• Default
  • Title
  • Date
  • د صهيب غضبان رومي
    المزيد
    عبر تاريخها الطويل، عرفت الديانة المندائية الهجرة القسرية أكثر مما
  • تحســين الناشئ
    المزيد
    من مذكرات طالب سابق هذه المقالة هي تسجيل لمذكرات شخصية
  • . تحسـين مكلـف
    المزيد
     منذ اِجراء اول تجربة نووية عام 1945 حتى العام 2017
  • تحســـين مكلف
    المزيد
    نهر الأردن Jordan River هو أحد الأنهار التي ورد ذكرها

ترد من آونة لأخرى عبارة ( الفلسفة المندائية ) في العديد من الكتب والمقالات وخاصة في الصحافة المندائية الناشئة وكذلك نجدها في الترجمات لبعض المستشرقين والباحثين في المندائية . ترى ما هو المقصود بتلك العبارة ؟ وما علاقة تلك الفلسفة بالفلسفات المعروفة في حضارات البشرية مثل الفلسفة اليونانية والإسلامية وغيرها ؟ ثم متى ظهرت تلك الفلسفة ؟ وما هي الحقبة الزمنية التي نضجت بها تلك الفلسفة ؟ ومن هو العقل أو العقول المبدعة لها ؟ قد تكون هناك إجابات لتلك الأسئلة لدى البعض وأسهلها طبعا إنها من عند الحي الأقدم أو إنها صحف آدم أو غير ذلك من الإجابات النابعة عن الأيمان لا عن العقل الذي يقدسه المندائيون ولا اعتراض على ذلك لكنها خارجة عن نطاق محاولتنا في البحث عن أيجاد أجوبة علمية لتلك الأسئلة .

إن الخوض في هذه المواضيع لمجازفة حقيقية بالنسبة لي وذلك بسبب الغموض الكثيف الذي يحيط بالمندائية بصورة عامة ولكوني لست متخصصا فيها . ولكن لابد من بداية وكلي أمل أن تغري تلك البداية أحدهم ليسير بها قدما في هذا الطريق الوعرة ، ولابد أن أحدهم سيصل يوما إلى الحقيقة التي نرنو إليها جميعنا .

إلى الآن وجميع المنافذ الجادة مغلقة أمام الباحث في معرفة نشأة المندائية ومن هي تلك العقول الكبيرة التي وراءها وأين انطلقت أولا وغيرها من الأسئلة التي يتشوق كل مندائي وأنا واحد منهم في معرفة الحقيقة العلمية عنها . ومع كل إصدار جديد عن المندائية تكبر علامات الاستفهام ولا ألوم أحد هنا فكل البحوث إلى اليوم تدور في نطاق الظن والفرضيات .

كنا نأمل أن نجد ولو بعض الأجوبة الجادة لتلك الأسئلة في ترجمات ( الكنزا ربا ) ولكن تلك الترجمات جاءت لتزيد الأمور تعقيدا . فترجمة الدكتور " قوزي " والتي نقحت ووضعت بشكل يتماشى مع الظرف الخاص الذي يمر به المندائيون في العراق خرجت وكأنها " وصف العميان للفيل " . تجد فيها حقائق ولا تجد فيها الحقيقة الأهم . أما ما ترجم في أستراليا فلم يكن أكثر وضوحا حيث اختلطت الترجمة بآراء المترجمين سواء العرب أو الألمان . أظن إن ترجمة الكنزا ربا بحاجة إلى جهد أكاديمي متخصص واسع بالتاريخ وتأريخ الأديان خاصة وفي اللغات والفلسفة مع حس مندائي بعيد عن التداخل مع النص .

وبعد الرجوع إلى أغلب ما كتب وترجم في المندائية وجدت إن من بين أهم ما يميز المندائية هي نظرتها في مسألة النشوء والخلق والانبعاث ومسألة النفس وخلودها . فما تقوله المندائية في تلك المسائل ؟ وكيف تشترك في العديد من تلك الأمور مع الأديان والفلسفات الأخرى؟

إذا نظرنا أولا إلى أسطورة نشأة الكون نجد أن الفكرة المندائية عن النشوء تختلف كليا عن تصور الأديان التوحيدية الأخرى لها . فلم يخلق الله السماوات والأرض في سبعة أيام ثم استوى على العرش أو خلد للراحة وإنما ترى المندائية أن نشأة الخلق تمت على مراحل يمتد فيها الزمن لآلاف الآلاف من السنين اشتركت فيها العديد من عناصر الطبيعة وإن تمت بإرادة الحي الأقدم.

ورد في كتاب كنزا ربا" يمين " الجزء الثالث ما يلي :

حيثما كانت الثمرة " بيرا" داخل الثمرة.
وحيثما كان الأثير "آير" داخل الأثير .
وحينما كان " مانا " ذو الوقار العظيم هناك .
ومنه تكونت " المانات " العظيمة الكبيرة .
أنتشر بريقها وعظم نورها . وما كان قبلها في الثمرة العظيمة شئ .فانتشر نورها بلا حدود.أكثر من انتشار الكلام .
وجل نورها عن أن يوصف باللسان والتي كانت وقتئذ في تلك الثمرة ثم تكونت منها آلاف آلاف الثمار بلا نهاية .
وملايين ملايين المواطن بلا عدد.
تقف هناك وتمجد " مانا " الموقر العظيم .
الذي يحل في " آير " العظيم.
وتكون الماء الجاري " يردنا " الذي لا حدود له.
وبقوة الحي العظيم انبثقت منه مياه جارية " يردني "
بلا نهاية ولا عدد.
..................
...............

وهكذا يستمر النص بوصف التكوين الأول " الحياة الأولى " والتي تمت بإرادة الحي العظيم " هيي ربي " وتصور هنا النضج الأول داخل الحياة الأولى " هيي قدمايي" وفي " هيي قدمايي " "الحياة الأقدم " الحياة الأولى تشترك عناصر أساسية في عملية التكوين .

أولا " مانا العظيم " وهو ( العقل أو الفكر المدبر أو اللب أو وعاء الأنا أو النفس" نشمثه " ).

ثانيا " آير" الأثير وهو الهواء النوراني الأول أو الأثير الوهاج أو "آير ربا هيي " أثير الحي العظيم . "وهذه النظرة للتكوين الأول تذكر بالانفجار الكوني الكبير "
وثالثا الثمرة " بيرا " حيث تكونت من تلك الثمرة العظمى الثمار والمواطن .
ويلعب" مانا "( العقل)الدور الأساسي في عملية التكوين هذه وكذلك"مثيله الأنثوي النوراني"
وهنا يتدخل الخيال ويحول عنصر الحياة الأول إلى زوجان وهما الأولان في الثمرة العظيمة
وهكذا أنجب " مانا " العظيم المانات والتي تنشأ منها الحياة الثانية " يوشامن "وتنشأ الحياة الثالثة " أباثر " من الحياة الثانية ومن أباثر تنشأ الحياة الرابعة أو أرض تيبل " أرا تيبل " والتي أسهم في تكوينها " ابثاهيل " . " الفكرة ربما تكون قريبة من فكرة زواج الآلهة البابلية وخلق السماء والأرض وكانت تلك فكرة غنوصية شائعة.

وبعد ذلك العالم الذي يمثل الحياة الأولى" هيي قدمايي" عندما كانت الثمرة داخل الثمرة وكان الأثير داخل الأثير وكانت المانا العظيمة داخل المانا والتي يستغرق نضوجه ستة آلاف ألف من السنين تظهر الحياة الثانية وبنتيجة الإنبعاث تظهر الحياة الثالثة من الثانية مستغرقة ذات الوقت ومع ظهور الحياة الثانية يظهر النقص ويزداد مع كل تكون جديد. وكما تصف الكنزا ربا العملية :

أنا " مانا" أتحدث مع مثيلي " دموثا "
تعال أنا وأنت نود أن نبني
نود أن نبني بهتاف خفي ، نبني الثمرة العجيبة
حتى نغرس الأثمار حتى نهيئ المساعدين
..........................................
.........................................
انثنيت وانحنيت أمام رفيقي وتسلمت منه العهد الثمين
دخلنا المانات واختبأنا وقبلت أن تكون شريكتي
وعندما كانت هنا الحياة الأولى فكرت في الحياة الثانية
وحين كانت الحياة الثانية فكرت في الحياة الثالثة وحين كانت الحياة الثالثة فكرت في الحياة الرابعة .
......................................
......................................

مما تقدم أعلاه يفهم بأن " المانا " العقل هو العنصر الأساسي في عمليات التكوين الأربعة وإن كانت هناك عناصر أخرى تظهر في تلك العمليات مثل الماء "يردني " والنور " يورا " والبخار أو الغاز " تنا " والعديد من الأسماء والتي تكتب دائما "ملكي" بمعنى ملاك أو مخلوقات نورانية .

لننظر إلى ما هو دور العقل " مانا " المندائي أو ( logos ) اللاتينية في عمليات التكوين في الفلسفات اليونانية والإسلامية ؟ وهل التشابه الموجود بينهما جاء بشكل عفوي ؟ في الفلسفة اليونانية القديمة أي قبل ( أفلاطون )"600 قبل الميلاد " كان الاتجاه العام ينحو نحو أصالة الوجود وكان جهد الفلاسفة في ذاك الوقت منصب في البحث عن المادة الأولى المكونة للعالم .

فالفيلسوف اليوناني " طاليس " كان يقول أن الآلهة هي القوة التي بها يتحقق وجود الأشياء وبها تتحرك وإن قوة الآلهة كامنة في داخل الأشياء . ثم ظهرت نظرة فلسفية أخرى تقول إن العالم قد تكون بفعل عامل خارجي هو "العقل" وقالوا أن العقل هو القوة المحركة للعناصر " البذور" الغير متناهية الصغر المكونة للمادة وكون العقل هو قوة مادية تؤثر في تفاعل "البذور". وكانت الفلسفة قبل أفلاطون بصورة عامة هي فلسفة أقرب إلى النظرية المادية أما فلسفة أفلاطون فكانت تدعو إلى جانب أصالة " الماهية " ترى تحكم نظرية المثل "الأفكار " والتي هي ماهيات ثابتة تختص وحدها بصفة الوجود الحقيقي أما العالم الخارجي "المادي " فليس سوى ظلال عابرة لتلك المثل وبمثابة أشباح لها .( فكرة الدموثة المندائية ) .

ثم جاء أرسطو ( 350 قبل الميلاد ) وكان من أول المنظرين لموضوع أصالة الوجود فهو يعترف بأولوية الطبيعة وإن الموجودات " الجزئيات " عنده هي أولى الموجودات وأحقها بالوجود أما الكليات " الأجناس والأنواع " فوجودها قائم داخل الجزئيات وأطلق تسمية الجواهر الأولى على الجزئيات وقال إن ( الأجناس والأنواع ) هي الجواهر الثانية وبذلك نرى أن أفلاطون وأرسطو يرون أن الصورة تتفوق على المادة ويتفوق العقل على المحسوسات . ويرى الفكر اليوناني القديم بصورة عامة بأن الوجود أزلي أي أنه لا يأتي من العدم ويرون أن الله هو جزء من هذا الوجود ويمثل قمته ( القمة في الوجود ) . ويرون أن العالم عمل فني إلهي لا بأصله وإنما بتنظيمه .

أما الفلسفة اليونانية الحديثة ( إفلوطين 200 بعد الميلاد ) فهي تحصر الوجود الحقيقي في عالم العقول ( المانا ) الروحانية وهو تعبير عن الماهيات الكونية أي أن نظام الكون قائم على فكرة أصالة الماهية وكل شئ يتركب من مادة وصورة . وترى أن الكون نشأ عن طريق الفيض ، حيث أن الفيض الأول صدر عن حكم الله بالضرورة والطبع لا عن إرادة واختيار لأن الإرادة تنتهك هنا وحدانية الله والطبع هنا يعني إنه كما الله بذاته اقتضى أن يفيض عنه النور الذي هو وجود الكائنات وفق نظام مترا تب الدرجات . ولأن العالم المادي وجد عن طريق الفيض من المبدأ الأول بوسائط العقول الفلكية المفارقة فإن الفيض ما أن ينتهي إلى هذا العالم حتى يكون نصيبه من الإشعاع الإلهي ضئيلا وبذلك يمثل العالم المادي والظلام بالقياس إلى الأفلاك المفاضة عن الله مباشرة ( انظر كيف يدخل النقص بعد الحياة الثانية " يوشامن " ثم الثالثة " أباثر والرابعة " ابثاهيل حسب النظرة المندائية لمراتب التكوين ).

وترى الأفلوطينية كذلك إن كل ما هو مادي هو إمكانية وإن الفكر هو الذي يخلق العالم الواقعي لهذه الإمكانية وهي موجودة بالقوة " أي إنها كامنة في الشيء ذاته " قبل وجودها المادي الواقعي ، أي إنها ذات وجود أزلي ، وترى أيضا أن العالم المادي خسيس لأنه الدرجة الأدنى من درجات الفيض . حتى أن افلوطين كان يخجل من جسده كونه سجنا لنفسه . وهكذا يذكرنا باحتقار المندائيين للجسد ( بغره ) وتقديس النفس التي بداخله فقط .

ترى فلسفة افلوطين إن صدور الوجود هو اضطرارا أي غير مقترن بإرادة أو اختيار " إنما هو فيض " وترى أن الروح وحدها هي التي تصعد إلى الباري وترى أن الألوهية مبثوثة في كل مكان وذلك لأن الجسم المطلق " الهيولي " قد أتى عليه دهرا طويلا إلى لأن تمخض وتميز منه الكثيف واللطيف وإلى أن أخذ الأشكال الكروية الشفافة " الفلكية "، والتي تركب بعضها في جوف بعض ( تذكرنا تلك الأفكار كثيرا بالفكر المندائي من حيث النفس والجسم وصعود النفس فقط إلى باريها وكذلك تكون البذرة داخل البذرة ) . وإلى أن استدارت أجرام الكواكب النيرة وركزت مركزها وإلى أن تميزت الأركان الأربعة وترتبت مراتبها وانتظم نظامها .

بذلك نفهم من النص أعلاه وما سبقه أن الأجرام الفلكية وعناصر الطبيعة وما تولد منها من معادن ونبات وحيوان تكونت بعملية داخلية متسلسلة المراحل . بدأت من الجسم المطلق " الهيولي الأول" واحتاجت إلى وقت طويل حتى انتقلت إلى مرحلة التمخض الذي جرى بعملية جديدة أو بمرحلة أخرى في العملية المتصلة نفسها حدث خلالها نوع من الانتقاء أدت عملية الانتقاء هذه إلى قبول الجسم المطلق " الهيولي الأول " أولى أشكال المادة وهي الأشكال الكروية للأفلاك ثم جاء دور العملية داخل هذه الأشكال ( بتركيب بعضها في جوف بعض ) ثم حلت مرحلة انتقاء جديدة هي استدارة أجرام الأفلاك النيرة واتخذت مراكزها وتميزت أركانها الأربعة وهكذا كانت منها المولدات من معادن ونبات وحيوان ويصورها افلوطين بفلسفته بأنها عملية ارتقائية .

إن الأفلاطونية الحديثة بحاجة إلى دراسة مقارنة مكثفة مع الفكر المندائي . ففيهما تشابه كثير قد يساعدنا في فهم الفكر المندائي وحتى نشأته ربما.

أما الفلسفة الإسلامية والتي جاءت لاحقا أي أنها جاءت بعد المندائية زمنيا ستفيدنا دراستها حتما ابتداء من أخوان الصفا وحتى أبن رشد وذلك للبحث عن الفكر المندائي الذي قد يكون بعضه موجود فيها سواء كان تأثيرا أو التقاء فليس هناك انقطاع في مراحل تطور الفكر البشري ولابد أن ولادة أي فكر ستأتي من فكر الآخرين وإن كان يعارضه ظاهريا .

قبل الخوض في الفلسفة الإسلامية حبذا لو يساهم إخواننا المندائين المعنيين بالفكر المندائي في مناقشة ما ورد في المقالة لغرض التقرب من الحقيقة.

