الخميس, 21 تشرين2/نوفمبر 2013 18:14

سوق حانون

 

 

في (مجرد كلام) بهذه الجمعة المباركة والتي تصادف الـ 45 لرحيل أخي طارق ، ساسرد لكم حكاية طريفة قصها عليّ قبل قصيرة من رحيله ، وكان هو شخصياً بطلها ، وذلك في منتصف الخمسينات عندما كان فتاً صغيراً

  عماد حياوي المبارك

 

سوق حانون

 

 ســوق حانون في بغــداد في الخمسينات.

 

 

 

سوق حانون ... منطقة بغدادية عريقة ، وهي واحدة من بين الأحياء المتلاصقة ببعض كالمهدية وأبو سيفين وقمبر علي والفضل والدهانة والشيخ عمر ... وغيرها 

 

المنطقة تقع بين قمبر علي والمدرسة المحمدية ، ويحد محلة (سوق حانون) شارع الخلفاء وشارع الملك غازي ، أنشأها وكان يقطنها أغلبية يهودية منذ الحكم العثماني حتى الهجرة القسرية لليهود في الـعام 48 

 

لا تزال لمسات التجار اليهود ، وهم وجهاء المنطقة لعدة عقود ، شاخصة من خلال الفنون المعمارية على مبانيها وشناشيلها البغدادية والتي بقيتْ ظاهرة للعيان برغم الغبن والتجريف والإهمال الذي أصابها حيث عوملت كـ (أموال مجمدة)* .

 

ما يميز بناء الدور فيها ، أن تربطها ممرات غير ظاهرة للعيان ، تكون مداخلها على شكل أقواس تسمى (مزاغل) ، كان سكنتها يستخدمونها للإتصال ببعض والتجمع في جلساتهم في الأماسي دون الحاجة لمغادرة باب الدار ، وقد رُدمت أو اُغلقت لاحقاً عندما تم (هَجرها) وإسكان عوائل دخيلة فيها . 

نسيجها الإجتماعي قبل سبعة عقود من الزمان أو أكثر ، يشكل فسيفساء عراقية مُصغّرة ، خليط من التجار اليهود مع ساكنون من (الكسَبة) المسلمين وخليط من المنداي والمسيح ، وقد عَرفتْ المنطقة قمة العلاقات الإجتماعية المتوازنة ، ففي أزقتها عُزفت واُنشدت أجمل الألحان ، و وُلدَ بعض من الرجال البغادلة المعروفين بفنهم الأصيل .

ولاتزال تحتفظ المنطقة ببعض تقاليدها الشعبية وأداء المقامات الشعبية والجالغي البغدادي والمناقب النبوية .  

 

(حانون) ـ يقول تاريخ المنطقة ـ أنه أحد اليهود العراقيين ، وكان يجلب البيض من الريف ليبيعه في المدينة ، سرعان ما توسع بعمله وإستقطب تجار اللحوم المرموقين ، فتحولت بعض الدور (ولا تزال) لمكاتب بيع الدجاج الحي واللحوم والاسماك .

تجار اللحوم هؤلاء هم قاطنو هذه الجادّة العريقة ، وأول من شيّد أبنية فيها من الطابوق ، وكان (حانون) أحدهم ، فذهبت التسمية بنشوء سوق وسط البيوتات تـُـنسب إليه ، وبمرور الوقت ولتسهيل اللفظ أو (لأسباب) اُخرى معروفة ، تغيرت التسمية لـ ... (سوق حنون) . 

 

في هذه المناطق يـَكتبُ الزمن تاريخ عريق لبغداد ، ولنا فيها وبالقرب منها أكثر من ذكرى ، كلها تُشير لطيبة أهلها وكرمهم ، وكلما يسوقني الحظ بالمرور من هناك ، أتذكر اُناسٌ طيبون لي معهم ذكريات جميلة ...

 

× × ×

 

في ساحة سينما الفردوس الواقعة على تقاطع الطريق النازل من جسر الأحرار بشارع الملك غازي (الكفاح) ، تقع في الركن الأيمن منها مقهى من الصفيح صاخبة بروادها ، كان غالبيتهم (شيّاب) ، وأما تواجد بعض الشباب في وقتها في السبعينات فكان لأغراض بيع وشراء السيكائر والعملات ، وحتى الدور والأراضي .

 

وسبب تواجدي حينها ومجالستي لهم ليس لشرب الشاي ولا للعب الطاولي ، لإني أكره النرد (الزّار) لأنه لعبة حظ ، وأنا ما عندي ـ على الأقل فيه ـ حظ ، ولكن كنتُ أنتظر مقاول (قنطرجي) من أهالي سوق حانون كان لي موعد معه في المقهى للإتفاق على بناء مشتمل ببيت أهلي بحي القادسية في العام 1977 

تحدثنا معاً بوجود الشخص الذي عرّفني عليه ، إبن العم المرحوم طيب الذكر (عارف رشيد عبد المباركي) حيث كانت صيدليته قريبة ، وتحدثنا عن جملة اُمور تتعلق بالبناء ، وحتى أدق التفاصيل ، و وصلنا الى نوعية الشبابيك والأبواب ، فقلت له ...

ـ عمو أبو طه ، أريد الأبواب ...

إستوقفني بإبتسامة بينما كان يصب الشاي في الصحن ، قائلاً ...

ـ عمو ... إحنة البغادلة أخذناها من اليهود ، مانكول أبواب ولا بيبان ...

ـ لعد شتسموها  ... ؟

ـ نسميها بوب .

حديثه وبغداديته الأصيلة وتزكية إبن العم له ، زرَع فيّ ثقة به ، وتم الأتفاق وسلمته العربون دون ورقة ولا قلم !

وكما معروف فإن (قنطرجية) البناء غالباً مايتخلفوا بمواعيدهم ، لكنه سار بنا وتعاون معنا ودخل هو وعماله ـ وهم جميعاً أبناء منطقته سوق حنون ـ بيتنا بحكم أن البناء يجري في أحد أضلاع الدار الذي نقطنه ، وتقاسمناهم الزاد والماء ، وكانوا ـ والحمد لله ـ صادقون ملتزمون خلوقون لأبعد حدود .

هي فرصة أن أتعرف على تاريخ مناطقهم ، حيث كنت عند عودتي من الكلية ، أجده ينتظرني ليخبرني عن تقدم العمل ، وخير السُبل لتذليل المعوقات ، ونشأتْ صداقة بيننا برغم فارق عمر يبلغ نصف قرن !

 

× × ×

 

تحت سقائف سوق حانون المعدنية المتهالكة ... وزحمة السوق وفوضى المتبضعين ، أتذكّر (سالفة) منذ ستون عام كان قد قصّهاعليّ بسعادة ، أخي الراحل ... طارق

 

 كان العتّال (معروف الكردي) يقوم وعلى مدى سنوات بتحميل ونقل كل متطلبات العوائل داخل سوق حنون ، رجل بسيط خجول وقنوع (مقطوع من شجرة)* مُنحدر من قرى الشمال النائية ، فضّل الإنعزال بنفسه ، ربما بسبب صعوبة اللغة العربية التي لم يتمكن منها مطلقاً ، وهو واحد من قلـّة إستقدمهم التجار اليهود و وثقوا بهم ، فدخل بيوتات المنطقة بهدوءه الذي لا يفارقه ، شاركهم الطعام والشراب ، أفراحهم وأتراحهم ، وصار الرجل محط ثقة الجميع وواحداً منهم ...

 

 لكن التغيرات (الديمغرافية) بداية الخمسينات على المنطقة وهجرة زبائنه اليهود القسرية ، جعلته يعيش في الظل ، ففسح المجال لجيل جديد يتمتع بالشباب والصحة أن ينافسه ويحل محله ، ودفعته ضروفه الصحية أن يشتري عربة خشبية بعجلتين يقوم بدفعها لتلبية بعض الطلبات التي أمست شحيحة . 

 

× × ×

 

إنه شهر تموز منتصف الخمسينات وجميع المنداي يتهيأ لأيام الكرصة والعيد الكبير ، تذبح العوائل الذبائح وتشتري الفواكه والخضر وتُهيء مستلزمات ممارسة طقوس العيد الكبير .

قبل كل شيء ، تقوم العائلة بإرسال مرسال الى الكريمات ، وبالتحديد الى بيت الشيخ المرحوم أبو سلوم (الشيخ فرج الشيخ سام) وأخيه المرحوم أبو عبد الجبار (شيخ عبد الله الشيخ سام) للتأكد من يوم الكراص ...

وكان الجواب يأتيهم بشكل حاسم وجازم : بوية الكنشي وزهلي الثلاث وتلبدون الأربع والطلعة الخِميس !

 

كل شيء مهم ويجب أن يتم حسب الإصول ، لكن المهمة الأصعب هي كيفية جلب الماء من النهر ، فهو سيكون الشغل الشاغل (لأمهاتنا) في سبيل (طمش) الفواكه والخضر أولاً ، ثم عزل المتبقي منه لجميع الإستخدامات المنزلية وطبعاً للشرب .

 

سيدتان مندائيتان ، تسكن أحداهن غرفة مؤجرة في أحد المساكن الصغيرة في سوق حانون مع إبنها في المدرسة الإبتدائية ، هي واُختها التي تزورها مشغولتان بوضع اللمسات الأخيرة في يوم (كنشي وزهلي) ، ولم يبقَ سوى جلب الماء من الشريعة القريبة ، وأي قُرب ، فهي شريعة شارع النهر قرب الإطفاء !

