الخميس, 16 آذار/مارس 2017

على ارض الوطـن

  تحسين مهدي مكلف
تقييم هذا الموضوع
(0 عدد الأصوات)

بدأت احداث حكايتنا هذه صباح أحد أيام عام 2008، حين شعر ابو فوزي وهو الرجل السبعيني، انّ حياته بسبب الأمراض باتت مهددة، فجسده قد طاله الوهن، وساعة الرحيل من هذا العالم، في اية لحظة قد تأتي. انه في الولايات المتحدة يقيم، منذ عقود ثلاثة، وحيدا قضى اعوامه القليلة الماضية، بعد وفاة زوجته بمرض عضال.
من الغربة ومرارتها عانى الرجل كثيرا، والى الوطن أضناه الشوق والحنين، وطنه الذي هجره مكرها بسبب مضايقات وملاحقات السلطة الدكتاتورية الحاكمة. ثلاثين عاما انقضت منذ حزم ابو فوزي امره وقرر الرحيل، الرحيل عن الوطن على أمل العودة في أقرب فرصة. لكن حتى الرحيل عن الوطن لم يكن امرا يسيرا، فعيون النظام، جواسيسه وعملاؤه، في كل مكان، في الخفاء تراقب وترصد، ترصد تحركات الثوار الذين ينشدون الحرية، المنتفضين ضد الظلم والدكتاتورية. وفي ليلة حالكة رحل الرجل، تاركا عائلته وقلبه وكل اِرثه الروحي والنضالي والمادي، الى حيث لايعلم رحل، رجل مهاجر بلا وطن، بلا روح، نحو ارض لم يعرفها بعد يحث خطاه، ارض لم تطأها قدماه من قبل، انه راحل نحو اوجاع وآلام جديدة، اكبرها وجع الغربة والحنين الى الوطن، من الإصرار على البقاء يستمد عزمه، ومن الأمل يستمد قوته، الأمل بيوم جديد أفضل من سابقه... الى اين سينتهي به المطاف في رحلته؟ على أي ارض سيحل؟ مع أي غرباء سيعيش؟.. لا يعلم.

تلك كانت صورة الأحداث قبل عقود، والتي من جديد طرقت ذاكرة أبا فوزي فجر ذلك اليوم الربيعي الذي فيه شعرَ بوهن جسده، فعلى الفور اتخذ قراره بالسفر الى بلده الحبيب العراق ومدينته الأثيرة بغداد التي فيها قضى شطرا كبيرا من حياته، اذ لا مجال للإنتظار بعد، فمنذ سنوات كانت تتملكه لزيارة الوطن رغبة كبيرة، حيث الأرض التي ولد فيها ونشأ وترعرع، وحيث الأصحاب والأماكن الأثيرة والذكريات الأولى والمشاهدات الأولى في حياته، لقد حاول قبل سنوات ثلاث تحقيق امنيته، غير انّ مرضا عُضالا مفاجئا ألمّ بزوجته حال دون ذلك.

اتّصل الرجل بابنه فوزي المقيم معه في المدينة ذاتها، مبلّغا ايّاه رغبته وقراره، طالبا منه مرافقته، فلم يمانع الابن، غير انه طلب امهاله أياما معدودة لترتيب امور العمل والعائلة، كذلك بعث ابو فوزي رسالة الى صديقه الحميم القديم ابو جميل، رفيق الطفولة وزميل العمل، يبلغه فيها عزمه على زيارة الوطن ويرجو مساعدته. بسعادة غامرة رحب ابو جميل بفكرة ابو فوزي، اتفقا على موعد الوصول لكي في اِستقباله يكون. بعد ايام قلائل، وصل الرجل وابنه، وعلى دار ابي جميل ضيفين مكرمين حلّا. حارا، مؤثرا كان اللقاء بين الصديقين، فهما في زقاق واحد نشآ، وكانا لسنواتٍ زميلي عمل، دارت احاديث طويلة، خلالها استمع ابو فوزي الى تفاصيل احداث قاسية آلمته بشدة، بحزن عميق كان الرجل يصغي الى محدثّه رغم علمه بهول الأحداث، فطيلة السنوات الأخيرة، كان يحزنه ويقضّ مضجعه، أنباء الأحداث المأساوية المتلاحقة التي ببلده تعصف، كتب ذات يوم والألم يعتصره، كلمات مناجاة لوطنه تقول:
ياوطني
مَنْ مسخ وجهك؟
مَنْ دنّس ارضك؟
منْ انزل فيك الأوجاع؟
منْ حجب عنك الشمس؟
منْ اجاع الجياع؟
يافردوسَ كلكامش
صَيّروكِ مسلة للنائحين
وارضا للضياع

