طباعة هذه الصفحة
السبت, 07 شباط/فبراير 2026

المندائية في المهجر قوة الحضور... ومسؤولية البقاء

  د صهيب غضبان رومي
تقييم هذا الموضوع
(0 عدد الأصوات)

عبر تاريخها الطويل، عرفت الديانة المندائية الهجرة القسرية أكثر مما عرفت الاستقرار. فمنذ قرون، وأبناء النور ينتقلون من مكان إلى آخر، حاملين معهم كتابهم، طقوسهم، ولغتهم، وذاكرة ممتدة من المعاناة والصبر. لم تكن الهجرة بحثًا عن رفاهٍ، بل كانت في أغلب الأحيان بحثًا عن الأمان وحرية البقاء.

في العقود الأخيرة، اتسعت رقعة الانتشار المندائي بشكل غير مسبوق. خرجت أعداد كبيرة من أبناء الطائفة من أرض الرافدين، ليبدأوا فصولًا جديدة من حياتهم في Australia، United States، Sweden، Germany، Netherlands، ودول أخرى كثيرة.

ورغم صعوبة البداية، استطاع المندائيون أن يثبتوا حضورهم بسرعة لافتة، وأن يقدموا صورة مشرّفة عن دينهم ومجتمعهم.

نجاحات نفتخر بها

خلال سنوات قليلة، تحول المندائي في المهجر من لاجئ يبحث عن الاستقرار إلى عنصر فاعل في المجتمع الجديد. دخل الجامعات، تخرج، برع في الطب والهندسة والتجارة والحرف المختلفة، وأسّس أعمالًا ناجحة. أصبح اسم المندائي مقترنًا بالصدق والاجتهاد والالتزام بالقانون.

بُنيت المندي، وتأسست الجمعيات، وظهرت مؤسسات ثقافية واجتماعية ورياضية، ونمت مبادرات لمساعدة المحتاجين ودعم الطلبة ورعاية كبار السن.

هذه ليست إنجازات صغيرة، بل هي قصة نجاح حقيقية لشعب صغير استطاع أن يقف على قدميه من جديد.

ولكن... هل يكفي النجاح المادي؟

هنا يبدأ السؤال الأصعب.

الاندماج في المجتمعات الجديدة ضروري، لكنه يحمل في داخله خطر الذوبان. الأبناء يتحدثون لغات جديدة أكثر مما يتحدثون لغة تراثهم. ضغوط الحياة والعمل تبعد الكثيرين عن المندي. المسافات الطويلة تجعل المشاركة الدينية أقل انتظامًا.

ومع مرور الزمن، يصبح الحفاظ على الهوية تحديًا حقيقيًا، لا يقل صعوبة عن تحديات الهجرة الأولى.

ما الذي نملكه اليوم في المهجر؟

نملك حرية دينية لم تكن متاحة في كثير من مراحل التاريخ.
نملك قوانين تحمي حقوقنا.
نملك فرص التعليم والتطور.
نملك القدرة على تنظيم أنفسنا عبر الجمعيات والمؤسسات.
نملك وسائل تواصل تجعل العالم قرية واحدة.

هذه أدوات قوة هائلة إذا أحسنّا استخدامها.

وما هي مسؤولياتنا؟

المسؤولية لا تقع على جهة واحدة، بل على الجميع.

الأسرة مسؤولة عن تعليم الأبناء دينهم وهويتهم.
الجمعيات مسؤولة عن خلق بيئة جاذبة للشباب.
رجال الدين مسؤولون عن التوجيه الروحي والحفاظ على صفاء العقيدة.
المثقفون مسؤولون عن التوثيق والتعليم ونقل المعرفة.
الناجحون اقتصاديًا مسؤولون عن دعم المشاريع المجتمعية.

أما الفرد، فهو مسؤول عن أن يبقى مرتبطًا، حاضرًا، مشاركًا.

الشباب: نقطة التحول الكبرى

كل المجتمعات المهاجرة تعرف أن الجيل الثاني والثالث هو الامتحان الحقيقي. إذا شعر الشاب أن هويته تمنحه الفخر والانتماء، سيحملها معه أينما ذهب. أما إذا لم يجد الدعم أو الفهم أو الاحتواء، فسيبحث عن بدائل.

لذلك فإن الاستثمار في الشباب ليس نشاطًا إضافيًا، بل هو مسألة بقاء.

نحتاج برامج تعليمية، أنشطة اجتماعية، مساحات حوار، وفرص مشاركة حقيقية في القيادة. الشباب لا يريد أن يكون متفرجًا، بل شريكًا.

من الفردية إلى العمل المؤسسي

في أوطاننا القديمة، كان المجتمع الصغير يسمح بحلول فردية. أما في المهجر، فالأمر مختلف. المستقبل يحتاج إلى تخطيط، إدارة، واستمرارية.

المشاريع الناجحة هي التي تبنى على مؤسسات لا على أشخاص، وعلى أنظمة تبقى حتى عندما تتغير الوجوه.

صورة المندائي أمام العالم

نحن اليوم أكثر ظهورًا من أي وقت مضى. الجامعات، الحكومات، والمؤسسات المدنية تنظر إلينا باحترام. وهذا يضع علينا مسؤولية أن نكون سفراء حقيقيين لقيمنا: السلام، الطهارة، الصدق، وخدمة الإنسان.

كل نجاح فردي يرفع اسم المجتمع كله.

هل يمكن أن نخسر؟

نعم، إذا اعتبرنا أن البقاء مضمون.
نعم، إذا تعبنا من العمل الجماعي.
نعم، إذا تركنا أبناءنا بلا توجيه.

لكن التاريخ علمنا أن المندائيين يعرفون كيف ينهضون عندما يتكاتفون.

الطريق إلى الأمام

ليس المطلوب المستحيل. المطلوب:

تعليم مستمر.
تنظيم أفضل.
دعم متبادل.
انفتاح مع تمسك بالهوية.
وعمل يشارك فيه الجميع.

إذا فعلنا ذلك، فإن المهجر لن يكون نهاية القصة، بل بداية مرحلة ازدهار جديدة.

كلمة أخيرة

لقد حافظ أجدادنا على الأمانة في ظروف أصعب بكثير مما نعيش اليوم. ومع كل ما نملكه من إمكانيات، يصبح واجبنا أكبر.

المندائية باقية بأبنائها، بوحدتهم، وبإيمانهم بأن النور لا ينطفئ.

الدخول للتعليق