المصادر :
كنزا ربا الطبعة العراقية
كنزا ربا الطبعة الأسترالية
كتاب النشوء والخلق في النصوص المندائية للدكتور كورت رودولف – ترجمة الدكتور صبيح مدلول
معرفة الحياة س . كوندوز ترجمة الدكتور سعدي السعدي
الموسوعة الفلسفية
خريف الفكر اليوناني – عبد الرحمن بدوي –
افلوطين عند العرب – عبد الرحمن بدوي –
موجز حضارة وادي الرافدين – طه باقر –
الصابئة المندائيون – الليدي دراور -
مصادر أخرى مندائية متفرقة وغيرها

نشرت في تاريخ
الأربعاء, 03 نيسان/أبريل 2013 18:00

من حقوق المرأة الصابئية

يعتقد الصابئة المندائيون بان من يعيش بلا زوجة طيلة حياته، لاجنة له في آخرته فالزوجة هي الجزء المتمم للرجل وهي التي تنجب له الاطفال، ويعتبر الانجاب جزءا متمما للدين والاولاد هم الذين يحملون الجنازة، ويقومون باجراء الطقوس الدينية الواجبة بعد الوفاة، والتي تساعد الميت على بلوغ الجنة في آخرته والرهبنة في الدين الصابئي محرمة غاية التحريم لانها ضد الحياة، والحياة في العقيدة المندائية الصابئية هي محور الدين.
ليس المهم لدى الصابئة مجرد الزواج فقط او ان الزواج متعة من متع الحياة، او قضاء نزوة جنسية، او شهوة جسمانية، او رغبة نفسية، انما يقصد بالزواج الانجاب، وفي الانجاب دوام للجنس وبدوام الجنس تدوم العقيدة والايمان، ان الروحاني(ترميذه) الذي لا يتزوج لا يحق له ان يرقى دينيا الى مرتبة اعلى من مرتبته اي انه لا يرتفع الى درجة(كنز فره) مهما بلغ كماله الديني او علمه اللاهوتي، لانه يعتبر في مثل هذه الحالة ناقصا، ولا يكتمل الا بذرية من زوجة، ويعامل نفس المعاملة فيما اذا تزوج ولم ينجب اطفالا.
ذلك بالنسبة للروحاني، اما بالنسبة للعامة من المندائيين، فلا يصح للاعزب ولا للمتزوج العقيم ان يترأس الواحد منهما حمل الجنازة، او ان يتوكل احدهما فيكون ابا للزوجة،(وكيلا عنها) في عقد الزواج ويسمى (ابهاثا) اي الاب.
والخلاصة ان الزوجة في الدين تكمل الزوج في العقيدة المندائية الصابئية في هذه الدنيا، وفي الاخرة تعود لزوجها وتسكن معه بعد ان تنهي النفس عقوبات حياتها والحسابات الاخرى المسجلة عليها، وتحمل خطايا ومسؤوليات اعمالها في هذه الدنيا.
ويجوز للفرد الصابئي ان يتزوج اكثر من زوجة على شرط تحقيق عدم الانجاب كالعقم مثلا او المرض المعدي. كما يجب ان يعدل الزوج بين زوجاته. ومع كل ذلك فأنهم عمليا يفضلون الزوجة الواحدة كما يفضل الدين ذلك، اما اذا تعددت الزوجات فاقدمهن عندهم في كل مناسبة دينية هي ذات الحظوة الاولى من بينهن.
ويجوز للصابئي ان يتزوج اية صابئية عدا الاخت وذريتها وابنة الاخت وذريتها وزوجة اخيه وبنات ضرة اخته والعمة والخالة او الجمع بين اختين والى ما هناك من شروط، ويمنع الدين الزواج من غير صابئية اذ انه والحالة هذه يخرج من دينه، وقد ورد في ديوان(ترسرالف شياله)-اي اثنا عشر الف سؤال، وهو احد كتب الصابئة اذ ذكر فيه جواز الزواج من المسيحية انما بعد اجراء طقوس خاصة وصعبة عليها.
يعطي الدين الصابئي للمراة كل الحقوق الممنوحة للرجل، فقد منحها حرية التعليم، وحرية العمل، وحرية اختيار الزوج، ويمنع منعا باتا معاملتها بقسوة، وجوز للمرأة العمل الكهنوتي، حيث قد ارتفعت بعضهن الى مرتبة(ريش أمه)-رئيسة امه- وهي اعلى درجة كهنوتية في الدين كما اجاز لها طلب الطلاق.
ويجوز تسمية الطفل باسم امه فيقال عند اجراء اي طقس من الطقوس الدينية للشخص (فلان بر فلانه للذكر) او (فلانة بث فلانه للانثى).
ولهذا الانتساب في الدين الصابئي سبب غير الاسباب التي يذكرها علماء الاجتماع في تكوين الاسرة، فالصابئة يدعون على انه بعد ان امر الله سبحانه وتعالى بخلق ادم من طين خلق حواء من جسمه، وبعد انجابهما لم يتزوج الابناء اخواتهم انما ارسلت البنات الى عالم اخر فيه اناس مثلنا يسمونه (امشوني كشطه) اي ارض العهد، وجيء بفتيات من امشوني كشطه الى اولاد آدم فتزوجوهن، وعلى هذا الاساس فالمرأة في نظر الدين من عالم غير عالمنا، فقد اتت من عالم كله طهارة وعهد، ثم يقولون ان آدم خلق من طين وحواء خلقت من جسمه وعلى هذا الاساس فتسمية الابن باسم امه اعلى من تسميته باسم ابيه(آدم من طين اهوه،هوه زوى من كانا ادنافشي اهوت)، اي ان ادم خلق من طين وزوجته حواء خلقت من نفسه وبذلك فهي اطهر من الطين.

الأربعاء, 03 نيسان/أبريل 2013 17:54

الديانة المندائية وانبيائها المقدسين

 

أن المندائية ديانة قديمة موحدة مستقلة بذاتها، لها فلسفة دينية ولاهوتية، وكتاب مقدس، ومجموعة من الانبياء والاباء والمعلمين المقدسين، التي تتبع تعاليمهم لحد الآن، ولها أيضا نظام ديني طقسي يتم بموجبه أداء كافة مراسيمها الروحية. ومثلما تتفق الديانة المندائية مع الديانات الأخرى في بعض المفاهيم والطقوس والفلسفة الدينية، تختلف مع بقية الأديان بكثير من الأمور وهذا ما يميز الديانة المندائية عن غيرها، وما يميز الديانات الأخرى. فلذلك أن الديانة المندائية وببساطة ليست طائفة يهودية كما يزعم البعض خاطئين لأنها لا تتبع تعاليم التوراة، وأيضا ليست طائفة مسيحية كما يزعم البعض الاخر لأنها لا تعترف بالمسيح كاله متجسد، على الرغم من وجود تشابهات كثيرة فيما بين تلك الاديان او غيرها والديانة المندائية. سوف نحاول ان نسلط بعض الضوء على مفاصل مهمة من المندائية، وبقدر ما يسمح به وقتنا.

 

أن الصابئة المندائيون يؤمنون أشد الأيمان بأنبيائهم ومعلميهم وآباءهم الأوائل الذين انبنت على أيديهم وعلى مختلف عصورهم الديانة المندائية .. فكان لهم الأثر الكبير على تعاليم الديانة الصابئية المندائية ومبادئها وفلسفتها وحتى طقوسها ومراسيمها الدينية .. وان الآباء والمعلمين الأوائل هم:

• النبي والأب والرجل الأول آدم (أبو البشر) والذي يحتفظ المندائيون بصحفه السماوية.

• النبي شيتل بن آدم الرجل الأول (الغرس الطيب) والذي أفدى والده ، فكانت روحه الأقدس من بين البشر.

• النبي سام بن نوح (المتعبد الخاشع) والذي تزخر الكتب الدينية المندائية المقدسة بصحفه وقصصه وتراتيله.

• النبي يهيا يوهنا _ يحيى بن زكريا _ يوحنا المعمدان (الحبيب المرتفع) ويحتفظ المندائيون بكتابه الذي خطت قسم منه أنامله المقدسة وزاد عليه تلاميذه من بعده .. وهو معلم الحق الأخير الذي يؤمن به الصابئة المندائيون.

 

إن المندائية، من الديانات الموحدة (Monotheism) ، والتي تؤمن باله واحد معبود مستقل ومبعوث بذاته (الاها اد من نافشي افرش – الإله الذي انبعث من ذاته)، غير محدود الأسماء والصفات والقوة والإرادة، فلذلك تطلق عليه اسم (هيي – الحي = الحياة) والحياة هنا يقصد مفهومها العام والشامل المتمثلة بالحركة اللانهائية للوجود. والحي الرب موجود ومنتشر في جميع الفضائل ويسكن الشمال القاصي، فلذلك يتجه المندائيون في اداء كافة مراسيمه الدينية الى جهة الشمال والتي تسمى ب(بيت اواثر).. ويسمى في اللغة المندائية ب(هيي) أي الحي أو الحياة .. لان الحي هو جميع الحياة، والحياة بأكملها هي الحي.

 

اسس الايمان المندائي:

 

ان أهم نقاط وأسس الأيمان المندائي ممكن ان نلخصها بالاتي:

• الأيمان برب خالق الأكوان منزه عن السيئات مقيم في ملكوته الحي في أقصى الشمال ومقيم في جميع الفضائل والجمال. وهو غير محدود ابدي وأزلي في كينونته، ليس له حدود في صفاته، وقوته، وعظمته. فلذلك تسميه الحياة العظيمة.

• الأيمان بان هذا العالم جزء بسيط وصغير جدا من خلق الحي العظيم. فلذلك يؤمن المندائيون بوجود كائنات اخرى ربما تعيش في بعض الكواكب.

• الأيمان بان هناك معركة ما بين الخير والشر في هذه الحياة. ويمثل الخير بالنور وبالمياه الحية العذبة الجارية، ويمثل الشر بالظلام وبالمياه الميتة المالحة .. وتؤمن المندائية بان من الاهمية امتزاج المياه الحية التي جاءت من عوالم النور والحياة، بالمياه الاسنة الارضية، لان من عبق وعطر الاولى تزدهر الاخيرة وتنتعش. 

• الأيمان بوجود الحياة الأخرى وبان الإنسان يجب أن يحاسب على أعماله وعبادته عند وفاته في أماكن خاصة تدعى (مطراثي – مطهرات)، فالمندائية لا تؤمن بوجود الإنسان الخير المطلق ولا الإنسان الشرير المطلق، وانما تؤمن بان على الجميع الاعتراف بأخطائه وزلاته ونقصه وعليه ان يطهر قلبه وافعاله من كل ما لحق به في حياته على الأرض ويرتقي بعدها الى عوالم النور حيث الحقيقة والصفاء والنور والحياة المتقنة.

• الايمان بان نفس الانسان والتي تسمى (نيشمثا) والتي هي نفسها (مانا – العقل) هي نفحة من نفحات الخالق الرب العظيم والتي جاءت من ملكوت الحياة (بيت هيي) واستقرت في جسد الانسان، وتدعى ايضا بالجوهرة النقية التي يجب ان ترجع الى ملكوت الحياة بعدما تنقى من الشوائب التي لعقت بها اثناء مرورها بالحياة الارضية .. فلذلك يؤمن المندائيون بفلسفة عودة الاشياء الى اصلها بدورة كاملة ومتقنة وهي دورة الحياة الطبيعية.

• الايمان بان التعميد (المصبتا) هو الطقس الضروري لانقاذ الانفس من براثن الاسرار المادية وتقوية النفس البشرية بانعاشها بنور الحياة المتجسد بالمياه الحية الجارية.

• الأيمان بالمعرفة لأنها الطريق الموصلة الى رب الوجود وعلة هذا الكون. وبالتالي الاتحاد بحياته العظيمة. وخاصة ان المعرفة (مندا) صنو الايمان (هيمنوثا) في الفكر المندائي، ويعتبران حالة مثالية للانسان المؤمن الذي يبغي الحياة الروحية في المندائية. والتي من خلالها يصبح جبلا لا تزحزحه الرياح.

• الايمان والتمسك بالسلام وعدم الاتكال على قوة السلاح في مواجهة المصاعب والمحن في تلك الحياة.

• الايمان بان الحياة هي المصدر العظيم للمعرفة.

 

اهم المحرمات المندائية:

 

اما اهم المحرمات التي تنهي عنها الديانة المندائية فهي:

• جدف أسم الله ( أي الكفر به وتوطئة شانه).

• القتل ، السرقة ، الخداع ، الزنا، الكذب ، التأويل ، شهادة الزور ،الحسد ، النميمة ، الغيبة ، خيانة الأمانة والمعشر ، وكل ما يسيء التصرف الإنساني .

• السجود لغير الحي العظيم وعبادة الكواكب والأفلاك و البشر والنار والماء ، وكل شيء غير الخالق الأزلي (هيي ربي).

• السحر والشعوذة بكل أنواعه.

• قتل الحيوان بدون سبب، وتاذيته عند نحره.

• أكل دم الحيوانات والميتة منها ، وذبح الحامل، واكل الحيوانات المفترسة.

• كل الأعمال التي تضرر صحة الإنسان الجسدية والروحية والعقلية.

• البكاء والنواح ولبس السواد على الموتى .

• إعطاء الصدقة والتحدث بها.

• االختان وأي تغيير في جسد الإنسان الذي وهبه الله له.

• تلويث الطبيعة والأنهر.

• الانتحار وإنهاء الحياة والإجهاض المتعمد .

• الحلف او القسم اذا كان باطلا.

• الرهبنة.

• التشبث حد العبادة بالدنيا الفانية وبمقتنياتها الزائلة.

 

المصبتا .. شعار الديانة المندائية:

 

ان الطقس المركزي في الديانة المندائية هو (طقس المصبتا = الصباغة = التعميد) والذي يجري في الماء الجاري (الحي) الذي يعتبر رمزا للحياة.

 

الميثولوجيا المندائية تعتبر المصبتا سماوية وليست أرضية، فالمصبتا تمارس من قبل جميع الملائكة في عوالم النور، لغرض الارتقاء بالعلم والمعرفة إلى عوالم أنقى والتبجيل للحي العظيم "مسبح اسمه".

 

ومن لاهوتية المصبتا ان الارتماس (الطماشا) في الماء الجاري الحي (يردنا) هو انغماس في السائل الحيوي للحياة فهو يمنح الجسد المادي الصحة والعافية والقدرة والديمومة على المواصلة، ويخلص الإنسان من قوى الموت ويعد بحياة خالدة أبدية.

 

والمصبتا في نفس الوقت علامة التطهير الاولى، التي جبل عليها الانسان فطريا، فكما يطرد الماء القذارة والاوساخ والنجاسة من الجسد، كذلك يطرد الخطيئة والنجاسة من النفس، وخاصة اذا كان مصاحبا بذكر الحياة الحية (الحي العظيم). ولاننسى هنا بان جوهر الفكر المندائي ان يصاحب النظافة والطهارة وصحة الجسد والطاعة في اداء المراسيم، سلامة العقل والفكر والضمير واطاعة القواعد الاخلاقية والالتزام باركان الدين.

 

والمصبتا ولاهوتها عبارة عن مراسيم فيها رموزا كثيرة تعبر عن الحياة وديمومتها، ومترابطة مع صلوات وتضرعات وتراتيل وشعور بالندم، والاحساس بامكانية الخلق والولادة الجديدة، وندم الى الحي العظيم (مسبح اسمه). فهذه كلها مجتمعة تجلب مميزات اليردنا السماوي وخواصها الالهية وتجعلها حالة في الطقس. فهي تجعل طالب التعميد المندائي قادرا على الاستفادة منها والانتعاش من قوتها السماوية، وصفة الحياة والطهارة بشقيها الروحي والمادي تكسبها لمن يتناولها.

 

فخلاصة (المصبتا) صيرورة الانسان من ابناء النور والعهد الحق، واكتساب الخلود الروحي في عالم الانوار عن طريق الاتحاد بالشبيه (دموثا) والمعرفة الحية والتطهر من الخطيئة التي تثقل حاملها، وتجره الى مسالك ومهالك الظلمة.

 

الطائفة وبعض تسمياتها في التاريخ:

 

أطلقت عدة تسميات على المندائيين في التاريخ، سواء هم أطلقوا على أنفسهم أو الأقوام المجاورة عرفتهم بها. ومن هذه التسميات ومعانيها كالآتي:

• المندائيون .. من (مندا) أي العارفون بوجود الحي العظيم، أي الموحدون.

• الناصورائيون .. وهي تسمية قديمة جدا، وتعني المتبحرين او العارفين بأسرار الحياة. أو (المراقبين ، الحراس).

• الصابئة .. من (صبا) أي المصطبغون (المتعمدون) باسم الرب العظيم.

• المغتسلة .. من (غسل) أي تطهر ونظف. وأطلقها المؤرخون العرب، وذلك لكثرة اغتسالهم بالماء (تعميدهم وغطسهم بالماء). 

• شلماني .. من (شلم - سلم) وهي تسمية آرامية مندائية تعني المسالم.

• ابني نهورا .. أبناء النور، وهي تسمية أطلقت عليهم في كتبهم الدينية.

• اخشيطي .. من (كشطا) أي أصحاب الحق او أبناء العهد، وهي تسمية أيضا أطلقت عليهم في الكتب الدينية.

• المصبتيين .. من (مصبتا) أي المتعمدين او المصطبغين وهي اصل كلمة (الصابئة) في اللغة العربية .. وقد أوردها الكاتب المسيحي هيغوسيبوس.

 

المندائية وتساوي الجنسين:

 

ان الفكر المندائي يعطي قدسية عظيمة للعنصر الذكري والعنصر الانثوي في هذه الحياة، ويعتبرهما من التكوينات السماوية الاولى والمتوازية في الخلق، حيث يرمز للعنصر الذكري ب(سيندركا- النخلة او رمز التكاثر والثبات) ويرمز للعنصر الانثوي ب (اينا – عين او ينبوع المياه). وان اتحادهما يمثل القوة الخالقة والتي هي الحياة.

