الدين الذين يلفون حولها قماش ابيض او اخضر لتكوين العمامة ( هذا النوع يعرف بالكشيدة ومازالت مستعملة ليومنا هذاعند بعض رجال الدين في عدد من العتبات المقدسة), وكانت الفينة تعتبر الزي الرسمي لموظفي الدولة العثمانية في ولايات العراق الثلاث (بغـداد, البصرة والموصل).

وعندما اندلعت الحرب العالمية الاولى سنة 1914م فأن اغلب الضباط العراقيين في الجيش العثماني كانوا حريصين على تحرير العراق من السيطرة العثمانية والحصول على الاستقلال ولذلك فان العديد من العسكريين العراقيين ايدوا الثورة العربية سنة 1916 وانضموا
الى الثوار والثورة العربية الكبرى ولعبوا دورا مهماً مع بقيه اخوانه الثوار العرب في تحرير البلاد العربية من السيطرة العثمانية والعمل من اجل الاستقلال . وعندما انتهت الحرب العالمية الاولى سنة 1918م أستطاع الشعب العراقي من الضغط على قوات الاحتلال البريطانية من خلال ثورة العشرين حتى استطاع الاعتراف بالعراق وتاسيس حكومة عربية عراقية ملكية
عندما بايع الشعب العراقي الملك فيصل الأول في عام 1921، كان الملكفيصل يلبس الزي العربي الحجازي الثوب والعباءة والعقال المقصب. في ذلك الوقت كان الشعب يرتدي العديد من الازياء المختلفة، الزي العربي ومن هم بالزي الأفندي يرتدون الطربوش العثماني والزي الكردي والزي المسيحي والزي اليزيدي . ولأن الملك فيصل الأول كان واضعا نصب عينيه بناء دولة عراقية مدنية حديثة تساير التطور وبعيدة عن الطوائفية والعنصرية المنغلقة على شريحة بعينها من دون غيرها .
لذلك أراد الملك أن يكون هناك زي موحد يكون أشبه بميزة عراقية تدل على الهوية الوطنية.. وهنا رسم الملك فيصل الأول تصميم السدارة (القبعة) وأعطاه لصديقه ومستشاره رستم حيدر ليتم تنفيذها، وما أن نفذت، كان هناك اجتماع للوزراء، فحضر الملك فيصل الأول رحمه الله الاجتماع وهو يلبس زي الأفندي (أي البدلة) وعلى رأسه السدارة وكذلك كان رستم حيدر يرتديها،وقام رستم حيدر رحمه الله بتوزيع السدارات على أعضاء الحكومة فارتدوها. ولأن هذه القبعة بتصميمها تختلف عن أي قبعة أخرى، ولأن من صممها وأول من ارتداها هو الملك فيصل الأول لذلك أطلق عليها العراقيون اسم السدارة الفيصلية، وأصبحت من ميزات العراقيين.
ومن الجدير بالذكر هناك
عدة اراء تفسر اصل كلمة السدارة، فهي برأي الباحث عزيز الحجية مؤلف السلسلة التراثية الشهيرة (بغداديات عزيز الحجية), كلمة سامية تعني لباس الراس عند قدماء الفرس, ووردت عند الفيروز ابادي بـ (السيدارة) ويشير بها الى عصبة الراس, ورددت بنفس المعنى في معجم المنجد للغة للأباء الكاثوليك.
كما أن هناك من يقول بأن
كلمة السدارة كلمة فصيحة عربية ليست أجنبية يأتي معناها من كلمة (سدر الشعر) أي سدله ولأن الشعر ينسدل تحتها أو هي تسدر الشعر، فلبس أو إعتمار السدارة كان في بداية القرن العشرين ولكن شهرتها بدأت عندما إعتمرها المرحوم الملك فيصل الأول،
وتتميز الصدارة (كما يلفضها بعض اهل بغداد) بشكلها النصف المقوس, والمدبب تقريبا من الوسط, وتكون مطوية الى طيتين للداخل ويغلب عليها اللون الاسود وهو اللون الرسمي, الى جانب اللوان عديدة.
