الإثنين, 23 أيار 2016

الصابئة المندائيون و النخـــلة

  مؤيد مكلف سوادي
تقييم هذا الموضوع
(0 عدد الأصوات)

كان العراقُ ، وما يزالُ ، بلدَ الخصبِ والخيرِ ، والدفءِ والحياةِ ، بيئتُهُ زراعيةٌ ، لكنّهُ موعودٌ بِآن يتطوَّر صناعياً لو استُغِّلتْ جميعُ طاقاتهِ ، وما يمتلكُ من مواردَ اوليةٍ مُهملةٍ ... وأَجملُ ما يُميُّز هذا البلدُ ، غزارةُ آنهارهِ ، وكثرةُ رَوافدهِ وَجداولهِ ، وخصوبةُ تُربتهِ ، كما آنّهُ يتميزُّ منذُ القِدمِ ، بِشجرةٍ مُباركةٍ اسمها (النخلةُ) ، تُغطي سُهولَهُ ووديانَهُ وضِفافَ آنهارهِ ، وآفاقَهُ الشّاسعةَ على شكلِ مِظَلَّةٍ واسِعةٍ ، رائعةِ الحسنِ ، يتدّلى من آعذاقِها الذهبيةِ سكَّرٌ وعَسَلٌ ، حُلوُ المَذاقِ ، لذيذُ الطعمِ ، يُشبِعُ الجائعَ ، وَيُغيثُ الظمآنَ .. وبسببِ ذلكَ رَفرفتْ ظلالُ السعادةِ على ساكني هذا البلدِ ، فاستطاعوا ، منذُ القِدَمِ ترسيخَ وجودِهم ، ورفعَ سَقفِ حضارتِهم ، حتى باتوا اساتذةً لِآهلِ العلمِ والمعرفةِ ... وكانَ اجدادُنا الصابئة المندائيونَ جُزءً من هذا الجمعِ المبارَكِ ، التصقوا بِأَديمِ هذهِ الآوطانِ منذُ فجرِ التأريخِ وساهموا بِبناءِ حضارتِها ... ووجدتْ ديانتهمُ المندائيةُ لها مكاناً بينَ مختلفِ الدياناتِ ... وبسببِ فيضِ خَيراتِ هذا البلدِ وقناعةِ سُكّانهِ ، كانوا بِمنأىً عن المجاعاتِ والقحْطِ والجَفافِ يُقنِعُهمُ القَليلُ ويكفيهمُ اليسيرُ .. ومَنْ يتصفحُ الكتبَ الدينيةَ المندائيةَ ، ويطّلِعُ على تعاليمها ، يَجدُ تعابيرَ تنمُّ عن الرضى والاطمئنانِ ، وشكرٍ لِلخالقِ ، واهبِ كُلِّ تلكَ الخيراتِ الجمّةِ.

والصابئة المندائيونَ يُشيرون دائماً باعتزازٍ الى النخلةِ ويُطلقونَ عليها رمزاً مُمَيّزاً تحت اسمِ (سَندركة) ، مَقرونَةً بالماءِ (أَينة) آي عينُ الماءِ ، فآصبحَ شعارُهم (أَينة وسندركة) اي (عينُ الماءِ والنخلةُ) ... كما انَّ الوقائع تُشيرُ الى آنهّم دائماً ، كانوا سَبّاقينَ لزراعةِ النخيلِ ، فَهُمُ أَينما حَلّوا وَسكنوا ، زَرعوها خَلفَ مَنازِلهم ، لِما لها من اهمّيةٍ ، فَجعلوا من دورهم بذلكَ جنائنَ تَنبُضُ بالجمالِ والحياةِ ، وتزخرُ بِأَشجارِ فاكهةٍ من كُلِ صِنفٍ ، وأَنواعٍ من الخُضَرِ يتخذّونها طعاماً يومياً لهم ... هكذا فعلوا حينما استوطنوا مواطنَهم الاولى في مدن المشرح وقلعة صالح والقرنة والبصرة والكحلاء والمجر والناصرية وسوق الشيوخ ومدن عربستان ، وقد ساعدَ على ذلكَ دِفءَ المناخِ ووفرةُ المياهِ العذبةِ وخصوبةُ التُربةِ ، فأصبحتِ الارضُ سَخّيةً معطاءَةً ، سريعةَ الأِنباتِ. وكانت هذه التمورُ مُتَعَّددةَ الأنواعِ ، رخيصةَ الأثمانِ ، مُقاوِمَةً لِلتَلَفِ ، مما ساعدَ على خَزنِها ، والأحتفاظِ بها طَرّيةً كانتْ ام جافَّةً ام مُعَلَّبَةً طيلةَ فصولِ السنةِ ... ولهذا السببِ ، غَدتْ النخلةُ بنظرِهم (سيدةً للشجرِ) ، ورمزاً لسائرِ العراقيين ... ومّما يدلُّ على اعتزازِهم بها ، اهتمامِهُم بِتجميلِها وتزيينها وتَشذيبِها وصيانِتها ، وأبرازِ مفاتِنها ، فكانوا ينتزعونَ ، كُلَّ سنةٍ ، آجزاءَها الخارجيةَ ، اِبرازاً لِحسِنها وَبهائِها ، ثم يَنتفعونَ بِكُلِّ ذلكَ ، حَطباً وسقوفاً لِلمنازلِ ، وقناطِرَ تُنصَبُ فوقَ الجداولِ ، وأَسِرّةً لِلنَّومِ ، وأدواتٍ منزليةً متنوِّعَةً .