 

من هنا نفهم أن المندائية تؤمن بان العنصر الأنثوي ليس طارئا على الخليقة، وانما موجود في الأصول الاولى للخلق. فهناك نرى ورود عدد كبير من اسماء الكائنات النورانية الانثوية، التي لها قداستها في الايمان المندائي، والتي تاتي مصاحبة للكائنات النورانية الذكرية (من ملائكة، اثري، ناطري) وقرينة لهما. ومن امثال تلك الكائنات النورانية الانثوية نورد بعضها: سيمات هيي (ام الحياة)، ازلات ربتي (ازلات العظيمة)، مركنيثا دكيثا (الجوهرة الطاهرة)، بهرات انانا (السحابة النقية) ...الخ. فقد جاء في كنزا ربا ما يلي: 

(( اذهب واخلق رجلا واحدا وامرأة واحدة وأطلق عليهما الاسمين آدم للرجل وحواء للمرأة)).

 

درجات الكهنوت المندائي:

 

ان رجال الدين المندائيين على درجات متفاوتة، كلا حسب درجته الدينية التي ينالها نتيجة دراسته واكماله الطقوس الروحية الواجبة ونتيجة ايضا ترشيحه من قبل رجال الدين البقية. وان درجات رجال الدين المندائيين كالاتي:

• الربي: أي معلم الحق .. وهذه الدرجة روحية لايمكن احد ان يصلها الا باختيار من الرب العظيم، وهي بمثابة النبي او المشرع لامور الدين، وان اخر انسان وصلها حسب ايمانهم هو يوحنا المعمدان او كما هو معروف عند المسلمين النبي يحيى بن زكريا. أي قبل حوالي 2000 سنة.

• الريشما: أي رئيس الامة، ويوجد شخص واحد فقط بهذه الدرجة.. وهو رئيس الطائفة الروحي.

• الكنزبرا: أي (ابن الكنز) ويقصد به (المفروض!!) من هو فاهم فهما عاليا بامور الكتاب المقدس للطائفة من تشريع وتفسير .. وهو المسؤول عن اداء كافة الطقوس الدينية مثل الزواج وغيرها .. ويوجد اربعة من هذه المرتبة.

• الترميذا: وهو رجل الدين الذي له الحق في اداء المراسيم الدينية لعامة الطائفة وهو الذي يقوم بتثقيف ابناء الطائفة وتعليمهم .. ويوجد 30 ترميذا في العالم.

• الشكندا: وهو المساعد الديني لرجال الدين عند ادائهم الطقوس الدينية، وبدونه لايتم أي طقس ديني كبير.

 

ويجب ان يمر المرشح لنيل الدرجة الاولى من سلم رجال الدين، باختبارات دينية وسلسلة من الطقوس التي تستمر لمدة اسبوع واحد يلبس خلالها مع استاذه المشرف، الملابس الدينية البيضاء الخاصة بالموت والتي ترمز الى موت حياته القديمة وولادته مرة اخرى .. يتبعها فترة اعتكاف للصلاة والتامل والدراسة لمدة 60 يوم من العزلة التامة، حينها يستلم هداياه واسلحته الكهنوتية وهي (خاتم الحياة وهو من الذهب الخالص ويجب ان يرتديه مادام حيا في خنصر يده الايمن، وعصا الكهنوت من شجرة الزيتون، والتاج الذي يحاك من الحرير الخالص، وباقة من اغصان شجرة الاس التي ترمز لخلود عطر الحياة الطيب) بعدها يصبح المرشح برتبة ترميذا. ومن المفيد ان نذكر ان رجال الدين المندائيين يتزوجون وينجبون لان عدم الزواج لديهم محرم، وايضا ان رجل الدين يجب ان يكون خاليا من أي عاهة جسدية او عقلية، وصحيح النسب من ابويه. وان رجل الدين المندائي يعد وجبات طعامه بنفسه والمتكون من مواد طازجة وطبيعية غير صناعية، ولا يحق له تناول الطعام مع عامة الناس.

 

بعض الشروط التي يجب توافرها في الشخص الذي يبغي ان يصبح رجل دين:

• ان يكون سالما من الامراض العضوية والعقلية.

• ان يكون جسده كاملا ولا يوجد اي نقص او زيادة في اعضاءه.

• ان يكون عمره 21 سنة فما فوق. ويوافق عليه مجلس عموم الطائفة من الناحية الاجتماعية (حسب ماورد في النظام الداخلي للطائفة في بغداد).

• ان يتخرج من المدرسة الدينية، وان يكون تلميذا لاحد رجال الدين.

• ان يكون لديه خبرة في كيفية اداء المراسيم الدينية.

• ان يكون على درجة جيدة من الثقافة العامة.

 

اوردت الباحثة والمستشرقة الانكليزية المشهورة في الشان المندائي (الليدي دراور) في كتابها (المندائيين في العراق وايران) بان الطائفة سوف لا تستمر الى فترة اطول لان رجال دينها الموجودين في تلك الفترة كبار في السن وان حتى ذريتهم ترفض ان يكونوا رجال دين ..اعتقد لو ان الباحثة اعلاه لازالت على قيد الحياة وموجودة في ما بيننا الان لكانت قد غيرت رايها وهي تتجول فيما بين طائفتنا الان!!

 

على كلا هنالك حقائق وراء تبنيها لرايها السابق .. ومن اهم الحقائق هي ان الانخراط في السلك الديني بقى محصورا لفترات طويلة وراثيا في عوائل خاصة في الطائفة، الى ان جاء الريشما عبدالله الكنزابرا نجم الى رئاسة الطائفة الروحية( مع عدة عوامل اخرى) بدأ عدد كبير من الشباب المندائي بالانخراط في السلك الكهنوتي.

 

لم اكن يوما افكر بان اصبح رجل دين، وانما كنت ملهما ومتلهفا بالمفاهيم الدينية والاخلاقية المندائية، ومتمسكا بالحياة الدينية والاخلاقية المندائية. فلم تكن عائلتي من فئة رجال الدين وانما فئة لها مؤهلاتها العلمية والمهنية. وما تروني الان كحالة واقعية امامكم الا نتيجة هذا التحول في بعض المفاهيم الدينية والاجتماعية للطائفة، بعدما كانت مغلقة لعدة اسباب على نفسها في بيئة قاسية ومضطهدة لها وهي بيئة جنوب العراق. فقد اصبح الان اكثر من 27 رجل دين واكثرهم من الفئة الشابة بعدما كانوا 7 في فترة بداية الثمانينات من القرن الماضي. هذا احد الادلة القوية على تمتع هذه الطائفة بقدرة ورغبة كبيرة في البقاء والاستمرار .. لان مؤمنيها يؤمنون بان اذا انقرضت المندائية من هذه الحياة فان فناء الارض سوف يكون قريبا.

 

بعض الامور العصرية التي تواجه الطائفة المندائية:

 

في فترات معينة وطويلة، استطاع المندائيون ان يجابهوا الظروف القاهرة المحيطة بهم، بالانعزال التام عن مسرح الاحداث، او على الاقل الابتعاد نسبيا عن مدى تاثيراتها .. وساعدتهم في ذلك البيئة القديمة التي كانوا يعيشونها في جنوب بلاد الرافدين، في قرى صغيرة موزعة على ضفاف الانهر وما بين الاهوار، والاضطهاد الكبير والمستمر الذي تعرضوا له من قبل اغلبية جيرانهم وذلك بسبب النظرة الخاطئة والمريبة (مع العلم ان لهذا الانعزال ايجابياته في وقته، وسلبياته التي نجابهها الان بسبب ذلك الانعزال). ولكن هل الانعزال في ظل هذا الوقت هو الحل الصحيح لديمومة الطائفة؟! في ظل فرص الحرية والديمقراطية التي تتمتع بها في الدول المتحضرة وفي ظل التحول السريع للنظام العالمي والذي جعل من العالم قرية عالمية صغيرة وما رافقه تحول في البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية!! سؤال مطروح لابناء الطائفة. وان التغير في الظروف التي تعيشها الطائفة في الوقت الحاضر هو من اكبر التحديات التي مرت بها الطائفة على مدار مئات السنين الماضية.

 

من اهم الامور التي تواجه الطائفة هي:

1. كيفية تثبيت حقوق الطائفة الدينية والمدنية في كل من العراق وايران.

2. كيفية ابقاء وسائل الاتصال بين جسد الطائفة التي تقطع الى اوصال صغيرة منتشرة على اكثر من 12 دول في العالم.

3. كيفية تخليص المندائية من بعض الافكار الغير جوهرية والغير مناسبة والتي علقت بها مع مرور الزمن، وتشذيب الطقوس والمراسيم واظهار الجانب الروحي والمهم والحقيقي منها.

4. هنالك عدد من ابناء\بنات الطائفة الصابئية المندائية الذين تزوجوا من خارج محيط الطائفة لاسباب متعددة .. وفي نفس الوقت مصرين على ايمانهم المندائي، وترغب ذريتهم بالانظمام الى الجماعة المندائية.

5. كيفية استقطاب الفئة الشابة في المجتمعات الجديدة التي تعيش بها الطائفة، وكيفية وضع الخطط الناجعة لاستقطابهم.

 

يؤمن الكثير من ابناء الطائفة بان على المندائية ان تتبنى خطوات جديدة لتستطيع ان تستمر حية وقوية وخاصة في ظل الظروف الجديدة التي تعيشها الطائفة وكذلك في ظل التحول الذي حصل لابناء الطائفة من النواحي الاجتماعية والاقتصادية والعلمية. فلذلك ان رجال الدين ومثقفي الطائفة ومؤسساتها كافة يتحسسون اهمية عقد مؤتمر عام لرجال الدين المندائيين في العالم من اجل مناقشة بعض الامور المهمة التي طرات على حياة هذه الطائفة، ومناقشة تشكيل مجلس ديني عالمي يضم جميع رجال الدين في العالم له الية خاصة من اجل مواصلة خدماته والوصول بنجاح الى اهدافه .. نطلب من الرب العظيم القوة والشجاعة لتحقيق هذا الامر المهم .. دعوتنا ان يلتفت رجال الدين ومثقفي الطائفة وخادميها الى امور اكثر جدية ويتركوا المهاترات والمناحرات الداخلية التي لاتغنى ولاتسمن احدا سوى المنتفعين والطفيليين.

 

 

وجدت من المناسب أن ابتدئ الحديث عن التوحيد الصابئي المندائي بذكر نصوص من كتابهم المقدس ( كنزا ربا ) الكنز العظيم لتكون مدخلا لمعرفة هذه الديانة وإضاءة أسسها التي تستند أليها وجواهرها التي قامت عليها .. (باسم الحي العظيم .. مسبّحٌ ربي بقلبٍ نقي .. هو الحي العظيم.. البصير القدير العليم العزيز الحكيم.. الأزلي القديم.. هو العظيم الذي لا يرى ولا يحد لأشريك له في سلطانه ولا صاحب له في صولجانه.. هو الملك منذ الأزل لا أب له ولا ولد ولا يشاركه ملكه احد.. موجود منذ الأزل .. باق ٍ إلى الأبد(1) ( قل يا عبادي لا تزنوا ولا تسرقوا ولا تنتهكوا حرمات الناس.. لا تكنزوا الذهب والفضة فالدنيا باطلة ومقتنياتها زائلة.. لا تسجدوا للشيطان ولا تعبدوا الأصنام والاوثان.. صوموا الصوم الكبير.. صوم القلب والعقل والضمير.. يا أصفيائي لا تقربوا الملوك والسلاطين والمردة في هذا العالم ولا تثقوا بهم .لا بأسلحتهم ولا بحشودهم ول تلووا أعناقكم للذهب والفضة التي يكنزون أنها سبب كل فتنة سيتركونها وراءهم يوم إلى النار يذهبون .. لا تأكلوا الدم ،ولا الميت، ولا المشوه، ولا الحامل ولا المرضعة ولا التي أجهضت ولا الجارح ولا الكاسر ولا الذي هاجمه حيوان مفترس وإذا ذبحتم فاذبحوا بسكين من حديد.. إذا اتخذتم لأنفسكم أزواجا فاختاروا من بينكم وأحبوهن وليحفظ أحدكم الأخر. هبوا الخبز والماء والمأوى لبني البشر المتعبين المضطهدين .. إياكم والهُزءَ بمعوق أو السخرية من ذي عاهة . أن الأجساد قد تبتلى بالأوجاع ولكن نشماثا ( الأنفس) لا تهان ولا تزدرى ألا بإعمالها. أن عكازتكم يوم الحساب أعمالكم التي عليها تتوكأون فانظروا إلى ماذا تستندون)(2) يعتبر الدين الصابئي المنداني من أقدم الديانات الموحدة بل هو أقدمها على الإطلاق لان جذوره تمتد بعيدا في حضارة وادي الرافدين القديمة منذ العهد السومري ومن بعده الاكدي والبابلي وقد أثارت هذه الديانة حولها كثيرا من الخلافات في وجهات النظر والآراء المتعددة وان قراءة دقيقة متأملة لما ورد فيها من عقائد وشعائر ومثولوجيا ستضعنا أمام تلك الحقيقة حقيقة قدم هذه الديانة وتأثيرها في الوسط الذي نمت وعاشت فيه وتأثرها به في الوقت نفسه لقد أكد معظم الباحثين والمؤرخين العرب المسلمين القدامى على قدم الديانة الصابئية المندائية بعد أن ورد ذكرهم في القران الكريم باعتبار ديانتهم ديانة موحدة قائمة بذاتها حالها حال الديانات الكتابية التي ذكرت فيه في ثلاث سور مباركة هي سورة البقرة ، وسورة المائدة، وسورة الحج .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

(1) كنزا ربا/ اليمين/ الكتاب الأول التسبيح الأول/ التوحيد 

(2) كنزا ربا / اليمين / الوصايا 

( أن الذين امنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من امن بالله واليوم الأخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (1) 

فالقران الكريم إذ يذكرهم مع اليهود والنصارى أنما يعتبرهم موحدين مؤمنين بالله واليوم الأخر. 

وقد اختلف الرأي فيهم فالبعض اعتبرهم وثنيين عبدة كواكب والبعض الأخر عدهم من أهل الكتاب كما ورد في القران الكريم .. فقد ذكر ابن النديم في كتابه الفهرست من مذاهب الحرانية الكلدانيين المعروفين بالصابة .فأورد حكايتين مطولتين الأولى مكتوبة بخط احمد ابن الطيب تلميذ الكندي ، والكندي كما يقول ابن النديم من عظماء الفلاسفة وأفذاذ المفكرين كان يعرف السريانية واليونانية والهندية والفارسية لذا فان ما ورد في حكايته يطابق ما نجده في الكتابات المندائية ولا سيما فيما يخص الأيمان بالله واليوم الأخر. 

قال ابن النديم ( حكاية من خط احمد بن الطيب في أمرهم حكاها عن الكندي: اجتماع القوم على إن للعالم علة ولم يزل. واحد لا يتكاثر لا يلحقه صفة شيء من المعلولات كلف أهل التمييز من خلقه الإقرار بروبيته وأوضح لهم السبيل وبعث رسلا للدلالة وتثبيتا للحجة أمرهم أن يدعوا إلى رضوانه ويحذروا غضبه ووعدوا من أطاع نعيما لا يزول ووعدوا من عصى عذابا واقتصاصا بقدر استحقاقه) وتستمر الحكاية( بان دعوة هؤلاء القوم كلهم واحدة وسنتهم وشرائعهم غير مختلفة وان قبلتهم واحدة فقد صيروها لقطب الشمال وقصدوا بذلك البحث عن الحكمة وان المفترض عليهم من الصلاة في كل يوم ثلاث ولا صلاة عندهم الأعلى طهور والمفترض من الصيام ثلاثون يوما وعليهم الغسل من الجنابة وتغيير الثياب ومن مس الطامث ويتركون الاختتان ولا يحدثون على فعل الطبيعة حدثا ويتزوجون بشهود وفريضة الذكر والأنثى سواء ولا طلاق إلا بحجة بينة عن فاحشة ظاهرة ) وتستمر الحكاية ( بان الثواب والعقاب عندهم إنما يلحق الأرواح ويقولون النبي هو البريء من المذمومات في النفس والآفات في الجسم والكامل في كل محمود ويكون مذهبه ما يصلح به العالم.وقولهم في النفس أنها دراكة لا تبيد وأنها جوهر وليس بجسم ولا يلحقها لواحق الجسم ) ( وقال الكندي انه نظر في كتاب يقر به هولاء القوم وهو مقالات في التوحيد على غاية من التقانة في التوحيد لا يجد الفيلسوف إذا اتعب نفسه مندوحة عنها والقول بها )( 2 ) ان حكاية الكندي هذه توضح ان صابئة حران هم قوم موحدون وهم كصائبة جنوب العراق المندائيين يؤمنون بالله وباليوم الأخر. وتتفق مع مضمون الآيات القرآنية وهذا يضعنا أمام حقيقة أخرى أن صائبة حران هم أخوة في الدين مع صابئة البطائح في جنوب العراق بالرغم من وجود أقوام انتحلت هذه التسمية في حران.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

(1) البقرة – أية 62 

(2) ابن النديم الفهرست ( 442 – 445 ) ينظر كتاب مفاهيم مندائية / ناجية مراني 

ثم يذكر ابن النديم الحكاية الثانية التي ترجع إلى زمن المأمون وهي منقولة عن أيشع ألقطيعي النصراني أراد بها الإساءة إلى صابئة حران وعموم الصابئة فلفق الكثير من الأفكار ودس العديد من التهم التي لاتمت إلى الصابئة بصلة وذالك بدافع الحقد والضغينة حيث كان البلاط العباسي يزخر بالعلماء والأطباء والفلكيين والمترجمين والأدباء من الصابئة المندانيين . وقد أشار العالم العربي المعروف البيروني في كتابة ( الآثار الباقية عن القرون الخالية ) ما ذكره بعضهم عن الصابئة يقول ( حكى عنهم ابن سنكلا النصراني في كتابه الذي قصد فيه نقص نحلتهم فحشاه بالكذب والأباطيل، ونحن لا نعرف عنهم إلا أنهم أناس يوحدون الله وينزهونه ) (1) 

كما تحدث الشهرستاني في كتابه ( الملل والنحل)(2) عن الصابئة لا سيما عن الجانب المتعلق بالمعرفة أو العلم الإلهي ويشير إلى ان الصابئة يوحدون الله تعالى وتشتمل عقائدهم على تلقي المعرفة العليا الإلهية بواسطة الروحانيات . ويجري بينهم وبين الأحناف مناظرة كانت تدور حول الروحانيات التي يتعصب لها الصابئة ويتعصب الأحناف للماديات ويقول عن فعل الروحانيات والملائكة يستمدون القوة من الحضرة القدسية ويفيضون الفيض على الموجودات السفلية ثم يذكر ان الصابئيين كلهم يصلون ثلاث صلوات ويغتسلون من الجنابة ومن مس الميت وحرموا أكل الجزور والخنزير ومن الطير كل ماله مخلب وأمروا بالتزويج بوليٍّ أو شهود ولا يجوز الطلاق إلا بحكم حاكم كما أورد ابن النديم أمورا مهمة عن الصابئة منها ( يوم دخل العرب المسلمون العراق قام أنش دنقا رئيس كهنة الصابئة آنذاك لمقابلة قائد المسلمين يحمل معه الكتاب المقدس للصابئة ليبين له ان قومه من أهل الكتاب وقد اقره على ذلك. 

