الأحد, 08 كانون2/يناير 2017

السُلطان

  مديح الصادق
تقييم هذا الموضوع
(0 عدد الأصوات)

لا يقبلُ المزاحَ بردُ كانون، وإن قبل المزاح فإن سلاحه ذا الحدَّين نافذٌ من الجلد حتى العظام، وفي أرضٍ جرداء يُطلق له العنانُ بلا قيود، كما هو الجوعُ في بطون الفقراء، ولو صحبته الريحُ فلا الخيام التي تهالكت تصدُّهُ، ولا المناخل التي طوَّقت مُخيَّم المُهجَّرين، ذلك البائس إلاَّ من أغطية جادت بها منظماتٌ تبنَّت أهدافاً لها قضيةَ الإنسان، وما يسدُّ شيئا من جوع، أغذية قد انتهت صلاحيَّتُها أو أوشكت، مفرزة طبيّة في أدراجها الشاش والقطن وأقراص للزكام والصداع، لا غير، وهما ضيفان ثقيلان في هذا الفصل على من شاءت الأقدار أن يكونوا ضحايا خيانةٍ ممَّن سلَّم الأرض والناس بلا قتال للهمج الرعاع، وإن تعشَّقت النار خيمة؛ فإن فريقا كاملا منها في لحظة
يغدو رمادا بمن فيه من الأحياء.

عليها أن ترتدي من الثياب ما يدرأُ عنها لسعة البرد، ويحميها من غيثٍ غاضبا قد انهمر، فأغرق الخيام ومن فيها، وفي مثل ذا الحال فإن كلاًّ عن موضِعِه يُبعِد السيل؛ وإن أُغرِق الجار فلن يبالي، هي الوحيدة بين الرجال، الوالد الطبيب مجهولٌ قبرُه، أعدمه الظلاميُّون ذوو السراويل القصار شنقا على عمود وسط المدينة، قالوا في قرار قاضيهم إنه مُرتدّ، تحت جنح الظلام وفي ليلة سوداء قد لاذت بالفرار، تجرُّ أختين وإخوة ثلاثة صغارا، وأمَّها التي ساقُها كُسرت بضربة أخمص من شيشاني وسخ دجَّال، لم يبق في الدار سوى أُطرٍ لشهادات تخرّج وتكريم، وماذا يحمل المرء في مخلاته غير ما خفَّ حمله في مثل تلك المأساة؟ وهي التي في ليلة حفل التخرُّج أطفأ البغاةُ عليها الأنوار.
ألقت عليه التحيَّة جهرا، بيديها واللسان، وما أخفت عيناهما كان أبلغ في التعبير، لم تأبه بمن حولها من جمع الرجال، وماذا تعنيه عندهم تحية النساء للرجال، بالمجرفة التي يحمل أشار لها أن تعود لخيمتها، وهو الذي سينجز عنها ما خرجت لأجله، شكرا لك يا جارنا الطيب، قالتها باحتيال كي تُسمِع مَن حولها، على النساء أن يخرجن من المخادع لا أن ينصرفنَ للنوح وندب الحظوظ، له خفضت طرفا من حاجبها، أجابها بما يُجيده عاشقٌ من صنف الشعراء، وما أفصحها لغة العشَّاق! كلاهما يُجيد الرصف، مهندسةٌ من فنونها خلق أجمل العوالم في الخيال لتنقلها للحياة، أستاذٌ خَبِر الحروفَ حرفاً حرفاً، وغاص في أسرارها، فصاغ منها أندر العقود في حبِّ الجمال والوطن والناس، أُخرِج من داره قسراً؛ على سطح داره قد علَّق الوالدُ راياتٍ خضراءَ، وسوداءَ خُطَّ عليها (لبَّيك يا حُسَين ).
الشمسُ قد عانقت أفقاً بلونِها، وحولهما طالت ظلالُ الخيام، لم يبقَ في الساحة إلاَّ هُما، كلٌّ على حبل خيمته مُتَّكئ لصاحبه يطيلُ الطرف، بالأمس كانت شجيرات حدائق الصرح الجامعي لهما خيرملاذ، بها يستظلاَّن ويأمنان، يسترقان لحظة اللقاء، سفَراً يُسافران في عالم الحبِّ الجميل، لم يُثنِها عن حبِّه أنه يمدُّ الذراعين عند الصلاة، له والدان مُتزمِّتان، ولها نظرة في الدين على أنه جزء من حريَّة الفرد، وأن الدين هو الأخلاق وحبُّ الوطن والناس والجمال، مع أنَّها لأُمِّها تُجهِّزعدَّة الصلاة كي تؤديها مُكتِّفة ذراعيها، هكذا هو الحبُّ عندما يغزو العباد، دون وعد أو شرط، يأسر القلوب ببعضها، لا يردعه فرق في اللسان أو المذهب والدين، هو العبودية بعينِها وما منها خلاص، سلطان جائر هو الذي ليس من حكمه فرار، وفي الخيمتين خلفهما يقبعُ من يظنَّان أنهما صبيَّان بالنار يلعبان، ولا فرار من حكمهما، ففي أيديهما يكمنُ القرار.
حانَ موعدُ الصلاة، أنجِز وضوءَك، يا عبَّاس.
لا يليقُ المكوثُ ليلا خارجا للنساء، ادخلي الخيمة، يا إشراق

الدخول للتعليق

مسابقة القصة القصيرة جداً

إلهام زكي خابط - حبات اللؤلؤ - 4.9%
فارس السليم - حال الدنيا - 2.4%
جمال حكمت عبيد - لمسة إصبع - 17.1%
عزيز عربي ساجت - اليمامة - 0%
فاروق عبد الجبار - موسيقى - 56.1%
هيثم نافل والي - الراقص - 19.5%
د. نصير عطا - حادثة تحصل يومياً - 0%

Total votes: 41
The voting for this poll has ended on: حزيران/يونيو 15, 2014