ومن الطريف ان هناك رآي يقول: لسوء الحظ لم يكن اختيار السدارة موفقا فهي لا تقي من المطر ولا الشمس ولا تعطي تهوية للرأس. فضلا عن ذلك، كان سعرها مكلفا بالنسبة الى سعر العرقجين او اليشماغ. لهذا صعب شراؤها على ضعفاء الحال. وجدها آخرون غريبة عن الأزياء التقليدية للبلاد. وهكذا لم تشع كثيرا وامتنع البعض منها كليا.
كان منهم النائب في مجلس النواب عبد الرزاق منير. وجد المسؤولون في إصراره على لبس الفينة والدخول الى المجلس بهذه الهيئة شيئا جارحا للسلطة والعهد الوطني الجديد وعائقا ضد شيوع السدارة. بذلوا جهودا كبيرة لإقناعه بلبس السدارة ولم يفلحوا. كان منهم ساطع الحصري ورئيس الوزراء ياسين الهاشمي. ولكنه أبى واستكبر وأصر على الاستمرار بلبس الفينة.
استاء من ذلك بصورة خاصة الملك فيصل. كان ممن تبنوا لبس السدارة ومن، أول من بادر الى لبسها حتى شاع اسمها باسم «الفيصلية» لارتباطها به. لم يعرفوا كيف يعالجون الموقف. ففي تلك الايام لم تجرؤ السلطة على فرض ارادتها على المواطنين، او تحاربهم في رزقهم، أو تتهمهم بالفساد والسرقة. لم يعرفوا كيف يثنون هذا القائد الوطني عن دخول البرلمان بالفينة. بيد ان المغفور له فيصل الاول اشتهر بكياسته في التعامل مع المعارضين ومعالجة الازمات بصورة ودية.
كان ابو شوكت، عبد الرزاق منير، جالسا في بيته عندما سمع طرقا على الباب. فتحوا الباب، فوجدوا أمامه سيارة تحمل ملك العراق نفسه. نزل منها ودخل البيت حيث رحب به صاحب البيت وأمر بإحضار القهوة والماء البارد. وكان الملك يحمل كيسا صغيرا من الورق تحت إبطه. فيما كان يتناول قهوته، (ففي ذلك الزمان، لم يكن احد من العراقيين يخشى ان تكون قهوته مسمومة). وهكذا، فيما كان الملك يتناول قهوته، قال لعبد الرزاق منير: جئتك زائرا با أبا شوكت، لأقدم لك هدية ارجو ان تقبلها مني. فأجابه على الفور: يا سيدنا شلون ما اقبلها؟ اقبلها واحطها على راسي.
عندئذ اخرج الملك السدارة من الكيس وحطها على رأس الرجل بالفعل. وهكذا واجه الأمر الواقع. لم يعد في إمكانه ان يتراجع عن وعده للملك وينزع السدارة. فاستمر في لبسها، بل ومعتزا بها كهدية من ملك العراق.

انواع السدارة:
للسدارة عدة انواع، ففي بداية ظهورها كانت تصنع من الجبن (الصوف المضغوط) وتسمى بسدارة الجبن وعرفت بحجمها الكبير ، وتميزت بأرتدائها الشخصيات المهمة في المجتمع من امثال ياسين الهاشمي رئيس الوزراء في العهد الملكي, والشاعر البغدادي الشعبي الملا عبود الكرخي والشاعر جميل صدقي الزهاوي, وكان لها معمل في بغداد اسس بامر من ياسين الهاشمي.
والنوع الثاني هو السكوجية وكانت تصنع من القماش , وتفصل من نفس قماش الملابس , حيث بعد تفصيل البدلة الرجالية (القاط) تاخذ قطعة من ذات القماش لغرض تفصيل سدارة, وكان حجمها اصغر من سدارة الجبن, واغلب من كان يرتدي هذا النوع السدائر هم افراد الشرطة والجيش في العهد الملكي وكذلك في العهد الجمهوري لغاية عقد السبعينات من القرن الماضي. حيث استبدلت بالبيرية لاغلب صنوف الجيش والشرطة, ومن امهر صناع السدارة السكوجية شخص اسمه جاسم محمد وكان محله يقع في سوق السراي عند مدخل خان الصاغة, وفي مدخل سوق السراي من جهة جسر الشهداء, توجد عدد من محلات عمال قالب السداير الذين يقومون بتنظيف السدارة وقلب الوجه الخارجي الى الداخل عندما يتقادم وتذهب لمعته, وكان اغلبهم من اليهود, ولكن السدارة المقلوبة واضحة للعيان حيث الجزء الداخلي للجوخ خشن وغير لماع.
