الجمعة, 17 آذار/مارس 2017

وداعاً شارع النهر

  عماد حياوي المبارك
تقييم هذا الموضوع
(0 عدد الأصوات)

إذآ، هو الطريق الذي يمتد من المدرسه المستنصريه حتى جسر الاحرار والذي تصر أمانة بغداد على تسميته شارع المستنصر تيمنآ بالخليفه العباسي المستنصر بالله، أما الناس فمصممه على تسميته شارع النهر، كما أن تسمية (سوق) أصبحت أصح منه لشارع بعد أن تم غلقه أواسط الثمانينات أمام السيارات وأعماره ليكون سنتر ومعلم مميز لبغداد كحال سوق الصفافير والسراي والمتنبي وغيرها. وقد حافظ الشارع على زبائنه ورواده ونكهة بضائعه وأصحابها ومشهد المتبضعين الأجانب الذي أمتاز به عن بقية الأسواق، ثم أصبح بشكل بنهاية الثمانينات أقل بريقاً بسبب منافسات شرسة من أسواق رئيسية كالمنصور والكرادة والكاظمية وأسواق ثانوية كالبياع والأعظمية والشعب وفلسطين وغيرها، هذه الأسواق البديلة هي التي أصبحت تسهر الليالي بمطاعمها ومقاهيها التي خلا منها الشارع.
بداية 2003 ، أي قبل الغزو الأمريكي بأسابيع كانت رائحة الحرب تهب على العراق حيث أكملت شركة برازيلية فتح ثغرات بالساتر العملاق الذي أنشأه الأشقاء الكويتيون على الحدود، وفي الوقت الذي أكملت ألة الحرب الاميركية أستعداداتها العسكرية الضخمه هناك، كان العراقيون بالجهة المقابلة قد أنهوا صبغ (الحديد السكراب) من مخلفات الحروب السابقة (كأسلحة) فتاكه لتخويف الأعداء.
جميع صاغة شارع النهر لم يتفاجئ ببيان بوش الأبن قبل الهجوم بيومين، لملم (الحلال) وأخفاه بطريقته، أعجبتني طريقة أحد الربع حيث وضع الذهب بقاصه صغيرة وخيطها بيديه لحيم (ولدنك) وحفر بالحديقه ولحمها بشيش البتلو على وجهها ثم دفنها، قال على من يبغي سرقتها يحتاج لآلة لحيم ومولدة عملاقة وساعات من العمل المضني وضح النهار، عندها والكلام له... (بالعافيه عليه)! وأضاف... (هاي إذا كنا طيبين)! الجميع ترك القاصات مفتوحه تجنبآ من تفجيرها لو حصل أجتياح كما في أيام الغوغاء عام 1991 بالجنوب.
بعد الغزو وسقوط النظام وهروب وأختفاء رجاله وتدمير بقايا آلته الصدءة، أستخدمت بعض أموال العراق المحجوزه بالبنوك الأمريكية كعقود أعمار (ترقيع) ورواتب بالدولار. وفي الوقت الذي تمتع البلد بأمان نسبي أول الامر عندما أنشغل الاميركان بتهيئة قواعد ليشغلها جيشهم وأنشغال الأحزاب والميليشيات والقوى الأخرى وهي كثيرة بتثبيت موطأ قدم لها بمناطق نفوذها، كان العراقيون العامة قد شغلهم هوس المسواك وتجديد وأعمار بيوتهم وأثاثهم، فأستورد البلد كل شيء من الابره للسيارة، جديداً كان أم مستعملاً، من بينها شراء الذهب.
وهكذا صارت حاله غير مسبوقه علتعويض ما خسرته العائلة العراقية أيام الحصار، وكان الطلب على الذهب شيء غير مسبوق بتاريخ السوق، وصار الطلب أكثر من العرض وراح التجار يستوردون دون قيود من الامارات وتركيا وشرق آسيا، حتى الذهب الكسر الأردني لتنطبق القاعده (كل مصيوغ مبيوع) وفتح بكل شارع وبكل دربونه صائغ، حتى أبو الغاز وأبو الفلافل فتح له ولاقرباءه محل، صار الزبون يتوسل لكي يشتري بأسرع ما يمكن وبأي سعر وأية أجور، حتى أن الفاترينة (أم ربع كيلو) غدى فيها أربعة كيلوات أو أكثر وصار صاحبها يمشي بشارع النهر وبجيبه الدولارات... ( دفاتر)!
الغريب بدأت تظهر قواعد جديده لم نألفها بحسابات السوق وأستبدلت طرق حساب ومقايضة الذهب بين التجار وألغيت الفرقية وأجور القطعة وصار يحسب بالغرام وطبقت قواعد السوق بأسطنبول ودبي، ولم يصمد (العرف) التجاري الذي توارثناه (للأسف الشديد)، وأوجد التجار الجدد أساليب جديده حتى عند تحويل الورق الى ذهب أو بالعكس، وصارت محلات البيع وتجار الجملة الجدد يحيط بهم الحمايات.
لم يكن بمستطع بقيتنا الباقيه المحافظه على ما توارثناه من أباءنا من أصول المهنة، وصار عددهم يزداد وعددنا يقل وأصبح هذا الأمر الجديد واقعآ.
راحت مغازاته الجميله (الافراح وبوتيك شفيق والمقص الذهبي وعالم الاطفال...) وأحتلت الأكشاك العشوائية كافة المساحات المتاحة، وأغلقت مطاعمه المميزه (الشموع الذهبيه والخلخال) وفتحت عربات الأكل المتجولة، حتى سافراته بنات العوائل لم يعد لهن مكاناً...
برحيل أهله وهجرهم (مكرهين ) له، وبغياب متبضعيه وأختفاء معالمه، لفظ الشارع الذي كان اسمه (شارع النهر) آخر أنفاسه.

الدخول للتعليق

مسابقة المقالة

كمن ينتظرُ موسمَ الحصادِ في حقـلٍ لا زرعَ فيه - فاروق عبد الجبار - 8.6%
مكانة المرأة في الديانة المندائية- إلهام زكي خابط - 3.3%
الدلالة الرمزية في قصص ( امراة على ضفاف المتوسط ) للقاص نعيم عيَال نصَار - عزيز عربي ساجت - 0%
رجال الدين المندائيين بين الاعداد التقليدي والتحديات المعاصرة - الدكتور كارم ورد عنبر - 85.3%
الإباحية في الفن الروائي والقصصي - هيثم نافل والي - 2.5%

Total votes: 360
The voting for this poll has ended on: تموز/يوليو 15, 2014