تُقيم الجمعية المندائية في ستوكهولم بعد أيام قليلة حفلاً تأبينيا خاصاً بمناسبة مرور اربعين يوماً على رحيل ماسترو المسرح العراقي الاستاذ يوسف العاني ، وبهذه المناسبة الاليمة ، اقدم هذا الموضوع الخاص عن سيرة هذا الفنان القدير .
غيّب الموت الفنان والمسرحي العراقي البارز يوسف العاني ، عن عمر ناهز 89 عاما ، في العاصمة الاردنية عّمان ، غريباً بعد صراع مع المرض ، وقد تم تشيعه ودفنه في المقابر الملكية بمنطقة الاعظمية في العاصمة بغداد .
لقد نعى وزير الثقافة والسياحة والآثار العراقي فرياد رواندزي الفنان الراحل واصفا إياه بأنه كان "أحد عمالقة الفن العراقي في المسرح والتلفزيون والسينما تأليفا وتمثيلا وإخراجا."
ونقل الموقع الرسمي للوزارة عن رواندزي قوله " برحيله فقد العراق والوسط الفني أحد رموزه الفنية الكبيرة والذي أغنى الفن في العراق بأعمال ما زالت في ذاكرة الجمهور نال من خلالها حضورا متميزا على الساحتين الفنيتين العراقية والعربية."
نستذكر في أعماله المسرحية ، لتكون موجودة في المحافل الدولية ، علمنا أصول المسرح واخلاقيات المسرح العراقي ، رفد الحركة الفنية والسينمائية والمسرحية ، كان مكافحاً ومناضلاً وموسوعة فنية عراقية متنوعة . له من الإنجازات الكثير التي ستبقى محفورة في نفوس العراقيين والعرب عموماً ، تاركا وراءه إرثا كبيرا من الأعمال المسرحية والإبداعية التي تخلد ذكراه ، ويعد العاني واحدا من رواد المسرح العربي ، حيث له العديد من الأعمال المسرحية التي تناولت الوضع العربي والعراقي على وجه الخصوص.

"اتركوني أعيش بقية عمري هنا بالمستشفى ، بديت أحس أكو تناقض بيني وبين العالم الخارجي ، تناقض مخيف مرعب ، هذا العالم الخارجي اللي الأخ يرفع مسدسه بوجه إخوته ، خلوني ، شكرا إلكم كل بيتوكم هي بيوتي بس آني عشت على قيم غير هاي القيم وإذا أجي وأعيش على قيم أخرى أتحطم ، وبصراحة أحسن بيت إللي أسكن فيه هو القبر".
تلك كلمات فنان الشعب وعميد المسرح العراقي يوسف العاني أداها في مشهد تمثيلي على سرير الموت ، لكنها عادت اليوم إلى أذهان العراقيين ، بعد أن رحل هذا الفنان عن محبيه ومتابعيه ، فهي كلمات لا تزال تلامس واقع الحال.
في رحيله أدخل الحزن إلى نفوس العراقيين الذين يعيشون معاناة يومية سببها الإرهاب الذي يضرب البلاد، وحالة الفساد المستشري في مفاصل الدولة والخلافات السياسية التي تعصف بها.
ولد العاني1/ تموز/ 1927 في محلة شعبية بمحافظة الأنبار وتخرج من كلية الإدارة والاقتصاد في جامعة بغداد التي عمل بها معيدا قبل ان يتفرغ لاحقا كليا للعمل الفني. وقد شهدت دراسته الجامعية بدايات انطلاقته الفنية عندما أسس أول فرقة مسرحية ابان حياته الطلابية.
أسس فرقة (الفن الحديث) مع الفنان الراحل إبراهيم جلال وعدد من الفنانين الشبان عام 1952 والتي قدم من خلالها مسرحيات رسخت في الوجدان العراقي.
وعن شخصيات يوسف العاني الحالمة في الذاكرة العراقية في السينما والمسرح ، التي تناولها الشاعر والكاتب العراقي المعروف داود سلمان الشويلي : بالقول " في عالم الأدب والفن هناك شخصيات يتركها هذا العالم في ذاكرة الناس الذين يطلعون عليها من خلال القراءة ، او مشاهدة المسرحيات او الافلام ، إذ تأخذ لها حيزاً مكيناً في تلك الذاكرة ، وتتحصن فيها على طول السنين ، مثل شخصية شهرزاد في الليالي ، وشخصية "سي السيد" في ثلاثية نجيب محفوظ ، الرواية او الافلام الثلاثة المقدمة على الشاشة الكبيرة او الصغيرة ، وكذلك اغلب شخصيات شكسبير المسرحية .
وقد وصفه الناقد المسرحي المصري الدكتور علي الراعي في كتابه السينما والمسرح في الوطن العربي الصادر عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية بأنه "ضمن لنفسه شرطيّ توفيق الحكيم: الموهبة والاستمرار، وزاد عليهما شيئا آخر مهما، و هو التمثيل؛ فهو أقرب من غيره إلى رجل المسرح".
اما في عالم المسرح العراقي ، والذي مثل فيه الفنان القدير يوسف العاني ، فالذاكرة العراقية تحتفظ بشخصيات كثيرة قد احتفظت بها في مكان مكين بذاكرة العراقي من ابناء الشعب ، مثل شخصية حماد العربنجي من مسرحية "النخلة والجيران" المعدة من رواية تحمل الاسم نفسه للروائي العراقي الواقعي غائب طعمة فرمان .
والشخصية الثانية التي علقت بشدة في ذاكرة العراقيين واحبوها هي شخصية "دعبول البلام" في مسرحية " الشريعة " 1988 ، التي كتبها العاني بنفسه .
وفي الشاشة الصغيرة ، التلفزيزن ، قدم تمثيلية "عبود يغني" 1972 ، عن قصة للكاتب العربي نجيب محفوظ ، وسيناريو وحوار عبد الوهاب الدايني ، وفيها شخصية "عبود العربنجي" الذي جسده الفنان القدير يوسف العاني .
وقدم المسلسل التلفزيوني " حكايات المدن الثلاث" مع الفنان القدير سامي قفطان والفنان الراحل مكي البدري .
وفي السينما قدم شخصية الشاعر "شريف" في فلم "المنعطف" 1978، المأخوذ عن رواية الكاتب الروائي العراقي غائب طعمة فرمان "خمسة اصوات" .
واشتهر العاني ممثلا في عدد من أشهر الأعمال المسرحية والسينمائية والتلفزيونية العراقية، كفيلم "سعيد افندي" عام 1957 ، ومسرحيات من أمثال "النخلة والجيران" 1968 عن رواية الكاتب غائب طعمة فرمان، و"البيك والسائق" المعدة عن مسرحية بونتيلا وتابعه ماتي للكاتب المسرحي الألماني برتولد برخت، و"الانسان الطيب"، و"بغداد الأزل بين الجد والهزل" وغيرها.
ولم يقتصر نشاط العاني على التمثيل، بل اشتهر ايضا بكتابته عددا من المسرحيات وممارسته للكتابة النقدية عن السينما، فضلا عن الإدارة الفنية إذ عمل مديرا لمصلحة السينما والمسرح في العراق التي أسست في العراق أواخر خمسينيات القرن الماضي. مارس العاني النقد الفني في عدة صحف منها الأهالي والشعب والأخبار في العراق وكتب أكثر من 50 مسرحية ، ومثل في العديد من المسرحيات والأفلام السينمائية.
وشارك العاني في العديد من المهرجانات العربية والدولية مثل (أيام قرطاج المسرحية) في تونس و(مهرجان المسرح التجريبي) في مصر و(مهرجان الشباب السينمائي) في سورية وغيرها..
عرف العاني بنهجه الواقعي النقدي في أعماله المسرحية والسينمائية والتزامه بالتعبير عن هموم الفئات المسحوقة في المجتمع العراقي، بقدرته على التقاط خصوصيات الحياة العراقية وشخصياتها الشعبية التي يقدمها في مواقف تحتوي على لمسة من النقد والسخرية التي يبرع العاني في استخدامها.
ويمكن تقسيم منجز العاني في الكتابات المسرحية الى مرحلتين الأولى التي سبقت الاطاحة بالنظام الملكي في العراق عام 1958، حيث قدم مجموعة المسرحيات الاجتماعية القصيرة من أمثال "رأس الشليلة" 1951 و"حرمل وحبّه سوده" 1952 "أكبادنا" 1953و"تؤمر بيك" 1953 و"فلوس الدواء" 1954 و"ستة دراهم" 1954 و"آني أمك يا شاكر" 1955، وغلب على الكثير منها الطابع الكوميدي الساخر، كما يمكن تصنيف بعضها في سياق المسرح السياسي والتعبير عن اهتمامات الاحزاب الوطنية العراقية الايديولوجية في تلك الحقبة.
وفي المرحلة الثانية بدت مسرحيات العاني أكثر نضجا ودربه فنية لاسيما بعد تعرفه على المسرح الملحمي لدى برخت وتأثره به، ومن أبرز أعماله في هذه المرحلة "المفتاح" و "الخرابة" و"صورة جديدة" و"الشريعة" و"الخان".
وارتبط اسم العاني بفرقة المسرح الفني الحديث، احدى ابرز الفرق المسرحية في العراق، التي اسسها بالاشتراك مع الفنان الراحل إبراهيم جلال عام 1952.
رافق العاني السينما في العراق منذ بداياتها الاولى وكان العنصر الفاعل وراء ولادة أحد أهم الأعمال الواقعية في السينما العراقية وهو فيلم"سعيد أفندي" الذي أخرجه كاميران حسني عام 1957، المأخوذ عن قصة شجار للكاتب العراقي أدمون صبري، وقد مثل العاني الدور الرئيسي فيه كما كتب حوار الفيلم ، ومن أعماله مسرحية "القمرجية" و"مع الحشاشة" و"طبيب يداوي الناس" التي كتبها عام 1948 وهو لا يزال طالبا في كلية الحقوق بجامعة بغداد.
ومن أفلامه الأخرى "المنعطف" للمخرج الراحل جعفر علي عن رواية خمسة أصوات لغائب طعمة فرمان و"ابو هيلة" و"المسألة الكبرى" لمحمد شكري جميل، و"بابل حبيبتي" لفيصل الياسري و "ليلة سفر" لبسام الوردي وفيلم "اليوم السادس" للمخرج يوسف شاهين.
ومنذ خمسينيات القرن الماضي كتب العاني ومثل في العديد من التمثيليات والمسلسلات التلفزيونية ومنها "رائحة القهوة" و"عبود يغني" "بلابل" "ثابت أفندي" وغيرها.
وشارك العاني عضوا في لجان تحكيم العديد من المهرجانات المسرحية العربية، كما ترأس لسنوات طويلة المركز العراقي للمسرح، وكرم عام 1987 في مهرجان أيام قرطاج المسرحية بتونس بوصفه أحد رواد المسرح في المنطقة العربية.
وامتدت حياة العاني الفنية على مدى أكثر من نصف قرن، وارتبط باسمه عدد من ابرز المحطات في الحياة الفنية العراقية في المسرح والسينما والتلفزيون، ويحلو للبعض أن يطلق عليه لقب "فنان الشعب" الذي جسد همومه وآماله في أعماله.

وشارك في مهرجانات عربية أبرزها تكريمه في مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون 2001، كما شارك في المسرح التجريبي بالقاهرة 1989 وكان رئيسا لهيئة تحكيم الدراما في المهرجان العالمي للتلفزيون عام 1988.
ونال العاني جائزة الشارقة للإبداع المسرحي في دورتها الثامنة 2014 تقديرا واعترافا بدوره الكبير في إثراء حركة المسرح العربي خلال مسيرة امتدت لما يزيد عن 60 سنة.
وفي العام 1987 تم تكريمه في أيام قرطاج المسرحية كرائد مسرحي عربي وتم منحه بطاقة شرفية من اتحاد الممثلين المحترفين في تونس.
كما ترأس في العام 1981 لجنة تحكيم مهرجان التمثيلية التلفزيونية الأول بتونس. وعضو لجنة تحكيم مهرجان الشباب السينمائي بدمشق 1972.