 ولمّا كان (الحيـْل) قد أخذته الأيام وإستنزفته المحن ، كان من الواجب الإستعانة ... بالعم معروف .

وضعَ الرجل المستلزمات ، مساخن نحاسية وأوانٍ فضية نظيفة لماعة ، وصعد الصبي العربة لموازنتها وطار بهم (معروف) ليثبت بأنه لايزال صاحب القدرة والمقدرة ، تسيران خلفه السيدتين وقد إنشغلنَ بحديث وكأنهن إلتقين لتوهن بعد فراق أشهُر !

ما لبثت أن تزاحمت بفكر الصبي جملة أسئلة ودفعته لأن يقفز ، جاعلاً العربة تفقد توازنها ، مهرولاً لخالته مستفسراً ...

ـ شنو ياخالة الكنشي والكرصة والطلعة وليش تهتمّن كلـّـش بيه ؟

ودون إنتظار ، إستكمل بقية أسئلته لاُمه ...

ـ يُمّة ... ليش نروح للنهر إذا مي أكو بالبيت ؟ !

وكانت الفرصة مؤاتية أن تشرحان الام والخالة له طوال الطريق هذه الطقوس الجميلة والتقاليد المميزة التي ينفرد بها المندائيون ...

ـ يُمّة يا بعد خالتك ، إحنة نلـْـبد ببيوتنا لأن الملائكة اللي تحمينا تصعد بيوم الكراص للسما ، نبقى بالبيت حتى محّد يأذي المنداي حتى يرجعن بيوم الطلعة الصبح ، وإحنة نسد بوبنا حتى ما يطبلنا الشر.

أضافت اُمه : باجر كل شيء بالبيت نظيف والكل تبرخ وترشم ، وكل شيء برّة البيت نَجس وما يصير نطخـّـة لأن ما تحرسة الملائكة الأثريين . 

كان حديث طويل و وافٍ له وإستهلك دقائق الطريق الطويلة حتى وصل الجميع النهر ، وهناك حرصْنَ السيدتين أن لا أحد غيرهن يمسك بأدواتهن بعد (الطمش) على شريعة النهر .

 وبينما استمرت النسوة عملهن ، بقي (معروف) بعيداً منزوياً كعادته ، يترقب الأمر ويسترق نظرات وَجدها الصبي فضولية وفيها تساؤلات ، فسرها بأنه ربما في خجل أن يطرح أسئلته بشكل مباشر على اُمهاته ...

إقترب منه الصبي ، بينما الأم والخالة لا يزلـْنَ منهمكات هناك عند (الجرف) ، وإستقام بجسمه وبكل جرءة ...

ـ جدّو أكيد تريد تعرف شديسون اًمهاتي وليش نجي الشط وناخذ المي منه ... ؟

 

نظر (معروف) له وإبتسم وهز رأسه (مُرحباً) بالطفل الذكي ، إبتسامة فتحت للطفل الباب على مصراعيها لإثبات ذاته ، فإستطرق ...

ـ جدو ... أحنة الصُبة نآمن بألله وحتى يقبل صلاتنا وتوبتنا لازم نغتسل بمي النهر الجاري النظيف ...

لم يتوقف الطفل ولم تُزعجه أشعة الشمس المائلة عند العصر حيث أغمض جفنيه لتلافيها وإستمر بالكلام ...

ـ على طول يومين تصعد الملائكة الى السما ونبقى بلا أمان حتى ترجع ، لهذا نبقى بالبيت .

 لم يشعر الصبي بجوع ولا عطش وهو يستغرق بالحديث ، بينما وقف (معروف) أمامه متبسمراً دون همس (لا يعوص ولا ينوص) ...

 

في هذه الأثناء ، إستكملتا الوالدة والخالة إجراءاتهن على أكمل وجه ، أشـارت الخالة لـ (معروف) بالعودة قبل إنقضاء العصر ، لكن الولد لا يزل بجعبته الكثير مما يريد أن يُخبر (الجد معروف) به ...

ـ إحنة نجيب المي هذا اليوم من النهر لأن المي نظيف ومحروس  من الملائكة ، بس باجر ...

قاطعته الخالة دون جدوى ، بينما (معروف) يترقب الطرفان دون أي ردة فعل ...

ـ جدّو ، باجر ماكو ملائكة تحرس المكان ، وتكون الشياطين موجودة ...

 

وهنا جاء نداء أخير للصبي بضرورة السكوت وعدم إشغال الجد ، ولما لم ينجح مسعاها ، إقتربت الام من ولدها ومسكت بكتفه ...

ـ يلـّة يا يمّة راح يجي الليل ، صار ساعة تحجي ويّة عمّك (معروف) ، جا أنت يا يمّة ما تدري هذا الرجّال كردي ما يعرف يحجي ولاطكة عربي !     !! !!!

 

عماد حياوي المبارك 

 

 

 

× يقول بعض مثقفي منطقة (سوق حانون) ، بأن روح (حانون) لا تزال قابعة اليوم في هذا السوق ، لكن جسده هو الذي هاجر الى ... تل أبيب !

× وقد عَرف (سوق حانون) زيارات عدّة للزعيم الراحل (عبد الكريم قاسم) كونه ينتمي لمنطقة شعبية شبيهة .

× (مقطوع من شجرة) يُطلقها أهلنا على مَن لا أهل أو نسب له ، وتذهب التسمية أحياناً ، للتشكي من الزمان وغدره بالبشر .

 

 

السبت, 27 نيسان/أبريل 2013 13:50

الكارثه المرعبه لنهاية دوله العراق

ما يحدث اليوم فى عراقنا من استغلال مطاليب شرعيه للمتظاهرين والمعتصمين في الشريط الذي يطلق عليه عادة باسم الشريط السني ومركزه محافظه الأنبار المجاوره للسعودية, ما هو ألا بروفه لبدء بتنفيذ تقسيم العراق الى 3 دويلات او اقاليم حسب الأنتماء القومي والطائقي وألغاء هوية العراق الوطنية , وسبق لهذا المشروع بتقسيم العراق قدمه نائب الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن الى مجلس الشيوخ الأمريكي عام 2007 وقد حصل على موافقة 57 موافق على التقسيم مقابل 23 عضوأ رافضأ لهذا المشروع وتشير الدراسات بأن ىمشروع تقسيم العراق واضعاف هويته الوطنيه طرح منذ اسقاط حكومه عبد الكريم قاسم عام 1963 من قبل البعث المجرم لذلك ما نراه من عصيان مسلح في الشريط السني ماهو الى بداية للتقسيم وان طال امده 

, ان مشروع تقسيم العراق يقع تحت المخطط المسمى بخارطة الشرق اوسط الجديد ,ان اثارة هذة الأضطرابات تحت قيادة التنظيمات الآسلامية المتشددة كمنظمة --- النصره—المرنبطه بالقاعدة وبقايا تنظيم البعث المجرم ومساندة دول الجوار السنيه , ما هي الأ محاولة لرسم الخارطة للآقليم السني الجديد في المنطقه التي تجري فيها الأعتصامات>

ان مايجري اليوم في المثلث السني يذكرنا بالخطه التي نفذها حزب البعث لتغير نظام حكم جمهورية 14 تموز تلك الخطه التي بدأت باعلان الأضراب البسيط من قبل تنظيمات البعث والجبهة القوميه في 24—1962 في مدرسة الشرقيه الثانويه في بغداد بحجة الدفاع عن حقوق الطلاب ا الذين تعرضوا للضرب من قبل الشرطه والذين اثاروا شجارآ مع ابن فاضل المهداوي ثم اتسعت هذه الأضرابات ليشمل تنفيذها بالقوه في جميع مدارس العراق من قبل البعث والمساندين له من عملاء شركات التفط والتجمع القومي الرجعي الأقليمي وبقيادة امريكا وبريطانيا تلك الأضرابات التي كانت البدايه والتهيؤ لأنقلاب 8شباط الأسود

 

نشرت في وجهة نظر

المقدمه 

لم يرد في الكتب المندائيه ما يشير الى قيام المندائيين بتأسيس دوله ذات كيان سياسي خاصه بهم، وذلك خلال مسيرة حياتهم التي تمتد الاف السنين . ولا أحد يعرف حتى الان سبب ذلك ، ولا حتى نوع العلاقات القانونيه التي كانت سائده بينهم وبين الدوله التي يعيشون بكنفها ، و بينهم وبين الطوائف الاخرى التي تحيط بهم آنذاك . ولهذا لم يعثر على أية نصوص قانونيه وضعيه مشرعه. غير أن كتبهم تنص على كثير من الاحكام والقواعد ذات صيغ قانونيه تتضمن أحكام جزائيه ومدنيه وأحوال شخصيه تصلح لتنظم العلاقات بين بعضهم البعض وبين الآخرين حولهم.