ياوطني
مَنْ علّم الأيتام البكاء؟
مَن مزّق ثوب الحضارة؟
مَنْ علّم الأرامل ان الحزن دواء؟

وكتب ايضا:
ياوطني
لايعرف سر الطريق الا مَن سلكه
ولايعرف سر الارض الا مَن وطأها
ولايعرف سر الكلمات الا القلم
فكأس ماء للعطشان خير من نهر لؤلؤ
ورغيف خبز للجائع خير من كنز موعود

في صباح اليوم التالي لوصولهم، وفي جولة الى احياء بغداد، اصطحب ابو جميل ضيفيه، وبطلب من ابي فوزي، على الزقاق القديم عرجوا، وعلى سوقه واروقته الضيقة حيث عاش الرجل طفولته واولى سنوات حياته، وبينما هم سائرون الى مقصدهم راح ابو فوزي الى ابنه يتحدث، واصفا له صورة الزقاق القديمة، قائلا:
كنا وسط هذا الزقاق الشعبي نسكن، بين مجموعة من العوائل البسيطة الكادحة، في المدخل الرئيس لزقاقنا وعلى الجانبين كانت تصطف مجموعة دكاكين، معظمها للعطارة، مع محال اخرى لمهن مختلفة، بينها صالون بسيط للحلاقة ومحل للنجارة، مع قصاب وحداد واسكافي ونداف. ويضم الزقاق ايضا مقهى صغيرا في رأس الجادة، بالقرب منه تجلس بائعات القشطة واللبن وهنّ يفترشن الأرض مع بضاعتهن كل صباح، ولم يكن هنالك سوى مطعم بسيط واحد ومخبز واحد. هكذا كانت صورة زقاقنا حين فارقته.
واصل ابو فوزي حديثه، يصف لإبنه، بغداد ومعالمها وحياة الأمس البعيد، قائلا:
مارأيت أروع ولا أحلى من التجوال في شوارعنا واسواقنا الجميلة، بين المحال المتنوعة والمقاهي والخانات، فأسواقنا القديمة كانت بالناسِ تعجُّ، وكل مايبهج النفس ويسر النظر تحوي، بروائح البخور والصابون والتوابل والبُن والعطور العربية تفيض مداخلُها وأرجاؤها. كان التنزه على ضفاف دجلة وشواطئها الجميلة له طعم خاص، ولا تبرح خيالي مقاهي ابي نؤاس ومطاعمها المطلة على دجلة، ففيها كنا بأجواء لاتوصف نستمتع، وفي بحر من البهجة والمتعة نتيه ونغرق، وكأننا في عوالم ألف ليلة وليلة، حيث الموسيقا والأضواء ورائحة الشواء واصوات كؤوس الشراب والساهرين وصخبهم ولهوهم الذي لاينقطع.
هنا التفت ابو فوزي الى ابو جميل متسائلا:
اين نحن من ذلك الزمن واجوائه؟ لماذا فقدنا كل ذلك؟ لماذا تبدو الأحداث الماضية وكأنها أكثر روعة وجمالا حين بعد زمن نتذكرها؟ ياترى هل لكوننا فقدناها، ام لبؤسِ حاضرنا؟
هز ابو جميل رأسه حسرة وكأنه يقول – لا أعلم.