ويعد العاني واحداً من رواد المسرح العربي، حيث له العديد من الأعمال المسرحية التي تناولت الوضع العربي والعراقي على وجه الخصوص.
وهو مخرج وممثل عراقي مارس الكتابة النقدية في خمسينات القرن الماضي، وله العديد من المؤلفات وكتب أكثر من 50 مسرحية طويلة أو من فصل واحد.
وكان العاني قد غادر بلده إثر الاحتلال الأميركي عام 2003 ليستقر في العاصمة الأردنية عمان قبل أن يوافيه الأجل.
ومن أعماله مسرحية "القمرجية" و"مع الحشاشة" و"طبيب يداوي الناس" التي كتبها عام 1948 وهو لا يزال طالبا في كلية الحقوق بجامعة بغداد.
وكانت للمسرحي الراحل إسهامات واضحة في السينما العراقية، حيث ساهم في فيلم سعيد أفندي عام 1958، وكتب قصة وسيناريو لفيلم "أبوهيلة" 1962.
وشارك في مهرجانات عربية أبرزها تكريمه في مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون 2001، كما شارك في المسرح التجريبي بالقاهرة 1989 وكان رئيسا لهيئة تحكيم الدراما في المهرجان العالمي للتلفزيون عام 1988.
ونال العاني جائزة الشارقة للإبداع المسرحي في دورتها الثامنة 2014 تقديرا واعترافا بدوره الكبير في إثراء حركة المسرح العربي خلال مسيرة امتدت لما يزيد عن 60 سنة.
وفي العام 1987 تم تكريمه في أيام قرطاج المسرحية كرائد مسرحي عربي وتم منحه بطاقة شرفية من اتحاد الممثلين المحترفين في تونس.
كما ترأس في العام 1981 لجنة تحكيم مهرجان التمثيلية التلفزيونية الأول بتونس. وعضو لجنة تحكيم مهرجان الشباب السينمائي بدمشق 1972.
ترك الفنان القدير يوسف العاني بصمة لا تمحى في ذاكرة العراقيين من خلال الشخوص التي قدمها على المسرح او التلفزيون او السينما ، وهي شخصيات تحمل صفات ومميزات متفردة في الواقع المعاش ، فيما تعيش عالمها الخاص لو خلت بنفسها ، انها شخصيات شعبية خرجت من قاع المجتمع لتصدح بصوتها عالياً وهي تقدم نقداً لما في المجتمع الذي نعيش في كنفه من مساوىء ، ان كانت تلك المساوىء على المستوى الذاتي او على المستوى الموضوعي العام . ويعد العاني من أبرز فناني المسرح والسينما في العراق منذ أربعينيات القرن الماضي.
الراحة الأبدية للفنان القدير يوسف العاني الذي اضحك وابكى الناس في الوقت نفسه على همومهم فزادهم اصراراً على الثورة وتغير واقعهم ولو بعد حين .
دمتم بخير


المصادر : منتديات ومواقع متنوعة.

نشرت في فنون
الأحد, 06 تشرين2/نوفمبر 2016 20:33

فيلم "فالس مع بشير"

تعرض دور العرض السينمائي في عموم ايطاليا واوربا فيلم روائي كارتوني منفذ بواسطة احدى التقنيات المتقدمة للكومبيوتر للمخرج الاسرائيلي "آري فولمان 45 عاما" بعنوان" فالس مع بشير". والمخرج، من ولادة مدينة حيفا، درس فن الرسم والسينما، وقدم مجموعة من الافلام الوثائقية والروائية القصيرة خلال السنوات الاخيرة، منها" سانت كلير" عام 1996, " صنع في اسرائيل" عام 2001 ،وشارك في حرب الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 على لبنان . والفيلم الذي يبدأ بمشهد مجموعة من الكلاب الغاضبة وهي تركض باتجاه احدى نوافذ البيت الذي يسكنه فولمان، هو عن احداث مذبحة صبرا وشتيلا التي تعتبر من افظع المذابح في التاريخ البشري الحديث، قتل فيها الآف من اللاجئين الفلسطينيين المدنيين العاجزين عن الدفاع عن انفسهم، ولم يرحم من هذه المذبحة التي هزت الضمير العالمي في كل مكان ، حتى النساء والاطفال في حفل دموي استمر نحو ثلاثة ايام في شهر سبتمبر/ ايلول عام 1982.
الفيلم يروي قصة المذبحة التي كانت نتيجة تحالف بين اسرائيل وحزب الكتائب اللبناني ضد الفلسطينيين في مخيمي صبرا وشتيلا كرد على اتهامات باغتيال رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك بشير الجميل ، والذي قتل بعد 17 يوما على توليه منصب رئاسة الجمهورية اللبنانية ، كان يشغل منصب قائد حزب " الكتائب اللبنانية" ، ولم تمض الا ايام معدودة على حادث الاغتيال الذي حدث بانفجار عنيف في" بيت الكتائب" في منطقة الاشرفية، وذلك اثناء فترة الاجتياح الاسرائيلي للبنان، حتى بدأت مطاردة التصفية الفلسطينيين، في انحاء كثيرة من لبنان. وقد تهيأت لمجمــــوعة من عناصر" الكتائب اللبنانية" وبحماية من الاسرائليين انفسهم للدخول الى مخيمي صبرا وشيلا لترتكب واحدة من اعنف المجازر اللاانسانية المرعبة في التاريخ المعاصر. وكان المجند" آري فولمان" ضمن القوات الاسرائيلية التي دخلت بيروت، وكان موقع سريته العسكرية تحديدا على مشارف مخيمي صبرا وشتيلا، حيث انيطت به مهمة قتل الكلاب الضالة في المناطق المحيطة للمخيمين كي لاتثير بنباحها انتباه المقاتلين الفلسطينيين ليتصدوا لعمليات التصفية التي تزعم قوات الكتائب اللبنانية انها قامت بها انتقاما لحادث اغتيال رئيسها امين الجميل.
لقد اشعل الجنود الاسرائيليون قنابل الاضاءة الليلية كي يسهلوا على افراد هذه العصابات مهمتهم في تعقب الابرياء داخل البيوت وفي الازقة والحقول ولمدة ثلاثة ايام على التوالي، وعلى مرأى من الجنود الاسرائليين ، الذي كان يقودهم آنذاك رئيس الاركان آرييل شارون، حيث اخبروه باهوال المجزرة المروعة اثناء تناوله وجبة فطوره ، فرد علي مستشاريه العسكريين " اذا لم تشاهد الامر بعينيك كانك لم تراه".
ليست المرة الاولى التي تعلن المؤسسة الصهيونية نقمتها وعدم رضاها على عدد من السينمائيين والمثقفين الاسرائيليين، فقد سبق للمخرج " آموس غيتاي" عام 1977ان اخرج فيلما وثائقيا باسم "البيت" وقد كان في حينه بمثابة الصدمة للعقل الصهيوني المتزمت، اذ تحدث "غيتاي" بكل جرأة، في الفيلم عن جذور الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي بتناوله لموضوع البيت الفلسطيني الذي تحول الى بيت اسرائيلي، ثم اعقبه عام 1982 بفيلم" يوميات في الريف" تناول المخرج مظاهر القمع المختلفة التي تمارسها المؤسسة العسكرية الاسرائيلية تجاه سكان الاراضي المحتلة. وفي عام 1985 توجه "غيتاي" الى السينما الروائية حيث انتج فيلما تحت عنوان " استير" وقد تعرض الفيلم بدوره لحملة مقاطعة اسرائيلية رسمية، على ضوء تناوله تاريخ الحركة الصهيونية عبر استعارة شخصية " استير" الاسطورية، فتلك البطلة التاريخية كان قد قدمها التاريخ كقائدة لتحرير شعبها من الهزيمة والعبودية، الا انها سرعان ما تتحول الى قيادة هذا الشعب نحو الهاوية والمآسي والانتقام.
اما فيلم " فالس مع بشير" فيمكن تقسيمه الى قسمين رئيسيين، الاول يعكس هستيريا الجيش الاسرائيلي وعمليات القتل واطلاق الرصاص العشوائي اثناء فترة الاجتياح قبل وصول الجنود وهم بغنون، الى المخيمين، والقسم الثاني فهو المتعلق بحصار الجيش الاسرائيلي للمخيمين ايام المجزرة، ليشعر المشاهد بصورة مباشرة بان فرض الطوق العسكري، هو قرار سياسي وعسكري ومساهمة ميدانية في تنفيذ المجزرة.
الفيلم شكل صدمة للعقل الصهيوني الرسمي والشعبي المتزمت داخل اسرائيل وخارجها ،اذ تحدث "آري فولمان" عن الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي بتناوله لموضوع لاتوافق المؤسسات الاسرائيلية على رسالته التي تعتبرها عدوانية بحق الوجود الاسرائيلي.
يخرج هذا الفيلم عبر تقنية الرسوم المتحركة والذي تطغي عليه الالوان الزرقاء وتدرجاتها، وبكل جدارة، من اطار الهواية الى فضاء الاحتراف لدرجة يمكن معها القول بان هذا المخرج ذا الميول اليسارية، قد انتج بالفعل فيلمه الكارتوني هذا بالمقاييس السينمائية العالمية. فيلم يحاول المخرج جمع خيوط ذاكرته، ويمثل السيرة الذاتية له اثناء تأديته الخدمة العسكرية في الجيش الاسرائيلي، والذي تراوده باستمرار ذكرى الفرار من المجازر في المخيمين، الا انه يجري تحقيقا مع من كان يصاحبه في تلك الفترة التاريخية العصيبة من حياته ليتذكر تفاصيل ذلك الماضي المرعب، الذي يأتيه على الدوام وكأنه كابوس. الفيلم مرشح بقوة لنيل جائزة الاوسكار لهذا العام، بعد ان نال جائزة " غولدن غلوب"2009 من فئة افضل فيلم اجنبي، ونال تقدير النقاد في عموم اوربا.
في اللقطة الاخيرة باجوائها المحمومة، يفاجىء مشاهد الفيلم باختلاط الازمنة في الاطار المكاني نفسه، اذ تتحول الشخصيات الكارتونية على الشاشة وللحظات لاتتجاوز الدقيقة الواحدة، الى مشهد وثائقي حي، يمثل مجموعة من الامهات الفلسطينيات، وهن موشحات بالسواد، يخرجن من احد المخيمات،وهن يولولن بالصراخ والبكاء المر، لتتحول الصورة الكارتونية الى صورة واقعية، مؤكدة للمشاهد بان ما كان يراه هو حقيقة واقعية مأخوذة من المجزرة. وتنطبع في ذهن المشاهد رعب صبرا وشتيلا مع رعب ايام غزة الدامية، لترتسم صورة المطاردة لابناء" الهولوكست" للفلسطيني في شوارع غزة هذا اليوم، وكان الزمن يتكرر، وهو زمن القاتل والضحية.
ولكن وللاسف يبدو ان دور العرض السينمائية العربية ستمتنع عن عرض هذه الوثيقة الفنية السينمائية التي انتجت بمشاركة اسرائيلية وفرنسية والمانية، بسبب احكام قانون المقاطعة العربية للمنتج الاسرائيلي، اذ بحسب القانون الحالي، يمنع استيراد او رؤية افلام اسرائيلية، مع ان باستطاعة المشاهد اينما كان، رؤية هذا الفيلم عن طريق الانترنيت. وسيحرم المشاهد العربي الذي لايمتلك جهاز كومبيوتر من مشاهدة واحدة من الادانات النقدية الاكثر ضراوة للمؤسسة الاسرائيلية العسكرية في عدوانيتها لانه يصرحّ بمسؤولية الجيش الاسرائيلي والقيادة العسكرية والسياسية ايضا في مسؤوليتها الاخلاقية واللوجستية عن هذه المجزرة المرعبة، من خلال اضاءة الجنود للمخيمين امام القتلة، ومشاهدتهم لعمليات القتل بعيون مجرة.