وقال ابن النديم عن احمد بن عبد الله بن سلام مولى هارون الرشيد( ترجمت هذا الكتاب ويقصد 

به ( الكتاب المقدس ) من كتب الحنفاء وهم الصابيون الإبراهيمية الذين امنوا بإبراهيم عليه السلام وحملوا عنه الصحف التي انزلها الله عليه وهو كتاب فيه، ألا أني اختصرت منه ما لا بد منه ) وقال المترجم احمد بن سلام ( ترجمت هذا الكتاب والصحف والتوراة والإنجيل وكتب الأنبياء والتلامذة من العبرانية والصابية وهي لغة أهل الكتاب إلى اللغة العربية)(3). كما ذكر ابن أبي اصيبعة ان المحسن بن إبراهيم بن هلال الصابي مصنف كتاب ( شرح مذهب الصابئي ) ترجم كتاباً إلى العربية بعنوان السور والصلوات التي يصلي بها الصابئون )(4) لقد اتسمت كتابات ابن النديم في كتابه( الفهرست) والشهرستاني في كتابه(الملل والنحل) بشيء من الموضوعية حيث أنهما ذكرا الآراء المختلفة التي كانا يعرفانها في تلك الفترة وقد أكد كلاهما أن الصابئة يؤمنون بالله وباليوم 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

1. البيروني/ الآثار الباقية عن القرون الخالية 

2. الشهرستاني/ الملل والنحل 

3. ابن النديم/ الفهرست 

4. ابن أبي اصعيبه /عيون الإنباء في طبقات الأطباء(2ص 199)

 

الأخر ولديهم طقوس يقيمونها، كما إن لديهم أحكاما وفرائض يلتزمون بها كالصلاة والصوم والزكاة وتحريم السكر كما أنهم يحرمون لحم الخنزيروالاختتان. ولهم أحكام في الزواج والطلاق ومع هذا فقد شاب الكثير من أرائهم الخلط والضعف شانهم في ذلك شأن العديد من الكتاب والباحثين التراثيين حيث جاءت اغلب كتاباتهم تنقصها الدقة والتمحيص. وعن الذين تحدث عنهم أبو حنيفة ( أنهم ليسوا بعيدة أوثان وانهم يعظمون النجوم كتعظيم المسلمين الكعبة ويؤمنون بدين نبوي ويقرون بكتاب ) (1) ويقول عنهم الشيخ محمد جواد مغنية (2) أنهم أقدم الأديان ( يقرون بالله وبالمعاد وببعض الأنبياء )، كما ذكرهم العلامة جلال الدين عبد الرحمن السيوطي في كتابه حسن المحاضرة (3)( إن النبي إدريس عليه السلام دعا الخلق الى الله تعالى فأجابوه وكانت عقيدته الصابئية وهي توحيد الله تعالى والطهارة.) كما يؤكد معظم الباحثين المحدثين على ان الصابئة المندائيين موحدون يؤمنون بالروحانيات. يقول العقاد في كتابه ( أبو الأنبياء) (4): ان دين الصابئين كما هو مدون في كتبهم الدينية يتلخص في أنهم يؤمنون بالله واليوم الأخر ويؤمنون بالحساب والعقاب وان الأبرار منهم يذهبون بعد الموت إلى عالم لنور وان المذنبين يذهبون إلى عالم الظلام ولا يفرض الصوم عليهم بمعناه المعروف وهو الامتناع عن الطعام والشراب إنما يمتنعون عن أكل اللحوم المباحة لهم خمسة أسابيع متفرقة أيامها على طول السنة وهم ينزهون الله غاية التنزيه ويعتقدون ان مقر الملائكة(ملكي) هو في الكواكب نفسها لذلك فهم إنما يعظمون هؤلاء الملائكة لا الكواكب نفسها وليست لديهم هياكل أو أصنام ولابد عندهم في عقيدتهم من مخلوق متوسط بين الروحانية والمادية يهدي الناس إلى الحق فالروحانيات لديهم مخلوقة من كلام الله عزّ وعلا دعاها بأسمائها فوجدت وان كلام الله إلى الناس لا يصل ألا بواسطة مخلوق بين النور والتراب) .ويقول كذلك ( ولا يعرف دين من الأديان تخلو عقيدة الصابئة من مشابهة له في أحدى الشعائر .... والمحقق من أمرهم أنهم يرجعون إلى اصل قديم لان استقلالهم باللغة الدينية والكتابة الأبجدية لم ينشا في عصر حديث). ومن الدراسات الحديثة التي تناولت المندائية وفق منهج اركيلوجي تاريخي علمي مقارن هي دراسة الدكتور خزعل ألماجدي في كتابه( جذور الديانة المندائية) (5)

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

1.ينظر كتاب ناجية مراني/ مفاهيم صابئية مندائية ، ناجيه مراني2 

2. التفسير الكاشف- محمد جواد مغنية-بيروت -2ص117 

3.جلال الدين السيوطي- حسن المحاضرة 

4.العقاد- أبو الأنبياء- 108 

5.خز عل ألماجدي- جذور الديانة المندائية 

إذ استطاعت هذه الدراسة ان ترجع أصول هذه الديانة وجذورها الى الديانة السومرية التي هي اصل الديانات التاريخية في العالم كله على حد قوله فهو يرى( ان اصول الصابئية القديمة تكمن في الديانة السومرية ولكن نشأتها تبدأ من النمو تحت شبكة العقائد الاكدية والبابلية الجديدة) ويقول ( وبعبارة واحدة يمكننا القول ان الدين الصابئي المندائي هو ما تبقى او بقايا الدين السومري وهذا وحده هو الذي يفسر قول المندائيين عن دينهم بانه اقدم الأديان على وجه الأرض ) ومن خلال هذا المنظور فان الباحث يتقاطع مع كل الآراء التي ترجع أصول الديانة الصابئية المندائية الى اصول الديانات البابلية او الى أصول يهودية او يونانية او فارسية او مسيحية . والصابئة المندائيون يعتقدون أنهم غرس التوحيد الأول وان ديانتهم هي الأقدم منذ أدم وشيت وسام ويحيى (عليهم السلام) ولابد لنا من الإشارة الى الدور الكبير الذي اضطلع به المستشرقون المهتمون بالديانة المندائية والذين اطلعوا على أهم كتبها المدونة باللغة المندائية الارامية وتقصوا ما فيها من طقوس وعقائد واساطير وقد تمت ترجمتها الى اللغة الأنكليزية والألمانية لاسيما الكتاب المقدس (كنزا ربا) ونخص بالذكر من هؤلاء المتشرقين ليدزبارسكي الذي قام بترجمة أهم الكتب المندائية الى الألمانية ومنها كتاب كنزا ربا (الكنز العظيم) وكتاب (دراشة إدبهيا) مواعظ وتعاليم يحيى بن زكريا (عليه السلام) في عامي 1925 و 1905 وكذلك الليدي دراور التي عاشت في العراق ما يقرب من ربع قرن وأنصرفت الى دراسة المندائية فأتقنت لغتها كما أتقنت السريانية والعربية فنشرت كتابها الأول (المندائيون في العراق وايران) عام 1937 كما وضعت بالتعاون مع رودولف قاموس اللغة المندائية عام 1963 أما عن وجود الصائبة المندائيين فقد مال أغلب الباحثين المتشرقين المهتمين بهذه الديانة الى النظرية الغربية التي ترى انهم كانوا في فلسطين وحوض نهر الأردن ضمن طوائف البحر الميت تستند في ذلك الى ظهور شخصية يوحنا المعمدان، يحيى بن زكريا (ع) هنالك حيث كان يعمد الناس في نهر الأردن وقد عمد ابن خالته السيد المسيح، ولكن تحت ضغط المؤسسة الدينية اليهودية التي مارست العنف والاضطهاد ضد المندائيين بأعتبارهم معارضين بل مناوئين لسلطتهم السياسية ولآرائهم ومعتقداتهم وتحريض الناس ضدهم هاجر عدد كبير منهم الى حران ومنها الى جنوب العراق وقد ذكر هذه الهجرة كتاب (حران كويتا) حران السفلى وهو من الكتب المندائية التي تحدثت تاريخياً عن جزء من تاريخ المندائيين الضائع حيث لم يكن المندائيون مهتمين بتدوين تاريخهم، اما النظرية الثانية فهي النظرية الشرقية التي ترى ان الوجود الأول لهم كان في جنوب العراق حيث وفرة المياه وملاءمة المناخ ووجود عناصر مشتركة بين العقائد والطقوس والمثلوجيا المندائية وبين ديانات وادي الرافدين القديمة اذ كان للماء والنور دور واضح فيها (من يردنا العظيم الماء الجاري أنبثقت النطفة الأولى)( ) (صار الماء الحي الماء المتألق ومن المياه الحية نحن الحياة صرنا)( ) (لا حد للنور لا يوجد حد للنور ولا يدرى متى صار، ما صار الا بوجود الحي العظيم)( ). ورد هذا في الكتاب المقدس للصائبة المندائيين (كنزا ربا) ونحن نميل أنهم ظهروا في جنوب العراق للأسباب التي ذكرت.ولوجود ذكر لنهري دجلة والفرات والفرات في المندائية يسمى (فراش زيوا) فرات الضوء وان المثلوجيا المندائية في بعض صيغها وابنيتها تكاد تكون مشابهة للمثلوجيا الرافدينية القديمة .. بعد هذا من اين جاءت تسمية الصابئه المندائيين .. ما إن جاء ذكر الصابئين في القرآن الكريم حتى كان حافزاً لتناول هؤلاء القوم بالبحث والدراسة من لدن كتاب التراث العربي فقهاء ومؤرخين ولغويين. 

فيرى معظم اللغويين أن مفردة صابئي من الجذر صبأ وقالوا : صبأ خرج من دين الى اّخر .. لذا فقد اطلقت قريش على الرسول (ص) كلمة صابئي وكذلك على الذين آمنوا برسالته .. اي أنهم تركوا دين إبائهم وهو على الوثنية وجاءوا بدين جديد غيره ونعتوا عمر وابا ذر الغفاري والصحابه كونهم صابئين. وحين أسلم الشاعر الجاهلي لبيد (4) وهو صاحب احدى المعلقات قالوا عنه جاء بدين الصابئين.. ولأن التعاليم التي جاء بها الإسلام من توحيد وآخرة وثواب وعقاب وجنه ونار مشابهه لمعتقدات الصابئة المندائيين في كثير من جوانبها.لذا فأن قريش لم تنعت المسلمين الاوائل باليهودية أو النصرانية أو المجوسية وانما نعتهم بالصابئين (5) وهذا ما يجعلنا على يقين ان الصابئين كان لهم وجود وتأثير وان ديانتهم كانت معروفة على نطاق واسع. 

اما الجذر الحقيقي لكلمة صابئي فهو من (صبا) الآرامية التي تعني تعمد او ارتمس في الماء للتطهير وهي من الشعائر المندائية التي تمارس حتى يومنا ، ويطلق المندائيون على هذه الشعيرة (الصباغة)(6) من الفعل صبغ الذي يقترب من معنى الفعل (صبا) الآرامي وصبغ يعني غمس او تغيرّ وتشير كذلك الى معنى ديني هو التطهر .. ويذكر البيروني في حديثه عن الصوم كلمة صبغ بمعنى تعمد فيقول (ويوم المعمودية الذي صبغ فيه يحيى المسيح وغمسه في ماء المعمودية بنهر الاردن عند بلوغه الثلاثين) .. وكلمتا الصابئي المندائي تسميتان لمعنى واحد فكلمة مندائي مشتقة من كلمة (مندا) الاراميه والتي تعني المعرفة أو العلم وبهذا يكون الصابئي المندائي : المتعمد بالماء صاحب العلم والمعرفة لهذا فالديانة المندائية ديانة عرفانية غنوصية. وكلمة غنوص كلمه يونانية (gnosis ) ومعناها المعرفه وتستخدم بمعنى العلم والحكمة .. والغنوصيه مذهب شاع في القرن الثاني الميلادي رغم ان جذوره تمتد بعيداً قبل الميلاد ومنذ وجود وانتشار الديانة السومرية مرورا بالديانات والمذاهب الوثنية والموحدة وبالعصر الهلينستي .. ( إن المندائية هي الغنوصية وهي العرفانية بأدق واكمل اشكالها ) كما يقول الدكتور خزعل الماجدي (1) . وهي بذلك تؤسس طريقة لادراك المعرفة العليا وكنه الاسرار الربانية. وهذا ما يقابله ( الكشف ) عند الصوفية لذا فأن رجال الدين المندائيين لايقرون علنية الدين لأن ذلك يتعارض وباطنيته.. ويقول الباحث محمد عبد الحميد الحمد في كتابه ( صابئة حران والتوحيد الدرزي) (2) (اثر الصابئة في النزعات الصوفية ومذاهب التوحيد ومنهم ( الدروز ) الذين هم قوم آمنوا بالله وباليوم الاخر ولهم جذور عريقة في الفكروالتاريخ يقول ايضاً (الصابئة ديانة عرفانية سرية كان مقرها حرّان في شمال سوريا وهم اتباع ابراهيم الخليل (ع) ويدعون ( الحنوفون ) ويقصد بهم الأحناف .. وقد برز نشاط الافكار الغنوصية في القرن الاول الميلادي واتسع في القرنين الثاني والثالث وفق انظمة فكرية متعددة بتعدد الفرق والطوائف التي ضمتها خيمة الغنوصية .. (ولم يبق من فرقها اليوم سوى المندائية )(3 وقد عارض دعاة المسيحية الاوئل لاسيما في القرن الاول الميلادي الدعوات الغنوصية مما ادى الى الاصطدام بها ومحاربتها واعتبار كل دعوة خارج حدود الأناجيل الأربعة هرطقة لايجوز التعامل معها ورفض اية فكرة تمس الأيمان وتضع العقل في منزلة اعلى من منزلة الأيمان .. والغنوصية تقوم على اساس تحرير النفس البشرية التي هي نسمة ( نشمثا ) او قبس من الله من الجسد الذي هو بمثابة سجن والتحاقها بالعالم العلوي الذي هبطت منه وهذا يذكرنا بقصيدة الفيلسوف ابن سينا التي مطلعها : هبطت اليك من المحلِ الارفع ورقاءُ ذاتُ تعزز ٍ وتمنع ِ 

ويقصد بذلك هبوط النفس الى جسد الإنسان وهذا دليل على انتشار أفكار وعقائد الغنوصية ويقول احد دعاة الغنوصية ( فالنتينوس) (ان من يملك قلباً طاهراً . لم تدنسه الخطيئة ويشع بالنور . فأنه يبارك برؤية الله ) لقد لاحظنا ان اغلب الذين تناولوا الدين الصابئي المندائي اشاروا الى حقيقتين اولهما قدم هذا الدين كونه سابقاً على جميع الديانات الموحدة وثانيهما انه دين توحيدي يؤمن بالله وباليوم الأخر وبالعقاب والثواب وبالجنة والنار وهي اهم الثوابت المشتركة بينه وبين الديانات الأخرى فبالنسبة للتوحيد يؤمن الصابئة المندائيون بوجود اله واحد خالق الكون. .. والحياة والكائنات الروحية النورانية والكائنات المادية. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