ويذكر الباحث عزيز الحجية في سلسلته بغداديات : ان السداير الاجنبية (الايطالية والانكليزية) بدات تغزو العراق في الثلاثينات وكانت تصنع من مادة الجوخ اللماع وتحمل ماركات مختلفة مثل روبين وهيون وفكتور كما ان السدارة جاءت بالوان مختلفة منها السوداء والقهوائية والزرقاء والرمادية, ومن ابرز مستوريدها (مهدي قنبر و صيون شمعون) ولكن ظلت السدارة الاولى المصنوع من الجبن محل اعتزاز الكثيرين ممن اهل بغداد واطلق عليها السدارة الوطنية, وكان الشاعر الشعبي ملا عبود الكرخي قد ذكر السدارة الوطنية في شعره, حيث انشد قائلاً:
مع كل هذا ليعــــــــــــــــلم
مني كل اجنبي ويفـهم
بالسدارة (الكرخي) مغـرم
حيث للمواطن شعــاره
**************
شعـــــــــار اوطاني وهيه
الليبسوها الوطــــــــنية
عربيــــــــــــة عـــــراقية
صايرة ابراسي اشــارة
ومن الجدير بالذكر أن هناك محاولة جرت لالغاء السدارة:
بعد انقلاب بكر صدقي في 29 تشرين الثاني 1936, ظهرت محاولات لالغاء السدراة من قبل القائمين على الانقلاب, حيث اصدرت حكومة الانقلاب التي تراسها حكمت سليمان, قانوناً يقضي بابدال السدارة (الوطنية), بالقبعة الاوربية لكون الاخيرة من مظاهر التطور والاتصال بالعالم الخارجي, والصحيح ان القائمين على الانقلاب كانوا على خلاف مع ياسين الهاشمي الذي كان الانقلاب موجه ضده بالاساس ولان الهاشمي من المحافظين على لبس السدارة الوطنية كما ذكرنا من قبل,وكان قد امر بجعل السدارة الباس الرسمي لجميع موظفي الدولة العراقية في منتصف الثلاثينات, حيث اراد الانقلابيون ابدال السدارة بالقبعة الاوربية نكاية بالهاشمي الذي توفي بعد فترة من الانقلاب, واخذ بعض من الشباب المتحمس للانقلاب بلبس هذه القبعة, ولكن سرعان ماعادت السدارة الفيصلية ( الوطنية) كزي رسمي وعام الى المجتمع بمقتل الفريق بكر صدقي في الموصل وسقوط حكومة الانقلاب بعد اقل من عام من اول انقلاب عسكري في التاريخ العراقي الحديث

ومن الملاحظات الجميلة
كانت السدارة تنظف بقطعة قماش ناعمه مبلله بلشاي دون السكر لتبدو جديده
وفي الختام نحب ان نقول امنية ودعوة صادقة
"لقد أراد الملك فيصل الأول رحمه الله من لبس السدارة الفيصلية اشارة نحو الوحدة الوطنية واشارة لبناء الدولة المدنية المتحضرة. للأسف ان بزوغ المدنية ونهضة العراق لقرابة اربعين عاما التي عمل عليها الملك فيصل الأول رحمه الله وأبناء الشعب العراقي، بدأت تختفى بين دولة طائفة أو عشيرة.
تخلوا العراقيين عن سدارة المدنية والقوها بعيدا، وقسمت المناطق طائفيا وعرقيا.. نسوا العراق، فلم يعد فوق رأسهم شيء يهديهم لرؤية الانسان.. نحن مطالبون اليوم بالعودة للسدارة الفيصلية في وقت يرجع العنف مرة أخرى للشارع العراقي والطائفية والدكتاتورية والتفرقة والممارسات المؤسفة، لنرتديها رمزا لوحدتنا وكنوع من المطالبة للسياسيين وغيرهم أننا نريد دولة مدنية متحضرة.. لنرتديها اليوم بدلالاتها الوطنية لأنها هويتنا العراقية.. وكلنا رجاء ان يقف الرجال لحظة ويتفكروا بحال الوطن، الوطن الذي هو الشعب.. نتمنى أن يرتدي رجال السياسة السدارة الفيصلية علهم يعودون لصوابهم.. نتمنى على الرجال العراقيين صغارا وكبارا بكافة فئاتهم من أدباء ومفكرين واطباء واساتذة جامعات وطلاب وفنانين وعمال ومهنيين، أن يرتدوا السدارة الفيصلية مطالبين بالوطن الواحد الموحد أرض وشعب.. في هذا الوقت نحن بحاجة للسدارة الفيصلية لأنها لا تميز من يلبسها بطائفته أو مذهبه أو عرقيته، إنما تميز الكل من الكل أنهم عراقيون".