روما

نشرت في فنون

يعتبر يوهان فولفغانغ فون غوته (1749-1832) والمعروف بجيته ، من اشهر ادباء المانيا المتميزين ، والذي ترك إرثاً أدبياً وثقافياً ضخماً للمكتبة الألمانية والعالمية ، وكان له بالغ الأثر في الحياة الشعرية والأدبية والفلسفية ، وما زال التاريخ الأدبي يتذكره بأعماله الخالدة التي ما زالت أرفع المكتبات في العالم تقتنيها كواحدة من ثرواتها ، وقد تنوع أدب غوته ما بين الرواية والكتابة المسرحية والشعر وأبدع في كل منهم ، واهتم بالثقافة والأدب الشرقي والعربي واطلع على العديد من الكتب فكان واسع الأفق مقبلاً على العلم ، متعمقاً في دراساته. واليوم يُقام في كل عام معرض للكتاب الألماني على قاعة غوته في مسقط راس هذا الأديب الكبير في مدينة فرانكفورت رائدة الثقافة والاقتصاد الالماني ، وقد خُصص بيته كمتحف لمقتنياته واثاره الأدبية الخالدة ، ونظراً للمكانة الأدبية التي مثلها غوته تم إطلاق اسمه على أشهر معهد لنشر الثقافة اللغوية الألمانية في شتى أنحاء العالم وهو "معهد غوته " والذي يعد المركز الثقافي الوحيد لجمهورية ألمانيا الاتحادية الذي يمتد نشاطه على مستوى العالم ، كما نحتت له عدد من التماثيل.
"فاوست"بالالمانية Faust هي مسرحية تراجيدية من تأليف الكاتب المسرحي الالماني يوهان فولفجانج فون جوته . هي عبارة عن ملحمة شعرية ، ومن اشهر المسرحيات التي عرضت على مسارح المانيا انذاك ، وقد ترجمها عن الالمانية ، احمد بدوي عام 2009 . تقع في فصلين : الجزء الاول منها نُشر للمرة الاولى في عام 1808، والجزء الثاني من هذه الملحمة نُشر للمرة الاولى ايضا 1832 وهو العام الذي توفى فيه جوته .على الرغم من أن المسرحية حققت نجاحاً باهراً إلا أنها ما كانت تؤدى على المسرح ، لكنها حصدت أكبر جمهور في المسارح الالمانية . ويعتبر "فاوست" عمل جوته الأكثر شهرة ويضعه الكثيرون ضمن أعظم الاعمال الأدبية في تاريخ الأدب الألماني .
الملاحظ في هذا النِتاج الكبير لجيته ان الجزء الثاني يختلف تماما عن جزئها الاول حيث لم يركز على روح فاوست التي تم بيعها للشيطان بفعل سلوكه الرديء ، بل ركز هذا الكاتب القديرعلى الظواهر الاجتماعية مثل علم النفس والتاريخ والسياسة وموضوعات فلسفية وصوفية ، وهذا الجزء عكس السنوات الاخيرة من حياته ، وان هذا العمل المسرحي قائم بأكمله على قصيدة نظم بعضها قبل صدور الجزء الاول ، ونظم الباقي بعد صدور القصيدة كاملة في عام 1827 وسماها "خيال الظل الكلاسيكي الرومانتيكي " نُشر الجزء الثاني من المسرحية بعد وفاته في عام 1832.
لكن جاء لسنج كريستوفر مارلو (1729- 1781) فأوجد ضالته فأنقذ فاوست من هوة المهانة التي انحدر اليها في المسرحيات الشعبية والعرائسية ، اذ رآى في فاوست يحقق ما يصبو اليه من الرجوع الى ينبوع الروح الجرمانية الأصيل ، إبتغاء النهوض بالأدب الألماني .
ان لنزعة التنوير في المانيا بتمجيدها للعقل والانسانية عامة ، لها دورها الكبير ، وهذا سر توهجها ، لقد أعقبها حركة مضادة عنيفة هي حركة "العاصفة والاندفاع" Sturm und Drang ، راغت الى تمجيد الغريزة والعاطفة على حساب العقل ، والى اطلاق العنان للمشاعر العارمة التي تحدها قيود الدين أو التقاليد أو الحكمة ، والى تجاوز القواعد الكلاسيكية في الفن ، والى التماس النماذج البشرية في الشخصيات الغريبة القلقة ، وكانت شخصية "فاوست " أنسب شخصية لتجسيد هذا النموذج .
إن من حسن حظ غوته كونه ألماني أوربي ، وليس عربياً ، والا لصاح " النقاد" في وجهه : سارق!سارق! ، ولنعتوا هذا العمل الأدبي العظيم بأنه ( سرقه ) لأنهم سيجدون أن هيكل المسرحية هو الهيكل نفسه الموجود في ( الكتاب الشعبي ) ، وان فصول كثيرة لها فصول مناظرة في " فاوست " مارلو وغيره من المؤلفين الذين أتينا على تلخيص أعمالهم الأدبية عن فاوست ، ان الألاعيب والحيل السحرية ، والمناظر الطبيعية والمغامرات في المدينة موجودة كلها بصورة أو بأخرى في تلك المصادر .
في الانسان دافع الى المزيد من الكمال ، واضح دؤوب حيث لا يهدأ أبداً ، وهذا سر عظمته ، وفي سبيل تحقيق هذا الهدف يستوي لديه أن يسلك سبيل الممكن أو سبيل المستحيل ، ان أمكنه ما هو طبيعي ، والا فليتخذ وسائل خارجة عن الطبيعة ، عالية عليها أو أدنى منها ، فالأمر في النهاية سيان ، لأن العبرة هي بلوغ الهدف . وبالرغم من كون فاوست وغداً ، لكنه يظل انساناً يبحث عن الكمال اوالقوة في الوصول الى الغايات .
بطل مسرحية جيته ، فاوست هو شخصية تاريخية غامضة ، ولد في أواخر القرن الخامس عشر ، وتوفى على الارجح في سنة 1543 ، وان شخصية تقوم بمثل هذه الأعاجيب كان من الطبيعي أن تتحول الى أسطورة ، واسطورة فاوست كما جاء في كتاب فاليجان ، ان حياة هذه الشخصية اختلط فيها التاريخ بالاكاذيب ، كونها رواية اسطورة تناقلها الناس من خلال الخيال الشعبي اي الحكاواتي ، ثم انتقلت هذه الاسطورة من الشفاه الى سجلات وقبل تحرير الكتاب الشعبي .
ان كانت شخصية اسطورية او واقعية ، فان فاوست هو نموذج الإنسان الساعي الى مزيد من القوة او الكمال ، بوسائل خارجة عن الطبيعة هي ما يعرف بالسحر ، بأوسع معانيه : فالمستقبل مجهول ، والانسان يريد معرفة ما سيجيء به ، والقوى الطبيعية الميسورة له قاصرة . فليبحث عن قوى خارقة كي يسخرها لتنفيذ ما يصبو اليه ، والطبائع الموجودة في الواقع تقف في سبيله أو تعجز عن اداء ما يطلب ، فليتمس اذن ادوية لتحويلها الى ما ينجح في تحقيق اغراضه ، وتلك مهمة السحر .
ولما كان السحر تحدياً للألوهية ، لانه يدفع الى خرق النظام الذي خلقته ، فانه استعان بقوى متمردة على الألوهية ، على رأسها الشيطان ، ومن لف لفه من الجن ، ولكن الجن ليسوا اشراراً فقط ، بل منهم الأشرار ومنهم الأبرار ، ولهذا فان الاتصال بالجن قد يكون مقبولاً ، وقد يكون مرذولاً .
ومن حيث المسكن ، ينقسم الجن الى : جن المنازل (الأشباح ) ، وجن الطبيعة (جن الماء ، أو الهواء ، أو الغابة ، أو الجبل ، او الصحراء ) كما جاء ذلك في رواية عزازيل (جن الصحراء ) للأديب اللبناني يوسف زيدان ، حسب ما ذِكر في سفر اللاويين ، وقد اطلق العهد القديم على الجن اسماء والقاب عديدة ، وقد نظر الفكر اليهودي للجن على انه ظلال واشباح للاجسام . اما في اللاهوت المسيحي لا يوجد اثر فعلي لدور الجن الا فيما يتصل بالجنون ، وقد ظهر الجن فقط في "رؤيا" يوحنا اللاهوتي . وله دور كبير في الفكر الاسلامي كما جاء في الكتب الاسلامية المقدسة . وهذا الاعتقاد موجود في القديم قدم الانسان ، وهؤلاء ينسبون الامراض او الجنون او الكوارث الى الجن ، وقد وجد أيضاً في الحضارات العالمية القديمة اليونان وفي مصر والصين واليابان والتبت ، وما بين النهرين (العراق ) وفي ايران ، والاعتقاد بالجن جزءاً اساسياً في الديانة المثنوية ( الزرادشتية ) اي القائلة بأن للعالم أصلين هما النور والظلمة . والإيمان بالجن موجود في الديانة الهندوسية في الهند .اما المعتقد المندائي يؤكد على وجود الأرواح الشريرة . اما من حيث التأثير ينقسمون الى : جن الموت ، المرض ، العاصفة ، الصاعقة ، الوساوس ، الكهانة ...الخ .
وفاوست خرافة قديمة يردها بعض المؤرخين إلى ما قبل غزو النورمان لإنكلترا ، وتناولها العديد من الأدباء في مؤلفاتهم منهم جوته ومن قبله الشاعر الانكليزي ( كريستوفر مارلو) والشاعر الفرنسي (روتييف) والكاتب الالماني جوتهلد إفرايم لسنج .
"الخرافة تحكي عن شخص (فاوست) ورث عن عمه أموالاً ، وتعلم كل ما أمكنه من علوم زمانه ، ولكنه بعد أن ادركه الكبر اعتقد أن كل ما أخذه من علم لا نفع له ، فندم على سنوات شبابه الذي أضاعها ولم يقضيها في متعته ، فظهر له الشيطان (مفستوفيليس) يقايض روحه وجسده على أن يمده بأربع وعشرين سنة وهو في شبابه ، اقتنع فاوست بما عرض عليه الشيطان فمضى في سبيل الشر فقتل وفسق ووقع في كل رذيلة أمكنه فعلها ، وفي هذه المسرحية عشق فاوست مارجريت ( وتُعرف أيضاً باسم جريتشن) ، وعندما عرض عليه الشيطان النساء رده رداً عنيفاً قائلاً بأنه لا يريد سوى مارجريت المرأة التي أحبها . في الخاتمة تبع جوته منهج ليسنج فعندما أتى الشيطان ليأخذ حقه من الاتفاق في النهاية أتاه صوتاً من السماء قائلاً ( لن تفلح فيما تريد) ويُكتب الخلاص لفاوست ومارجريت" .
إن من اهم اعمال غوته : ألام الشاب فيرتر 1774 ( رواية في شكل رسائل )، المتواطئون 1787 ( مسرحية هزلية ) ، غوتس فون برليشنجن ذو اليد الحديدية 1773( مسرحية ) ، بروميتيوس1774(قصائد) ، كلافيغو 1774(مسرحية مأساوية ) ، إيجمونت1775(مسرحية مأساوية ) ، شتيلا1776(مسرحية)، إفيغينا في تاورس 1779(مسرحية)، توركواتو تاسو1780(مسرحية) ، فاوست(ملحمة شعرية من جزأين) ، من حياتي.. الشعر والحقيقة 1811/1831(سيرة ذاتية ) ، الرحلة الإيطالية 1816(سيرة ذاتية عن رحلته في إيطاليا) ، المرثيات الرومانية 1788/1790(قصائد).
دمتم بخير.
المصادر :
*فاوست / جيته / ترجمة د.عبد الرحمن بدوي ، والناشر دار المدى ط1/ 1998 ، ط2/ 2007 / اعمال خالدة -3.
* فاوست / الرواية / تاليف جوته / ترجمة محمد عوض محمد / تقديم - طه حسين.
*الموسوعة الحرة
*منتديات

 

نشرت في فنون
الأحد, 30 تشرين1/أكتوير 2016 19:32

في الدسيسة ليحيى الشيخ... الكل مدعو

مسرحية تحكي من دون هَذر و مَذر، كراهب متقشف خشن الجلد، او كدرويش معتزل تكفيه كسرة خبز ليغرق في فضاء من حكمة، النص مضغوط على مفردات منتقاة بصرامة ابتغت ابقاء المميز في قول المعنى، والمشع في إلباسه رداء من تبجيل حدث
الكتاب ذو صلة مغرية من حيث رمزية غلافه الخارجي تزينه لوحة تقول الطوفان قادم، ولا تقفل الرغبة في معرفة ما هو قادم
تجثو السفينة بجذعها منذ المشهد الاول على سرد الحدث....معلنة الطوفان، العقاب السماوي الطاهر لكل ما هو ارضي أثم، صرير اخشابها يئن من طمي غريني، اصوات التذمر لراكبيها تعلو كناقوس كنيسة، حكمة نوح وصبره لا تكفي لتغطية المشهد وهو يتنبأ بأن من لا يعرف الاجابة ينتحر
في المشهد الثاني تلوح تباشير فرح باليابسة، يهم الجميع بالنزول من السفينة تاركين خلفهم الشيخ نوح، الذي تطاله السنتهم اللاذعة بأنه ليس لديه ما يفعله بعد الطوفان، ناكرين عليه حتى ايماءة امتنان بصدق نبوئته، في حين هو منشغل فقط في تفقد سلامة المهمة
المشهد الثالث خصص لظهور المجذوم وكلبه وهو عنف المواجهة بين المقبول والمرفوض، ليغرق في مساجلات يأخذها نوح الى ان الخطيئة لا تطهرها الا النار ويجرها المجذوم لنفسه بأن الجذام حقيقة وجود وليس خطيئة، ويخاطب نوح ربه بنبرة عتب انه لم يعصه ابداً فكيف انه وصل ارض طاهرة وهو يحمل معه النجاسة متمثلة بشخصية المجذوم ليضعه الموقف تحت مطرقة العتاب وعبثية المحاولة
في المشهد الرابع تقف امام حوار شطارات فلسفية بين نوح والمجذوم لكل اشارة دور مخصّب في( منْ هو الرابح في النهاية ) عندما يكتشف نوح نجاة المجذوم كأنه بهذا قد اعاده للمربع الاول، يتجلى الحدث في مقولة للمجذوم مخاطباً نوح ( تتكلم وكأنك خسرت كل شيء ) فيرد نوح بتعبير مثقل بتخميرة إيمان لها سحر الدلالة ( ما ربحت شيئاً لأخسره ....غير ربي ) ثم يشير المجذوم الى ذاك الحلم الذي يتنبأ فيه عن الحل بأحتراق نوح ومعه العالم
اما المشهد الخامس فيضع يحيى الشيخ في عمله هذا ( الدسيسة ) المشاهد وجهاَ لوجهاَ امام حقيقة عارية لا يسترها شيء، الناس خطاة لا مفر منهم سواء التقيتهم قبل الطوفان ام بعده، وهنا تكمن المسألة كلها حيث يخرج في الاخير نوح مكلل بالعار وليس الغار في مشادات كلامية بينه وبين المجذوم، الصوت الواقعي المختزل لتقميشة الانسان على الارض
المدخل الفعلي المتحكم بالفكرة هو ادخال مشهد الحروب التي صنعها الانسان لتلتهمه، وهي علامة تومئ بذكاء مهني كمن يكتفي تاركاً المتلقي لهذا العمل الفني طليق العين والاذن وله حرية التأويل والفهم واستيعاب الحياة كلقمة واحدة مرة كالعلقم لكنها قابلة للهضم
في المشهد الثامن والاخير، يفتتحه قدوم ورثة الحروب احفاد نوح يجرجون جراحاتهم حاملين فوق خطاياهم، خطيئة اخرى وهي جثة قتيل على ملكية ارض وهي لازلت طيناُ مبلولاً، ديدن البشر، لينتهي المشهد بطعن المجذوم دلالة على ان البشر لم يغسلهم الطوفان ليتطهروا، بل عادوا الى قسوتهم، ليأتي نوح مطلقاً وصيته الاخيرة والحزينة ( من شاء منكم أن ينقذ حياته فعليه أن يخسرها ) ويحرق السفينة ومن عليها وهو معهم، دلالة ان اخر العلاج هو الكي، والنار ستطهر ما عجز عنه الطوفان، مسرحية تغرز اسفين الحكمة عميقاَ في النفس وتنفع درس لكل انسان ليفهم اللعبة جيداً، لذا في ( الدسيسة ) الدرس متاح ومجاني ....والكل فيها مدعو... في آمان الله