واصل ابو فوزي حديثه:
مازلت اتذكر تماما بيوت بغداد الجميلة وحدائقها التي بعطر الزهور وشذى الرياحين ورائحة الأرض تفيض، يالروعة الجلوس في تلك الحدائق ليالي الصيف والسهر مع اغاني ذلك الزمن التي لاتنسى، ولا يغيبنّ عن ذهني ابدا، الجميل من مشاهد بغداد ومزارعها الغناء وغابات النخيل واشجار الحمضيات والكروم، ومايٌبهج الأبصار مما امتد من الحقول الواسعة الساحرة وبما يطرزها من الوان الخضرة وزهورها، اشعر الان وكأني استنشق ذلك النسيم العليل ورائحة الخضرة والزروع نفسها، يالبهجة تلك الأيام وروعتها، فالأرض زاهرة كانت وزاخرة بالخير، والطبيعة جميلة نقية، والناس بسطاء طيبون ومسالمون.
عن الحديث توقف الرجل حين بلغوا محلتهم القديمة التي منذ عقود غادرها، هنا وهناك اخذ يجيل نظره، تطلع الى ماحوله بلهفة ممزوجة بألم، وصلوا السوق القديم وهم يطرقونه على الأقدام مشيا، في مدخل السوق توقف الرجل ومن معه، الى ماحوله راح يتطلع بشعور مَن وَجَد للتو شيئا ثمينا فقده منذ أمد بعيد، شعر وكأنه الى العالم الذي تتوق اليه روحه ونفسه قد عاد، وتمنى لو طال الى الأبد وقوفه هناك، غصّ ابو فوزي بالكلمات وخنقته العبرات فما عاد من الكلام متمكنا، طويلا وقف هناك وتَذكّرَ المحال والدكاكين التي في صباه كان عليها يتردد، تذكرها رغم تغيّر معالمها وتغير أصحابها مثلما البضاعة المعروضة فيها تغيرت، هناك راح الرجل الكهل يستعيد ذكرى الأيام الخوالي، ايام الطفولة والصبا وسنوات العمر الأولى، حيث الانطلاق كان مع ذلك العالم النقي البسيط، فلا هموم ولا أوجاع كتلك التي فيما بعد عرفها الناس، لقد ادرك وهو في أحضان بلده، ان الحنين الى الوطن لايشبهه حنين، فهذه ديار الأهل والأجداد، فيها السكن الأول والنَفَس الأول والصور الأولى في الحياة، فالى عبق تلك السنين تشده ذاكرته الآن بقوة، الى براءة الطفولة ونقاء الأرض، فهنا حيث يقف، ترك مع الأهل والأصحاب ذكريات لاتزول، سوى وان الزمن الذي عاشه صغيرا كان جميلا بكل مافيه، فالناس كانوا يستمتعون حقا بصباحات ايامهم ومساءاتها، كان للأيام قيمتها وللعطل روعتها وللأعياد نكهتها، لقد كانت الأعياد أعيادا بالفعل .. كل الأشياء كان لها طعم مختلف.