الاخبار المرويه عنهم حتى قبيل الحرب العالميه الاولى تفيد بأنهم كانوا يتبعون الاحكام الوارده

 الاخبار المرويه عنهم حتى قبيل الحرب العالميه الاولى تفيد بأنهم كانوا يتبعون الاحكام الوارده في كتبهم الدينيه والعرف والتقاليد، لحل الخصومات التي قد تحدث فيما بينهم ،

في كتبهم الدينيه والعرف والتقاليد، لحل الخصومات التي قد تحدث فيما بينهم ، وأن رجال دينهم كانوا يتولون هذا الامر ، وعلى سياق العرف العشائري السائد آنذاك . وفي اوآخر الحكم العثماني في العراق ، كانت تطبق بحقهم قوانين الدوله العثمانيه فيما يخص القضايا المدنيه فقط . ومنذ سنة 1917 بعد الاحتلال البريطاني للعراق ، أخذت تطبق بحقهم القوانين المدنيه في الامور المدنيه التي قامت بوضعها الحكومه العراقيه بعد اعلان الحكم الوطني ، وصدور القانون الاساسي لعام 1925 / أذار ، وأن تلك الاحكام كانت تسمى ب( احكام المجله ) أما ما يتعلق بشوؤن الاحوال الشخصيه ( الشرعيه ) فكانت تطبق بحقهم الاحكام الشرعيه الاسلاميه السنيه وفق المذهب الحنفي ، مما أضر ذلك كثيرا بحقوق الطائفه المندائيه . في حين أن باقي الاديان و الطوائف ( المسيحيه بمختلق فصائلها واليهوديه ) كانت من اختصاص المحاكم المدنيه الوظيفي ( محاكم المواد الشخصيه ) وحسب معتقداتها الدينيه ، استنادا الى الاحكام الوارده في بيان المحاكم رقم 21 لسنة 1917 الذي كانت قد اصدرته السلطات البريطانيه بعيد الاحتلال، والذي لا يزال ساري المفعول حتى الان . استمرت الحاله بالنسبه للمندائيين حتى سنة 1979 حيث أصبحت الاحوال الشخصيه من اختصاص محكمة المواد الشخصيه ( محكمة البداءه ) كما هو مفروض ، بعد أن أصدرت محكمة تمييز العراق قرارا بهذا الشأن يعود الى إحدى الدعاوى المميزه لديها . ومع ذلك لم تلتزم به المحاكم الاخرى ، بحجة عدم التبليغ به ، وعدم تعميمه من قبل وزارة العدل للعمل بموجبه كقاعده قانونيه . مما أصبحت الحاله سائبه ، وأدى ذلك الى أن كل قاضي محكمه سواء كان قاضي مدنيه أو أحوال يقوم بنظر الدعوى وحسمها حسب اجتهاده الشخصي ، دون ملاحظة عدم إختصاص المحكمه الوظيفي أوالرجوع الى أحكام الشريعه المندائيه . وفي هذه الحاله بقت الولايه لمحكمة الموضوع . والحق أن قاضي الموضوع معذور من هذه الناحيه ولديه أسبابه القانونيه ، أولها فقدان النص القانوني لهذه الطائفه ، وليس لديه ما يحكم بمقتضاه تنفيذا للقاعدة القانونيه ( لا حكم بدون نص قانوني ) وكان لا بد للقاضي في مثل هذه الحالة أن يتبع القياس والسوابق القانونيه التي أصدرتها المحاكم من قبله وجرى الحكم بموجبها . وللارتباك والتردد الحاصل في تطبيق القانون وتعيين المحكمه المختصه وعدم توحيد الاحكام التي كانت تصدر من قبل محاكم العراق المدنيه مره والشرعيه مرة اخرى ، قامت الحكومه البائده بايجاد حلا إداريا عندما أوجدت بعض الهياكل التنظيميه للطائفه ، ومحكمة سميت المحكمة الشرعية المندائية ، مع بعض النصوص التي وضعها بعض أبناء الطائفه . اما الغاية التي من أجلها استحدثت هذه النصوص هي لأسباب ليست خافية على أحد إذ كان الغرض منها الكسب الدعائي للحكم بحجة ما يسمى ( بالحمله الايمانيه ) التي أبدعها الفكر الشمولي الحاكم كذبا وبهتانا ، إضافة الى توخي إحتواء الطائفة ككل وإسكات الاصوات المطالبلة في إيجاد الحلول لمشاكلها المستعصيه بشكل عام و الاحوال الشخصية بشكل خاص .

 ورغم ما أستحدث لهذا الغرض ، من كيانات وتنظيمات ومؤسسات اداريه للمندائيين مؤخرا وإصدار بحقهم ما سمي ب(التعليمات الداخليه ) من قبل وزارة الاوقاف والشوؤن الدينيه ، والتي بموجبها أوجدت ما يسمى ب( المحكمة الشرعية المندائية ) كما اسلفنا ، إلا أنها غير شرعية ، ولا سند لها من القانون الدستوري المؤقت ، ولا حتى القانون الوضعي للعراق إسوة بالطوائف الاخرى. حيث أن الدوله العراقيه بالاساس ، لم تعترف رسميا بالصابئه المندائيين حتى الان ، اسوة بالاديان السماويه الاخرى ، وان تلك التعليمات من السهل جدا الغائها ممن

 لا يوجد أي نص يضمن حقوق المندائيين في الدستور المؤقت الحالي والدساتير التي سبقته ،

اصدرها ، وتقع ضمن صلاحياته اي صلاحيات وزير الاوقاف نفسه . إذ لا يوجد أي نص يضمن حقوق المندائيين في الدستور المؤقت الحالي والدساتير التي سبقته ، والتي سأتطرق اليها فيما بعد . ومع ذلك فان المندائيين كمواطنين عراقيين يقومون بكافة ما عليهم من حقوق المواطنه ، فهم يدفعون الضرائب ، ويساهم ابناؤهم في العمل والبناء في كافة مرافق الدوله ، كل منهم من موقعه ، بكل إخلاص وأمانه ، وكما في الوظائف و الخدمات والاعمال الخاصه والعامه ، ويشهد لهم سجلهم الناصع في مجال العلم والمعرفه ، وقد برز منهم كثير من العلماء والاساتذه ، قدموا خدمات جليله لهذا الوطن ، عن قناعة و طيب خاطر ، وشبابهم يؤدون الخدمه الالزاميه في الجيش العراقي ، وقد قتل منهم العدد الكثير خلال الحروب العراقيه الظالمه المتعاقبة ، نسبه الى تعداد نفوسهم دون مسوغ أخلاقي أو قانوني . ألا أنه بعد كل هذه المعاناة لا تتوفر لهم الحمايه القانونيه ، والعدل ، والمساواة مع غيرهم من المواطنين العراقيين كما يتضح بالدساتيرالعراقيه المتعاقبة التاليه : --

 المندائيون في دساتير الدوله العراقيه المتعاقبه 

الحقيقه الثابته أن دساتير الدوله العراقيه المتعاقبه تنص كلها و بشكل عام - أن العراقيين سواسيه أمام القانون - هذا من حيث ظاهر الحال إلا انها خلاف ذلك عند التطبيق .فمثلا ان الماده السادسه من القانون الاساسي الملكي الصادر سنة 1925 تنص كما يلي : ( لا فرق بين العراقيين امام القانون , وإن اختلفوا في القوميه , والدين , واللغه. )

 والماده 16 من نفس القانون تنص ( للطوائف المختلفه حق تأسيس المدارس لتعليم افرادها بلغاتها الخاصه والاحتفظ بها على ان يكون ذلك موافقا للمناهج العامه التي تعين قانونا )

 وتعليقي على ذلك هو ان الماده ( 13 ) منه تتعارض وفحوى هذه الماده والتي قبلها , فهي تنص ما يلي ( الاسلام دين الدوله الرسمي... الخ.) ويعني ذلك الغاء كل حق للطوائف الاخرى ، بل يفسخ جميع المواد ذات العلاقه بشوؤنهم الدينيه ما لم يصدر قانون وضعي خاص بهم ينظم احوالهم .

أما المواد 75 و 76 و 78 و79 منه والمتعلقه بالسلطه القضائيه فقد نصت على تشكيل المحاكم الدينيه لغير المسلمين ( المسيحيين والموسويين ) فقط وحجبت تماما عن الصايئه المندائيين و كما يلي نصوص المواد :

 الماده 75 – تقسم المحاكم الدينيه الى : 1- المحاكم الشرعيه 2- المجالس الروحانيه الطائفيه

 الماده 78 – تشمل المجالس الروحانيه الطائفيه , المجالس الروحانيه الموسويه , والمجالس الروحانيه المسيحيه , وتؤسس تلك المجالس , وتخول القضاء بقانون خاص .

 

الماده 79 – في المواد المتعلقه بالنكاح , والصداق , والتفريق , والنفقه الزوجيه , وتصديق الوصايا ,ما لم تكن مصدقة من كاتب العدل , خلا الامور الداخله ضمن اختصاصات المحاكم المدنيه في ما يخص افراد الطائفه عدا الاجانب منهم .

 يلاحظ القارئ الكريم ان ليس للصابئه المندائيين أي ذكر بهذا الشأن. وقد تجاهلهم المشرع تماما وعن قصد وتصميم كليا . هذه الحاله بالنسبه للقانون الاساسي الملكي ( الدستور ) .

 وللاسف أن الدستور العراقي المؤقت الصادر سنة 1958 / تموز فهو الاخر تناسى الصابئه أيضا , وجاء بنفس الماده التي تقول ( الاسلام دين الدوله ) وهي الماده رقم 4 من الباب الاول .

 والماده 9 منه – المواطنون سواسيه أمام القانون في الحقوق والواجبات العامه و لا يجوز التمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الاصل أو اللغه أو الدين أو العقيده .

 الماده 12 – حرية الاديان مضمونه , وينضم القانون أداء وظيفتها على أن لا تكون مخله بالنظام العام و لا منافيه مع الاداب العامه .

 والملاحظ أن المشرع لم يتطرق الى القوانين الخاصه بالطوائف الاخرى بل تركها كما هي , وأعني بذلك أن لا جديد بالنسبه للصابئه ، ولم تنظم بحقهم القوانيين الخاصه بهم ، كما نصت الماده المشار اليها ، أما الطوائف ( المسيحيه واليهوديه فهي بالاصل لديها قوانينها المشرعة باقيه ولا حاجه لها بتشريع غيرها .