نشرت في فنون

 

توفى الكاتب المسرحي والممثل داريو فو الفائز بجائزة نوبل للاداب عام 2008
واشتهر بنقده السياسي الساخر في روايات مثل "موت فوضوي صدفة".
وذكرت تقارير إعلامية إيطالية أنه توفي عن 90 عاما بعد أن نقل إلى مستشفى في ميلانو قبل 12 يوماً.
وأعرب رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينتسي الذي تعرّض شخصياً لنقد فو اللاذع عن تعازيه.
وقال رينتسي "بموت داريو فو خسرت إيطاليا أحد أعظم رموز المسرح والثقافة والحياة المدنية في بلدنا".
وأضاف "نقده الساخر وبحثه وعمله في التصميم المسرحي وأنشطته الفنية المتعددة ستظل إرثاً عالمياً لعظمة إيطاليا".
وخلب فو وزوجته الشاعرة والممثلة المسرحية الراحلة فرانكا راما قلوب وعقول الإيطاليين من خلال مواقفه السياسية اليسارية والكتابة والأداء على المسرح وفي الإذاعة والتلفزيون والانتقاد الحاد للزعماء السياسيين بالحوار الرشيق الذكي.
بهذه المناسبة تنشر " الاخبار" مقال للزميل الصحفي الفنان التشكيلي موسى الخميسي مقالا عن الرسم عند الفنان الراحل سبق وان نشر سابقا في كتابه المعنون" الحركة واللون" الصادر عن دار المدى

فى لوحات داريو فو،تظهر لغته وحواراته المسرحية النقدية التى يستخدمها كأداة لايصال مضامينه النقدية المتصادمة مع الواقع الايطالى الذى يصفه على الدوام (بالواقع المنخور بالمرض). وفى اعمالة التشكيلية المتعددة، نقف امام فنان تشكيلى يمتلك كل ادواته الفنية والحرفية المقتدرة فى بناء معمار اللوحة الفنية التقليدية ، فهو من ذوى المواهب العالية والمهارة العظيمة والمعرفة الكبيرة والخبرة الممتازة، ومشبع بالروح التفاؤلية المحبة للحياة والناس، كما انه يزاوج بين قوة الاسطورة والثورة بغية نقد الواقع بسخرية حادة تجعل من بعض اعماله الفنية التشكيلية ذات ابعاد كاريكاتيرية فى احيان كثيرة، فهو على الدوام يزاوج ما بين الحقيقة والخيال، بين الواقع والعبث، حتى اصبحت هذه الحالة واحدة من خصاله السلوكية العادية،وتميز منذ طفولته بروح المداعبة واثارة المواقف المضحكة، فقد ولدعام 1926 لاب كان عاملا فى السكك الحديدية ملتزما بالقضايا الاجتماعية ومناهضا للفاشية ، ويزاول النشاط المسرحى فى فرقة هاوية استخدمت المسرح كوسيلة تربوية وتحريضية، وقد زرع فى روح ابنه الرغبة فى الاقتراب من المسرح منذ الصغر حيث بنى له مسرحا صغيرا للدمى فى باحة الدار.
ادرك داريو فو ما للاسطورة الشعبية فى العلاقات الحاضرة للناس من دور كبير فى بناء السلوك والايديولوجية، ولهذا فهو حاول ربط كل اعماله المسرحية والتشكيلية بالحكاية التراثية الرحبة والمترامية الاطراف، معتمدا فى ذلك على معرفته الواسعة والدقيقة فى الجوانب التراثية والفكرية التى انتجها ولايزال المسرح الشعبى الايطالى.
انه ينتقد الواقع من خلال نقده الساخر والعميق للفكر الاسطورى، وهو يدرك بان نقده هذا يأخذ شكله من خلال ما يطالب به من تغيير فى عملية النمو الاجتماعى، ولقد وصفه الناقد الفرنسى" برنارد دوارت" قائلا( ان داريو فو عمل ليكون اكبر حاملى الملهاة الخارقة، وبه اصبحت الحركة المسرحية تمتلك كل وضوحها).
فى اعماله التشكيلية المعروضة والتى يقول عنها بانها ( تشبيهات ورموز متهكمة ملونة اعتبرها تتمات ساخرة لاعمالى المسرحية) يبدو وكأنه دارس ومحلل نقدى ساخر، لايقدم معارف تاريحية معينة، بل يدأب فى كيفية ايقاظ الرغبة بالتغيير، فهو يرى الاشياء التى تقف على المسرح او فى الحياة اليومية بعينين غير مغمضتين، ويقدم كل ما يراه على شكل اناشيد لونية حارة صارخة تبدو وفى احيان كثيرة وكأنها متعارضة، وذلك لطبيعة استخداماته المتنوعة باللون على سطح اللوحة الواحدة، فهو يطرح من خلال هذه اللوحات ظواهر معاشة فى ايطاليا مثل ظاهرة العنف والسلطة والحرية والجنس والتفاوتات الطبقية، والفضائح السياسية والاخلاقية.. الخ.
ان جسد داريو فو وهو يرسم بحركاته المرنة التلقائية غير المتصنعة عوالم مدهشة على خشبة المسرح، فانه يعكس كل ذلك على سطوح اعماله التشكيلية، ليتحرى كل مسارات الاسئلة التى ظلت تشغله كفنان قدير ادرك بوعى كبير ماهية الترابط ما بين القدرات الابداعية والسمات الحساسة لمشكلات الواقع الايطالى.
لقد استفاد داريو فو من تجربته الدراسية ايام شبابه للرسم والديكور فى اكاديمية الفنون الجميلة فى ميلانو،كما درس المعمار، الا انه بدأ اولى خطواته فى العمل فى الاذاعةالايطالية ومسرح المنوعات، اذ كان يقدم برنامجا يعتمد على رواية الحكايات الشعبية، وهو البرنامج الذى فتح الطريق امامه من اجل تأكيد قدراته كراو للحكايات. وقد انعكست اثار هذه التجربة على مسرحه لاحقا، كما حملت نتاجاته الفنية التشكيلية آثارا مماثلة من الأثر، فاصبح كل ملصق جدارى وكل لوحة من لوحاته الفنية التى تحمل اتساعا كبيرا بحدتها وصرامتها اللونية، تجسد حدثا او موقفا او حركة لمشهد مسرحى ينطوى على رمز كأداة مساعدة وضرورية وظّفها داريو فو، ليجعل من لوحاته جزءا متمما يتابع المشاهد من خلاله العديد من الادوار المسرحية غير المرئية.
وتحوى العديد من اعماله التشكيلية صورة القناع الذى يضعه العديد من شخوص هذه اللوحات على وجوههم، وهو يحاول التاكيد على تلك النصوص الشعبية التى كان يكتبها ويوظفها للحياة المعاصرة والتى اسماها( الكوميديا) فالقناع بالنسبه له يخفى الانحطاط والرياء الاجتماعيين. وتميزت تلك النصوص بنوع من البناء النصى الشبيه ببناء مقاطع الكلاون( المهرج الكوميدى) الذى يزاول فنه فى السيرك والساحات العامة من خلال التمثيل الايمائى، واستخدام جسده وقناع وجهه وصوته المتلون فى خلق الصورة البلاستيكية للشخصيات، سواء انسانية او حيوانية او خارقة- شخصيات خيالية- واستخدام الحاجات الشيئية والحالات الطارئة مع المتفرج كعناصر من اجل خلق نسق تمثيلى مضحك، كما ان اللغة التى استخدمها هى الاخرى مزيج من اللغة الادبية واللغة الدارجة.
ركز على الجسد الانسانى الذى رسمه فى اغلب اللوحات عاريا،، باعتباره اكمل مخلوقات الطبيعة.. وعلى اعتبار ان الجمال يكمن فى طبيعة الاشياء ذاتها، ومهمة الفنان من وجهة نظره تنحصر فى تقليد الطبيعة باعتبارها امهر صانع للاشياء، فالعالم رائع فى جوهره العميق، والجمال موجود فى كل تشعباته، وما على الفن الا الكشف عن قوانين الجمال ، والاعلاء من شخصية الانسان والتعبير عن ايمانه بلا محدودية طاقاته الخلاقة وبغده الافضل.

نشرت في فنون
الإثنين, 13 حزيران/يونيو 2016 19:39

حوار مع المسرحي صلاح الحمداني

لايزال الشاعر والفنان المسرحي العراقي صلاح الحمداني، برفقة عازف العود الفنان احمد المختار والممثلة الفرنسية فردريك بارياس، يحيون حفلاتهم الموسيقية الشعرية، على خشبات مسارح العديد من المدن الاوربية. وفي مدينة تورينو الايطالية كانت لهم امسية نالت اعجاب الجمهور الايطالي ونقاد الصحافة المحلية التي اشادت بروعة العمل الفني الشعري الممسرح، والذي تناول صلاح الحمداني من خلاله نصوصه الشعرية، عن مدينته الاثيرة بغداد.

يدرك هذا الشاعر الفنان (المسرحي) أعباء الكلمة، في نصه الشعري، ويعي مسؤولية الابداع فيه، ومن ثم فانه لم يسقط في عقدة المثقف المحبط، بل يسلك مع هذا النص ليشخص حالة التداخل التي تعيشها ذاكرة مدينة، وهي تداهم الجميع واينما كانوا بفضائع الرعب والالم والموت اليومي، ليخرج، بحمم شعرية، وعبارات نثرية، عربية وفرنسية، ما اختزنته ذاكرة المدينة الجريحة، وهي تجوس بين مرابع الشباب والحنين، فيطل علينا وعليها كاتب هذا النص الشاعر والفنان صلاح الحمداني، على ذكرى الحاضر، يلونه ويضبط إيقاعاته، وكأنه دفق الذاكرة المثلومة، الثائرة، ليجرف المشاهد الى الرؤية الداخلية الصادرة عن معاناة الابن الذي يريد أن يستحضر معه كل أمكنة مدينته في الآن نفسه، بحثا عما يسند الذاكرة ويبطل زيف المدعين والارهابيين مشوهي التعايش وحوار الثقافات لكل الطوائف والاثنيات التي عاشت وتآلفت فيها.

تتبلور وترسخ طريقه صلاح الحمداني في الكتابة ونسج رؤيته الحياتية المستمدة من ذاكرة تلك المدينة وعيشها، وكأنها حالة استيقاظ لحضور الزمن بكليته، والشعور بالفاجعة بكل ملامحها ومناطق وجعها وندوبها لرؤية الأزمنة والشخوص التي تتحاذى وتتجاور، بينها وبين الأمكنة، فهو لا يكتب ليحكي أو ينقل مشاهدات واحداثا، بل ليلتقط "حياة مدينة" وتجربته مع ذاكرتها، مع الحلم، وتناقضات العيش فيها، مع اسئلة الوعي والكينونة.

هناك في بغداد الحبيبة على قلب الشاعر، شرك الحياة الذي لايخطاه صلاح الحمداني بمجرد اصطناع البلاغة الشعرية والتعامل الخارجي مع اللغة. على العكس، يخوض الشاعر مغامرة الكتابة نثرا وشعرا، عربيا وفرنسيا، بعد ان غربل الاحداث ورتب المشاهد، واضاف لها ما كتبه قبل سقوط النظام البائد، وتلك التي كتبها ايام عودته للقاء مدينته بعد ثلاثين عاما من الغياب البعيد، وأضاف ما يصيبها الان من ايام عجاف، حيث ينتزع اعدائها كل حجارات الماضي من جدرانها العريقة لتفتته بنادقهم الهمجية. انه يخوض الكتابة منفتحا على مسالكها ومتاهاتها، وحريصا، في الآن نفسه، على ان يرسم ملامح العذاب الكامن وراء تجربته الكتابية عن مكان وزمان اسمه بغداد.