1 خزعل الماجدي – مجلة الطيف المندائي العدد الثاني 

2- محمد عبد الحميد/ صابئة حرن والتوحيد الدرزي 

3- عزيز سباهي- اصول الصابئة ومعتقداتهم الدينية 

(هو العظيم الذي لا يرى ولا يحد هو الملك منذ الأزل، لا أبَ له ولا ولد ولا يشاركه ملكه أحد)(1 وبهذا التوحيد لله وتنزيهه يلتقي الدين المندائي بالديانات الموحدة الأخرى لاسيما مع الدين الإسلامي فالتسبيح الأول من كتاب كنزا ربا (الكنز العظيم) الخاص بالتوحيد يقترب كثيراً مما ورد في القرآن الكريم لاسيما الأسماء الحسنى. والملاحظ ان اغلب نصوص الكتاب المقدس كنزا ربا لابد من الإشارة فيها الى الله الذي يطلق عليه الحي العظيم، الحي الأزلي (هيي قدمابي)، ملك النور السامي (ملكا اد نهورا) الله الذي انبثق من ذاته (الها اد من نافشي افراش) وبأرادبه كان كل شيء (الكون والخليقة والحياة والإنسان) والعبارات الثلاث التي تتكرر في أكثر من نص من نصوص الكتب المندائية (‘اكاهيي، ‘اكاماري، إكامندا دهيي) معناها (الحي موجود، المولى موجود، عارف الحياة العليم موجود) تمثل قمة التوحيد وهذه العبارات الثلاث بتداولها المندائيون باستمرار. ويذكر اسم الحي الأزلي في جميع الطقوس المندائية بل هو فاتحة كل نص أو شعيرة، والصفات التي تطلق عليه إنما تطلق مجازاً فهو فوق كل صفة أو نعت. ويؤمن الصابئه المندائيون باليوم الأخر وبالثواب وبعودة النفس الى بارئها بعد الموت إذ تؤكد معظم النصوص الدينية خاصة في الكتاب المقدس وفي كتاب مواعظ وتعاليم يحى (ع) (دراشة اديهيا) على ان النفس (نشمثا) بعد الموت تعرج إلى السماء وصولا إلى عالم الأنوار ( الجنة) ( الما دنهورا) متحررة من سجن الجسد المجبول من التراب والطين لتلتحق بعالمها الذي جاءت منه فهي أسيرة وفي الموت خلاصها وتحررها لترجع إلى مكانها السامي الذي هبطت منه وبهذا فالموت في الديانة الصابئه المندائية تحرر وانعتاق وعودة إلى عالم الأنوار والخلود الأبدي. ولابد لنا ان نذكر ما جاء في القرآن الكريم (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربكِ راضية مرضية فأدخلي في عبادي وأدخلي جنتي) والنفس بعد الموت في المندائية تظل ثلاثة أيام تتردد بين القبر والبيت بعدها تبدأ رحلتها نحو السماء لتصل إلى محطات الحساب والتطهير (مطراثي) فيسألها الملائكة الموكلون عن أعمالها فتقف في مطهر الملاك أباثر موزانيا ملاك الميزان لمعرفة درجة نقائها وطهرها مقارنة بنقاء نفس شيت (شيتل) بن آدم فأن ماثلتها فأنها تمر بسلام عبر المطاهر الأخرى حتى تصل إلى عالم الأنوار وأن كانت مثقلة بالذنوب والسيئات 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

1 كنزا ربا – اليمين / التسبيح الأول- التوحيد 

فستعاني كثيراً حتى تتطهر لتصل إلى العالم المنشود وفي الديانة المندائية مصطلحان النفس والروح. النفس تمثل النقاء والطهر والخير والخلود لأنها نفحة أو نسمة من الله وهي في صراع مع الروح داخل الجسد التي تمثل الغرائز والنزوات المادية للجسد وتحاول النفس ان تحد من نشاطها وهذه مهمتها فأن فشلت او عجزت فستحاسب كما رأينا. وهنالك نصوص عديدة في كتاب كنزا ربا تتناول صعودها وعروجها ومرورها بالمطاهر. وهذه مقتطفات منها : 

(صرخة، صرختان، صرختان اثنتان، انهما معاً جالستان، تبكيان وتتعلمان .. الروح ونشمثا (النفس) .. الروحُ تقولُ لنشمثا: بحياتكِ يا أختاه .. بحياة كلَّ تلك السنين .. خذيني معكِ حين تنطلقين – كيف آخذكِ معي الى من ادق بابه، وانتِ روح كذّابة ؟ إنكِ يا أختاه تكذبين .. انتِ لا ترين وتكذبين وصاحبُ الميزان، الذي لا يحابي انسان .. والذي يزن الأعمال ويرفعها الى الديان كيف اوصلك اليه ؟ وكيف ادخلك عليه ؟ إنه يصعد الكامل لكماله .. ويمسك بالناقص لسوء أعماله .. فكيف اخرج بكِ من اقفاله ؟)(1 

(باسم الحيّ العظيم .. يا عصافير القفار الجالسة فوق قناديلها . ماذا من القفار تأكلين ؟ .. وماذا من القناديل تشربين ؟ وبماذا في طريقك تتزودين ؟ يا عصافير القفار .. لا الفضةُ ولا النضار، زاد في الطريق يكونان .. ولا المال ولا المرجان .. الصدقة والأحسان وثبات قلبك في الأيمان .. ذاك هو زادك في طريقك الى الديان)(2). 

(بأسم الحيّ العظيم .. أسمع صوت نفس ما، وهي تخرج من جسد الحرمان .. من داخل هذا العالم خرجت . اسمعها تقول: عارية اتيت الى هذا العالم فارغة منه اخرجوني .. مثل عصفور لم يرافقه شيء .. ثم التفتتْ الى الهيكل الذي منه خرجت : ماذ افعل بك يا جسدي ؟ الباقي في هذا العالم ماذا افعل بك ؟ يا جمال جسدي الذي سيأكلك في القبر الدود .. ماذا أفعل بك ؟ يا قميص الورد ماذا افعل بك . لو كنت ثوب ضياء ونور للبستك يا جسدي ولصعدت معي الى بيت هيي (الحي) .. لو كنت اكليل ضياء ونور لضفرتك على رأسي ولصعدت معي الى بيت هيي .. ماذا افعل بك يا جسدي وانت من طين جبلت ؟)(3)._______________________ 

1- كنزا ربا اليسار – التسبيح الخامس والعشرون 2- كنزا ربا اليسار / التسبيح الخمس والثلاثون 3 - كنزا ربا اليسار – التسبيح الثامن والثلاثون 

فالجسد في الديانة المندائية، زائل وهو من عالم النقص والعوز .. العالم السفلي : العالم الزائل، عالم الظلام، والنفس من عالم النور، العالم العلوي، عالم الخلود الذي انفصلت منه واليه تعود .. وتشترك جميع الديانات الموحدة ان الله خلق آدم من طين وتراب، والديانات الرافدينية القديمة يشير كثير من نصوصها ان الآلهة خلقت الإنسان من الطين كذلك .. ففي كنزا ربا تتوفر تفصيلات كثيرة في عملية خلق آدم وتؤكد ان الحي الأزلي أمر الملائكة بخلقه فجبل من التراب والطين .. (ومن التراب والطين الأحمر والدم والمرارة ومن سرّ الكون جبل آدم وحواء زوجة وحلّت فيهما نشمثا (نفس) بقدرة ملك النور)(1). وفي القرآن الكريم يتم خلق آدم من الطين .. (إذ قال ربُك للملائكة أني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)(2) (ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون)(3). 

(إن مثل عيسى كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون)( ) وجاء في العهد القديم (ثم جبل الرب الإله آدم من تراب الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياةٍ فصار ادم نفسْاً حية)( ) .. كما تشترك جميع الديانات الموحدة ومنها الديانة المندائية بوجود الملائكة وهي كائنات غير مرئية تسمى في المندائية (ملكي) وترافقها كلمة (أثري) وتعني كائنات نورية وتسمى ملائكة النور وملائكة الضوء وقد خلقها الله وأوكل لها مهمات عديدة منها حراسة الحياة والناس والمراقبة والمحاسبة وتنفيذ أرادته السامية. كما ان بعضهم قام بعمليات خلق بأمر منه. وكثير من النصوص المندائية تحفل بعدد كبير منهم وبأسمائهم وبهذا تشترك المندائية مع أخواتها الديانات الموحدة بالأيمان بوجود الملائكة ونلاحظ ذلك أيضاً في القرآن الكريم وفي العهد القديم وفي الأناجيل .. ان الشعائر والطقوس في جميع الديانات الموحدة وحتى في الديانات القديمة الوثنية تعتبر الجانب العملي والتطبيقي للعقائد والأفكار التي تمثل الجانب النظري تشترك بصلات عديدة في الشكل والمحتوى وان اختلفت في بعض التفصيلات ففي جميعها صلاة وصوم وزكاة وشعائر تقام للزواج والوفاة وطقوس للتطهر من الخطيئة وتقدميات أو تضحيات. فالصلاة في الديانة المندائية تعد من الشعائر المهمة وهي تقترب في مظهرها ومحتواها من الصلاة في الإسلام ففي المندائية تبدأ الصلاة بالرشامة (الوضوء) والرشامة

 

مصدر من رشم في العربية تقول رشمت الطعام ارشمه إذا ختمته(1) وتعني أيضاً الاغتسال بالماء والرشامة هي رسم المندائيين وختمهم .. يقول المصلي أثناء الرشامة وهو واقف عند الماء (روشما الاوي لا هوا بنورا ولا هوا بمشّا ولا هوا ادمشيها، رشماي بيردنا (الماء الجاري) ادميا هيي) ومعناها : ليس رسمي بالنار (يقصد المجوس) وليس بالزيت (يقصد اليهود وليس بالمسح (يقصد المسيحيين) رسمي هو الماء الجاري، ماء الحياة .. ثم يبدأ برسم جبهته بالماء (غسلها) من اليمين الى اليسار، ويغسل الأذنين والأنف والفم وغسل الركبتين والرجلين وتذكر التراتيل مع كل جزء من الجسم الذي تم رسمه بالماء وان التراتيل تكرس توحيد الله وعدم السجود للشيطان وآخر ما يقوله المصلي في شعيرة الرشامة (الوضوء) (أنا فلان بر فلانة صبيت بمصبوتا بهرام ربا بر روربي، مصبوتي تناطري وتسق لريش، اشما ادهيي واشما اد مندادهيي مدكر إلاي) ومعناها انا فلان بن فلانة اصطبغت (تعمدت) بصبغة إبراهيم الكبير عمادي يحرسني وسمو بي إلى العلا، اسم الحي واسم عارف الحياة العليم منطوقٌ علي. اما القسم الثاني من الصلاة تسمى (البراخا) (التبريكات) وتبدأ بعد الانتهاء من الوضوء (الرشامة) ويكون المصلي واقفاً متجهاً إلى الشمال وعليه الانحناء كلما ذكرت كلمة السجود وتبدأ التراتيل (إكاهيي .. إكاماري .. إكا منداد هيي) ومعناها : الحي موجود ، الرب موجود، عارف الحياة العليم موجود وتستمر التراتيل إلى أن تنتهي بالسلام على الملائكة والأسلاف الآباء القدامى ومنهم آدم وشيت ويحيى (يوحنا المعمدان) .. ويبقى معنى ومحتوى الصلاة واحداً في جميع الديانات وهو السجود لله وحده وعبادته وعدم الشرك به والالتزام بما أمر واوصى والتقدمات أو التضحيات في المندائية(2) والتي يقدمها الصايئي للتقرب للحي الأزلي وابتغاء مرضاته هي ان تكون منحة وعطاء إذ يعطي بعضاً مما رزقه الله للفقراء والضعفاء والمحتاجين وتسمى (زدقا) صدقة. (إذ تهبون صدقة يا اصفيائي فلا تشهدوا عليها، بئس من وهب صدقة فأفسدها بالتشهير)(3) ومن التضحيات الأخرى الامتناع التام عن ممارسة المحرمات والابتعاد عن كل ما يسيء إلى علاقة الفرد بالحي الأزلي ومحاسبة ألذات باستمرار والالتزام بتأدية الشعائر لاسيما الخاصة بالتطهير وفي مقدمتها التعميد (الصباغة) والتي هي من أهم الطقوس المندائية التي تعني تطهير الجسد والنفس من النجاسة والخطيئة والآثام وهو طقس تنفرد به ألان الديانة المندائية بعد 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

1ـ معجم الصحاح للجوهري 2- ناجيةمراني/ مفاهيم مندائية 3-كنزا ربا/ الوصايا 

ان انقرضت الطوائف التي كانت تمارس هذهِ الشعيرة التي تجري في المياه الجارية حيث عمد يحيى 

(يوحنا المعمدان) السيد المسيح في مياه نهر الأردن .. وكذلك تأدية شعيرة الصوم (صوما) حيث تؤكد الديانة الصابئة المندائية على وجود نوعين من الصيام .. الصيام الكبير وهو الابتعاد عن المحرمات وعن الأذى فقد ورد في الكتاب المقدس (كنزا ربا) (صوموا الصوم الكبير صوم القلب والعقل والضمير)( 1 أما الصوم الأخر فهو الامتناع عن تناول اللحوم ونحر الحيوانات مدة ثلاثة وثلاثين يوماً متفرقة على مدار السنة وتشترك جميع الديانات الموحدة بهذه الشعيرة وهي واضحة في الاسلام.. ان الماء الجاري في الديانة المندائية ذو أهمية بالغة فمعظم الطقوس التي تقام لابد وأن يكون للماء دور بارز فيها ويسمى بالمندائية (يردنا) وهو ماء الحياة (مياهيي) وفي النصوص الرافدينية القديمة. العهد السومري والاكدي والبابلي كان نهر دجلة والفرات من الأنهار المقدسة وكان كاهن (بارو) يجري التطهير في النهر عند شروق الشمس(2). إن اصول الشعائر المندائية المتعلقة بالماء ترجع إلى اصول قديمة مارسها سكان جنوب العراق واستمرت ممارستها حتى عهود متأخرة، والماء الجاري جوهر من جواهر الديانة الصابئية المندائية فالماء هو الحياة وهو اول عمليات الخلق (بقدرة ملك النور السامي صارت الحياة وإذ صار (يردنا) الماء الجاري صار الماء الحي الماء المتألق البهيج ومن المياه الحية نحن الحياة صرنا)(3) . 

وأخيرا فان الديانة المندائية توصي بالمحبة والتراحم وبالسلام والابتعاد عن العنف والحروب واراقة الدماء وعبر تاريخهم الممتد في الزمن لم نجد لهم سلطة او صوتا سياسيا او كانوا قد اعدوا انفسهم لحرب او صراع تسفك فيه الدماء وهذا يدخل في صلب عقائدهم وافكارهم الدينية التي تعتبر هذه الدنيا زائلة وتدعو الى التقشف والابتعاد عن ملذاتها واهوائها وعلى الناس ان تسوسها وتقودها كلمات الخير والنور والمحبة التي تجعل من العلاقات بين الناس قائمة على اساسها لان السلطة تمثل القوة التي تقود الى العنف فقد ذكرنا ما جاء في الكتاب المقدس كنزاربا التسبيح الثاني/ الوصايا عبارات فيها اشارة للابتعاد عن السلطة وقوتها واسلحتها (يا اصفيائي ... لا تقربوا الملوك والسلاطين والمردة في هذا العالم ولا تثقوا بهم لا باسلحتهم ولا بحشودهم ، ولا تلووا اعناقكم للذهب والفضة التي يكنزون انها سبب كل فتنة سيتركونها وراءهم يوم الى النار يذهبون).______________ 

1- كنزا ربا/ الوصايا 2-الليدي دراور/الصايئة المندائيون ص109 3- كنزا ربا/الخليقة ص42 

لذا فان الديانة الصابئية المندائية تحاول تأسيس سلطة الروح وقيمها المشبعة بالمحبة والسلام والتعاون ، سلطة الكلمة لا سلطة السلاح ، فهل كانوا يفكرون بإقامة مجتمع يعتمد المؤسسات المدنية ؟ كما ان الديانة المسيحية تدعو إلى السلام والمحبة ويكفي ان نذكر هنا العبارة الشهيرة ( وفي الأرض المسرة).وجاء في الرسالة الثانية لبطرس في العهد الجديد لتؤكد ما قلنا (عليكم ان تبذلوا كل اجتهاد ونشاط في ممارسة إيمانكم حتى يؤدي بكم إلى الفضيلة واقرنوا الفضيلة بالتقدم في المعرفة والمعرفة بضبط النفس وضبط النفس بالصبر والصبر بالتقوى والتقوى بالمودة الأخوية والمودة الأخوية بالمحبة)(1). 