 أما الدستور المؤقت لعام 1964 : هو الاخر كرر النص نفسه , ففي الباب الاول الماده 3 تنص : الاسلام دين الدوله والقاعده الاساسيه لدستورها واللغه العربيه لغتها الرسميه .

 الماده 28 – حرية الاديان مضمونه وتحمي الدوله حرية القيام بشعائرها على أن لا يخل ذلك في النظام العام , أو ينافي الاداب .

 دستور 21 ايلول 1968 المؤقت - جاء هو أيضا بنفس الصيغه والمفهوم بل اكثر تزمتا ورجعية بالنسبه للاديان غير المسلمه والصابئة على وجه التعيين .

 

والحقيقة الثابتة اؤكد ثانية أن جميع الدساتير المتعاقبة كما أسلفت خالية تماما عن أية إشارة أو إقرار بالطائفة الصابئية المندائية ، وبالتالي فانها أي الطائفة لا سند لها من القانون ، ووفق هذا المفهوم لا تسمع لها شكواها أو مقاضاة الغير بالامور الدينية ، ولا يتمتع أفرادها بالحقوق كاملة إسوة بالاخرين من ابناء الشعب هذا من الناحية الدينية . وتأسيسا لهذا الرأي فان باقي حقوقهم السياسية والمدنية والانسانية هي الاخرى غير معترف بها ضمنا . وهي مطبقة عمليا أمام القضاء عند حصول الخصومات ما بين الصابئي والمسلم ، ولدينا وقائع وأحداث حية بهذا الشأن . منها على سبيل المثال :

في حالة قيام الفرد الصابئي المندائي الزوج كان أو الزوجة باشهار إسلامه عن طريق الترغيب أو الاكراه فان الاولاد القاصرين ، أي دون الثامنة عشر من أعمارهم يصبحون تلقائيا اسلاما ، استنادا الى حكم الشرع الاسلامي

· في حالة قيام الفرد الصابئي المندائي الزوج كان أو الزوجة باشهار إسلامه عن طريق الترغيب أو الاكراه فان الاولاد القاصرين ، أي دون الثامنة عشر من أعمارهم يصبحون تلقائيا اسلاما ، استنادا الى حكم الشرع الاسلامي . ووفق هذه الحالة يكون من حق الاب المسلم أخذ الاطفال من الطرف الثاني ، التي هي الام الصابئية عنوة وبحكم قضائي ، على أساس أن من مصلحة القاصرين تولي الاب المسلم حضانة و رعاية وتربية هؤلاء ، وفق لتفسير الشريعة الاسلامية باعتبارها الافضل دينا لصالح الطفل . وهذه الحالة تشكل خرقا فاضحا للقانون العراقي نفسه الذي ينص أن الحضانة للام لا ينازعها على هذا الحق الاب او غيره من الاقرباء . وكذلك يشكل خرقا لحقوق الاطفال القاصرين . وعدم مراعاة حقوق الاسرة والامومة . مما يؤثر سلبا على حالة الاطفال النفسية والانسانية بابعادهم عن امهاتهم عنوة ، وإن هذه الحقوق التي نصت عليها القوانيين الدولية وحقوق الانسان ، تكون قد إعتدي عليها عمدا من قبل الدولة أولا ، ومن قبل الجهة القضائية ثانيا ، وإكمالا للحديث فقد أوجد المشرع حلا غير مجديا لهذه الحالة وهي أن هذا الطفل سواء كان ذكرا أم انثى يستطيع العودة الى الدين الصابئي عند بلوغه سن الرشد ، وذلك عن طريق إقامة دعوى أمام القضاء خلال سنة واحدة فقط ، أي لا يحق له ذلك إن هو تجاوز التاسعة عشر سنة من عمره ولأي سبب كان .

 والمؤلم في هذا كله أن الدولة تكون هي الخصم في الدعوى ، وهي بذلك تنازع الفرد في

 والمؤلم في هذا كله أن الدولة تكون هي الخصم في الدعوى ، وهي بذلك تنازع الفرد في حقوقه الذاتية المحضة وقناعته وشعوره وأحاسيسه النفسية

حقوقه الذاتية المحضة وقناعته وشعوره وأحاسيسه النفسية ، لأن مسألة الدين كما هو معلوم متعلقة أصلا بضمير وقناعة الفرد وإختياره ، وليس عن طريق الاكراه والفرض ، كما أنها لا تأخذ بنظر الاعتبار حقوقه ، التي ضمنها له قانون الدولي العام والخاص قبل قوانين دولته العراقية . وأن هذا الاجراء يعتبرمعيبا في القضاء العراقي ولا مثيل له في بلدان العالم المتحضر . ومن المؤسف حقا ان محكمة الموضوع تعود الى نصوص قانون قديم جدا في تكيُفها للدعوى ، وهو ما يسمى ببيان المحاكم الذي سبق واصدرته قوات الاحتلال البريطانية سنة 1917 كما بينته اعلاه .

 · والحالة الثانية والاخطر هي ان الدولة لم تعترف بالدين الصابئي المندائي كدين من الاديان السماوية الموحدة كالدين المسيحي واليهودي اضافة الى الاسلامي وبذلك فسحت المجال

 والحالة الثانية والاخطر هي ان الدولة لم تعترف بالدين الصابئي المندائي كدين من الاديان السماوية الموحدة كالدين المسيحي واليهودي اضافة الى الاسلامي وبذلك فسحت المجال للاجتهادات والتفسيرات المخالفة تماما الى الواقع

للاجتهادات والتفسيرات المخالفة تماما الى الواقع وقد يكون السبب الجهل وربما الموقف المغرض المتعمد اوعدم الاهتمام والاطلاع على الدين المندائي عن قرب وعن دراسة بسبب تدوين جميع الكتب الصابئية باللغة المندائية القديمة وهي نمط من الغات الارامية وليست باللغة العربية كما لم يكلف الباحثون العراقيون انفسهم بالبحث والتحري عن هذا الدين وهذه اللغة التي تزخر بالمعرفة والبيان لحضارة وادي الرافدين القديم .

 

إن عدم الاعتراف هذا يشكل حالة خطرة جدا لافراد هذه الطائفة ، وهو ما حدث فعلا في بعض الحالات التي تعرض بعضهم فيها الى القتل المتعمد ، على اساس أن الصابئة المندائيين هم ليسوا موحدين ، وبالتالي فهم ليسوا من اهل الكتاب ، ولا من أهل الذمة فاذن هم ( اناس كفرة ) يحل عليهم القتل . لقد أفاد القاتل المجرم أمام محكمة جنايات الكرخ سنة 1994 ردا على سؤال المحكمة له ، عن سبب قيامه بجريمته النكراء عند ما قام بقتل الفرد الصابئي صاحب معرض الصياغة في مدينة البصرة ، بالاشتراك مع خطيبته في هذه الجريمة ، رغم ان الجاني كان أحد طلاب المجنى عليه قبل إحالته على التقاعد واشتغاله بمهنة الصياغة ، حيث كان مدرسا في إحدى مدارس البصرة. إلا أن المجرم برر فعلته الشنيعة بقوله ، إن المجنى عليه صابئيا والصابئة ليسوا من أهل الكتاب وهم كفار يحل للمسلم قتلهم .

إن الحكم البائد تبنى بشكل رسمي هذا الرأي عندما أورد نصا فاضحا ومحرضا على قتل ابناء

فقد جاء باحدى الكتب التدريسية لمادة ( الدين ) لجميع مدارس العراق للصف الثاني متوسط ، والذي عرف بموجبه الصابئة بانهم قوم يعبدون الكواكب والنجوم

الصابئة المندائيين ، فقد جاء باحدى الكتب التدريسية لمادة ( الدين ) لجميع مدارس العراق للصف الثاني متوسط ، والذي عرف بموجبه الصابئة بانهم قوم يعبدون الكواكب والنجوم ، وبهذا تكون الدولة طرفا بالموضوع ، و قد ساهمت بتثقيف الشباب وتحريضهم على ممارسة العنف والقتل إتجاه أفراد هذه الطائفة ، بشكل غير مباشر باعتبارهم ملحدين كفرة ، رغم أن وزارة الاوقاف والشوؤن الدينية على إطلاع تام بمحتوى كتب الصابئة الدينية ، التي قام بترجمتها الى اللغة العربية أساتذة وعلماء من الجامعات العراقية ، وباشراف الوزارة نفسها وباقي دوائر الدولة المعنية بما فيهم صدام حسين نفسه . وبمعنى آخر أن الدولة أباحت جريمة قتل أبناء هذه الطائفة عمدا مع سبق الاصرار مع الاسف الشديد . وهناك وقائع مادية و أمور سلبية أخرى عديدة مدونة بشكل رسمي أمام القضاء لا يسمح المجال لطرحها جميعها الان .

 

المطلوب من دستور العراق الجديد 

الان وبعد زوال الحكم التعسفي الجائر ، والعراق في مرحلة صياغة وتشريع دستور جديد ، يستند على المبادئ الديموقراطية ، ويعترف بالتعديدة الدينية والطائفية ، ويضمن حقوق كافة أطياف الشعب ، ويؤمن للجميع الحرية ، والمساواة ، وحرية الرأي ، والمعتقد ، أصبح أمر إعطاء الطوائف الدينية المختلفة والصابئة احداها حقوقها المشروعة ، من المهام الملحة الملقاة على عاتق لجنة صياغة الدستور وذوي الشأن ، وأن يلتفتوا الى مطاليب هذه الطائفة التي تنسجم مع الاعراف والاخلاق وحقوق المواطنة و لا تتعارض وقوانين الدولة الوضعية وهي كما يلي :

 

1. الاقرار بالمركز القانوني لطائفة الصابئة المندائية ، والنص عليه في الدستور ، كطائفة دينية موحدة مثل غيرها من الطوائف والاديان السماوية الاخرى ، تتمتع معها بقدر متساو من الحقوق والواجبات .