كما تميَزَّ الصابئة المندائيونَ بِميزةٍ اخرى ، اختصّوا بِها دونَ غيرهم ، تتمَثَّلُ بِمعيشَتِهم مُتجاورينَ في مَحّلاتٍ خاصّةٍ بهم ، مِمّا يّدّلُ على أُلفتِهم وحُبّهم للعَيشِ سَوّيةً ، اِدراكاً منهم بِأنَّ ذلكَ يُحقِّقُ لهم الأَمنَ والطمأنينةَ ، ويُشعِرُهم بطَعمِ السعادةِ والتماسكِ والأنسجامِ ، اِضافةً الى تقويةِ الروابطِ العائليِة ، وتتمثّلُ تلكَ الأَلفةِ بِوضوحٍ بما يُسّمى (الدواوين) ، وهي مجالسٌ يلتقونَ فيها ليلاً لِلسَمَرِ والتسليةِ وشربِ القهوةِ وتبادلِ الاحاديثِ والشعرِ والأَدبِ ، وحلِّ المشاكلِ الطارئةِ. كما كانت تتمَّيزُ بتقديمَ وِجباتِ طعامٍ خفيفةٍ ، في آخرِ اللَّيلِ ، يتكوّنُ مُعظَمُها من (التمرِ والراشي) آو (اُلمكسَّراتِ) آو (اللفتِ المطبوخِ) آو (الخبزِ المصنوعِ من دقيقِ الرُزِّ معَ البيضِ) ، وجَرّاءَ ذلكَ كانوا يَستأَنِسونَ جداً بهذهِ المجالسِ ويَتشَّوقونَ اليها ... كما كانَ الكُرَماءُ من أَصحابِ البَساتينِ من المندائيينَ يُغدِقونَ العطاءَ لِلأيتامِ ، والفقراءِ عن طيبِ خاطرٍ ، وهذه الاعمالُ الخَيريةُ ما هيَ اِلآ ترجمةٌ لتعاليمِ دينهِم في تقديمِ الصَدقاتِ للمحتاجينَ ، كما تدلُّ على الأحساسِ بالتعلّقِ بالمشاعرِ الأنسانيةِ الجّياشةِ التي تدلُّ على المحّبةِ والشَفقةِ .. وقد بقيتْ ذكرى تلكَ الجَلساتِ في ذاكرتِنا ، استفدنا منها حكمةً وشعاراً جميلاً كانوا يُردّدونهُ فيقولونَ (المجالسُ مدارِسٌ) .

ولكن كانت هناكَ مُشكلَةٌ تُؤرِّقُ المندائيين ، وَتُنَغِّصُ عليهم عَيشَهم ، أَلا وهي استهدافهُم من قبلِ اللصوصِ والأشرارِ ، فهمُ بالرغمِ من وَداعِتهم ، وميلِهم للسلامِ كانوا يتعرضّونَ من حينٍ لِآخرَ لشرِّ وخطرِ اؤلئكَ اللصوصِ الطامعينَ في الاستيلاءِ على تمورِ بساتينهم ، وأحياناً لِلسَطوِ على منازلهم ومواشيهم ، وقد أدَّتْ تلكَ الاحداثُ احياناً الى مصرعِ البعضِ من المندائيينَ . وحينَ كُنا في عُمرِ الصِّبا طرقَت آسماعَنا اخبارٌ عن ضحايا من الصاغةِ أَيضاً سقطوا صرعى بِأيدي مجرمين في بعض القرى اثناء تجوالِهم هناك ، من اجل كسبِ لقمةِ العيشِ .. وتلكَ الاحداثُ كانت شائعةً في بقيةِ المدنِ التي يقطنُها الصابئة المندائيون مثل سوق الشيوخ والبصرة والناصرية وقلعة صالح ومدن عربستان . وخلاصةُ القولِ ، ان علاقةَ المندائيين خُصوصاً ، والعراقيينَ عموماً بالنخلةِ، انما هي علاقةٌ أزليةٌ ، تحملُ الودَّ والعرِفانَ لهذه الشجرةِ المعطاءةِ الخالدةِ اعتزازاً بها.

الدخول للتعليق