لقد كان صلاح الحمداني مثيرا للانظار وهو يقف على خشبة المسرح بصوته الجهوري البديع، جاء الى الشعر والمسرح بعد تجربة سياسية طويلة، وفي فترات تاريخية تبددت خلالها شروخ مجتمع كان يركض نحو الفاشية، حيث عجز الخطاب السياسي المكرور امام التحولات الاجتماعية السريعة والمعقدة التي كانت تمر بها بلاده. هاجر، إذن، إلى الفن، ومعه حصيلة حياة زاخرة بالاحداث والنضالات، غنية بخصوصيتها من خلال انتماءه إلى واحد من اعرق الاحياء الشعبية (محلة الفضل) في المدينة، ليهرب فارا من جحيم البلاد، الى مدينة باريس، المستندة إلى ثقافة عالمية واسعة وحساسية مرهفة. وستكون ذاكرة المدينة، "سماء مفتوحة" حتى الآن بطفولتها ومراهقتها، بتقلباتها ومسؤولياتها، بانكساراتها وأفراحها، هي الإطار العام الذي استمد منه صلاح الحمداني مادته الشعرية، لا بهدف إعادة تكوين بيئة، أو تأريخ قوم، أو تصفية حساب مع أحد، وإنما لاستعادة صوته الحقيقي الضائع وسط الحنين والشوق الذي يتحرك بداخله يوما بعد يوم.

في هذا العمل الشبه مسرحي، الشبه شعري، الشبه موسيقي، والذي لم يسبق لاحد ان قام به على هذا المنحى الجمالي، تكون الشهادة الجريئة الحالمة والتي تتميز بوعيها النقدي لتستوحي تجربة إنسان وتضعها موضع التساؤل، وتتخذ منها مادة للتخيل والانتقاد والحنين.

لقد استطاع صلاح الحمداني أن يكسر رتابة السرد من خلال انجاز تشخيص ادبي شعري للغة وهو ينقل للمشاهد ملامح المدينة ومناخاتها وطبيعة العلائق، وهذا ما يفسر لنا حرصه على ادراج العبارات العربية مخلوطة مع العبارات الفرنسية على شكل ابيات شعر وعبارات محكية، ويكتسي الوصف والاهتمام بالتفاصيل القديمة والجديدة مكانة اساسية عند الشاعر، لانه يعي بان الفضاء متصل بالعيش المحفور في ثنايا الذاكرة، مما يجعله حريصا على تشخيص التضاريس المبرزة لخصوصية المحيط البغدادي. وكل ذلك يجعل نص (بغداد سماء مفتوحة) نصا روائيا شعريا كثيفا، مركبا، شفافا وعميقا في آن. وإذا كان هذا النص الشعري المسرحي المرسوم باقتصاد ودقة ولقطات ساحرة وساخرة، تملأ فضاء العمل بالحياة والحركة، فان شخصيته على خشبة المسرح جنبا الى جنب الموسيقار المبدع أحمد مختار، والممثلة الفرنسية فردريك بارياس، ببعديها الرمزي والواقعي، تظل هي المتكلم الاول في النص، متكلم يبلغ كل قيم الوفاء لمدينة لازال حبها يمتلك قلبه، أنه شهادة ضد اجتثاث مدينة تاريخية عريقة وجميلة، وضد تحطيم ثقافتها، وضد الكراهية، وتقتيل الابرياء، انه يغني الحب والتآلف والتعايش المتفاعل بين كل البشر.

لقد استطاع صلاح الحمداني في "بغداد سماء مفتوحة"، أن يؤكد، أهمية الكتابة التي لاتنساق وراء إغراء سهولة الصنعة، ولا تخشى استيحاء الموضوعات الساخنة الملتصقة بحياتنا اليومية، وهو بذلك يسهم في إحياء ذاكرة مدينة.

بعد انتهاء العرض الذي قوبل بالتصفيق من قبل الحاضرين، التقينا بالشاعر والفنان صلاح الحمداني.

لماذا اخترت اسم بغداد سماء مفتوحة على هذا العمل الشعري المسرحي؟

اسم العمل مستوحى من عنوان مجموعتي الشعرية التي كتبتها عام 2006 باللغة الفرنسية وصدرت من قبل دارين للنشر هما "النرد الأزرق" الفرنسية و"الكتابة المنصهرة" الكندية. وباعتقادي أن اسم هذا العمل قريب جدا من واقع العراق اليوم. فعلا أن هناك عملية مخاض محتدمة وعصية وعلى كافة الاصعدة، فالمستقبل مفتوح على مصراعيه، وأن سماء بغداد زرقاء ومنفتحة على كافة الاحتمالات، رغم كل ما يحدث من خراب.

هل يمكن تصنيف عملك هذا بالعمل المسرحي؟

العمل ليس عملا مسرحيا بالمعنى الحرفي للكلمة، بل اننا استفدنا لتقديمه على وسائل وأدوات المسرح، مثل استخدام خشبة المسرح، الانارة، التسجيل الصوتي، وعرض الصور (السلايدات). أما النص الذي يقرأ، فهو مستلهم عن مجموعة من النصوص المكتوبة نثرا وشعرا، عربيا وفرنسيا، وأيضا، من نصوص كنت قد كتبتها بالفرنسية وترجمتها إلى العربية، غربلتها ورتبتها، وحتى أضفت لها بعضا من تلك النصوص المكتوبة والمنشورة قبل سقوط النظام الديكتاتوري السابق في العراق، وكذلك قسما من تلك التي كنت قد كتبتها ايام عودتي للقاء بغداد والاهل بعد ثلاثين عاما من المنفى، وزودتها ايضا بما كتبته باللغة الفرنسية في بغداد وارسلته عن طريق "الانترنيت" وأصدرته بعد رجوعي الى فرنسا في كتاب فني حمل عنوان "قصائد بغداد". العمل بمجموعه أعد بعقلية اختيارية منتقاة، هدفه خلق وعكس حالة درامتيكية وحسية لمسيرة إنسانية عراقية، تمثل حقبا ومراحل مختلفة من حياة منفي عراقي بقى مشدودا بحنين الانتماء الى مكان الولادة الأولى "بغداد". بغداد المكان، وبغداد الروح، تلك المدينة التي لازالت تصارع من أجل الثبات في مكانها، كجسد أسس بجذوره عميقا في تاريخ البشرية، وذلك رغم كل ما أصابها من مسخ وتصدع في بنيتها الآدمية، جراء الحروب والطغاة، واليوم الاحتلال والارهاب البعثي السلفي، اللذان يلهبان حتى التراب.

إلى أي حد ساهمت موسيقى العود للفنان احمد مختار وصوت وحركات الممثلة فردريك بارياس في تهيئة هذه الروح الجديدة لنجاح مثل هذا العمل الفني؟

إن ما يميز هذا العمل إبداعيا وفنيا، هو امتزاج موسيقية آلة العود مع اللغة الفرنسية والعربية وتقاسمهما مع الشعر الحديث. والآلة هنا لاتشكل فقط حضورا "نوتات موسيقية" للطرب، كما اعتاد عليها غالبية الموسيقيين عمله، بل هي مقاطع ألفها الموسيقار احمد مختار خصيصا لهذا العمل، حيث جعلها تحاكي وتحاور النصوص دراميا، موسيقى تحاور وتنصهر مستفادة من أصوات وأداء الممثلين والإنارة الذكية، التي كان لها هي الأخرى دورا مكملا لعناصر العرض. وتخلل العرض مقاطعا موسيقية إبداعية، اسميها الموسيقى "الطارئة" المباشرة على المسرح. من هنا جاء حضور الموسيقار احمد مختار برفقة آلته "العود" فوق خشبة المسرح، أي انه عنصرا حيويا ومسرحيا، يرافق لهثة القراءة، ولكنة اللسان.

موسيقاه تتعاطاه ويتعاطاها، مع نبرة الصوت، نطق الكتابة مع الحرف العربي والفرنسي، بين الفارزة والهمزة، تأتي حركة الممثلة الفرنسية ونطقها الاصيل بلغتها الأم الفرنسية، ونطقي العربي، مما يغني علاقتنا بين آلة العود، أحمد مختار، فردريك برياس، وحضور صوت وكيان كاتب النصوص جسديا، لغته العربية ولكنة لسانه وهو ينطق الحروف الفرنسية، والجمهور.

ليس كتابك الأول بالفرنسية الذي يحمل أسم بغداد كعنوان يتصدر الأغلفة، ما سر ذلك؟

بعد إصدار أكثر من عشرين مجموعة شعرية، وبالتتالي مرة بالعربية ومرة بالفرنسية أو ما كنت أترجمه من قصائدي العربية إلى الفرنسية، وكثيرا من الأحيان أتطرق في هذه المجموعات هنا وهنا إلى بغداد مدينة ولادتي. أخذت أفكر فعلا بأن "بغداديتي" تختلف تماما عن من كان يتحدث ويتبجح بها، دكتاتوريا كان أو قزما مصفقا بشوشا برعونة هذه الدكتاتورية، وحينما وقفت ضد الحرب، ليس دفاعا عن زمرة لصوص شوارع وعصابات بدوية متخلفة دمروا حضارة العراق ونهبوا خيرات العراق وأثار بابل وذلك قبل مجيء المحتل الأمريكي. وإنما كأن من أجل ناس بغداد وظلالها وبيوتها وأزقتها ونهرها العظيم دجلة. والسبب الأخر يعود إلى ازدرائي من الصراع العراقي العربي السخيف الذي لا زالت تدور رحاه بين المثقف والسياسي، وتبجح وتتطاول بعض السكارى والمخمورين من الشعراء العراقيين على الأديب الملتزم، وترويجهم المبطن لأفكار فاشية، أخذت على عاتقها تمزيق مفهوم الالتزام السياسي للمثقف والشاعر، حيث وصل الأمر إلى بعض حشاشي الشعر والأدب إلى محاربة الشاعر المناهض للقمع والاضطهاد السياسي، والإشارة إليه بأصبع الاتهام كونه ملتزم بالدفاع عن حرية الناس ومصادر رزقها، وغلق أبواب النشر بوجهه، واتهامه بالكتابة المباشرة، اللامبدعه، ضيقة الأفق، وعدم الحديث عن كتبه ونتاجه وعدم دعوته للمحافل الثقافية العربية... لقد جرى ويجرى استنكار الأديب العربي الملتزم. بالمقابل فتحوا الأبواب والنوافذ على مصراعيها بالجوائز والمقالات الرنانة الفارغة على من هب ودب من الشعراء الذين لا يتمكنون الكتابة إلا وهم في حالة سكر، ولا ينطقون أدبا إلا من خلال ما تعكسه عليهم مخيلتهم المخمورة . فما عليك، يا صاحبي، كن أهبلا وأكتب حماقات هلوسة، كن أرعنا حتى، وستكون شاعرا يكتب عنك الدونيين. من هنا أردت أن أبين وعلى جميع الأصعدة أن وضع بغداد كعنوان لأكثر من كتاب شعري، وباللغة الفرنسية، مثل: مقبرة العصافير، بغداد حبيبتي، والعودة إلى بغداد، وبغداد سماء مفتوحة"، كل هذا هو نوع من الالتزام الأخلاقي والسياسي، فأنا كنت ولا زلت نقابيا في فرنسا، ومنظم في حزب يساري فرنسي، وأملك اليوم وسام شرف أكثر قيمة من الشعر، أقصد أعوام المنفى الطويل بسبب نضالي ومناهضتي للطغاة ،وأين ما وجدت، خصوصا تلك التي تربت وأكلت من ولائم مذابح الدكتاتورية المقبورة في العراق. علما أن مجموعة "بغداد سماء مفتوحة" رشحت إلى عدة جوائز أدبية في فرنسا وبلجيكا، وترجمت إلى الإنكليزية وستصدر العام القادم ضمن مختارات من نتاجي الشعري والنثري في أمريكا سيحمل عنوان بغداد حبيبتي، وقسم منها ترجم إلى الألمانية والأسبانية والعبرية. وأقول لك، أن سماء بغداد وعلى الرغم من كل ما جرى وسيجري هي صافية زرقاء من دون صدام وحاشيته!

أدرجتك انطولوجيا الشعر الفرنسي الحديث لهذا العام ضمن شعرائها. على من يستند هذا التصنيف؟

لا شيء يجبر العاملين على انطولوجيا للشعر الفرنسي بوضع أو حذف شاعر ما. فهم ليس شعراء ومثقفين عرب، يتعاملون مع النتاج الإبداعي على أسس العشائرية والمحسوبية والصداقية العائلية، والوصايا السياسية. وهم بعيدون عن المصلحة الذاتية الضيقة الخ. هؤلاء لا يقلقون على وجودهم الشعري حينما يقيمون فكريا شاعرا ما، بخلاف ما نراه من كم لأنطولوجيات العربية والعراقية، التي ليس فقط تتنكر على حقوق المبدع، وإنما تلغيه من الوجود تماما، وذلك دوما على حساب "الطبطبة" على الأكتاف وضرب الثريد، وتجارة الخبث والربح المادي وطريقة "أكتب عني أولا ومن ثم سأكتب عنك"، وهي طريقة همجية تجعل المبدع الذي لا يفقه قواعد لعبتهم السمجة هذه، يموت مرات عدة، أكاد أقول يقتلوه عمدا وتكرارا. فلا الثقافة العربية ولا مثقفيها وصلوا إلى التقييم الأخلاقي في الأقل لما هو موجود حقا من نتاج فكري عربي، قد ذهب بعيدا بتجاوزه لتلك العقلية الجامعية الصحفية البائسة، "والتصفيط" اللغوي، الذي يسخر من عقلية القارئ.. أقصد من هذا، يتمكن الشاعر القادم من بلادنا أن يعيش خمسين سنة في محيط غربي، لكن تبقى آفاقه مردومة وعقله غير نشط وحتى أحيانا يصل إلى نوع من البدائية المقفرة، تراه حتى يفقد إنسانيته، ومرات كثيرة تجده معلنا وبنشوة مريضة هندسته الفكرية بكيفية اختياراته بين الجثث، ولا يفرق بين الضحية والجلاد، ولا يدرك أهمية حياة الناس والشعوب. بصراحة أيها الصديق، ما هو منعش للفكر وتطوره الثقافي بمفهومه الآدمي، أنني لا أعرف مؤلفي هذه الانطولوجيا، ولكنهم قرؤوني واختاروني، ولم يوقفهم لا أسمي العربي ولا مناهضتي العلنية في فرنسا لدكتاتورية صدام وموقفي ضد الحرب على العراق، ناهيك عن وقوفي اليومي هنا بتعرية الإرهاب ومسببيه الحقيقيين الذين يمزقون أجساد أهلي هناك في واد الرافدين، ويكاد يضرب حضارة الغرب.

