الأحد, 05 شباط/فبراير 2017

سيرة حياة الباحثة ناجية المراني

  فوزي صبار طلاب
تقييم هذا الموضوع
(0 عدد الأصوات)

للعرب في الجاهلية خنساءٌ واحدة ولدتْ في شبه الجزيرة العربية ، لم يجرأ التاريخ ويفصح عن ديانة
الخنساء، ولم يَجرأ التاريخ ويقول أن الخنساء كانت مُشركة ،، لكن التاريخ رأف بها وقال أنها كانت على ديانة توحيدية ،لكن التارخ لم يُفصح و لم يعرف من هي تلك الديانة التوحيدية، .
.
المسحيةُ لم تزل ْ بعدُ تطأ قدمها ارض الجزيرة العربية يوم ولدت الخنساء ، والدعوة الاسلامية لم تزل بعدُ تطلق دعوتها
الدينية ، وأنّ اليهودية بعيدة عن مواطن سكناها ، اذاً على اية ديانة توحيدية تلك كانت الخنساءُ عليها .
الخنساء تربت في بيت عز وشرف ومهابة فهي اخت شاعر العربية المطلق ، شاعر السلم والتآخي زهير بن ابي سلمى ، ولها أختٌ اكبر منها اسمها سُلمى ، والخنساء ام الشهداء ( الاولاد الاربعة )اضافة الى استشهاد زوجها
في معارك قبلية طاحنة . ء
وما أشبه اليوم ُ بالامس فبعد اقل من 1500 سنة ولدتْ خنساءٌ ثانية اسمها (ناجية غافل المراني) ولدت في بيت عز وشرف وفي ذات البقعة
الجغرافية التي ولدتْ عليها الخنساء ، وعلى تخوم شبه الجزيرة العربية وتحديدا في ميسان (العمارة الحديثة) سنة 1918للميلاد ، لقد وجدت ناجية أن هناك
قصصا وحوادث وقعت لافراد مجتمعها وطائفتها جعلت منها إمراة شكيمة تتمتع بنظرة ثاقبة وحس مرهف ، حيث أصغت لكل ما كانت
تسمع من تلك القصص فامتد نظرُها بعيدا بعيدا تخطى عمرها الذي لا يزال يافعا .ء
فمن قصص عمتها فجر المولودة سنة 1870 والتي ترملت في زواجها مبكرا بعد ان ترك زوجها ابنا واحدا اسمه حنظل واخت له فقط،
وكيف كانت ناجية تصغي الى قصص عمتها فجر بعد أن بدات مشوار بحثها عن ابنها الشاب الذي لم يرجع مع الجنود العائدين من الحرب
العالمية الاولى مع سريته وفصيله العسكري وكيف كانت فجر قد قابلت الملوك وقُواد الجيش بحثا عن ابنها المفقود ولم تستطع العثور عليه فعادت
الامُّ مكسورةَ الخاطرِ مهشمةَ القوى ضعيفة مستسلمة ، وهنا جاء دور ناجية لتصور حادثة عمتها فجر في ابيات شعرية وهي لما تزل
شابة يافعة
ْهرعتْ ما بين خوفٍ وحنيــــن
علّه بين الرجال العائديـــــــــــن
هرعت تسألُ كلَ الواقفيـــــــــــــن

أسمرٌ ،شهمٌ ، ومقدامٌ أصيــــــــــل
هو ذا رقم السرايا والفصيــــــــــــــل

حنظل يعرفه كل ّالرفــــــــــــــــــــــــاق
كان يهوى الموتَ من اجل العــــــــــــــراق

وانقضتْ كل الليالي والسنيــــــــــــــــــــــــــن
لم تزل تهتف قد عاد الجنود الغائبيـــــــــــــــــين
ابني المفقود حنظل سيعـــــــــــــــــــــــــــــــــــود

تربت ناجية في احضان ال مران ، اصحاب التاريخ في المهابة والصنعة (الصياغة) والدرجات الكهنوتية ، لكن ناجية قررت ايضا
التعلم فاكملت الابتدائية في ميسان واكملت دار المعلمات في بغداد سنة 1935 اي بعد ان اصبح عمرها سبع عشرة سنة ،وقبلها قد
توفي والدها في العمارة وهي لم تبلغ سن الرشد .ء
انخرطت في سلك التعليم بين مدن وقصبات الجنوب وبغداد بين معلمة ومديرة مدرسة ولمدة سبعٍ وعشرين سنة وخلالها كانت ايضا
طالبة في الاعدادية الجعفرية المسائية / الفرع الادبي وحازت على معدل 85 في المائة وهو معدل متميز في تلك السنوات
حققته في سنة 1949
وجاءت سنةُ القحط والحطام سنة 1963 فكوفئت ناجية بان احيلت على التقاعد حالها حال الكثيرين من ابناء الشعب لكنها وجدت
الفرصة في مواصلة التعلم كون ان هاجس العلم والمعرفة ظل يلازمها فحصلت على شهادة الباكالوريوس ادب انكيليزي بدرجة جيد
جدا من كلية الاداب بغداد سنة 1969وبعد ان اخذ الشيب يجد طريقه في مفرقيها فكان زملاؤها يسمونها بالعمة ناجية
قبل سفرها كان لي شرف اللقيا والاجتماع وزيارتها للبيت في مكتبتها الخاصة وعلى فترات متباعدة.
ثم التحقت بالجامعة الامريكية في بيروت عام 1970 وحصلت على درجة الماجستير ادب انكيليزي مقارن بدرجة جيد
جدا متميز ، ثم استكملت مشوارها التعليمي في ذات الجامعة الامريكية للحصول على درجة الدكتوراه في قسم اللغة العربية / قسم
الدراسات الشرقية وفي موضوع الادب العربي المقارن وانجزت شوطا مهما من دراستها ، لكن الحرب الاهلية اللبنانية الطاحنة
دمرت كل شيئ وحتى احلام هذه المراة المندائية القادمة من العراق فتركت اوراقها واحبارها واملها في استكمال درجتها وعادت هي الاخرى
الى العراق سنة 1975 ، وفي هذه السنة بدأت ناجية مراني بمشوار التاليف والترجمة فنشرت اول كتاب لها (مقارنة بين العربية
والانكليزية كلمات متناظرة ) 1978 ، ثم كتاب (الحب بين تراثين) ثم كتاب ( الشعراء العذريون) 1980 وكتاب هنا بدأ التاريخ
ثم كتاب (آثار عربية في حكايات
كانتربيري )1981، ومؤلف مهم وهو مصدر عند الصابئة المندائيين هو كتاب (مفاهيم صابئية مندائية ) 1982لا تخلو مكتبة مندائية
الا واحتوت على هذا المصدر ، ثم كتاب (كلمات عربية انكيليزية دخيلة) 1990
وكثيرة هي البحوث والمقالات والمحاضرات التي نشرت في المطبوعات العراقية والعربية وحتى الاجنبية