2. قبول إشراك من يمثل الطائفة في لجنة صياغة الدستور لعرض ومناقشة مطاليب الطائفة لغرض تثبيتها قانونا .

3. قبول من تقوم الطائفة بانتخابه لاشغال عضوية المجلس البرلمان العراقي المقبل بغض النظر عن عدد الاصوات كون أن الطائفة قليلة العدد ومنتشرة في جميع أنحاء العراق .

4. إقرارمبدأ المساواة المطلق مع الغيرأمام القضاء ودوائر الدولة الاخرى دون تفريق أو تمييز بسبب الدين والمعتقد والانتماء .

5. إقرار حقوق الاحوال الشخصية للطائفة وسن القانون الوضعي بهذا الخصوص إسوة بالاديان الاخرى ، كون بعض هذه الحقوق لا تتفق والقانون المدني العراقي اوالشرع الاسلامي كحقوق المرأة ومساواتها مع حقوق الرجل تماما في الميراث والشهادة وفي حالة التفريق الجسدي حيث أنها تحرم الطلاق و غيرها من الامور .

6. إقرار حق الصابئة المندائيين في تدريس وتثقيف أبناءهم اللغة المندائية ( الارامية القديمة ) ، وإعطاءهم حق فتح المدارس والمراكز التعليمية والثقافية لهذا الغرض .

 

نشرت في وجهة نظر
الإثنين, 22 نيسان/أبريل 2013 11:33

دولمه عراقية

يحكى أنه كان يعيش في محلة الفضل في بغداد ، أحد " الأشقياء " وكان هذا الرجل تثيره كلمة " دولمه " إلى حد ارتكاب جريمة القتل بكل من يقول له تلك الكلمة ، وقد تكون له مبرراته فقد ارتبطت تلك الكلمة بمسائل تخص شرف العائلة. 

جلس صاحبنا يوما في إحدى مقاهي الفضل والتي كانت تعج بالزبائن من أمثاله وقد عمر رأسه " بعرقجين " أصفر مخطط " طاقية " ورمى " الجراوية " "أي الكوفية "على كتفه واضعا رجل على رجل ولباسه الأبيض الطويل ظاهر من تحت الصاية الرصاصية ، وشواربه برمت إلى الأعلى على شكل عقرب . وكان مشغولا بجد في تحريك حبات السكر التي في استكان الشاي حامض .

ارتفع صوت من أحد أركان المقهى مناديا : بصل مثروم .أجابه صوت آخر لحم مثروم أجابه ثالث تمن منقع وآخر باذنجان محفور. واستمرت الأصوات تعدد مكونات الدولمه وعندما وصل الصوت الذي يعلن عن ورق العنب أنتفض صاحبنا غارسا سيكنه " أم الياي " وسط المنضدة صارخا : أريد أشوف من راح يلفها ؟.

 

الأشقياء اليوم يحتلون المناطق الخضراء وعقدتهم كلمة اسمها وحدة العراق ولهم مبرراتهم أيضا فالمسألة تخص مشروع الشرق الأوسط الكبير وتخص إسرائيل الكبرى . 

زبائن الأحزاب السياسية لا يتورعون عن تعداد مكونات هذا العراق . لا بل راحوا يبحثون عن مندوبين لهم في كل عشيرة وفخذ وعائلة لا بل وفي كل دين وكل مذهب . وخاضوا في الأقوام واللغات حتى المندثرة منها . ووصل بهم الأمر إلى النوادي الفنية والرياضية والاجتماعية . وبحجة الديمقراطية وحق تقرير المصير راح كل فريق يبحث عن جده العاشر أو العشرين أين سكن وبماذا نطق ليأخذه الحجة والسند القانوني في إقامة دولته ثم يصبح ملكا عليها .اليست هذه الديمقراطية الجديدة التي أرادها لنا بوش ؟. راح النسطوريون اليعاقبة في المطالبة بدولتهم وعاصمتها مدينة ( برطله أو كرمليس ) وهذا حقهم طبعا وفق معاهدة جنيف . وطالب السريان بالموصل وهذا حقهم أيضا وراح الأخوة الشبك في تخطيط مدينة (أسكي كلك ) أو مدينة "شاقولي" وربما مدينة " خزنه " لتكون عاصمة لهم أما الأكراد الأصليين وأقصد بهم اليزيديين فقد حاروا بين مدينتي ( بعشيقه ) أو( تل بنات) من ستكون العاصمة ؟ أما الاشوريين فقد رأوا في ( بالا وصبنه وبرواري ) مدنا ملائمة لتكون عاصمة الدولة الآشورية . ومن ينكر عليهم ذلك ؟ أما الكلدانيين فقد أصر قسم منهم على أن تكون مدينة "تلكيف " هي العاصمة بينما راح قسم آخر يصر على أن تكون مدينة " القوش" العاصمة وراح البهائيون يطالبون بالسليمانية أو سيد صادق أما أهلنا الأرمن فقد اكتفوا بكركوك عاصمة لهم ليبنوا فيها كنيسة تضاهي كنيسة اجميازين العتيدة . وقد مل أهلنا ذوي ( الجمداني الأحمر ، أي الكوفية الحمراء) مدينة كلاله ووجدوا قلبهم يرنو إلى كركوك ربما حبا بإخوتهم التركمان والذين لا يعرفون لهم وطننا غيرها . وأولاد العمومة ( الفيليين ) قد اكتفوا بخانقين ومندلي وإن كان بعضهم يصر على أن تكون مدينة (بدره أو جصان ) هي العاصمة كون هواءها عليل وتمرها رائع وقسما منهم يرى أن علي الغربي هي الأفضل فهي الأقرب لمنابع النفط . وقد أصر النصيرية علي أن تكون عانه عاصمة لهم واشترطوا إعادة أعمار نواعيرها وإجبار أهل راوه بالانضمام إلى ملكهم . وراح المندائيون يطالبون ببابل كعاصمة لملكهم وحق لهم . فقد كانت عاصمة أجدادهم . وقامت ضجة بين عشائر الفرطوس وبني مالج ( بني مالك ) بعد أن بدأ الماء يشق طريقه وسط الأهوار وسرى لهيب تلك الضجة بين البهادله والسودانيين والبو محمد مما دفع جنانه ( كنانه ) أن تتدخل وتطالب في حدود ملكهم الجديد وراحت عشائر شمر تصر على أن يكون النشيد الوطني من وحي البادية بعد أن أصبح التاج لها ولا يزال الصراع قائم بين العزة والعبيد حول مدينة سراجق ودلي عباس أما (السادة) فخمس جدهم مضمون وكما يقول المثل العراقي (ميهم بالصدر ) فالنجف مضمونة وكربلاء في الجيب ولكنهم يصرون على أن تكون مدينة (خلف السدة )عاصمة لهم فراحوا يطلقون عليها الألقاب حتى قبل أن تثبت ملكيتها بشكل رسمي فدوائر التسجيل العقاري لا تستوعب هذا الكم الهائل من المعاملات . فبعد أن كرم المرحوم عبد الكريم قاسم ذلك الحي من بغداد وبناه وجعله (مدينة الثورة ) بعد أن كانت بيوت بائسة وسط المستنقعات الآسنة عشنا فيها في أيام "المرحوم" نوري السعيد وأظنها ( وإن بعض الظن إثما ) تدعى الآن بمدينة الصدر ويبالغ البعض بتسميتها "المدينة المنورة" أحيانا .رحم الله أيام زمان !. لقد وصل ببعظهم الأمر أن يطالب لنادي الزوراء الرياضي بأراضي في الكرخ تمتد من الجعيفر إلى الرحمانية ولنادي القوة الجوية بملعب الكمشافة والنادي الأولمبي وقسما من الأعظمية وحتى أن (الجالغي البغدادي ) لا يزال معتصما في الصالحية كونها إرثا له بعد أن تقاسم الجميع المقرات والنوادي ولم تحصل رابطة المرأة المسكينة إلا على دار الأزياء العراقية وجزء صغير من شارع فلسطين !. ويعذرني من لم أذكر دولته .

اثرموا وقطعوا العراق كما تشاءون ولكن من سيجمع هذا العراق ليكون وطننا للجميع ؟ والسفير (نيكروبونتي والحكومة " الحوك ") يمسك سكينته جالسا على قلب بغداد الأخضر . عقدته وحدة العراق فراح " يوزع الحرية للشعوب" بالعدل ( تريد أرنب أخذ أرنب تريد غزال أخذ أرنب ).

لا أعرف ماذا سيفعل كوفي عنان لو أن الجميع طالبوا في مقاعد لهم في الأمم المتحدة . لا بل أنظر ماذا سيحل به لو أن القوميات التي في الصين تحذو حذو العراق الدمقراطي ( ويقال أن عدد الكبيرة منها أربعة آلاف ) وتحذوا حذوها الهند وغيرها . وسيكون لكل دولة جديدة حدود وجيوش . وتصور انك إذا أردت السفر من البصرة إلى دهوك عليك أن تحصل على عشرين ( فيزه ) وتخلص أوراق الباسبورت قبل أن تعود إلى البصرة .؟!