وقد ورد في القران الكريم ما يدعو إلى المحبة وعدم الاعتداء والى السلام والتعارف بين الشعوب ( يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله اتقاكم)(2). 

في كل ما تقدم دعوة للمحبة والتآخي والسلام تطلقها الديانات الموحدة من اجل ان تسود إرادة الخير.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

1. العهد الجديد/ الرسالة الثانية لبطرس 

2. سورة الحجرات / آية 13

 

المصادر

 

1. ناجية مراني / مفاهيم صابئية مندائية 

2. الليدي دراور/ الصابئة المندائيون 

3. عزيز سباهي / اصول الصائبة ومعتقداتهم الدينية 

4. خزعل الماجدي/ جذور الديانة المندائية 

5. عبد الحميد افندي بن بكر عبادة/ مندائي او الصابئة الاقدمون 

6. كنزا ربا / الكتاب المقدس للصابئة المندائيين 

7. دراشة ادببيها/ مواعظ وتعاليم يحيى بن زكريا 

8. القران الكريم 

9. العهد القديم والجديد 

10.رشيد الخيون / الاديان والمذاهب بالعراق 

11. محمد عبد الحميد الحمد/صابئة حران والتوحيد الدرزي 

12. ابن النديم/الفهرست 

13. الشهرستاني / الملل والنحل

الأربعاء, 03 نيسان/أبريل 2013 16:50

سلسلة بحوث من بصائر العقيدة

سلسلة بحوث من بصائر العقيدة

 

م/ أحكام الجنابة في

الشريعة الناصورائية

{ ابعدوا أ نفسكم عن الحياه الفانية,وإذا غشيتم زوجاتكم فتطهروا بالماء وإغتسلوا جيداً بداً من قمة

رؤوسكم ,فلو بقيت شعرةٌ واحدةٌ لم يمسها الماء لن تتطهروا} دراشا اد يهيا

قد يتسائل بعض المندائيين عن حكم الجنابة أو ما هي احكامها في الشريعة المندائية الناصورائية ,

وكيف تجري ,وما هي العلة من تشريع الاغتسال (الطماشا) من الجنابة ...لذلك وددنا في هذا البحث 

أن نسلط الاضواء على هذا الجانب المهم من فقه شريعتنا الناصورائية النورانية الغراء.

 

فأن من مسببات

الجنابه أمران :

1)

خروج المني.

2) الجماع

وإن لم يحصل معهُ إنزال المني فإذا حصل أحد هذين الامرين وجب على الفرد المندائي ان يطمش

(يغتسل) من الجنابة اذا اراد ان يمتثل لامر الحي الازلي نلاحظ ما جاء بالنص الخامس و العشرون من 

كتابنا المقدس {دراشا اد يهيا} تعاليم ابونا يهيا يهانا مبارك اسمه{ ...بماذا يحكم القاضي على كل 

من يضاجع زوجته ولا يتطهر بعد ذلك بالماء ؟.....كل من قرب زوجتهُ , ولم يطهر جسده بالماء يلقى 

في اعماق الظلام, والزوجة التي لم تتطهر بالماء ,تلعن وتظرب ضرباً مبرحاً ويحذف اسمها من بيت الكمال}*

 

اما أذا حرك المني في الداخل ولم يخرج فلا تحصل الجنابة .إما أذا خرج من الفرد المندائي ماده لا يعلم أنها 

مني أم لا . ففي هذه الحالة إن خرجت هذه الماده من الرجل مع شهوة و أنتصاب أو بدون انتصاب يحكم بأنها مني فتجب الطماشا.

 

أما اذا خرجت من المرأه مع شهوة وهياج كذلك تحكم بأنها مني وإلا فالحكم عليها الطماشا. إما أذا خرج 

من المرأه مني بعد الطماشا علمت بانهُ مني الرجل فقط اي بعد الاتصال الجنسي الشرعي فلا يجب عليها 

غسل الجنابة مره أخرى لعدم تحقق الجنابة عندها في هذه الحالةوانما هذا ماء الرجل,ولكن الحكم يختلف 

عند الرجال فالحكم ان الاستبراء وأنتهاء المني بالبول فإن لم يستبرأ المغتسل ثم خرجت منهُ بعد الطماشا 

رطوبة مشتبهه بين المني و غيره فيحكم بأنها مني ويجب عليه الطماشا مره أخرى.

 

أما كيف تؤدى الطماشا أن الاغتسال أو الطماشا تجري في أي وقت وفي أي يوم من أيام السنه ,

وأن هذه الطماشا تجري من قبل الشخص نفسه مباشرة أما في حاله الاضطرار فسيقط الماء عليه مباشر من قبل 

شخص أخر ك زوجته أو أمه أو والده

....الخ مع مراعاه أحكام للنظر و ستر العوره وتكون الطماشا أما في النهر الجاري أو ينبوع جاري وهو الانغماس 

تحت الماء لثلاث مرات مع قراءه بوثا (سورة) الطماشا 

أو تجري في الحمام و الوقوف تحت صنبور الماء وتقرأ البوثة لثلاث مرات فكل الامور صحيحة المذكور سابقا في 

الطماشا ويجب أن يصل الماء الى كل

أجزاء الجسم وأطرافه كما جاء بالنص الحادي و العشرين من كتابنا المقدس {دراشا اد يهيا} تعاليم ابونا يهيا يهانا عليه

افضل مبارك اسمه

{ ... ابعدوا انفسكم عن الحياه الفانية,وإذا غشيتم زوجاتكم فتطهروا بالماء وإغتسلوا جيداً بداً من قمة رؤوسكم ,فلو بقيت

شعرةٌ واحدةٌ لم يمسها الماء لن تتطهروا}. أما واجبات الغسل: 

فهي تقع بدورها على قسمين هامين اولهما ما يتعلق بالمغُتْسِل/ تجب النية في الطماشا كما هو الحال في الرشاما.ولا توجب النيه

الكلام بها بل يكفي إخطارها في النفس.كذلك لا يصح ا

لغسل مع وجود حاجز او مانع او حاجب يمنع وصول (اليردنا) الماء الجاري إلى البدن .فالاصل ان يطمس الفرد المندائي 

أرتماسياً في الماء و لصعوبه ذلك تحول الى استعمال ماء

الصنبور كما اسلفنا سابقاَ اي ماء الاساله فيجب ايصال الماء بالطماشا من اعلا الراس الى أخمص القدم و ألا تبقى شعره بالجسم 

لا وصل الماء اليها.

 

ثانيها ما يتعلق الامر بماء الطماشا/يشترط في الماء الذي يطمش فيه الفرد المندائي أن يكون ماءً جاري و زكياً و أن يكون ماء

طاهر جاري 

نقي كماء النهر أو الينبوع أو ماء الاسالة الجاري .... وأليكم أعزائي نص هذه البوثة

 

{ ماري مشبا – بشَميهون اد هيي ربي . أنا (الملواشا) صبينا بَمصُبتا اد بِـِـهرام ربا بر روروبي مَصُبتاي وتيناطَـَـري وتسِــق 

الريش شما اد هيي وشما اد مــَندا اد هيي مــَدخـَر ِ إلـَـي

.------------ مسبح ربي – باسماء الحي العظيم.

أنا (الاسم الديني) تعمدت بعماد بهرام العظيم أبن القدرة ,عمادي يحرسني ويرفعني الى العلا ,اسم الحي واسم عارف الحياه منطوق علي } **

.أن الحكمة من الطماشا هو التنظيف وأزاله الاوساخ مما علق بالجهاز التناسلي الذكر و الانثوي وتنظيفهما وتجديد الحيويه و النشاط ,لان 

الاغتسال عباره عن أفاضة الماء كما قلنا على البدن كله ومن

شأن الجنابة أن تحدث تهيجاً في المجموع العصبي فيتأثر بها البدن كله ويعقبها فتور واسترخاء وضعف فيه يزيله الماء 

,ويوصي الطب اليوم بالاغتسال بعد الاتصال الجنسي للامور التى ذكرناها سابقا و غيرها الكثير ...فالشريعة المندائية شرعت هذه 

الامور منذ بداية الخليقة رحمة لرعيتها...أن الجنابه كأي عارض أو ظاهرة أخرى لا تثبت إلا باليقين 

,فلو رأى الفرد المندائي في ثوبه الخاص منياً مما دله على أحتلامه ليلاً وجب الغسل عليه,وكذلك لو وجد في جسمه من الضعف 

و الفتور مما لا يجده ألا بعد الاحتلام,ولو باشر زوجته ولكن شك في الدخول الذي يوجب الغسل وجبت الطماشا.أما موجبات الطماشا فهي 

خروج المني عند الرجل و الانزال عند المرأه و الجماع و الحيض و النفاس عند الولادة ومس جنازة الميت. 

وفي الختام أتمنى من( هيي قدمايي )الحي العظيم مبارك اسمه ان يجعل هذا العمل في ميزان حسناتي...لابتغاء وجهُ الكريم.

.ألهم أغفر خطايانا وأثامنا نحنُ وجميع الناصورائيين من دارة أدم الرجل الاول ألى نهاية

العوالم والاجيال ..ألهم امين.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــد في ترجمة

النصوص الدينية من كتابنا المقدس( أدراشا أد يهيا ) تعاليم ابونا يهيا يهانا مبارك

اسمهه على ترجمة أمين افعيل حطاب للكتاب , بغداد.

 

** ترجمة الربي رافد الريشما عبد الله الكنزورا نجم ..كتاب الصلاه المندائية وبعض الطقوس الدينية

,1988, بغداد

الأحد, 10 شباط/فبراير 2013 14:17

المندائيون في الذاكره الاسلاميه-ج 3

الفصل الثاني
الروايات التاريخية

للصابئة المندائيين حضور في الرواية الإسلامية، ذكرهم أبو فرج النديم (ت377هـ)، وأبو الحسن المسعودي(346هـ) وأبو الريحان البيروني (ت440هـ)، بما هم عليه الآن، وذكر آخرون علاقتهم بأنبياء وشخصيات قديمة، لا يخلو منها كتابهم "الكنـزاربا". وأقدم من هذا قال الطبري مفسراً معنى الصحف الأولى: هي التي "نزلت على ابن آدم هبة الله، وإدريس عليهما السلام"( 70). وقصة معراج دنانوخت (إدريس)، والكتب التي نزلت عليه، ومعراجه إلى السماء السابعة، واضحة في نصوص "الكنـزاربا".

قال الطبري كان "مُلك بيوراسب في عهد إدريس، وقد وقع إليه كلام من كلام آدم، صلوات الله عليه، فأتخذه في ذلك الزمان سحراً، وكان بيوراسب يعمل به، وكان إذا أراد شيئاً من جميع مملكته، أو أعجبته داية أو امرأة نفخ بقبضة له من الذهب"( 71). وبيوراسب "دعا إلى ملة الصابئين... وتبعه على ذلك الذين أرسل إليهم نوح عليه السلام"( 72).

ويعدُّ صابئتنا الحاليون كتابهم كتاب آدم ويعدون إدريس ونوح من عظمائهم. ويذكر المسعودي - غير الرواية الخاصة بالمندائيين الحاليين – أن الصابئة "تزعم أخنوخ بن يرد هرمس، ومعنى هرمس عطارد، وهو الذي أخبر الله في كتابه أنه رفعه مكاناً علياً، وكانت حياته في الأرض ثلاثمائة سنة، وهو أول مَنْ درز الدروز، وخاط بالإبرة، وأُنزلت قبل ذلك على آدم إحدى وعشرون صحيفة، و أُنزلت على شيت تسع وعشرون صحيفة، فيها تهليل وتسبيح"( 73).

تقترب رواية المسعودي إلى حد كبير من قصة "الكنـزاربا"، فأخنوخ بن يرد هو دنانوخت نفسه وهو هرمس، وهرمس هو إدريس، وهو الذي عرج إلى السماء السابعة، المكان العلي، ونزلت عليه الصحف، التي كان يحتفظ بها في غرفة مغلقة، ثم نزلت عليه ثمانية كتب أخرى، لم يصح منها غير الكتاب الثامن.

ورد معراج إدريس (دنانوخت) في "الكنـزاربا" والقرآن الكريم، وقصته واحدة من المتوافقات بين الكتابين. ورد في الآية: "وأذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقاً نبيا، ورفعناه مكاناً علياً"( 74). وفي صلة إدريس ببالصابئة وا ينفي عنهم عبادة النجوم أو الأصنام قال السيوطي: "إن النبي إدريس، عليه السلام، دعا الخلق إلى الله تعالى فأجابوه، وكانت عقيدته الصابئة، وهي توحيد الله تعالى والطهارة والصوم وغير ذلك من رسوم التعبدات"( 75).

ويربط المسعودي بين الصابئة القدماء الحرانيين وبين المندائيين الحاليين، ثم اختصاص الأخيرين باسم الكيماريين، مشخصاً مؤسسهم الأول في الديار الهندية، قال: "رجل يقال له بوداسف أحدث مذهب الصابئة، وقال: إن معالي الشرف الكامل والصلاح الشامل، ومعدن الحياة في هذا السقف المرفوع، وإن الكواكب هي المدبرات والواردات والصادرات، وهي التي برزوها من أفلاكها وقطعها مسافاتها، واتصالها بنقطة، وانفصالها عن نقطة سبب ما يكون في العالم، من آثار من امتداد الأعمار وقصرها، وتركيب البسائط، وانبساط المركبات، وتتميم الصور، وظهور المياه وفيضها، وفي النجوم السيارة، وفي أفلاكها التدبير الأعظم وغير ذلك... فاجتذب جماعة من ذوي الضعف في الآراء، فيقال إن هذا الرجل أول مَنْ أظهر مذهب الصابئة من الحرانيين، والكيماريين، وهذا النوع من الصابئة مباينون للحرانيين في نحلتهم وديارهم بين واسط والبصرة من أرض العراق نحو البطائح والآجام"( 76).

وربما قصد المسعودي في حديثه حول كهنة الصابئة "أعلى كهنتهم يسمى رأس كمري" برئيس أمة أو ريش أمة، حسب اللفظ المندائي، وهو أعلى درجة دينية بين المندائيين الحاليين. والمسعودي قد ينفرد في تسمية الصابئة المندائيون بالكيماريين، فلم نعثر على هذه التسمية عند الآخرين، وليس لدينا معنى لهذه التسمية غير الاحتمالات التالية: هو تصحيف لكلمة كماريم التي وردت في "قاموس الكتاب المقدس"( 77).

وتعني "كهنة الآلهة الكاذبة" و"كهنة الأصنام" أو"كهنة عجول بيت أوان"، والجملة الأخيرة، حسب "نبوءة صفينا" من العهد القديم تعني السامرة، وهم فرقة يهودية تخالف اليهود في أمور عديدة، وتعني الجملتان الأخيرتان الصابئة، ففي العرف اليهودي أنهم عبدة أصنام. ومن جانب آخر قد تتعلق تسمية الكيماريين بالختان أو الطهور، وبالتالي مصحفة من كلمة كَمرَة وتعني رأس الذكر، و"المكمور مَنْ أصاب الخاتن كمرته"( 78).

وإن صح ذلك فالتسمية من أسماء الأضداد، مثلما يسمى القبيح بالجميل، والمعروف عن الصابئة أنهم يحرمون الختان لأسباب تتعلق بتقديس ما خلقه الله، أو تتعلق التسمية بالستر والإخفاء، والمندائيين لا يشهرون طقوسهم، فهم ديانة أقرب إلى السرية، ومن معاني الكمر الغطاء والستر، أو لها صلة بالشعر والصابئة يشددون على عدم حلاقته، فمن معاني الكمر منطقة من الشعر وهي فارسية. ويبقى الاحتمالان الأول والثاني هما الأقرب إلى تسميتهم بالكيماريين. وأحسب أن المسعودي استقى معلوماته السالفة الذكر من أحد الكهنة، قصها عليه كما قص الكهنة المعاصرون أسرارهم وطلاسمهم لليدي دراوور، ولم تحفل بها إلا بعد صحبة عشرين عاماً.

سمى أبو فرج النديم المندائية بالمغتسلة، وهو أقرب الأسماء إليهم، قال: "وهو هؤلاء القوم كثيرون بنواحي البطائح (الأهوار) وهم صابئة البطائح، يقولون بالاغتسال، ويغسلون جميع ما يأكلونه"( 79). وقال حول عقائدهم: إنهم "على مذاهب النبط القديم، يعظمون النجوم، ولهم أمثلة وأصنام، وهم عامة الصابة المعروفين بالحرانيين، وقيل إنهم غيرهم جملة وتفصيلاً"( 80).

وفي العبارة الأخيرة تراجع النديم عن الخلط بين الحرانيين والصابئة المندائيين رغم أنه نقل قصة عن أبي يوسف أيشع القطيعي النصراني أشارت إلى حادثة غريبة تؤرخ إلى سبب اتخاذ الحرانيين اسم الصابئة، بعد أن خيرهم الخليفة عبد الله المأمون بين الإسلام أو الالتحاق بدين من الأديان الكتابية، واختاروا الصابئية لوردوها في القرآن بناءً على نصحية أحد العارفين( 81).