نشرت في تاريخ

لم يكن أبتكار السومريون لأقدم أسلوب للتدوين في تاريخ الحضارات القديمة حدثاً عارضاً في التاريخ الأنساني ، بل أعتبر و بحق واحداً من أَعظم الأنجازات الحضارية في تاريخ البشرية وضع حداً فاصلاً بين مرحلتين أساسيتين من مراحل التطور الحضاري . حيث أنتهت مرحلة عصور ما قبل التاريخ لتبدأ بعدها مرحلة العصور التاريخية . و قد حدث هذا الأنجاز الرائع في مدينة (الوركاء) ، وتحديداً الطبقة الرابعة منها في الدور المعروف بأسم (جمدة نصر) الذي يؤرخ بحدود 3200 ق.م ، ليكون مكملاً و متوجاً لثورة الأستيطان المدني التي حدثت في هذه المدينة عند منتصف الألف الرابع ق.م . حيث كان الدافع أليه الحاجة لتوثيق الواردات الأقتصادية للمعابد التي كانت المحُركة و المُسّيرة لدفة المجتمع آنذاك . و قد عرف هذا الأسلوب من التدوين أو الكتابة بأسم (الكتابة المسمارية) نظراً لأشكالها التي تشبه المسامير، علماً أنه لايصح أطلاق هذه التسمية على المراحل البدائية الأولى من هذه الكتابة ، بل في مراحلها اللاحقة فقط بعد أن أصبحت العلامات المكتوبة تأخذ الأشكال أعلاه نتيجة شكل و طريقة الكتابة بالأقلام المعمولة من القصب على ألواح الطين الذي أصبح المادة الأساسية للكتابة ، لتوفره وخفة وزنه و أيضاً لسهولة تشكيله بأشكال و أحجام مختلفة حسب الحاجة . كما أنه تمت الكتابة على الحجر و مواد أخرى أيضاً .
لقد مرت (الكتابة المسمارية) بثلاث مراحل تطورية قبل أن تصل الى مرحلة النضوج التي أمكن للكاتب من خلالها توضيح أفكاره المختلفة . و قد سميّ الطور الأول أو البدائي منها ب(الطور الصوري) و فيه كان يتم كتابة الأشياء برسم صورها فقط ، لذلك كانت الكتابة في هذا الطور محدودة الأستخدام و لم يتم بها تدوين لغة معينة ، و أنما كانت مجرد جداول نقشت فيها أشكالاً لحيوانات ومنتوجات زراعية و أدوات عمل كانت تمثل الواردات الأقتصادية للمعابد (كما أسلف) حيث عثر على تلك الكتابات . ومن المرجح أن الأختام المنبسطة التي أبتكرها أنسان وادي الرافدين في مطلع الألف الخامس ق.م و ما كانت تظهره من أشكال على الطين عند الطباعة هي التي أوحت لأبتكار هذا النوع من الكتابة .
و في فترة عصر فجر السلالات الأول 3000_2800 ق.م دخلت الكتابة طورها الثاني الذي سميّ (الطور الرمزي) ، و فيه لم يعد رسم الصور السابقة يقصد به معناها المجرد و أنما معان أخرى جانبية مشتقة منها .... مثلا ًترسم صورة الشمس للتعبير عن الضوء أو الحرارة أو النهار ، أو يكون رسم صورة القدم للتعبير عن المشي و الحركة ، و صورة النهر للدلالة على السقي و الأرواء . وغيرها من المعاني الكثيرة الأخرى . كل ذلك أدى الى أستخدام عدد هائل من العلامات وصل في هذه الفترة الى ما يقارب 3000 علامة ، و هو عدد لم يكن الألمام به بالأمر اليسير طبعاً . و من الجدير ذكره هنا و لعدم نضوج أسلوب الكتابة في الطورين السابقين فأنه يُفضل تسمية فترتهما 3200_2800 ق.م بالفترة الشبيهة بالكتابية أو الشبيهة بالتاريخية .