وهنا وجه التشابه بين الخنساء الاولى والخنساء الثانية ، امراتان الاولى في نبوغ الشعر والادب والمهابة والثانية في العلم
والمعرفة والبحث والمهابة وقليل من الشعر ، الاولى زهدت في حياتها وتركت ملذات الدنيا ، والثانية هي الاخرى كانت سيرة حياتها كذلك
الثانية عُرفت بديانتها التوحيدية المعروفة لكن الاولى لا يزال الحكم في ديانتها مخفيٌ في بطون التاريخ وربما ياتي اليوم ليفصحَ عنها
وكثيرة غيرها هي المتشابهات

وبعد ان سافر الصحب ُوالاهلُ والخلان صمدتْ ناجية بين جدران مكتبتها وفي مسكنها المتواضع في بغداد وظلت وحيدة الا القليل
من البعض ، لكن السنين اناخت عليها فوجدت نفسها وحيدة في وسط الشارع تحمل حقيبتها الوحيدة وربما تكون تلك الكتب القليلة الاحبُّ لقلبها في داخل تلك الحقيبة ، فارتحلت مولية وجهها نحو سوريا الجارة الكريمة ولم تدم اقامتها طويلا ،
حيث لم تتعد اربع سنين من وجودها في سوريا فاغمضت عينيها في غربتها ووحدتها لا الاهل ، لا الخلان ، لا العراق الكبير ، ذهبتْ
بعيدا لا رجعة اخرى
لكن الماساة كل الماساة انه لم يجرِ خلف نعشها الا القليل بعد ان ضيعَ وشتتَ الزمنُ الجميعَ في كل مناطق ارض الله الواسعة
ومن خلال بحثنا عن سيرة حياتها في الاستعداد لاحتفاليتها التابينية ساعدني الاخ الاستاذ أمير حسن مشكورا بتزويدي لآخر مقطوعة
شعرية قد كتبتها الراحلة وقبل اشهر معدودة من رحيلها اعطتها الى الاستاذ امير حيث كان في زيارة اليها في سوريا في هذه المقطوعة تصور حال
غربتها ومأساتها ، تحاكي سائلها وتجيبه ، أنا هنا كل شيئ مطبق ، راقدة ساكنة ، كتابي مركون في زوايا الغرفة ، والقلم قد جف
وتاه معها في بلاد الغربة ، وتقول : أما صحبي ورفاق طفولتي ومن وجدتُ فيهم النخوةَ والعز والدفئ فهم قد ذهبوا بعيدا عِبرَ الحدود
البعيدة ، باقيةٌ أنا أناشدُ طيفَهم بلهفة وشوق وتحسرْ ، أعددُ تلكَ السنين الخوالي وتلك العهودِ الامينة وما أجملها لدى من يحفظ العهد

(المأساة)

أيها السائلُ عنــــــــــي أنا أحيا في ركــــــــــــــــــودِ
فكتابي في ســـــــــــكون ٍ ويراعي في جمـــــــــــــود
وصحابي ، أهـــــــــل ودي سكنوا عبر الــــــــــــــــحدود
وأنا أحيا بشـــــــــــــــوق ٍ ذاكرا طيب العهــــــــــــــــــــــود

يرحمك الخالق الازلي ايتها الكريمة الشكيمة الخنساء الثانية ولا ندري ان كانت في طائفتنا سوف تأتي خنساء ثالثة ، ربما

ألقيتُ هذه المقالة عن سيرة حياة الفقيدة ناجية مراني
في الحفل التابيني الاربعيني الذي اقيم في مدينة ستوكهولم

آب /2011
ستوكهولم

الدخول للتعليق

مسابقة المقالة

كمن ينتظرُ موسمَ الحصادِ في حقـلٍ لا زرعَ فيه - فاروق عبد الجبار - 8.6%
مكانة المرأة في الديانة المندائية- إلهام زكي خابط - 3.3%
الدلالة الرمزية في قصص ( امراة على ضفاف المتوسط ) للقاص نعيم عيَال نصَار - عزيز عربي ساجت - 0%
رجال الدين المندائيين بين الاعداد التقليدي والتحديات المعاصرة - الدكتور كارم ورد عنبر - 85.3%
الإباحية في الفن الروائي والقصصي - هيثم نافل والي - 2.5%

Total votes: 360
The voting for this poll has ended on: تموز/يوليو 15, 2014