نشرت في وجهة نظر
الخميس, 18 نيسان/أبريل 2013 09:45

لماذا العلمانيه‏

ان دخول الدين الى معترك السياسه سوف يلوثه بالمصالح الدنيويه وذلك لاختلاف المصالح وخضوعها الى طبقات المجتمع المختلفه وان رجال الدين حالهم حال بقيه البشر لهم مشاعرهم وحاجاتهم وشهواتهم ومصالحهم الماليه والتجاريه...كما انهم ليسوا بانبياء ليقودوا المجتمع, انهم يمثلون فئات متعدده ومتناقضه و التي تقترب من هذه الطبقه او تلك بسبب النفوذ وحجم الملكيه الخاصه والجشع والتي عندها يتوقف ويتذبذب فعله على الواقع من خلال المنافع والمصالح المختلفه ,لذا فان المصالح الشخصيه هي التي تكون  العامل الاساسي في العلاقات السياسيه والاجتماعيه ,والدليل على ذلك هو صراع المذاهب والذي يدعي كل منهم بانه يمثل وجه الدين الحقيقي وهو ليس اكثر من نفاق وصراع نفوذ لتحقيق غايات فرديه انانيه ,اما من يجادل بان الدين هو دستور وهو المنظم للعلاقات الاجتماعيه والاقتصاديه وهو دين ودنيا حسب قول المتدينين ومااكثرهم فانه لاينطبق على حياتنا و نحن نعيش عصر التكنلوجيا والتطورات العلميه الهائله والذي ادى الى الفرز الطبقي والهيمنه على الموارد الاقتصاديه وتوضيفها بما يخدم هذه الطبقه او تلك,ان رجال الدين لابمثلون طبقه محدده وانما يشملهم صراع الطبقات لذا فهم يفسرون النصوص الدينيه بما يلائم طموحاتهم والطبقه التي ينتمون اليها.

ان رجال الدين في هذه المرحله ليسوا بانبياء ليقودوا المجتمع وان الزمان الذي نزل به الدين كدستور قبل الاف  السنين كان  يمثل ضروره  تخص حاجات الناس وتنظم علاقاتهم وتقف عند مشاكلهم وهمومهم عندما كانت المجتمعات زراعيه ورعويه و التي كانت تتحكم بها القوانين العشائريه والحاجه التي استدعتها الظروف,اما الان فقد اختلفت الكثير من المفاهيم واسس العلاقات العامه والتي يتحكم بها ويؤثر بها العامل الاقتصادي بصوره مباشره ,ان المجتمعات تطورت بشكل كبير ولو اخذنا المراه  ومشاركتها في القوى العامله والمنتجه فاين نضعها وماهو مكانها ؟ وهل نستثنيها من التعليم كما هي مفاهيم بعض من رجال الدين في افغانستان ,ام ناخذ اسلوب رضاعه الكبير طريقه وشرط لمشاركه المراه في العمل؟ واين هي الاخلاق التي يتكلم عنها رجال الدين؟ وهل نشرع قوانين تجيز مفاخذه الرضيعه ونبيح زواج المتعه ونعمل من المجتمع سوق رائج للجنس؟

تحت غطاء الدين ومن المسؤول عن الاطفال من هكذا زواج وكيف يتم انصاف المراه ويحافظ عليها...ان دور الدين ورجال الدين يجب ان يكون دور اخلاقي ويدعو الى المحبه والتعايش السلمي لااكثر وان يتم اخضاعهم لسلطه القانون ويحاسبون جميعا كاي فرد عادي  وحتى اعلى سلطه دينيه ,لايجوز استخدام الدين لاغراض الفساد او الاضطهاد او انتهاك حقوق الانسان في الحريه والعداله , ان الدين لله والوطن للجميع ومن جانب تعدد الاديان والمذاهب ...لاتقدم ولاتطور حضاري والسياسه في يد رجال الدين

 

نشرت في وجهة نظر

لا اريد ان اقول اللهم لا شماته طالما ان الأبرياء هم المتظررين يقال عن الكبير بانهُ حكيم وخصوصاً عندما تعلن العائله الولاء والأحترام لكبره أمريكا بلد كبير وأغنى بلد في العالم مع انهُ يوجد الأغنى منهُ؟؟؟ 

هذا البلد المفروض ان يكونَ جسراً تتواصل عليه الشعوب بمداد من الأحترام والألفه للحفاض على شيئين مهمين 

على هذه الأرض السلام والمصالح المشتركه 

امريكا بدأت تعامل العالم وكأنها الراعي لشعوبه منطلقه من الحريه التي يتمتع بها شعبها هذه الحريه التي اعطى الشعب الأمريكي ما يقابلها من دماء الأحرار والشرفاء هذه الحريه والتي في غفله من الزمن تسيد على كرسيها تجار الحروب ومافيات القتل والترهيب 

ان الذي يريد ان يكونَ بلده آمناً وشعبهُ مطمئناً عليه ان يحافظ على امن وأطمئنان الآخرين المصالح طبيعيه بين الشعوب على شرط ان لا تؤخذَ عنوتاً لأنهُ لا توجد دوله في العالم ومهما تكونَ قوتها وجبروتها هيَ ليست بحاجه للآخرين على ان لا يكونوا كعملاء وصغار مأجورين ولا كدول صغيره تجعلها قواعد تنطلقَ منها لتحطيم أرادة الشعوب 

العقل سيد المنطق هكذا يقال لكنَ هذا لا ينطبق على واقع حال الشعوب الذي تنتظر هذا العقل في الوقت الحاضر أمريكا جعلت كلَ شيىء مرهون بأراده منها للأستمرار وعكسَ ذلك فأن الأساطيل والمقاتلات والصواريخ بكل اشكالها جاهزه لتدمير ذلك البلد على رؤس اهله حيث يدمر وبعدها تأخذ كلفة دماره من ذلكَ البلد 

هؤلاء مدعين الديمقراطيه والذين يسمونَ انفسهم محررين وبعد الدخول يتبجحوا بأنهم محتلين يالسخرية القدر ماذا عملت امريكا التي صنعت الربيع العربي والذي ابتدأتهُ في العراق منذ 2003 ولحد اليوم هل سمع العراقيين بيوم واحد فقط آمن لم يقتل بهِ ابرياء او انفجار عبوه هنا او سياره مفخخه هناك هل اوصل الأمريكان الكهرباء التي دمروها بصواريخهم هل اصلحت البدالات التي قتلوها بطائراتهم اينَ الماء الصالح للشرب اين المدارس اين الأمان هل تم القضاء على البطاله والجوع والخوف وهل وهل وهل؟؟؟ 

ماذا اعطيَ لهذا الشعب خلال هذه الفتره من عمر الزمن للعراقيين غير الرجوع عشرات السنين الى الخلف هل 

انَ سيطره رجال الدين على مقدرات العراق والعراقيين هو الحريه التي انتظرها العراقيين هل ان الفَتوات والتي ما انزل الله بها من سلطان بدأت تشبع العراقيين من الجوع وتجعلهم سعداء مثل الآخرين هل ان البلد الذي سمحت قوات الأحتلال بأن يتبوء الدرجه الأولى في العالم بعدد الأحزاب هل حسبت القوات المحتله ان كثرة الأحزاب معناها كثرة المشاكل حل حسبت امريكا ان النتيجه سوف لن تكون لصالحها ولن تكون لصالح الشعب 

هل حسبت امريكا ان قوى التطرف والتعصب سوف تخترق البلد وتدمر الحضاره ان بقى منها شيىْ لماذا اصبح العراق البلد الأول في الفساد كل ضني انهُ محسوب لأن الهدف هو ليس تحرير شعب بل السيطره على الموارد وأخضاعهُ ذليلاً وهذا ما يحدث الآن 

انا لا أعرف تماماً بماذا فكرت امريكا عندما احتلت العراق وهم الذين يمتلكون اقوى وسائط التجسس والتحسس في العالم هل كانوا مقتنعينَ تماما بأن العراق يمتلك الأسلحه والتي يمكن من خلالها تهديد اسرائيل البنت المدلله 

وهل كانت اسرائيل مقتنعه بأن صدام سيحرر فلسطين هذه الشماعه التي كل الرؤساء العرب يعلقون ملابسهم عليه 

وكلام الليل يمحوه النهار هذا الشعار الذي يوجد تحت وسادة كل الرؤساء العرب لأنهم مضحكه وعملاء صغار لأمريكا ولأسرائيل وحلفائها 

امريكا حطمت آمال كل الشعوب وجعلت هذه الشعوب مهجره ولاجئه ومواردها مسروقه وعملائها اصبحوا من اثرياء العالم بعدما كانوا يركضون وراء ما يسد رمقهم 

العراق تونس ليبيا مصر ام الدنيا والتي يقال عنها اذا شربت من النيل مره فأنك ستعود من يجرأ واصحاب الدشاديش الميني جوب محملين بكل اوساخ الدنيا يجوبونَ طرقاتها واليمن والذي كانَ يسمى سعيداً اصبح كئيباً ويلطم الوجه ليلاً ونهاراً الشعوب التي بدأت تلوم النفس على تفريطها بقياداتها ماذا ينتظر منها وقد زاد جوعها جوعاً ومرضها مرضاً عندما تسمع عن الذي يحدث الآن في امريكا 

البعض يقولها وبملىء الفم اللهمَ لا شماته 

وأنا اقولها اللهم لا شماته لكن ليسَ على حساب الشعوب 

وتبقى ارادة الشعوب هيَ الأقوى 

نشرت في وجهة نظر
الأربعاء, 17 نيسان/أبريل 2013 12:14

من الذاكــرة أيام صعبـة بإتجـاه الوطـن

الحلقة الأولـى

 

هذه فصول من ذكريات لا تنتهي ، كتبت بعد سنوات طويلة من الحدث ، وهي تحمل ذكريات ، ويوميات فيها دفئ التجربة ونبض الحياة ، وحماس وتداعيات تلك الأيام ، وصورا" عن أولئك الأبطال الذين تقدموا في العطاء الأنساني والجود بأقصى غاية الجود . وهذه الذكريات لأبطال حقيقيون عايشوا الصعوبات بساعاتها وأيامها وسنينها ، اولئك الذين حلموا بشمس عراقية في أرض الرافدين ، لا في المهاجر والمنافي البعيدة ، ان تجربة الكفاح المسلح في العراق غنية بالدروس والعبر ، وتتطلب الدراسة والتوثيق وما كتب عنها ليس بكاف ، وعبر المراحل التأريخية التي مرت بها.