دخلت الكتابة طورها الثالث الذي سميّ (الطور الصوتي) في عصر فجر السلالات الثاني 2800_2600 ق.م ، و هنا أستخدمت العلامات ليس من أجل معناها الصوري أو الرمزي و أنما لتمثل مقاطع صوتية لتدوين اللغة المحكية ، فكانت تجمع العلامات التي تمثل تلك المقاطع لتشكيل كلمات منطوقة . ويقصد بالمقطع الصوتي هنا (صوت علة+صوت صحيح وبالعكس)... مثل (كي) أو (لو) أو (شا) وغيرها ، أو أن يكون المقطع الصوتي (صوتين صحيحين بينهما صوت علة و بالعكس)... مثل (ليل) أو (كًال) أو (لام) و غيرها ... وبتجميع تلك المقاطع يتم تكوين الكلمة المدونة .. مثل القول في السومرية ...(لو_كًال) و تعني (مَلك) ، (كا_لام) وتعني (أقليم أو بلد) ، (أين_سي) وتعني (أمير) ، (كا_شي_تين) وتعني (خمر) ، (سان_كًا) و تعني كاهن . و مثل القول في الأكدية ... (شا_ار) وتعني (مَلك) ، (أي_لو) وتعني (إله) ، (ما_ات) وتعني (بلد) ، (ما_ار) وتعني أبن . وغير ذلك من الكلمات . و قد صاحب هذا التغيير في مدلول العلامات تغير في شكلها أيضاً ، حيث أخذت تفقد شكلها الصوري القديم تدرجياً لتأخذ أشكالاً أخرى محورة عنها . و يرجع السبب في ذلك الى كون الطين و هو المادة الأساسية المستخدمة في الكتابة كان غير ملائم لرسم صور الأشياء لكنه ملائم جداً لنقش علامات بشكل خطوط مستقيمة ، وذلك بضغط طرف القلم ذو الرأس المثلث و المعمول من القصب أو الخشب قليلاً على وجه اللوح فتتكون نتيجة لذلك خطوطاً أفقية و عمودية و زوايا مائلة ، و كان الشكل المثلث لطرف القلم قد أعطى تلك الخطوط رؤوساً تشبه المسامير ، ومن هنا أخذت شكلها و ميزتها و تسميتها المعروفة . وقد أختزل عدد كبير من العلامات في هذا الطور ليبقى ما مستخدم منها حوالي 800 علامة ، ثم الى عدد أقل في الفترات اللاحقة . و بهذه الطريقة أصبح بمقدور الكاتب تدوين لغته المحكية و أفكاره و معتقداته و أنجازاته الحضارية . فكتب على ألواح الطين مختلف شؤون الحياة .. ادب ، فلك ، طب ، نصوص قانونية ، نصوص دينية ... وغيرها الكثير . وقد كشفت التنقيبات الأثرية على آلاف الألواح المسمارية في معظم مدن وادي الرافدين مما جعلها الحضارة الأكثر غزارة بنصوصها المكتوبة المكتشفة مقارنة ً بالحضارات القديمة الأخرى . و يعود الفضل في ذلك الى قابلية الطين (المادة الأساسية المستخدمة في الكتابة) على مقاومة عوامل الزمن خصوصاً أذا تعرض للفخر ، لتصل ألينا و تكون مرآة تعكس واقع حياة شعب الرافدين و شعوب منطقة الشرق القديم قبل أكثر من 5000 سنة .