وأكثر الظن، أن النديم في تسمية ملة من الملل بالرشيين كان يعني دون قصد المندائيين، وربما سجل ذلك نقلاً من أفواه الآخرين، يظهر ذلك من اهتمام هؤلاء بالماء الحي والظلام، فقد جاء في مقالة الرشيين، وللاسم متعلق مباشر برش الماء:"لم يكن غير الظلمة فقط، وكان في جوفها الماء، الريح، وفي الريح الرحم، وفي الرحم المشيمة، وفي المشيمة البيضة، وفي البيضة الماء الحي، وفي الماء الحي ابن الأحياء العظيم، وارتفع إلى العلو، فخلق البريات والأشياء والسموات والآلهة"( 82).

وأشار إليهم، لا عن قصد أيضاً، بالكشطيين، ومعروف أن كلمة كشطا كلمة مندائية تعني العهد أو الحق، وتتكرر كثيراً في كتاب "الكنـزاربا" وتأتي مركبة: مشوني كشطا، "أي الحق المتسامي، وهو عالم مثالي وموطن الآدميين السماويين، وفيه أشباه المخلوقات والأدوات الأرضية، ويكون موقعه في الشمال من الكون، حيث يقع عالم النور"( 83). جاء في مقالة الكشطيين: "إنه قبل كل شيء الحي العظيم، فخلق من نفسه ابناً وسماه نجم الضياء، ويسمونه الحي الثاني (لعله مندادهيي) ويقولون بالقربان والهدايا والأشياء الحسنة"( 84).

قد ينفرد النديم في ذكر المندائيين بالتسميات الدالة عليهم، مع الاختلاف في المقالات والعقائد، وينفرد أيضاً في ذكر علاقتهم بالمانوية، وهي ديانة وفلسفة في آن واحد، ظهرت بالعراق في القرن الثالث الميلادي، من أهدافها إقامة كنيسة بابل وأن الوحي والاجتماع المانوي الرسمي لا يتم إلا ببابل، وهذه العلاقة تقدم برهاناً ساطعاً على قدم المندائية بجنوب العراق، حيث جداول المياه العذبة بالأهوار.

بدأت المانوية بصوت سمعه فاتق والد ماني، ناداه من الهيكل قائلاً: "لا تأكل لحماً ولا تشرب خمراً ولا تنكح بشراً، تكرر ذلك عليه دفعات في ثلاثة أيام، فلما رأى فاتق ذلك لحق بقوم كانوا بنواحي دستميسان معروفون بالمغتسلة، وبتيك النواحي والبطائح بقاياهم إلى وقتنا هذا (القرن الرابع الهجري)، وكانوا على المذهب الذي أمر فاتق الدخول فيه، وكانت امرأته حاملاً بماني، فلما ولدته زعموا كانت ترى له المنامات الحسنة، وكانت ترى في اليقظة كأن أحداً يأخذه، فيصعد به إلى الجو ثم يرده"( 85).

وأخيراً، لا ندري إن كان اسم ماني مشتقاً من المانا المندائية، التي تفيد عدة معانٍ، كل واحدة منها مناسبة لصفات الأنبياء، وهي: العقل، الوعاء، النفس، وقد تأتي بمعنى ملاك ذي مرتبة سامية( 86).

روى أبو الريحان البيروني عن آخر: "إن هؤلاء الحرانية ليسوا الصابئة بالحقيقة، بل هم المسمون في الكتب بالحنفاء والوثنية، فإن الصابئة هم الذين تخلفوا ببابل من جملة الأسباط الناهضة في أيام كورش، وأيام أرطحشست إلى بيت المقدس، ومالوا إلى شرائع المجوس، فصبوا إلى دين بختنصر، فذهبوا مذهباً ممتزجاً من المجوسية واليهودية كالسامرة بالشام، وقد يوجد أكثرهم بواسط وسواد العراق بناحية جعفر والجامدة ونهري الصلة، منتمين إلى أنوش بن شيت، ومخالفين للحرانية عائبين مذاهبهم لا يوافقونهم إلا في أشياء قليلة، حتى أنهم يتوجهون في الصلاة إلى جهة القطب الشمالي والحرانية إلى الجنوبية"( 87).

ولرواية البيروني صلة بمندائيي اليوم، فقد ورد في كتاب "كنـزاربا" فصلاً تحت عنوان "تساؤلات آنوش"، جاء في بدايته: "باسم الحي العظيم.. جالس في بلد الضياء، متطلع إلى الأرض والسماء، أنا أنوش الأمين بن شتيل (شيت) الأمين بن آدم الأمين ابن الملائكة ذوي الوقار، ابن بلد المعرفة والتسبيح والأنوار"( 88). غير أن البيروني، الذي نقل هذه المعلومة الهامة، أعتذر في كتاب آخر عن ذكر المندائيين، بقوله: "الصابئون في كتاب الله تعالى مقترنوا بالذكر بالطوائف الذين قدمنا ذكرهم، فأما الكائنون بسواد العراق، حوالي قرى واسط، فما حصلت من أسبابها على شيء البتة"( 89).

رد أبو الريحان على روايات اتهمت الصابئة بأمور منافية لوداعتهم وإيمانهم العميق، مثل ذبح أولادهم وتقديمهم قرابين للكواكب، قال: "ونحن لا نعلم منهم إلا أنهم أُناس يوحدون الله وينزهونه عن القبائح، ويصفونه بالسلب لا الإيجاب كقولهم لا يُحدُّ ولا يُرى ولا يُظلم ولا يجور، ويسمونه بالأسماء الحسنى مجازاً"( 90).

ومن غير المؤرخين جاء ذكر الصابئة المندائيين عند ابن بحر الجاحظ (ت255هـ)، وسنذكرها لا لأهميتها التاريخية بل لمخالفتها الواقع، ونميل إلى أن ابن بحر كان يقصد المندائيين بالذات، فهو من البصرة حيث ديارهم في جنوب العراق، وابن بحر كأديب، صاحب نثر فني، يدخل ما يعرض من أخبار وطرائف بلا تمحيص، وربما خلق الرواية خلقاً. كتب تحت عنوان "خصاء الصابئة": "وأما الصابئون، فإن العابد منهم ربما خصي نفسه، فهم في هذا الموضع قد تقدم الروميّ، فيما أضطر من حسن النية، وأنتحل من الديانة والعبادة بخصاء الولد التام، وبإدخاله النقص على النسل، كما فعل ذلك أبو المبارك الصابي، وما زال خلفاؤنا وملوكنا يبعثون إليه ويسمعون منه، ويسمر عندهم ... وقد خصى نفسه من الصابئين رجال، قد عرفناهم بأسمائهم وأنسابهم وصفاتهم وأحاديثهم"( 91).

إن كلام الجاحظ مردود من ألفه إلى يائه، إذا كان الأمر يتعلق بالصابئة المندائيين، فقد حرمت عقيدتهم الجنة على من يعزف عن الزواج، ولا يولون عاقراً منصباً دينياً، والبوثة (الآية) التالية من كتابهم المقدس كفيلة بهذا الرد: "أيها العزاب أيتها العذارى، أيها الرجال العازفون عن النساء، أيتها النساء العازفات عن الرجل، هل وقفتم على ساحل البحر يوماً؟ هل نظرتم إلى السمك كيف يسبح أزواجاً؟ هل صعدتم إلى ضفة الفرات العظيم، هل تأملتم الأشجار واقفة تشرب الماء على ضفافه وتثمر؟ فما بالكم لا تثمرون؟ وجاء في البوثة: "الرجال الزاهدون في النساء، والنساء الزاهدات في الرجال كذلك يموتون، ومصيرهم الظلام حين من أجسادهم يخرجون"، والباثة: "اثمروا إن أردتم أن تصعدوا حيث النور"( 92). فهل تكفي الجاحظ باثات "الكنزاربا" الكثيرة في تقديس الصابئة الخصب؟ أورد أبو فرج النديم أموراً هامة أخرى، لها صلة بكتاب الصابئة المقدس، ذلك الكتاب الذي رفعه رئيس كهنتهم، المدعو دنقا، يوم دخول العرب المسلمين العراق( 93)، ليبين لهم أن قومه من أهل الكتاب. قال النديم عن أحمد بن عبد الله بن سلام مولى هارون الرشيد: "ترجمت هذا الكتاب من كتاب الحنفاء، وهم الصابيون الإبراهيمية، الذين آمنوا بإبراهيم عليه السلام، وحملوا عنه الصحف، التي أنزلها الله عليه، وهو كتاب فيه، إلا أني اختصرت منه ما لابد منه ليعرف به سبب ما ذكرت منه اختلافهم وتفرقهم، وأدخلت فيه ما يحتاج إليه من الحجة في ذلك من القرآن والآثار، التي جاءت عن الرسول (ص) وعن أصحابه، وعن مَنْ اسلم من أهل الكتاب"( 94).

وقال المترجم أحمد بن سلام أيضاً: "ترجمت هذا الكتاب والصحف والتوراة والإنجيل، وكتب الأنبياء والتلامذة، من لغة العبرانية والصابية وهي لغة أهل الكتاب إلى اللغة العربية، حرفاً حرفاً، ولم اتبع في ذلك تحسين لفظ ولا تزيينه مخافة التحريف، ولم أزد على ما أوجدته في الكتاب الذي نقلته، ولم أنقص إلا أن يكون في بعض ذلك من الكلام ما هو متقدم بلغة أهل ذلك الكتاب"( 95).

وعد مولى هارون الرشيد الكتب السماوية، وما ادعتها الصابئية منها، منذ ذلك الزمان بالتالي: "جميع ما أنزل الله تعالى من الكتب مائة كتاب وأربعة كتب، من ذلك مائة صحيفة أنزل الله تعالى فيما بين آدم وموسى، فأول كتاب أنزله الله جل أسمه على شيث عليه السام، وهي إحدى وعشرون صحيفة، والكتاب الثالث أنزله الله على أخنوخ (مصحف من الاسم المندائي دنانوخت) وهو إدريس عليه السلام، وهو ثلاثون صحيفة، والكتاب الرابع أنزله جل أسمه على إبراهيم عليه السلام وهو عشر صحائف"( 96).

أبدى أكثر من باحث، في شأن المندائيين، صعوبة البحث في كتبهم الدينية، بسبب تاريخها المجهول وموضوعاتها الشائكة. فـ"الكنـزاربا" كتاب أُنزل بواسطة هيبل زيوا (جبرائيل) على آدم وشيت وإدريس ونوح، كمجموعة من الصحف نزلت بفترات مختلفة، إلا أن أسماء وأحداث عديدة دخلت في الكتاب تصل إلى زمن يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم، ومع أن الصابئيين يعتقدون أن كتاباً من كتبهم نزل على يحيى بشهادة القرآن: "يا يحيى خذ الكتاب بقوة وأتيناه الحلم صبيا"( 97). غير أن المفسرين المسلمين أشاروا إلى أنه كتاب "التوراة" لا الكتاب المندائي.

تجعلنا رواية النديم عن مولى هارون الرشيد نشكك فيما ذهب إليه الكرملي إلى أن تاريخ كتابة "الكنزاربا" كان بداية القرن الثامن الميلادي، وبالتحديد السنة (708 الميلادية)، وحسب قوله توصل إلى ذلك بعد قراءة حوادث الكتاب. وغير ما جاء في "الفهرست"، عن مولى الرشيد، ذكر ابن أبي أصيبعة أن المحسن بن إبراهيم بن هلال الصابئ، مصنف كتاب "شرح مذهب الصابئي"، ترجم كتاباً إلى العربية بعنوان "السور والصلوات التي يصلي بها الصابئون"( 98)، ولا يستبعد أن يكون أحد كتبهم الحالية.

هناك تأثيرات مندائية، تعد من ثوابت الدين، قد دخلت بعض الحركات الإسلامية ومنها تحريم الختان، فقد حرم بعض رؤساء الفرق السرية الإسلامية الختان للسبب نفسه، وهو عدم إنقاص ما خلق الله في الجسد، فقد شاع عن عبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب أنه شرع لأصحابه، وهم جماعة من الشيعة "تحريم الختان، وقال (ما قالته الصابئة): إن المختتن راغب عن خلق الله، ولولا الشعر والظفر ميتان وعلى الحي مفارقة الميت ما قلمنا ظفراً ولا خففنا شعراً"( 99).

في طقس أو ممارسة الختان يقف المندائيون واليهود على طرفي نقيض، فبالوقت الذي جعلته اليهودية شرطاً أساسياً من شروط الديانة، جعلت المندائية ممارسته خروجاً من الديانة. فالذي لا يختتن لا يكون يهودياً، بمعنى "الختان علامة انتماء للشعب اليهودي، وعلامة عهد بين الله وهذا الشعب"( 100)، والذي يختتن ليس مندائياً، لأنه تجاوز فطرة جسد الإنسان، ولا يجوز إنقاص خلقة الله.

وفي الإسلام لم يذكر الختان في القرآن، وإنما أقره الفقهاء كسنِّة بين واجب وغير واجب، فهو واجب لدى الشيعة الإمامية والزيدية، ومن أهل السنة أوجبه الشافعية والحنبلية والإباضية، إلا أنه لا وجوب له لدى المذهبين الحنفي والمالكي. أما ختان أو خفض البنات فلا يراه واجباً إلا المذهب الشافعي، والزيدي( 101).

عموماً، أن تحريم الختان من قبل المندائيين لم يعد مخالفة كبيرة للمحيط، مدام هناك مسلمون وغير مسلمين، مثل المسيحيين، لا يقرون بوجوبه، ومن جانب آخر هناك معارضة كبيرة ضده في العالم، ذلك لآلامه وما يتعلق بعذاب الإنسان، وخاصة أن بعض العقائد لا تجيزه إلا بعد البلوغ، وقد أنتقلت معارضته إلى داخل إسرائيل، حيث معقل اليهودية( 102).

ومن التاثيرات المندائية الأخرى في المحيط الإسلامي التأثر نرى قصة صراع وانتصار هيبل زيوا المندائي متجسدة في مقالة "أصحاب بن حرب" في محمد بن الحنفية، يوم يخرج من البلد الأمين ويقضي على الجبابرة بسيف من شق صاعقة يكور به الشمس "ثم يعود في عمق الأرض حتى إذا بلغ الماء الأسود والجوّ الأزرق صاح به صائح بسمع الثقلين (الجن والأنس): قد شفيت قد شفيت، فيمسك عند ذلك ويعود إلى البلد الأمين"(103). فالماء الأسود عند المندائيين هو مكان كائن الظلام الروهة في اسفل السافلين من طبقات الأرض، والجو الأزرق هو لون ثيابها، لذا يكره الدين المندائي ارتداء الثياب الزرقاء، مثلهم مثل الإيزيدية.

ينبأ الفقه والتاريخ الإسلاميين عن اعتراف ضمني وواضح بالدين المندائي، ولو سمع الخلفاء صوت المتشددين على شاكلة أبي سعيد الأصطخري وابن فضلان لما ظل على وجه الأرض مندائي، ولو كان وجودهم ينافي عقيدة الدولة الدينية ويتعارض معها لاجتهد الفقهاء وتحايلوا على إزالتهم، ولو رأى الناس منهم مثلما ورد في رسالة الشيخ العقيلي لهبت العشائر والمحلات على قمعهم وهم القلة القليلة بين الملايين.

إلا أن تاريخهم العريق في أرض العراق ووجودهم النافع في الاجتماع والاقتصاد وصبرهم على مشاكسة المحيط يجعلهم في مأمن من تجاوز يريد بهم ترك مرابع ألفوها منذ مئات السنين، وعقائد توارثوها اب عن جد فأصبحت هويتهم، ولغة كانت يوماً لغة العراق، فكم هو محظوظ العراق أن فيه قوم أنجبوا إبراهيم الصابئ وسنان بن ثابت وعبد الجبار عبد الله.

فهل ستأخذ الدولة الجديدة بيد هؤلاء في الحفاظ على وجودهم السكاني بالعراق، وإعادة تأهيل لغتهم الآرامية؟ لماذا لا! ونحن نرى دول العالم وشعوبه المتحضرة تبني المتاحف المحصنة من أجل الحفاظ على حجرة أو قرطاس، وتُعد الظروف الطبيعية من أجل حيوان يتجه نوعه نحو الإنقراض! فكيف والحال عندنا جماعة بشرية لا زالت تقاوم من أجل التحدث بلغة نوح، ويتصل بها تاريخنا السومري والبابلي، وتجمعها مع أدياننا ومذهبنا الأخرى المواطنة أولاً والتاريخ ثانياً.