فالمؤلفون لم يشطبوا على قصائدي الفرنسية بحجة أن هذا الأديب والشاعر هو عراقي منفي سياسيا، ويعلن الحرب على الحرب، ولم يضعوا خطا أحمرا على أسمي لأنه لا يمت بصلة بأسماء أبنائهم الحقيقيين وأدبائهم، فهم لا يتعاملون مع الشعر كما نتعامل نحن به في منهاج عقليتنا العربية ، ولا يقلقون على وجودهم الشعري والإبداعي "كشعراء وكتاب" حينما يختارون شاعر أخرا، ويتحدثون عنه بعيدا عن المصالح الآنية التي تفسد الإبداع الشعري. وحده النص وجمالية الشعر تعبيريا كما يبدو ما جعلهم يختاروني، وهذا ما كان في حسبانهم، وأن دل على شيء فيدل أن هناك آدميين بالعالم، وأن الثقافة بمفهومها الكوني لا زالت بعافية.

ممكن أن تحدثنا عن مشاريعك وكتاباتك القادمة؟

ما هو مؤسف أيها الصديق، أن كتابي الروائي السردي "العودة إلى بغداد"، الذي كتبته باللغة العربية، ويتطرق إلى عودتي إلى بغداد بعد ثلاثين عاما من المنفى، لرؤية الوالدة والأهل، لم يصدر للآن، وقد رفضته دار المدى العراقية في سوريا بحجة أن الرقابة لا ترخص طبعه. علما أنه صدر باللغة الفرنسية وسيصدر باللغة الإنكليزية ويترجم حاليا إلى الألمانية. جاهز أيضا للنشر وبالعربية كتابين "وداعا يا جلادي"، و"لم يعد يتذكرني أحد هناك"، وهن كتب سردية روائية شعرية، وكتاب أخر، قصائد هذه المرة بالعربية، تحمل عنوان "أوهام الحضور"، ومجموعة كتبتها باللغة الفرنسية ولكني لا زلت أعمل عليها، وفيلم بالفرنسية سينتهي تصويره بعد أشهر في باريس، يتحدث عن تجربتي الإنسانية كعراقي منفي وشاعر وفنان مسرحي يعيش منذ زمن طويل في فرنسا.

نشرت في فنون

فيلم {انا دانيال بليك} للمخرج الانكليزي كين لوتش ( 79 عاما) الفائز بالسعفة الذهبية في المسابقة الرسمية للدورة الـ (69 ( لمهرجان "كانّ" السينمائي هذا العام، وهي السعفة الذهبية الثانية له بعد العام 2006 عن فيلمه ( انفصال نادر وسيمين)، فانه بهذا الفوز يرفع تراثا اوربيا لم يعد له حضور مؤثر في سينما اليوم. هذه العودة الى نمط مجيد في تقديم سينما تسير على نهج الواقعية الايطالية، التي انطلقت في بداية الاربعينيات من القرن الماضي، طعمتّ خطابها بمواقف سياسية واجتماعية نقدية، وهو الامر الذي اكسبها على الدوام طعما ولونا خاصين، بقي كين لوتش مخلصا، في فيلمه هذا، لمبادئه السياسية والاجتماعية، وقد استعاد بعضها في خطابه وهو يستلم جائزته حين تحدث عن الاقتصاد وعن التحذير من اليمين المتطرف الذي يجتاح كل شيء.

النجار دانيال

ما سعى اليه لوتش، هو التبصّر في واحدة من أكثر المعضلات الاجتماعية ، اذ تتأصل ملامح التعبير السمعي البصري بالتلازم مع موضوع الفيلم المباشر والمفتوح على الاحوال اليومية لشرائح معدمة من الناس ومظاهر معاناتهم تحت اشكال عديدة من الوان الهيمنة ليس في بريطانيا وحدها، وانما في عموم دول الغرب المتحضر تناول ظاهرة الإعانات الاجتماعية، التي تعتمد عليها ملايين من العائلات الفقيرة المهمشة، حيث شرعت عدد من الحكومات الاوربية في السنوات الاخيرة، ومنها حكومة المحافظين في انكلترا في الآونة الأخيرة في استهدافها ضمن خطة تقشف شاملة تنذر بعصيان مدني، وجد تمثله الدرامي في شريط لوتش، بشعارات يخطها بطله النجار دانيال، الذي قام بالدور الممثل البريطاني ديف جونز على جدران بناية تضم "مكاتب الرعاية الاجتماعية"، هي في الواقع عيون سلطوية ترصد مخالفيّ ومتحايلي نظام المعونة.

أقلية عرقية

تجري الأحداث في مدينة نيوكاسل الشمالية، وهي أحدى معاقل {حزب العمال}، وميناء شهير يعج بالفقراء والمشردين وبيوت البغاء، بيد أن لوتش لا يذهب مباشرة الى تراجيديا دانيال، بل يصرف المقطع الافتتاحي في فيلمه، في تبيان محيط رجل متوسط العمر من أقلية عرقية تدعى الـ {جوردي} ترمل حديثا، وصرِف من عمله بسبب معاناته من ضعف قلبه. يعيش في مجمع سكني حكومي تختلط فيه مجموعات من البشر، فقراء وعزل وبائعات الهوى ،ومشردين.

ثائر

بطل الفيلم دانيال، كائن مبدع، حيوي و ودود، ومنذور لإنسانيته وكرامته. ، لا يخشى يومه، فهو محصن من قبل بشر يجلّون فيه انسانيته واخلاقه الحميدة ولطفه ومرحه. نراه، حارساً لمجمعه السكني ضد دخلاء، أو مدافعا عن اي انسان تقترب منه ظاهرتي الجوع والمذلة. نراه ثائرا لا يتأخر عن شتم النظام الاناني.
آخر همّوم هذا المواطن العصامي والمتوحد، الذي تعتمد حياته بالكامل على دفعة بدل عمل مالية اسبوعية، وصول رسالة مشؤومة من وزارة الشؤون الاجتماعية تنذره بالعودة الى العمل أو قطع الإعانة. تنقلب حياته، ذلك ان استخدام أنظمة مستحدثة للتواصل مع طالبي العمل، حولت تلك المراكز الى ساحة حروب بيروقراطية مريرة، مفعمة بشكوك ومهانات وخيبات، إنها سياسة إذلال عامة، كما هي الحال في ايطاليا وفرنسا واسبانيا واليونان والبرتغال.

بنك الفقراء

انتقى الثنائي لوتش وكاتب السيناريو بول لافيرتي يوميات دانيال ومحنه برويّة درامية شديدة الواقعية. بعض فصولها صادم، كما هو مشهد الأم الشابة كيتي، تقوم بالدور الممثلة البريطانية هايلي سيكوايرز وطفليها داخل "بنك الفقراء" الكنائسي، الذي يقدم معونات غذائية، والتهامها غذاء معلباً لشدة جوعها، أو رضوخها لإغواء المال الحرام عبر ممارسة البغاء، بمساعدة رجل كشف سرقتها مواد نسائية من متجر يعمل فيه حارسا. فيما نرى دانيال يبيع أثاث بيته للتواصل مع العيش الصعب.

لست كلبا

انه شريط سينمائي غاضب ومسيّس بقوة ضد توحّش سلطوي يستهدف شرائح اجتماعية مقهورة، تناضل ضد فساد الطبقات الحاكمة ، بطل الفيلم في النهاية يصرخ بوجه من يحاول استعباده واذلاله : "أنا دانيال بليك. أنا رجل ولست
كلباً. أنا مواطن، لا أكثر ولا أقل، ان هذا
المبدع الثمانيني بقي مخلصا، في فيلمه هذا، إلى مبادئه السياسية والاجتماعية، وقد استعاد بعضها في خطابه وهو يستلم جائزته حين تحدث عن السياسة والاقتصاد وحال المجتمعات الاوربية ومعاناتها ،وعن التحذير من اليمين المتطرف الذي يجتاح كل شيء.