أن مايجدر الأشارة و التنويه أليه هو أن البعض يعتقد خطأ ً أن الكتابة المسمارية هي لغة ، حيث ترد أحياناً للأسف عبارة (اللغة المسمارية) وهذا ليس صحيح على الأطلاق ، و أنما هي وسيلة لتدوين لغة محكية معينة . و على هذا الأساس فقد دوّن بهذا الأسلوب من الكتابة العديد من اللغات القديمة ... حيث أستخدمت لتدوين لغتين أساسيتين في وادي الرافدين هما السومرية و الأكدية خلال فترة الألف الثالث ق.م . أما في فترة الألف الثاني ق.م فقد غلب عليها التدوين باللغة الأكدية بلهجتيها البابلية و الآشورية ، بعد أضمحلال اللغة السومرية نتيجة أنحسار دور السومريين السياسي . كما أنتشرت الكتابة المسمارية الى مناطق واسعة من الشرق القديم و أصبحت بالرغم من صعوبتها وسيلة التدوين الرئيسية هناك . و قد ساعد هذا الأنتشار على أنتقال العديد من الأوجه الحضارية الرافدية الى تلك المناطق و خاصة المعتقدات الدينية و النتاجات الأدبية . ففي بلاد أيران أستخدمت الكتابة المسمارية لتدوين كلا ً من اللغتين العيلامية و الفارسية منذ منتصف الألف الثالث ق.م و حتى الألف الأول ق.م . كما أستخدمها (الحثيون) في أسيا الصغرى لتدوين لغتهم خلال الألف الثاني ق.م . وفي فترة مبكرة نسبياً أنتقلت الى بلاد الشام ، حيث أكـتشفت في مدينة (أبلا) القديمة آلاف الألواح المسمارية التي دونت بها لغة أهل المدينة خلال منتصف الألف الثالث ق.م . كما أستخدم الكتابة المسمارية كلا ً من (الحوريين) و(الميتانيين) اللذين أستوطنوا شمال سورية لتدوين لغتيهما خلال الألف الثاني ق.م . كما وصلت هذه الكتابة الى بلاد (الأورارتو) في أرمينيا لتدوين اللغة (ألأورارتية) في مطلع الألف الأول ق.م . وخلال النصف الثاني من الألف الثاني ق.م أصبحت الكتابة المسمارية الوسيلة الرئيسة لتدوين المراسلات و الوثائق الدبلوماسية المتبادلة بين ملوك و حكام وادي الرفدين و وادي النيل و بلاد الشام و أسيا الصغرى بعد أن اصبحت اللغة الأكدية بلهجتها البابلية اللغة الدوبلوماسية الأولى في منطقة الشرق الأدنى القديم . وكما تبين ذلك رسائل (تل العمرنة) في وادي النيل، حيث كشف هناك عن مئات الرسائل المدونة عى ألوح الطين بالخط المسماري و باللغة الأكدية البابلية ، و التي أوضحت طبيعة العلاقات السياسية بين تلك البلدان خلال تلك الفترة.
لقد دعت صعوبة الكتابة المسمارية المقطعية و شدة تعقيدها و كثرة علاماتها الى البحث عن طريقة أسهل للتدوين . فبدأ الميل نحو الكتابة الهجائية الحرفية التي كان قد أبتكرها الفينييقيون في منتصف الألف الثاني ق.م ، و طورها بعدهم الآراميون لتصبح الوسيلة البديلة خلال الألف الأول ق.م في منطقة الشرق القديم . وكان ذلك أيذاناً بنهاية الكتابة المسمارية التي أخذت بالأنحسار تدريجياً ، والتي أقتصرت على تدوين بعض النصوص الدينية داخل المعابد لقدسيتها . حتى أنقرضت تماماً في منتصف القرن الأول الميلادي، وهي الفترة التي وصل ألينا منها آخر لوح مسماري.

نشرت في تاريخ
الصفحة 1 من 5

مسابقة المقالة

كمن ينتظرُ موسمَ الحصادِ في حقـلٍ لا زرعَ فيه - فاروق عبد الجبار - 8.6%
مكانة المرأة في الديانة المندائية- إلهام زكي خابط - 3.3%
الدلالة الرمزية في قصص ( امراة على ضفاف المتوسط ) للقاص نعيم عيَال نصَار - عزيز عربي ساجت - 0%
رجال الدين المندائيين بين الاعداد التقليدي والتحديات المعاصرة - الدكتور كارم ورد عنبر - 85.3%
الإباحية في الفن الروائي والقصصي - هيثم نافل والي - 2.5%

Total votes: 360
The voting for this poll has ended on: تموز/يوليو 15, 2014