حين حركّت تلك المشاهد والصور مكامن الذكرى في خاطر ابو فوزي، وحين في ذهنه استعاد حلاوة ذلك الزمن البعيد من حياته وروعة تلك السنين التي انقضت ومضت، وحيث تفرق الأهل والأصحاب اليوم وتشتتوا في هذا العالم الواسع القاسي الذي فيه يشعر الانسان بالوحدة والضياع. حين تلك الذكريات والأوجاع امام خاطره مثلتْ، تصاعدت في نفسه العبرات وفاضت عيناه بدموع حارة وبكى، بكى حسرة وحنينا الى زمن انقضى، وأسفا ولوعة على سنوات جميلة انتهت دون رجعة، وحزنا على وطن تمزق وشعب تفرق.
بكى هناك ابو فوزي وطال بكاؤه حتى عيناه احمرت، ولحيته البيضاء بالدموع تخضبت.
بعد ان هدأ، على مُحيّاه وعلى جسده النحيل علامات الوهن والتعب بدتْ، ببطء وبصوت متعب عاود التحدث، قال:
يا ابا جميل، ذكريات ذلك الزمن البعيد قد غمرتني، فهي في الذهن مازالت راسخة وكأنها ذكريات الأمس، فهي الى زمننا النقي الجميل قد عادت بي، الزمن الذي صغارا عشناه، حيث بعالم الطفولة البريء كنا نلهو، في هذه اللحظات تمر في خاطري صور رفاق الصبا واحدا واحدا، وجوههم البريئة ومشاكساتهم، تسليتنا ولهونا اليومي، بكل ممتع من ألعابنا الشعبية، صور بيوتنا البسيطة الجميلة لازلت أتذكر، تلك البيوت اراها الآن بألوان اخرى غير الوانها قد دهنت، فضاع سحرها القديم.
صمت ابو فوزي برهة وبرأسه اطرق، ثم واصل حديثه وعيناه بالدموع تفيضان، قال: كيف يمكن لإنسان ان يقطع من وطنه جذوره؟ فهناك روحه وقلبه ووجدانه واعماله وكل ذكرياته وتأريخه مزروع. كيف يمكن للأنسان عن كل ذلك ان يتخلى؟ بلا روح عشتُ في المنفى، وحين العراق وصلت وبغداد وناسها رأيت بعد سنوات الفراق الطويلة، رغبة عارمة كانت تغدوني لأن اتجول في كل حي وزقاق وفي كل شارع ورواق، وددتُ لو كل جدار أُقبّل، والأطفال جميعا احضن، وللكادحين الصابرين احتراما انحني، وللجياع ارغفة اُقدم، كان الشوق للعراق يدفعني لأن ألمس كل نخلة فيه، وان أُقف على ضفاف دجلة طويلا، اردت من شمس بلادي ان امتلأ، ومن مائه العذب ارتوي.
ضعف هنا صوته والى حشرجة في الصدر تحول، فعن الحديث توقف، ثم عينيه بتوجع أغمض وبالبكاء من جديد أجهش، طويلا تواصل بكاؤه رغم محاولات ابنه وصديقه لتهدئته، ولم يكف عن البكاء حتى انتابته نوبة سعال قوية تبعها ألم في الصدر حاد، ثم تلاشت قواه وسقط.
من غيبوبته بعد ساعات افاق ابو فوزي، ففي احدى مستشفيات بغداد كان يرقد، يحيطه ابنه وصديقه وأحد الأطباء ممن كانوا على وضعه الصحي يشرفون، حرك الرجل جفنيه ببطء، بعينين زائغتين ووجه شاحب متعب الى من حوله نظر، نهض فوزي وعلى ابيه انحنى، سأل بلهفة:
ابي، هل انت بخير؟
ابتسامة متكلفة ابتسم الأب، اراد ان يقول شيئا لكن ضعفه منعه، تراخى جفناه وأغمض عينيه من جديد وراح في سبات.
منهما طلب الطبيب مغادرة الغرفة والبقاء في الردهة الخارجية، انقضت ساعة كاملة، كان الأطباء خلالها على غرفة الرجل الكهل يترددون، ومالبث ان خرج أحدهم، بعبارات التأسف والأسى أخبرهم، أن الرجل، بسبب ازمة قلبية حادة، قد فارق الحياة، ثم سلّم ابا جميل ورقة صغيرة، عليها كُتب بقلم خفيف مرتعش، العبارة التالية:
احبتي..
شكرا لكما.. فبفضلكما حققت امنيتي ورأيت بلدي..
شكرا لكما، فالموت على ارض الوطن هو أهوَن موت.
______________________________

 

الدخول للتعليق

مسابقة القصة القصيرة جداً

إلهام زكي خابط - حبات اللؤلؤ - 4.9%
فارس السليم - حال الدنيا - 2.4%
جمال حكمت عبيد - لمسة إصبع - 17.1%
عزيز عربي ساجت - اليمامة - 0%
فاروق عبد الجبار - موسيقى - 56.1%
هيثم نافل والي - الراقص - 19.5%
د. نصير عطا - حادثة تحصل يومياً - 0%

Total votes: 41
The voting for this poll has ended on: حزيران/يونيو 15, 2014