نشرت في تاريخ
السبت, 09 شباط/فبراير 2013 17:31

المندائيون في الذاكرة الإسلامية - ج 1

"يا يحيى خُذِ الكتابَ بقُوَّةٍ وآتيَناهُ الُحكمَ صَبيّا وحَنَانَا مِن لَدُنّا وزَكوةً وكانَ تَقيّا وبرَّاً بوالديه ولم يَكُن جَبّاراً عَصِيّا وسلَامٌ عليهِ يَومَ ولِدَ ويَومَ يُموتُ ويَوَمَ يُبعَثُ حَيّا"
(سورة مريم 12-14)

تقديم

يزخر الفقه والتاريخ الإسلاميين بمسائل ومرويات كثيرة حول الصابئيين المندائيين، كان المصدر الأول لهذا الإهتمم القرآن الكريم، وسوره الثلاث: "البقرة"، "المائدة" والحج. ثم حضورهم بحاضرات العراق العباسي مثل: واسط والبصرة وبغداد. يضاف إلى ذلك دورهم في الحياة الثقافية أيام العباسيين، ولا زال لقب الصابئي المندائي أو ابن مندة معروفاً في كتب تراجم الرجال والفقه والقضاء الإسلامية. من هؤلاء: أبو الفتح محمد بن أحمد بن بختيار المندائي (تت605هـ) المعروف بمسند أهل العراق وبالمُعدّل، وكان والده قاضياً، وأبو القاسم عبد الرحمن بن محمد (ت470هـ) ومنده لقب جده الأعلى ، ومنهم الحافظ أبو عبد الله بن منده (ت395هـ) الملقب بجوال الدنيا لكثرة سفره، والمحدث عبد الوهاب بن الحافظ(ت475هـ) وغيرهم، كل هؤلاء تدل ألقابهم أنهم كانوا مندائيين، قبل إسلامهم أو إسلام آبائهم.

وإن طغت تسمية الصابئة على هؤلاء القوم إلا أن اسمهم المندائي هو الأصل، وهو نسبة إلى مندادهي الملاك الأول أو رمز المعرفة أوالحياة الأولى، وبهذا عثرف بيت عبادتهم بالمندي، أي بين المعرفة واي معرفة معرفة الله وكشف عوالم الكون، وبهذا ربما تعود أُصول العرفانية أو الأغنوصية إلى هذا الدين.

وإذا علمنا أن الشيخ معروف الكرخي كان صابئياً علمنا التأثيرات العرفانية في التصوف الإسلامي. قال الخطيب البغدادي: "أخبرنا محمد بن أحمد بن روق قال: سمعتُ أبا بكر محمد بن الحسن المقرئ المعروف بالنقاش، وسئل عن معروف الكرخي، فقال: سمعتُ إدريس بن عبد الكريم يقول: هو معروف بن الفيزران وبيني وبينه قرابة، وكان أبوه صابئاً من أهل نهر بان من قرى واسط"( [1]). وقال ابن تغري: "كان أبواه من أعمال واسط من الصابئة"( [2]).

أتخذ المندائيون الصمت سبيلاً قويماً في الحفاظ على كيانهم الديني، ولغتهم المندائية
أتخذ المندائيون الصمت سبيلاً قويماً في الحفاظ على كيانهم الديني، ولغتهم المندائية عبر دهور طويلة، خدمهم غموض لغتهم الدينية، التي لا يفقهها مواطنوهم من الأديان الأخرى، يتهامسون بها للرد على سخرية جاهل ينال من عقيدتهم، أو معتد قصد ديارهم لفرض ما لا يريدون وما لا يطيقون. فكثيراً ما يحدث الاعتداء عليهم لقلتهم ولشبهات عقائدية تدور حولهم، أقلها أنهم يعبدون الكواكب والنجوم، أو يزهقون أرواح المحتضرين منهم، هذا ما شاع عنهم بجنوبي العراق.

والحقيقة أن من شعائرهم غسل المحتضر واكساؤه الكسوة الدينية البيضاء المعروفة بالرسته، اعتقاداً منهم أن ذلك يمُكن روحه من الصعود إلى مشوني كشطا(المكان السامي أي الجنة) بسلام. وبرر بعض الفقهاء نجاستهم لأنهم مشركون، وحكم هؤلاء حسب الآية القرآنية "إنما المشركون نجس"( [3]). يقال هذا على المندائيين رغم إفراطهم في النظافة والطهر، وأباح البعض الآخر قتلهم، رغم وداعتهم وميلهم للسلم، فلرقتهم يعتذرون ويستغفرون أثر ذباحة الطير والحيوان.

خرق الشيخ دخيل صمت المندائيين عن تجاوزات الآخرين فيما يخص الشأن الديني، يوم تقدم لمقاضاة المؤرخ عبد الرزاق الحسني بسبب ما جاء في كتابه "الصابئون في ماضيهم وحاضرهم". ففي (11 كانون الثاني1931)، فتح الشيخ كتاب "الكنزا ربا" وقرأ أمام هيئة المحكمة ببغداد، باللسان المندائي (الآرامي الشرقي) وكان الأب انستاس الكرملي يترجم إلى العربية، وقد اقتنعت المحكمة أن المندائيين لسيوا عبدة كواكب ونجوم بل يعبدون الحي الأزلي، قرأ الشيخ بوثات (آيات) من الكتاب الأول، تسبيح التوحيد. تحقق ذلك بتعاطف من قبل متصرف بغداد آنذاك أمين الخالص والحاكم الأول لمحكمة الجزاء شهاب الدين الكيلاني مع قضية المندائيين.

وحصل أن اعتذر الحسني من الشيخ ووعده أن لا يعيد نشر الكتاب إلا بعد أخذ ملاحظات وتوصيبات الشيخ، لكنه طبعه عدة طبعات، وحتى السبعينيات كتب في مجلة "التراث الشعبي" مقالاً بعنوان "إذا مات الصبي"( [4])، واضعاً فيه ما يدور بين العامة حول المندائيين، من أنهم يخنقون المحتضر، بينما الصحيح هم يلبسونه الثياب الدينية وهي الرسته، ويطهرون بدنه قبل الوفاة. والعامة التي لم تكشف لها طقوس الدين المندائي لم تحسب حساب خطورة اعتقادها بمواطنيها المندائيين، فما اشاعته عنهم هو القتل بعينه، والسؤال إذا كان المندائيون يقتلون أو يخنقون المحتضر فكيف لا يتعرضون للعقوبة الجنائية، وكيف جرى المؤرخ الحسني خلف هذا الادعاء الباطل؟ ومعلوم أن قتل الرحمة لم يجز إلا في بعض الدول الأوروبية وبعد نقاشات وصراعات حامية في البرلمانات، وهذا لا يجاز إلا بطلب المريض الشخصي، وفي حالة معاناته من قسوة الألم مع اليأس التام من شفائه، فأين ومتى مارسه المندائيون، وهم كما اسلفنا يعتذرون عن ذبح الحيوان والطير!

وخلاف ما قدمه الحسني من اعتذار للمندائيين بعد المحكمة المذكورة كتب في مجلة "الهلال" المصرية (أيار 1932) قائلاً: "فتلقينا من ضجيج الصابئة وإنكارهم ما جرَّنا إلى المرافعات ومحاكمات طال أمدها، ولكنها انتهت بفشل المدعين لعدم وجود مأخذ على ما كتبنا ونشرنا"( [5]). لكن الحسني بعد أكثر من عشرين عاماً من تاريخ مقاضاته كتب إلى الشيخ دخيل يقول: "إكراما لخاطركم وحباً بدوام حسن العلاقة بيني وبينكم لا سيما بعد أن اتضح بأني لا أريد إلا خدمة التاريخ وتحري الحقيقة (20 تشرين الأول 1957). وكانت وزارة المعارف، في عهد الوزير خليل كنة قد ردت طلب عبد الرزاق الحسني، الذي عرض فيه شراء (205) نسخة من هذا الكتاب، وجاء في الرفض: "ذلك لعدم الإفادة منه في مؤساتنا الثقافية"، لكن الطلب نفذ في عهد الوزير منير القاضي( [6]).

إن صحت العبارة المندائيون أثر من آثار التاريخ الحية، فوجودهم يذكر بأنبياء ورسل، حاولت الأديان المتعاقبة نسخ شرائعهم، ولم يبق منهم غير صحف نوح وإبراهيم، والصابئة إن ذكروا في الكتب المقدسة فلم يذكروا بأكثر من تلميح واستشهاد وعبرة من الماضي. فقول المندائيين: إنهم أقدم ديانة سماوية على وجه الأرض، وإن كتبهم هي صحف سادة البشر الأولين: كآدم وشيت وإدريس ونوح، يرفعهم إلى مصاف بدايات الأديان والشرائع الموحدة في التاريخ؟

وأن الكل نحل من منحلهم، لذا من الصعب أن يعرف للصابئة المندائية مؤسساً، وهذه الخاصية، التي ميزتهم عن اليهودية والمجوسية والمسيحية والمانوية والإسلام وغيرها من الديانات العالميةِ، أشارت إلى قدمهم وروحانيتهم الصافية، وكأنهم يوافقون أبا الفتحِ محمد بن عبد الكريم الشهرستاني حينَ قالَ: "إنما مدارُ مذهبِهم على التعصبِ للروحانيينَ"(المللُ والنحلُ) .
ويبدو أن غرض الشهرستاني من نقل، أو إبداع، الحوار بين الصابئة والحنفاء( [7]) هو ميل الصابئة إلى الرسل من الكائنات النورانية، مثل هيبل زيوا(جبرائيل)، فالبشر لخطاياهم وما يتعلق بأبدانهم من فساد، لا يُصلحونَ للوساطةِ بينَ السماء والأرض. قالَ الشهرستاني في مذهب الصابئة: "إن للعالمِ صانعاً، فاطراً، حكيماً، مقدساً عن سمات الحدثان، والواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله، وإنما يتقرب إليه بالمتوسطات المقربينَ لديهِ، وهم الروحانيون المطهرون المقدسون جوهراً، وفعلاً، وحالة"( [8]).

بيد أن ما أتى عليه الشهرستاني، من عدم اعتراف الصابئة بأنبياء من البشر، يفنده ما ورد في كتبهم من الصحف التي نزلت على آدم، والكتاب الذي نزل على أحد النوصرائيين، إدريس (دنانوخت)، ويصدقه، في الوقت نفسه، أنهم لم يسموا أحداً من البشر بالنبي أو الرسول، فالكل عندهم كانوا نوصرائيين، من آدمٍ إلى يحيى بن زكريا. فالكتابات الصابئية المندائية أشارت "إلى الاعتقاد بأن المعرفة أو العلم الرباني –مندادهيي- إنما يؤتيه اللهُ عباده المختارين الصادقينَ (بهيرا زدقا)، إما وحياً وإما إلهاماً، وذلك هو صوت الحي الأقدم (شوت هيا قدمايي)، أو فيضاً سماوياً وكشفاً وهو التجلي، أو بواسطةِ رسلٍ أثيرين نورانيين"( [9]).

أشار المندائيون، ربما لاهتماماتهم الفلكية، إلى وجود بشر خارج كوكب الأرض، فالكواكب السماوية عندهم، ما دون عالم النور، اتخذت سكناً للبشر والكائنات النورية، وكتبهم الدينية تُرشد إلى عوالم "يسكنها بشر مثلُنا، وتركز بالدرجة الأولى على عالمِ العهدِ مشوني كشطا، وتذكرُ أيضاً أن البشرَ في هذا العالمِ لا يختلفونَ عنا كثيراً، وعلى هذا الأساسِ فقد أمر هيي ربي قدمايي، الحي الأزلي، بنقلِ بناتِ آدمَ من هذا العالم (اره اد تبيل)، الأرض، ويجلب زوجات من عالم مشوني كشطا لأولاده"( [10]).

ويصفُ غضبان رومي، وهو واحدُ من بين أبرز المثقفين المندائيين، مستقبل العلاقة بين إنسان الأرض و إنسان الكواكب الأخرى، حسب تصورات ديانته، بالقول: "من ذريتهن تكوّن الإنسان الحالي، الذي أخذ يزحف من عالمنا هذا نحو الكواكب الأخرى، وليس ببعيد أن يصل في آخر المطاف إلى عالم مشوني كشطا، وينـزل ضيفاً على أخواله هناك، مستقبلاً من أبناء عماته"( [11]).

كان آدمُ أباً للبشر وحواء أمهم، لكن البشرية، حسب الكتب المندائية، فنيت مرات بكوارث سببها عالمُ الظلام المنحوس وما فيه من شر أنتقل إلى الآدميين عبر مادة الطين التي منها جُبل جسد آدم، وفي كل فناء يبقى رجل وامرأة يتجدد منهما الجنس البشري. "فبعد شيت قضي على هذا العالمِ بالحرب، ولم يبق منه إلا رجل وامرأتُه، هما رام ورود، وبعد عشرات الألوف من السنين فني العالم بالنار، ولم يبق منه إلا شوربي وزوجته شور هيبل، وبعد عشرات الآلاف من السنين جاء الطوفان، ولم ينج منه إلا نوح وزوجته (انهريتا) وابنه سام"( [12]).

وحسْب أغلب الأديان، ومنها المندائية، إن هذه الكوارث ضرورية لغسلِ الأرض من خطايا البشر، وبهذا قال شاعر البشر أبو العلاء المعري، حسب تسمية معروف عبد الغني الرصافي له، وكأنه قرأَ الكنـزا ربا وتبحر فيها:

والأرضُ للطوفانِ مشتاقةٌ
لعـلها من درنٍ تُغتـسل
قد كثرَ الشرُ على ظهرِها
وأُتهـم المُـرسلُ والمُـرسلُ

إن اعتقادَ المندائيين بوجود بشر يعيشون على الكواكب العليا يقود إلى علاقة ما بنظرية أفلاطون: "المُثل" أو "النماذج"، وبالتالي إلى صلة ما بالفكر اليوناني بشكلٍ عام. ولا ندري، هل كان هذا التوافقُ توارد خواطر أم بتأثيرات فلسفية مباشرة. في هذا المجال قد يكون للحرانيين في نقلهِا دورٌ ما. ولا يستبعد أيضاً في أن يكونَ الأمر امتداداً سومرياً وبابلياً، حيث القول بوجود مجتمع الآلهة، ومكانُه العالم العلوي، وخُلق البشر على هيئتهِ ونظامه. جاء في النصوص المندائية على لسان المتوفى: "أذهب إلى شبيهي، وشبيهي يأتي إليَّ، يتذكرني ويحتضنني، كما لو أنني خارج من السجن".

تناول الفقهاء والمؤرخون المسلمون، شيعة وسنُّة، الدين المندائين، وأختلفوا حوله في أن يكون أصحابه من أهل الكتاب أو شبه الكتاب، واختلفوا أيضاً في جواز أخذ الجزية وبالتالي الاعتراف بهه كديانة لها حق حماية المسلمين والأمن بينهم. إلا أن أكثر المتشددين ضدهم هم فقهاء الشافعية، بينما كان للفقهاء الحنفيين والشيعية فتاوى وآراء إيجابية منهم، اعتامداً على ما ورد في القرآن الكريم بخصوص الصابئة، وما ورد في الكتب الصابئية، حسب قراءة آية الله علي خامنئي لها.

كذلك كانت لرجال الدين الشيعية صلات صداقة ومودة على غرار صداقة العلم الشيعي البارز الشريف الرضي والعلم الصابئي البارز إبراهيم الصابئي. يتناول هذا الكراس معاملة الفقه الإسلامي وروايات التاريخ في أمر قوم لا زالوا يحتفظون باللغة الآرامية ويرون أنفسهم أنهم أتباع آدم أبي البشر.

وبالتالي المندائيون أهل دين سماوي، توجهوا إلى غاية السموات بعقولهم وأفئدتهم، وبفكرة السفن الكونية وبحارتها الكائنات النورية، ولم يجعلوا الكواكب آلهة بل هي عندهم أمكنة لكائنات النور والظلام، والله لديهم متعالٍ عرشه يطوف فوق بحار النور النقية. ومثلما للأديان الأخرى معاريجها لهم معراجهم وجنتهم ونارهم.

غير أن كل هذا كان مخفياً على المحيطين، لم يعرفوا منهم غير أنهم يعبدون الكواكب كامتداد لصابئة حران، أو يسجدون إلى كائن صاغ حروف اسمه الآخرون، عن جهل، من العبارة المندائية المقدسة "بشميهون اد هي ربي"، وتعني باسم الحي ربي، مثلها مثل عبارة المسلمين "بسم الله الرحمن الرحيم". وإذ جعل المسلمون الرحمة صفة الله الأولى، يطلبونها منه في مستهل كل عمل، جعل المندائيون الحياة صفة دائمة يذكرونها في مستهل كل عمل وحركة، فالحياة الأزلية، حسب كتابهم، هي الفارق الأكبر بين الله والبشر.

نشرت في تاريخ

مسابقة المقالة

كمن ينتظرُ موسمَ الحصادِ في حقـلٍ لا زرعَ فيه - فاروق عبد الجبار - 8.6%
مكانة المرأة في الديانة المندائية- إلهام زكي خابط - 3.3%
الدلالة الرمزية في قصص ( امراة على ضفاف المتوسط ) للقاص نعيم عيَال نصَار - عزيز عربي ساجت - 0%
رجال الدين المندائيين بين الاعداد التقليدي والتحديات المعاصرة - الدكتور كارم ورد عنبر - 85.3%
الإباحية في الفن الروائي والقصصي - هيثم نافل والي - 2.5%

Total votes: 360
The voting for this poll has ended on: تموز/يوليو 15, 2014