السبت, 04 شباط/فبراير 2017

ليلة حب فيسبوكية

  مديح الصادق
تقييم هذا الموضوع
(0 عدد الأصوات)

لكلِّ حِرفة مسلزماتُها التي لابُدَّ أن تكون بحوزة الذي يُجيدها، بها يستعين في إنجاز ما يبتغيه، ولها دور في سرعة ذلك الإنجاز، ودقته؛ إلا الحبّ، فهوعلى حين غرَّة يغزوكَ، دون سابق إنذار، ولا مُقدمات، هو أول حالات استبداد عرفتها الأرض؛ بل مُصادرة الحريات؛ كل قوانينها وشرائعها، ما سُنَّ وفقا لأعرافها، وما أنزلته السماء؛ لم تجرؤ على النيل من أحكام هذا الكائن العجيب، أو تثلم منها بعض الشيء، الحبُّ يُنزِل الملوكَ من عروشهم، ويُلقي على الأرض بما استحكموا به من تيجان، يرقى بأبسط خلق الله إلى عوالم بها تحلم السلاطين؛ حيث تتوضأ النفوس بأمواه الجنة التي بها وعدتْ كتبُ الأنبياء، عالَمٌ بلا حُكَّام، لا عسس، ولا حدود، دستوره ما مرَّتْ عليه أقلام ساسة، أو غيرهم من الكاذبين المُراوغين، الحُبُّ أوَّل شريعة لم تُكتب، ولا فرضتها عصا جلاَّد.
أجملَ ما يحفَظ في خزانة الملابس من ثياب انتقى، بدلتين أنيقتين، واحدة بيضاء، وأخرى سوداء، ربطة عنق لكل بدلة وقميصاً يُناسبها، ولكلٍّ منهما حذاء يكمل مشهد ليلة عرس لم يقرأ عن مثلها، ولم يشهد فيما صنَّعه المُخرجون على الشاشات، أو ما شاهده على الساحات، قميص نوم طويل كما اعتاد العرسان على ارتدائه مثل هذا اليوم، قنينتا عطر، أنثوية لها، ورجالية له، مناديل كتلك التي يعلقها أبطال الروايات من شخصيات الإرستقراط، علبتان مُغلَّفتان بورق الهدايا اللماع، خاتم ذهبي بكل منهما؛ خاتمان في تلك الليلة يساويان كل ما في خزائن الكون من مجوهرات، قنينة النبيذ الأحمر الرائق؛ هي لا تستسيغ سوى ذلك الصنف من الشراب، وهو رهن الإشارة؛ ألم يكن عبوديةً هو الحبّ؟ بأطراف أنامله تحسَّس ذقنه؛ لعل شعرة شاردة هنا أو هناك، حدَّق في المرآة مُستعرِضا طوله، من الأمام ثم استدار إلى الخلف، عدَّل خصلةَ شَعر قفزت كطفل مُشاغب لايروق له أن يستكين، هزَّ كتفيه استعدادا لمجازفة لا يقدم عليها سوى الأبطال.
حوائجها كلُّها، بشكل فوضوي على الطاولة مُلقاة، مُجفف الشعر وأمشاطه، علب المكياج الفاخر منشؤوها، قناني العطور، شَعر اصطناعي بمختلف الألوان، أربطة نسوية، ملابس داخلية، قمصان نوم لتلك الليلة خصيصاً، هو يُجن بالأحمر، وهي تهوى الأبيض؛ لتصطحب معها إذًاً الاثنين، بدلة العرس معلقة لم تزل في خزانة الثياب، بدلات السهرة قد رُصفت في الحقيبة، دُمية قطة تتثاءب، مهووسة بالقطط، باقة ورد مُشكَّلة من شتى الألوان، تعشق الورود، وكل يوم تنثرها على صفحات الأصدقاء، الأجمل منها تبعثه على بريده الخاص، على الهاتف خزَّنت كلَّ ما يُطربُه من مُختار الموسيقا والغناء، وصوراً لها في غرفة النوم بشتى الأوضاع، وبعضاً من خواطر غير موزونة كتبَتْها في لحظات انفعال، أوقات درجات الغليان.
أعددتُ كل أمتعتي، وما يلزمنا، هل ستأتي الآن؟ حبيبي، تركت الكثير مما ليس لنا حاجة به، وهل من حاجة تغنيني عن حضنك الدافئ الذي به احتميت، نظمت لك الكثير من الأشعار، سأُلقيها الليلة في حضرة شهريار، وإن طلع النهار فلن تصمت عن حديثها شهرزاد، وما النهار إلا من نور مُحياَّك يستمد المَعين، إليك خُذني، على جوادك بي طِرْ فوق السحاب، وبين النجوم، حكايا ألف ليلة وليلة نحن نصنعها، أوليس أجمل الحكايا يصنعُها العشاق؟
آتٍ إليكِ أنا أخفَّ من الريح، ذراعيك افتحي، أمطريني بنار جهنم من سعير القبلات، هل عطَّرتِ الوسادة بما أشتهي، بدلة عرسنا البيضاء البسيها، وزيِّني الجِيد بما به يليق، صدرُك الناهد ملاذ لي من جور الزمان، وغدر النائبات، لا أملك إلا قلبا أنتِ ملكتِهِ، فماذا عساني أُهديكِ.
الباب مُشرعة على مصراعيها، بكامل استعدادها فتحت ذراعيها، أسرع من سرحان جائع يجري؛ هأنذا جئتك يا عمري، جاهزةٌ أنا لأجمل ليلة عرس.
كما يرتمي الرضيع في حضن أمِّهِ، تقدم نحوها يجري فاتحاً ذراعيه، كاد يمسُّها، يحتويها بكل ما استعرت فيه من نار الشوق؛ فجأة اختفت صورتها أمامه من على شاشة اللابتوب، معها ضاع الصوت، لا صوتَ ولا صورة على الجات، خبر عاجل على التلفاز، هزَّاتٌ أرضيَّةٌ في مُدنِ العراق، قُطِعَ التيارُ الكهربائي، والنَتّ، وكلُّ وسائلِ الاتصال.

الدخول للتعليق

مسابقة القصة القصيرة جداً

إلهام زكي خابط - حبات اللؤلؤ - 4.9%
فارس السليم - حال الدنيا - 2.4%
جمال حكمت عبيد - لمسة إصبع - 17.1%
عزيز عربي ساجت - اليمامة - 0%
فاروق عبد الجبار - موسيقى - 56.1%
هيثم نافل والي - الراقص - 19.5%
د. نصير عطا - حادثة تحصل يومياً - 0%

Total votes: 41
The voting for this poll has ended on: حزيران/يونيو 15, 2014