نشرت في فنون

لا زال النقاد يتوقعون أن يعطينا المخرجون الكبار المشاركون في الدورة الحالية لمهرجان " كان" خير ما يعتبرونه جديد في عالم الفن السابع،وخاصة في المسابقة الرسمية، وكذلك في التظاهرات العديدة ،وأهمها، تظاهرة "نظرة ما"، ولكل ما من شأنه تفادي السلبية التي ميزت دورة العام الفائت من المهرجان ، واعتبرت من أسوأ دورات الأعوام الأخيرة. حتى وإن كان ثمة إجماع من قبل النقاد الايطاليين ، بعدم خروج هذه الدورة عن سلبية الدورة السابقة ، فإن المنطق يفرض علينا بعض التحفظ على مثل هذه الاحكام المسبقة ، ومن قبل أن يكون أي كان شاهد أياً من أفلام الدورة الجديدة للمهرجان نفسه، والتي افتتحت فاعلياتها قبل أيام قليلة بفيلم جديد للمخرج الأميركي وودي آلن( مقهى سوسايتي)، فهو الاخر يتسم بالملل ،إذ فاجأ الجميع بنصّ ثرثار وميلودرامي فاقع ومتقشف بنكاته وتحاملاته وغمزاته الفارقة، التي زيّن مشهدياتها الباذخة المعلّم الإيطالي ومدير التصوير فيتوريو ستورارو بلون ذهبيّ، محتفياً بالثراء البصريّ لفترة الثلاثينيات الهوليوودية. من السابق لاوانه أن نحكم على هذه الدورة الجديدة ونقارنها بالدورة السابقة ، . فمن الناحية الفعلية، لم يعد في الإمكان إبداء اليقين المسبق تجاه أي فيلم طالما أننا عرفنا في الدورة الفائتة، خيبات مدهشة لعدد من الافلام المشاركة التي قدمها عدد من كبار سينمائي العالم الغربي . في الدورة الحالية ،سنجد أنفسنا، ومنذ الافتتاح، أمام مجموعة من كبار السينمائيين العاملين في سينما اليوم في العالم. من دون أن ننسى أننا نجد أنفسنا أيضاً أمام عدد لا بأس به من مخرجين شبان في عشرينات عمرهم، يشاركون في " كان" للمرة الأولى . فالحال أن استعراضا لأمهات الأفلام المعروضة – في المسابقة الرسمية وحولها على الأقل ، سيعيدنا الى تلك الحساسية التي دائماً ما نعزوها الى السينمائيين في قدرتهم، وربما أكثر من أي مبدعين آخرين، على التقاط الروح العامة للزمن الذي نعيش فيه. وإدراكهم البؤس والتهميش السائدين، الى درجة قد يكون ممكناً معها الحديث عن عودة السينما، من احكام تبدو جائرة الى حد كبير.
من الأخوين داردان الى جودي فوستر، ومن وودي آلن الى كين لوتش وأندريا آرنولد، وصولاً الى بول فيرهوفن وستيفن سبيلبرغ وأوليفييه السايس وبدرو المودافار وبالوكيو وعشرات غيرهم، يتوزع على تظاهرات دورة " كان" الجديدة، إذاً، عدد من ألمع الأسماء في تاريخ سينما اليوم في العالم. ولعل في الإمكان القول أن التوزع – جغرافياً على الأقل – يبدو هذه المرة عادلاً الى حد ما، فلكل منطقة جغرافية حصتها، إن كان هذا الأمر لا يزال مهماً في زمن العولمة الذي نعيشه اليوم حين يصور كوري جنوبي رواية إنكليزية، ويصور مخرج فرنسي فيلماً أميركيا .وإذا استثنينا فرنسا (التي تشارك بخمسة أفلام في المسابقة الرسمية، وبعدد لا بأس به في التظاهرات الأخرى – ونسلّم بأن هذا حقها طالما أنها هي البلد المضيف، وطالما، وهذا أهم، أنها هي من يموّل العديد من أفلام آتية من بلدان أخرى مثل رومانيا، والبرازيل والمغرب ولبنان وحتى الفيليبين). وفرنسيو هذا العام هم أوليفييه السايس (في "برسونال شوبر") وآلان غيرودي (في "البقاء عموديا") وبرونو دومون ، ونيكول غارسيا، ناهيك بفيلم خامس أضيف في اللحظات الأخيرة!، إذا استثنينا فرنسا، نجد أربع مشاركات أميركية ، ومشاركات عربية( لبنانية ومصرية ومغربية) وافريقية وكورية ودانماركية وايطالية وكندية وانكليزية وغيرها.
فيلم "اشتباك"
لم يخف المخرج المصري محمد دياب من أفلمة حدث تاريخي كبير في فيلمه الجديد" اشتباك" الذي افتتح تظاهرة "نظرة ما"، لكنه لم يسع الى توثيق كل منعطفاته ومواجهاته ودمائه وشهدائه وخرائبه، بل اختزل فصلاً واحداً من فعل عنيف، وولفه على شكل حكايات قصيرة تبنيها شخصيات بتؤدة مدروسة، تتوالى على شاشة خانقة واستفزازية مرعبة. استبعد دياب اللعب خارج شاحنة مدججة لنقل معتقلي الأمن المركزي المصري، محولاً إياها الى ما يشبه الزنزانة المغلقة ، تصوّر العسف البوليسي ، ومعاناة المتواجدين بداخلها، وهلع الشارع خارجها، تختلط فيها كينونات هامشية تنتمي الى طرفي صراع، غمز فيلم "اشتباك" الى أنه بين الخير والشر مكبوت، بسبب استحكام سلطة توتاليتارية وقمعية على مجمل طبقات المجتمع المصري، تتردى حيواتها ومصائرها ومواردها وقوتها وخدماتها يوماً إثر يوم. ركز المخرج محمد دياب على يوم حاسم (3 تموز) تصاعدت فيه حدّة المواجهات عام 2013، قبل أن يتم تنحية حكومة محمد مرسي وإزاحة سلطة "الإخوان المسلمين"، وعودة "السلطة المهيمنة" مع عساكرها الى واجهة الحكم.
فيلم دياب ليس عن ثورة وتفاصيلها وأبطالها. وهو ليس كشف لواقع سياسي تقلبت فيه كل الامور، بل اختار ـ بحصافة درامية ـ تصوير معاناة بشر عاديين، وجدوا أنفسهم سجناء داخل مساحة صغيرة. كل منهم متهم بظروف وجوده، شابان مصوران يعملان لوكالة أنباء غربية، يعتقلان بتهمة "المساس بامن الدولة" تنذر صرخاتهما آخرين متوجهين الى ميدان التحرير بينهما السيدة نجوى (نيللي كريم ) وعائلتها، ليضافوا الى حافلة النقل تلك. يتعجل الشريط إضافة آخرين بسرعة قياسية. ان هذه الزنزانة، التي ربما يرمز بها المخرج للوطن ، عبارة عن مرجل محتقن ، حيث قوة قاهرة تتسلط ضد محتجين ومعارضين. بعضهم يصرخ بنداءات انسانية مفزعة تعكس انحطاطات لحظاتهم الإنسانية، وسعيهم للانتقام أوالفرار أوالانعتاق أو الإعلان عن مروءاتهم الانسانية التي يريد الاخر انتزاعها منهم قسرا.
الشرق الأوسط ليس غائباً عن هذه المسابقة، حيث أعلن في اللحظات الأخيرة عن مشاركة أصغر فرهادي، المخرج الإيراني المبدع (صاحب فيلم " طلاق" الذي فاز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي قبل سنوات، ثم فيلم " الماضي" الذي شارك في مسابقة " كان" الرسمية قبل ثلاثة أعوام ونالت بطلته جولييت بيجو جائزة أفضل ممثلة). فرهادي يعود هذه المرة مع جديده " البائع" الذي يدور في طهران لكنه يبدو، الى حد ما، مقتبساً من مسرحية آرثر ميلر "موت بائع جوال". مهما يكن، لا شك في أن فيلم فرهادي سيكون مثيراً للاهتمام من ناحية تصويره جزءاً من صعوبة الحياة في المجتمع الإيراني اليوم.
وفي مجال النسخ المرمّمة التي اعتاد " كان" رعايتها وعرضها في احتفالية خاصة، هناك هذا العام في ما يخص السينما العربية، وبالذات فيلم يوسف شاهين "وداعاً بونابرت" والفيلم الرائع الساخر " سيداتي سادتي" للايطالي بيترو جيرمي، وفيلم " رجل وامرأة" الفرنسي الشهير الذي عرض في صالات السينما في بغداد بداية السبعينات، للمخرج كلود ليلوش.
بؤس العالم
ظاهرة الجشع ،تصوّره لنا جودي فوستر – إنما خارج المسابقة – بفيلمها الجديد "المال الوحشي" الذي تتعاون فيه، كمخرجة، مرة أخرى مع جورج كلوني الذي يلعب دور مقدم برامج تلفزيونية اقتصادية يبدي نصائحه في برنامجه لصغار أصحاب الأموال في ما يتعلق بشراء الأسهم وبيعها. وذات يوم، يحدث أن واحداً من هؤلاء يخسر كل تحويشة العمر، إذ يتبع نصائح كلوني، فيخطفه خلال تقديم برنامجه على الهواء .
وفي سياق يتعلق كذلك بما تعانيه البشرية في هذه الأيام، ها هو شون بين، يعود الى مسابقة " كان" بعد خمسة عشر عاماً من مشاركته كمخرج بفيلم "التعهد" (عن قصة للسويسري فردريك دورنمات)، إنما هذه المرة بفيلم عنوانه "الوجه الأخير" جعل بطولته لتشارليز ثيرون وخافيير بارديم، وموضوعه أولئك الأطباء المتطوعون الذين يعرضون حياتهم للمخاطر والاحتيال والخداع الرخيص.
أما الأخوان لوك وجان – بيار داردان، اللذان لا يغيبان عن " كان" إلا ليعودا إليه، سواء كانت الجوائز من نصيبهما – عن استحقاق -، أو محجوبة – ظلماً – عنهما، فيعودان هذه المرة بفيلم جديد( الفتاة المجهولة) ربما يخرجان به عن السياق البؤسوي الذي طبع اعمالهم السابقة ،ليغوصا في موضوع عوالم الطب النفسسي، والتمزقات التي تعاني منها الشبيبة الاوربية،
العودة الاسبانية
فيلم "خولييتا" الذي يعود به الإسباني الكبير بيدرو المودافار الى "كان" بعد غياب طويل، وهو يصور حياة امرأة تعيش في مدريد فقدت لتوّها زوجها خوان، وها هي ابنتها التي بلغت الثامنة عشرة من عمرها، قررت أن تبارح البيت من دون أن تعلمها. من هنا تنطلق خولييتا في رحلة معقدة للعثور على ابنتها. أما الشيء الوحيد الذي تعثر عليه في نهاية الأمر، فهو اليقين من أنها لم تكن تعرف شيئاً عن هذه الابنة. ويكاد ان يكون فيلم " الطريق" للاسكتلندية اندريا آرنولد، الذي تم تصويره في الولايات المتحدة الاميركية، شبه كبير بفيلم" خوليتا" يروي قصة فتاة تهرب من ديارها لترافق مجموعة من الهامشيين بائعي المجلات وهم يدورون بين قرية وأخرى.

فتى مونتريال الذهبي
المخرج الكندي "كزافييه دولان" بفيلمه الجديد"إنها فقط نهاية العالم" من إنتاج كندي – فرنسي يقوم ببطولته عدد من النجوم الفرنسيين،غاسبار أولييل، ناتالي باي، ماريون كوتيار، ليا سيدو وفنسان كاسيل، عن رواية للكاتب الاميركي جان – لوك لاغارس. أما موضوعه فيدور من حول كاتب يعيش أيامه الأخيرة فيعود بعد 12 عاماً من الغياب ليعلن لعائلته قرب موته. ولنا أن نتصور التوترات والصراعات والأشجان التي يثيرها مثل هذا الإعلان.
اليساري البريطاني الاخير
دائماً يجد المشاهد في أفلام أخر جيل السينمائيين اليساريين في انكلترا، وهو المخرج الثمانيني كَن لوتش ما يوحي بالصراحة، إحساس هائل بأننا أمام معطيات حقيقية بعيداً من الأشياء المُستعادة بافتعال. فهذا الرجل لا يزال يملك الاستعداد والقوة للتصدي للظلم الاجتماعي في بلده بريطانيا من خلال سينما تلتزم قضايا الفرد. فيلمه المشارك بالمسابقة الرسمية "أنا، دانيال بلايك"، يسير على خطى الانتصار للذين يعيشون على هامش المجتمع. ورغم أنّ لوتش كان أعلن سابقاً أنّ "ردهة جيمي" (٢٠١٤) سيكون فيلمه الأخير، عاد عن هذا القرار- وذلك لحسن حظنا- لأنه بعد مشاهدة الفيلم الذي يتسابق به على "السعفة الذهب"، يصبح واضحاً أنّ بئره لم تجفّ. والأهم أنّ فيلماً كهذا يمكن اعتباره إعلان موقف مفاده أنّه يمكن عزف تنويعات مختلفة على اللحن نفسه من دون أن ينتج نشازاً. والذي يدور من حول بنوك الغداء والإفلاسات، وكل ما يتعلق بما يسمّيه لوتش، بجشع الرأسمالية المصرفية.
أما رومانيا فلها أيضاً فيلمان، من إنتاج فرنسي، واحد لكريستيان مونجيو (بكالوريا)، والثاني لكريستي بويو (سييرا نيفادا). والى هذا، إذا كانت رومانيا تمثل أوروبا الشرقية وحدها، في المسابقة الرسمية على الأقل، فإن القارة الآسيوية تبدو أفضل تمثيلاً نسبياً، إذ هناك، فيلم من الفيليبين هو "ماروزا" لبريانتي مندوزا... الى جانب الفيلم الكوري الجنوبي "آغاسي، او الخادمة اليدوية". وفي المقابل، يبدو الحضور الأميركي اللاتيني شديد البؤس: فيلم واحد من البرازيل هو "أكواريوس". وفي السياق البائس نفسه، تتمثل أوروبا الى جانب الأفلام الفرنسية وفيلم الإسباني المودوفار، فقط بفيلم "شيطان النيون" الذي حققه نيكولاس ودن رفن، وهولندا بفيلم "ايل" لبول فرهوفن، علماً أن هذين الاثنين باتا منذ سنوات محسوبين على السينما الأميركية!
الغياب الايطالي
هي المرة الاولى منذ سنين طويلة يخلو برنامج المسابقة الرسمية فيه من فيلم إيطالي فعلى العكس ممّا جرى العام الماضي عندما كان الفريق الإيطالي في مسابقة الدورة الثامنة والستين من المهرجان مكوّنة من ثلاثة أسماء هامة ، المخرج (نانّي موريتّي وباولو سورّينتينو، وماتّيو غارّوني)، فقد خلت قائمة المسابقة في الدورة الحالية من المهرجان الفرنسي من أي فيلم إيطالي، بعد أن كانت تسرّبت في الأيام السابقة لإعلان تييرّي فريمو عن تشكيلة مسابقته أنباءٌ حول احتمالات ضم فيلمي ماركو بيلّوكيو وباولو فيرزي الجديدين في المسابقة، لكن الإعلان جاء مُخيّباً، واقتنص برنامج «نصف شهر المخرجين» أعمال بيلوكيو وفيرزي ‫«لتكن أحلامك جميلة‫» و ‫«الفرح المجنون‫»، إضافة إلى فيلم كلاوديو جوفانّيزي " زهور"
وكان جوفانّيزي أنجز عمله الروائي الأول (ذي العينين الزرقاوين) من بطولة الفنان الفلسطيني صالح ‫ بكري.
غير أن مسابقة المهرجان لن تكون خالية بالكامل من ألوان العلم الإيطالي، وستحملها هذه المرّة النجمة الإيطالية الحسناء فاليريا غولينو لتكون ضمن لجنة التجكيم الدولية التي يترأسها جورج ميللر‫. وكانت الممثلة القديرة فاليريا غولينو‫، التي مثّلت إلى جانب توم كرويز وداستن هوفمان في فيلم "رجل المطر"، حازت على جائزة كأس " فولبي" لأفضل أداء تمثيلي نسائي لمرّتين، ، ويذكر ان هذه الممثلة الحسناء قدّمت قبل سنتين عملها الأول كمخرجة .

اجمعت الصحافة الايطالية على ان المخرج الفرنسي آلان غيرودي قدّم بفيلمه المشارك بالمسابقة الرسمية( البقاء عموديا)عملاً متميزا بجودته ، فقد وصفه ناقد صحيفة " لاربوبليكا" بأنه يقتفي خطى المخرج الايطالي الراحل بيير باولو بازوليني. جنس واستفزاز وكوميديا، هي بعض مكوّنات هذا الفيلم الكاسر لكلّ أنماط السرد التقليدي، والذي يصعب حتى أن نجد منطقاً له من شدة إمعانه في الجنون غير العاقل. استناداً إلى حفنة من الشخصيات المتحدّرة من الطبقة الشعبية، أخرج غيرودي فيلماً لا يساوم، بل ينطوي على تشويق نوعي يطرحه كأحد "المؤسلبين" الأكثر قدرة على الابتكار والتنويع في السينما الفرنسية الحالية. غيرودي هو اليوم نموذج الحرية في السينما.
وإذا كان لنا أن نذكر المزيد في هذا السياق الذي يضعنا أمام صفحات زاهية من تاريخ السينما، سنذكر في الختام هنا تكريماً مزدوجاً حلّ أوانه بالتأكيد، يكرّسه مهرجان "كان" في دورته لهذا العام لآخر عملاقين كبيرين من عمالقة السينما الوثائقية في عالم اليوم: فردريك وايزمان وريمون ديباردون. وهو تكريم كبير حتى وإن كان سيقتصر على عرض فيلم واحد لكل من هذين المبدعين: "أحداث عادية" لديباردون (1983)، و"المستشفى" لوايزمان (1969) علماً أن هذا الأخير سيتسلم خلال العرض، إذ سيكون حاضراً في "كان"، احدى جوائز المهرجان.