ان الكتابة عن هذه التجربة ليس عملا" يسيرا" ، اذ لابد من المسؤولية والموضوعية ، والحكم التأريخي ، حيث سقت دماء الشهداء اديم ارض الوطن ، وتحت التراب أو في المهاجر البعيدة عن الجذر والمشتهى . لقد استشهد عدد من أبطال هذه الذكريات ، عسى ان تذكر هذه الذكريات لهم شيئا" من الجهد والتضحية والعرق والحلم والأمل الذي دفعهم الى السير في تلك الطرق وفي تلك الأحداث. وفي هذه اليوميات ، وللشهداء جميعا" نهدي هذه الذكريات .

في أواسط تشرين الأول / 1982 غادرنا عدن متوجهين الى دمشق ومنها بعد عدة أيام الى مدينة القامشلي الواقعة في الشمال الشرقي لسوريا .استمر بقائنا في هذه المدينة عدة أشهر أنتظارا" لوقت العبور المناسب تجمع شباب من مختلف الأعمار ، المهن ، والأحلام جاءوا من عدة بلدان من العالم، وألتقوا هنا في هذه المدينة . كل يحمل معه حقيبة سفر صغيرة تظم ملابس شتوية وأحذية رياضية تناسب الطرق الجبلية وادوات حلاقة وراديو صغير أحيانا" وصورا" شخصية للأهل والأحبة وهناك من يحمل بعض الأدوية وعلبة خياطة سفرية ، أضافة الى ما يحمله كل واحد من الهموم والأشجان . البعض منا دخل دورات تدريب عسكرية في جمهورية اليمن الديمقراطية أو في المخيمات الفلسطينية في لبنان والبعض الأخر قطع دراسته في اوربا أو ترك عمله أو عائلته ولا يعرف كيفية مسك البندقية ومبادئ القتال الأولية . لهولاء جرت تدريبات بسيطة  لبضعة أيام بضواحي مدينة القامشلي استعدادا" للسفر .

طالت فترة أنتظارنا أكثر من المتوقع بسبب تراكم الثلوج على قمم الجبال وحشود القوات العراقية والجحوش على طرق عبور الأنصار والظروف الأمنية على الحدود السورية التركية واحداث بشت آشان الدموية ، الجميع يعيش في بيت واحد بسيط مكون من عدة غرف وتتوفر فيه الخدمات اليومية ، لا يسمح لأي شخص  بالخروج والأختلاط مع آخرين الا بموافقة خاصة ، تسليتنا الوحيدة في هذا الدار الواقع على أطراف المدينة لا تتعدى عن اداء الخدمات اليومية ومتابعة المسلسلات العربية في التلفزيون العربي السوري ولعب الورق وقراءة الصحف على قلتها ، انصار يغادرون وآخرين قادمون من ارض الوطن يتحدثون لنا عن تجربتهم وبطولاتهم .

 

في بداية شهر آب / 1983 وقبل بضعة ايام من السفر وزعت الأسلحة على مجموعتنا ، علمنا عندئذ ان موعد تحركنا نحو الوطن قد أصبح قريب مما زاد من فرحنا ، الكل مشغول بالتهيئة  للرحلة الطويلة ، أختيار الملابس الكردية المناسبة ، تفكيك السلاح وتنظيفه بالزيت وملء مخازن العتاد ، ربط النطاق والعتاد على خصر النصير ، كيفية لبس البشتين على البطن .... الخ . ثم أخذنا نحسب الساعات بأتجاه ساعة الصفر لبدء الرحلة  .

 

في يوم الثاني عشر من شهر / آب / 1983 وفي ليلة حالكة الظلام ذات رؤية لا تتجاوزعدة امتار وبغياب القمر وهو الوقت الملائم لعبور الأنصار بأتجاه قرية المالكية السورية الحدودية مع تركيا متجهين نحو الوطن يرافقنا الدليل التركي المعروف من قبل الأنصارالشهيد ( صوفي ) (2)  وأحد رفاقه الأتراك . تحركت مفرزتنا المكونة من الأنصار خيري ، عايد ، ياسين ، أبو مازن ، ابو هلال ، كفاح ، ابو سوزان والنصيرة الوحيدة أم سوزان ورفيق آخر لا اتذكر اسمه .

توجيهات مشددة وتعليمات كثيرة ، المسيرة شاقة جدا" ، الطريق يستغرق على الأقل أسبوعين سيرا" على الأقدام وسط طرق جبلية وعرة ، لا يسمح بحمل أكثر من  كيلوغرامين من معلبات السمك واللحوم ورغيفين من الخبز والحاجات الشخصية البسيطة في حقيبة الظهر المصنوعة من القماش أضافة الى السلاح الشخصي المكون من بندقية كلاشنكوف وخمسة مخازن عتاد وقنبلتين يدوية وترك كل شئ غير مهم. كانت التوجيهات تشدد علينا السير بنسق واحد وخطوات مدروسة ، نزع الساعات اليدوية والخواتم الذهبية ، رفع بطاريات الراديو أن وجدت ، عدم التحدث مع أي نصير إلا في الحالات القصوى ، عدم التدخين ، وكل نصير يتبع النصير امامه ويعتبره دليلا" له ، اتباع تعليمات الدليل صوفي بحزم .

طريق مسير الأنصار بأتجاه الوطن يمر داخل الأراضي التركية وبين أبراج المراقبة الحدودية التركية والموزعة على طول الشريط الحدودي والتي لا يبعد أحدها عن الآخر سوى 200 متر في الغالب ، وهي أخطر مناطق العبور التي تواجه الأنصار ، وأتذكر هنا أن وفدا" صحفيا" من أحدى الصحف اليسارية الفرنسية جاء الى القامشلي يود التوجه الى العراق ،وقد حمل افراد الوفد على ظهورهم أجهزة تصوير ومعدات صحفية كبيرة لتغطية نشاط حركة الأنصار في الوطن ، دعيت من قبل الرفيق ابو محمود لتناول طعام العشاء معهم والاطلاع على طريقة عبور الحدود الخطرة وعند سماعهم الحديث بأن عملية عبور الحدود سيتم من بين ابراج المراقبة التركية علموا بخطورة الأمر  فتخلوا عن المهمة التي جاءوا من اجلها .

بدأت حركتنا من قرية المالكية بنسق جيد دون حدوث أي طارئ وألتزم الجميع بالتعليمات ، وفي الخطوات الأولى لتحركنا أنهال علينا الرصاص فجأة من ابراج المراقبة على خط سير المفرزة ، الرصاص يئز فوق الرؤوس كأنه معزوفة خرافية شيطانية وبعدها سلطت الأضواء الكاشفة ، أتخذ الجميع موضع الأنبطاح أرضا"وسط الأدغال ، وألتزم الجميع الهدوء التام وسط الرصاص الذي يمر فوق رؤوسنا وعلى بعد أقدام منا ، في تلك اللحظات تذكرت باني قرأت مرة رواية تقول "ان الرجل الحقيقي لا يخاف الطلقة التي يسمع صوتها حتى تصيبه" . واصلنا الهدوء والزحف على الأرض الرصاص الكثيف لا زال مستمر من ابراج المراقبة ، أنتظرنا عدة دقائق ونحن على هذا الحال ، لم تصل أي تعزيزات عسكرية ، ومن تجربة الأنصار في العبور لا يبدوا أننا وقعنا في كمين لرجال الحدود الأتراك حيث عادة ما يقوم الجندرمة الأتراك بأطلاق النار على أي مصدر لصوت يسمع وبشكل عشوائي لأنعدام الرؤية بسبب الظلام وتأدية للواجب العسكري المكلفين به دون ان يكون هناك هدف معين أو تحديد لمكان عبور مفارز الأنصار التي عادة ما تعبر الحدود في فترة غياب القمر وأشتداد الظلام ، وسبق وان أستشهد العديد من الأنصار وجرح آخرين بعد وقوعهم في كمائن لرجال الحدود الأتراك عند محاولاتهم دخول الأراضي التركية، كما ان  مفارز أخرى عادت الى داخل الأراضي السورية مع عدد من الجرحى لنفس السبب .