نشرت في فنون

المعرض الشخصي الاول للفنان نوري عوّاد في السويد

إفتتحت جمعية زيوا المندائية في سودرتيليا ـ ستوكهولم موسمها الثقافي الصيفي لعام 2016 بمعرض شخصي للفنان التشكيلي نوري عواد حاتم في الثالث والعشرين من شهر أبريل / نيسان ، وقد سبق إفتتاح المعرض إقامة دعوة غداء حضرها جمع كبير من ممثلي الجمعيات العراقية والسويدية والشخصيات المقربة من الجمعية والناشطين المندائيين، وكانت دعوة منظمة بإسلوب رائع أشرف عليه السيد رئيس الجمعية الأستاذ سلام غريب الشيخ دخيل والأستاذ سمير غياض كاطع سكرتير الهيئة الإدارية بالتعاون مع أعضاء الهيئة الإدارية .
وقد حضر إفتتاح المعرض الشخصي الأول للفنان نوري عواد ممثل إتحاد الجمعيات العراقية في السويد السيد
عبد الواحد الموسوي وفضيلة الكنزبرا سلام غياض كاطع رئيس الطائفة في السويـــد. وفي تمام الساعة الخامسة مساءً
تم إشعال شمعة الإفتتاح. وتجول الحاضرون لمشاهدة ما جادت بهِ ريشة الفنان ، وقد نالت اللوحات إعجابهم حيث تضمنت مواضيع عديدة أهمها بعض معاناة شعبنا في عراقنا الحبيب وبالأخص الأقليات، وكذلك لوحات تميزت بالجمال والألوان الزاهية والدقة في التدرج اللوني كما هو معروف عن إسلوبهِ ، ويقول الفنان نوري عواد عن لوحاته بأنه يرسم كل ماهو جميل ليرسم على عيون المتلقي البهجة والفرح، بعيداً عن مآسي الوطن وآلامه، وكنتُ قد تأثرت بما يجري في بلدي من تشريد وإضطهاد وتهجير للبعض من أبناء الوطن ، وكان لذلك ركناً مهماً في المعرض، ولوحة للسيدة زها محمد حديد المعمارية العراقية بدأت رسمها عند سماعي نبأ وفاتها .
وفي ختام أمسية الإفتتاح قدمت بعض الجمعيات والمنظمات المدنية والشخصيات باقات من الزهور للهيئة الإدارية للجمعية والى الفنان نوري عواد حاتم.

الفنان نوري عواد حاتم
مواليد 1948 في العراق مدينة الديوانيه
دخل المدرسة الإبتدائية عام 1954/1953
دخل كلية التربية قسم علوم الحياة عام 1967/1966
تخرج من جامعة بغداد عام 1970/1969
أكمل دراسته بتخصص علم فسلجة الحيوان عام 1980
الرسم والنحت (هوايته) المفضله إضافةً الى فن التخريم والنقش في صياغة الذهب.
أوفد للعمل في الجزائر عام 1970 وعاد بعد سنتين للعمل في المدارس الثانوية والإعدادية في مدينة الديوانية وأقضيتها حتى عام 1975 حيث أعيد للعمل عام 1976 بوظيفة كتابية .. وأعيد للعمل كتدريسي عام 1979 إرتقى لمدرس أول وقائد تربوي ، عين مديراً لأكثر من مدرسة إعدادية وثانوية ، وإحيل على التقاعد قبل إنهائهِ الفترة القانونية للخدمه.
غادر العراق عام 1997 للعمل كمدرس في جامعات ليبيا وعاد الى العراق في نهاية عام 2003.
غادر العراق مرغماً بعد الأحداث الدامية في بلده منتصف عام 2007 الى سوريا ومن ثم الى السويد.
إشترك في عدة معارض فنيه مشتركه مع فنانين عراقيين معروفين وأشرف على مهرجانات الجمعية المندائية في ستوكهولم .
عضو هيئة تحرير مجلة الصدى والتي تصدرها الجمعية المندائية في ستوكهولم
عضو جمعية الفنانيين العراقيين في السويد.

نشرت في فنون
السبت, 13 كانون1/ديسمبر 2014 21:51

للناصرية ، تعطش والماءُ مَطر

ولدت أور ، عندما ولدت أحلام الآلهة في نشوة أمانيها مع الماء والنخل والرمل وأحلام الفقراء.
وبعد آلاف السنين ، ولد من رحم الأثر السومري حلم وال تركي أسمه ( مدحت باشا ) ليصنعَ لشغف الجغرافية بقعة خجولة وشاعرية أسمها ( الناصرية ) ، وما بين المدينتين يصنع التأريخ لنا عاطفة زرقاء يتغنى فيها الجنود وصيادي السمك ، والشعراء ، وعمال الطين ، ورواد المقاهي في أمسيات صيف الحر والغبار والعطر.
لهذا مابين الاغتراب وهذه المدينة حبل من الأساطير يمتد بين نبض قلب المكان وبين عطر الطين وسعف النخيل ، فهي من المدن التي تشعل الحنين في أسئلة الرمش عندما يتحول الشوق الى وردة ربيعها القصيدة وعيون أمهاتنا .
هذا الحنين البنفسجي الذي لايشبه سوى عاطفة المطر حين يمارس الغرام مع الأرض المالحة وصباحات القرى التي تُحيط في المدينة كما يحيطُ الرمش في الدمعة . لتؤسس في المكان ذاكرة وأحلام وسلالات لملوكٍ اشكالهم سمر وتيجانهم من حجر كريم جلبوه بمشقةِ الحروب من بلاد بعيدة .
أضع المدينة في جيب دشداشة العيد وأذهب معها في كل مدن الدنيا ، أحاكيها بنغم المفردة ، وموسيقى المطر ، فأتخيلها جسد الحياة المكافحة في طوفان الخبز ، وأتخيل شوارعها ومقاهيها ومدارس طفولتي وحدائق بيوتها معابد شاهقة بأعمدة من مرمر الروح والألم واللحظة الغرامية فأعيش هاجسها وامنياتها والألفة اليها في امكنة الهجرة والنفي والنأي .
أتذكر فراتها حين يجري في أحداقي بحر طنجة وهو يختلط بين برزخين ( البحر المتوسط والمحيط الاطلسي ) ، فيتحدث لي صديق مغاربي ونحن نزور منزل أبن بطوطة في المدينة القديمة ، أن الرحالة أبن بطوطة مر على خرائب أور وتحدث عن عرب بطائح الجنوب ، وأنحدر صوب البرية القاحلة ليعيش لحظة الصفاء الصوفي مع دراويش مقام سيد أحمد الرفاعي.
أذا ابن بطوطة صاحب كتاب ( تحفة النظار في غرائب الأنصار وعجائب الأسفار ) كان هنا يحث في بغلته السير بعد أن افزعته أساطير المكان والقول :
أن اميرات سومريات تتقدمهن شبعاد يخرجن في الليالي التي يكتمل فيها ضوء القمر ليعزفن بالقيثارات الحاناً حزينة يشتعل فيها النواح والأنين للخطأ الذي اوقعن فيه انفسهن ليذهبنَ مع الملوك والامراء المتوفين احياء الى الاقبية المظلمة كأضاحيَّ من اجل وهم حياة اخرى تدعى ( دلمون ) ، حيثُ سينهض فيها الملك ثانية ويعيش الحياة السرمدية.
ويقال أن الابوذيات التي تفنن في اناشدها ابناء الناصرية من المطربين ( داخل وحضيري وجبار ونيسه وخضير حسن ناصرية وحسين نعمة وعلي جوده وكريم العرجاوي وغيرهم ممن كانوا يأدون أطوارها الخالدة الشطراوي والصُبي ) .
هي من بعض ذلك النحيب والشجن في تلك الليالي التي كانت اميرات أور يمارسن فيه طقس الليلة المقمرة .
من الموسيقى القادمة من حناجر الأبوذيات والمطر ودموع الأمهات وحوافر ناقة الرحالة الطنجاوي ونعوش شهداء حروب المدينة عندما كانت تمنح الحروب جحافل الجنود الذين تتلقفهم التجانيد بلهفتها لتسلب منهم كتب المدرسة وقبلات الحبيبات ، وتمنحهم خوذ الجيش والبنادق واقراص الهوية واقنعة الوقاية وربايا الشمال الثلجي وملاجيء بحيرة الأسماك والفكة والقدر المجهول.
من كل هذا وذاك كان للمدينة وجودا غريبا ، أدمى فيها الكثير من الأقدار لتصبح علامة فارقة في تناقضات وجودها ، فقيرة وشهيدة وحالمة ، هذا الجمع الثلاثي بين تلك الصفات جعلها مثل أي عنقاء خالدة تتحدى اي موت حتى عندما تقسو عليها البلديات وتجعل شوارعها مغبرة وماءها مالح ونخيلها يشتاق لظل من الحياة الرفاهية لابناءها ، لكنها بقيت صامدة وقوية وساعية لتنتج القصيدة والقصة واللوحة الفنية وعمال البناء وارائك المقاهي .
بقيت لتعلم مدن الجنوب معنى أن تصبرَ قطرة المطر وتتحول مع المشاعر الرائعة لتصير دمعة لقصيدة أو نهرا للحن أغنية تقيض برقة مشاعر صاحبها.
لها ذلك المجد النبيل ، لذلك الصرح الذي يسكن القلوب والخواطر ، المكان المقدس بتواريخ أحلام أبراهيم الخليل ، وخطوة الأمام علي ، ومراقد سادته وأولياءه وفقراءه.
وحده يصلح ليكون دواء ضد هومسك غربتنا ، عندما نتذكر مع أطيافه الأمنيات والاغنيات وبساطة روحه والمسامحة التي تجمع تحت عباءتها طيور السنونو الاتية من هجراته الطويلة ، تجمع حلم المندائيين لتكون المدينة من بعض سر الضوء في حياتهم وهم يتجاورون مع اخوانهم المسلمين وبقية الطوائف منذ الختم الطغرائي لمتصرفها الأول ( ناصر باشا السعدون ) وحتى محافظها الجديد ( يحيى الناصري).
الناصرية ، تعطش وتشرب ماءها مطرا ورسائل عشق ...ثم ترتوي .
ليرتوي معكَ الشوق والحنين وجوازات السفر ومدائح ملاليلها في شغف الشوق للحسين. لتصنع لنا الذكريات صروحا من صواني الشموع والياس والقيمر والخبز.
نأكل فلا نجوع ، نشرب فلا نعطش.
أنها بئر يوسف في أرواحنا ، مصدر حلم وحكمة ونبؤة .عاشت وستعيش. حتى من حزنها تتفن في صناعة اراجيح العيد ومواويل الأمل ...
يأوي الغرباء اليها فيحسوا أن مدنهم البعيدة معهم ، لكن الألم والشوق اليها يكبر في روح أبناءها حين يغتربون عنها ، وكأن أي مدينة في هذا الكون لاتصلح لهم عداها .
هي عطر ميزوبوتاميا ، وأنشيد الأزل لبلاد الرافدين . وربما بسبب نكهة الوفاء في ثوبها المقلم تحمل خصوصيتها أينما يشطر وجهي جهته .
طنجة ، حيدر آباد ، دمشق ، عمان ، أسطنبول ، باريس ، فرانكفورت ، بروكسل ، الشارقة ، دورتموند ، تونس ، دوسلدورف ، شوبنكن ، ميونخ ، طهران ، الكويت ، بومباي ، كولونيا ، براغ ، أثينا ، حلب ، روما ...!
مدن لترحال حياتكَ ، تفتش في ثنايا محلاتها وحاناتها وشوارعها عن عطر فجل وكراث وكرفس مزارعها ، فلا يجده حتى مع اجمل عطور الشانيل والديور فلا يجده.
فأين يجد اساطير المحلب والحناء والطين خاوه غير ضفائر أمه .
أين يجد الشاي المهيل ، وشربت الزبيب والكباب الطيب غير في مطعم المرحوم ( الحاج ضاحي ) . أين يجد سحر نغم اغنيات ام كلثوم واسطوانات حضري وزهور حسين غير في مقهى التجار وحبيب الله .
أين ...
أين...
الناصرية شعرة بيضاء في شارب التأريخ ...
هكذا وصفكِ صديقي الشاعر رزاق الزيدي..وأظن أن هذا الوصف هو تاجك الذي تتفاخرين فيه بين مدن الأرض كلها...........!

الحوار المتمدن

نشرت في فنون
الصفحة 1 من 2