أصاب الجميع الأرتباك ولا نعرف ماهي الخطوة التالية  فهي التجربة الأولى للمفرزة  !! ننتظر التعليمات من الدليل صوفي .....بعد دقائق خفت حدة النيران ، الدليل التركي صوفي يطلب مواصلة السير السريع والأبتعاد عن المنطقة  تفاديا" لتحديد موقعنا ، الجميع يندفع نحو الأمام في نسق واحد وليس أمامه غير شبح رفيقه في المقدمة ، وكل واحد منا يسأل نفسه هل تجاوزنا مرحلة الخطر أم لا ، عشرات الأسئلة تدور في البال وتحتاج الى جواب ووسط هذا الأرتباك الذي ازدحم بالتفكير والظلام ، دخلت قدمي اليمنى بين صخرتين كبيرتين لم أتمكن من رؤيتهما عن بعد بسبب شدة الظلام وأصبحت مشلول الحركة كليا" ولم أستطع من تحرير قدمي رغم المحاولات العديدة ، الموقف حرج للغاية ، رشقات من رصاص الأسلحة الرشاشة لا زالت تمر فوق رؤوسنا وعلى خط سير المفرزة بين فترة وأخرى . 

يا له من حظ تعيس ونحن في بداية الطريق ، ما العمل الأن ! حاولت بطرق عديدة تحرير قدمي دون جدوى ، لا زالت رشقات الرصاص وأزيزها تمر فوق رؤوسنا ، حملّت نفسي ما حدث ؟ كان عليّ الأنتباه الى هاتين الصخرتين الكبيرتين ؟ كيف دخلت قدمي بهذه السهولة ولا استطيع أخراجها الأن ؟  زوجتي النصيرة أم سوزان  بجانبي تساعدني وفي عيونها الحيرة والأرتباك وهي تحاول عمل شئ ما ونحن في هذا المكان الخطر ، ابتعد عنا بعض رفاق المفرزة ، ووصل الخبر الى الدليل صوفي وتوجه ألينا . 

ـ  ما الذي يحدث هنا ؟ هيا اسرعوا قليلا" .

ـ  رفيق صوفي لا أستطيع الحركة ... أحتاج الى المساعدة ، يا لسوء الحظ هذه الليلة ، عاد صوفي الى الأمام وهو ينظر أليّ محتارا" وطلب من مساعده قيادة المفرزة نيابة عنه ومواصلة السير وعاد ثانية بأتجاهي وسأل :

ـ  ماذا حدث يا رفيق أبو سوزان ؟  

ـ  لقد علقت قدمي بين الصخرتين ولا أستطيع تحريرها !

ـ  بسرعة يا رفاق ليس أمامنا من خيـار أتركـوا أبو سـوزان في مكانه وسوف نعود أليه حالما يتوقف أطلاق النار ونطمئن للوضع ... لا أستطيع التضحية بالمفرزة من أجـل نصير واحد فقط ، لنواصل السير اننا في موقع خطر وعلينا تجاوز التلال التي تشاهدونها أمامنا في أقل من ساعتين حتى نصل الى نقطة أستراحتنا الأولى ، رفضت النصيرة أم سوزان والنصير عايـد مواصة السير مصّين على تقديم المساعدة جهد الأمكان. 

 ـ  رفيق صوفي لا نستطيع تركه هنا وبهذا الحال ربما يقتل لنحاول مساعدته . 

 ـ  حسنا" حاولا ما أستطعتم ولكن بصمت وأنتم ملاصقين للأرض ، لا ترفعوا رؤوسكم عاليا" سننتظركم عن بعد وسوف نوفر لكم الحماية  كونوا حذرين .

ـ   نعم يا رفيق صوفي سنحاول .... ولكن أنتظرونا عن قرب .. ربما نفقد أثركم لا تبتعدوا عنا كثيرا" . 

وبخطة ذكية وهدوء وبعد عدة محاولات أستطاعت يد النصير عايـد وسط العتمة أن تفتح قيطان الحذاء الجبلي وأخراج قدمي منه ومن ثم أخراج الحذاء من بين الصخرتين لأعاود لبسه من جديد وبسرعة ...  وبدت على وجه الرفيق عايـد علامات الأرتياح والرضا وهو يقول :

ـ  الحمد لله نجحت الفكرة لنحاول اللحاق ببقية المفرزة ... وثم بادر بقوله أنها البداية يا رفيق أبو سوزان وأمامنا الكثير من المتاعب في الطريق فعلينا الصبر والتحمل .

ـ  شكرا" رفيق عايد على المساعدة بالفعل أنها البداية وأمامنا الكثير وعلينا التحمل ، هيا بنا نسرع فعلينا الأن الألتحاق برفاق المفرزة بأسرع وقت . كان عائد أصغر نصير في المفرزة ، لم يتجاوز التاسعة عشر من عمره ، رياضي وأكثر نشاطا" وحركة من أي نصير آخر في المفرزة وخاصة نحن الذين تجاوزنا الثلاثين من العمر لطيف المعشر ، مرح ، هادئ لدرجة كبيرة ، ذو أخلاق عالية . عارضت عائلته في البداية ألتحاقه بفصائل الأنصار لصغر سنه وقلة تجربته الحياتية وأعدام أثنين من أخوته من قبل النظام الدكتاتوري وفضلت أن يكمل دراسته بعد ان حصل على زمالة دراسية في أحدى الدول الأشتراكية، ولكنه أصر أصرار الرجال على مواصلة الرحلة الشاقة وخوض التجربة الجديدة مع رفاقه وأنتقاما" لأخوته الشهداء . 

بعد ساعات من السير وفي خط مسير المفرزة وعند خطوط انابيب النفط العراقي عبر تركيا والمحروس بشكل جيد من قبل القوات التركية أغرق المزارعون أراضيهم الزراعية أستعدادا" لزراعتها في الموسم القادم وغرق معها طريق سير الأنصار الوحيد المار وسط هذه المزارع بالمياه واصبح الطريق موحلا" والسير فيه مستحيلا" وهذا لم يكن في الحسبان ، نزعنا أحذيتنا الجبلية وجواريبنا ورفعنا الشراويل الى ما فوق الركبة ، حقيبة الظهر تشدنا الى الخلف وكأنها صخرة اسطورية . بدأنا السير حفاة وسط الأوحال لمسافة تقدر بنصف كيلومتر حاملين أحذيتنا حول رقابنا وسط نباح الكلاب ومشاهدة المزارعين للمفرزة ، وغالبا" ما يكون هؤلاء المزارعين من المتعاونين مع المخابرات التركية وهذا الأمر زاد من قلقنا . تم تجاوز هذه المرحلة بصعوبة وبسلام ، معظم الرفاق أنهكهم التعب ، لكن الحماس والإصرار على مواصلة السير منحهم القوة للتغلب على التعب ، خصوصا" وأن المكان الذي سنجتازه بعد قليل هو الشارع الدولي المرتفع والموازي لأنابيب النفط والذي يعتبر من اخطر الأماكن في مسيرة تلك الليلة بعد دخول الحدود  وعادة ما تسير عليه دوريات الجيش التركي في اوقات منتظمة ، جلسنا على جانب الطريق وسط العتمة نراقب الشارع لفترة طويلة للتأكد من عدم وجود دوريات عسكرية او كمائن في احد زواياه ، الجميع مشغول بتنظيف اقدامه من الوحل ولبس جواريبه وحذائه وهم يصغون بانتباه وترقب في وضع الانبطاح مع حمولتهم والأنفاس تتسارع والعيون مفتوحة في هذا الظلام ، ليس هناك من ضوء سوى الضوء الباهت الذي كان يأتي من الربية البعيدة المشرفة على ذلك الجزء من الشارع الدولي المحاذ لأنابيب النفط .. الكل ينتظر نتيجة الاستطلاع الذي يقوم به صوفي ورفيقه وبدورهم ينتظرون  مرور سيارة الدورية للتأكد من خلو الشارع من الكمائن . لم يمض وقت طويل حتى علا في الأفق ضياء سيارة الدورية التي وقفت لفترة وجيزة ثم واصلت طريقها . حينها تبين بعدها  للمستطلعين أن الطريق أصبحت آمنة .

 جاء الإيعاز من الدليل  للمجموعة ببدء الصعود إلى الشارع والعبور بخفة وهدوء ، في دقائق تم عبورنا الى الجانب الثاني وواصلنا المسيرة ، وعلينا في هذه المرة عبور الجسر الذي يقع على أحد الأنهار التي لا يبعد كثيرا" عنا وعادة ما تكون هناك كمائن للجيش التركي على جانبي هذا الجسر ، بعد اٍستطلاع الجسر لفترة زمنية من كافة الجهات اعطيت الأوامر بعبوره بسرعة واتخاذ مواقع على الضفة الأخرى من النهر ثم واصلنا السير الى الأمام حتى واجهنا عن بعد صوت محرك أحدى السيارات فأخذنا مواقع القتال وكان كل ظننا انها دورية عسكرية للجيش التركي وصلها خبر تواجدنا في المنطقة ولكن عند اقترابها تبين انها تراكتور زراعي يحمل العديد من المزارعين ، خرج لهم الدليل صوفي وتكلم معهم بعيدا" عن مواقعنا وأستطلع منهم عن سلامة الطريق القادمين منه  وان كانت هناك كمائن للجيش التركي في الطريق ام لا .

بعد مسيرة الليل بكامله بطرق وعرة وجبلية ثم الى سهل مفتوح، وصلنا قبل شروق الشمس الى نهر الخابور متأخرين عن الموعد المخطط له بساعتين بسبب المشاكل التي واجهتنا في بداية الطريق وعلينا عبوره على الكلك المصنع محليا" والذي لا يخلوا من الخطورة خاصة وقت ارتفاع مناسيب النهر وسرعة تياره ، لقد تم تأمين مكانا" ملائما" لتهيئة وتركيب الكلك . كان الجميع قد أنهمكوا بنفخ الإطارات بأنفاسهم المتعبة ، ربطت الإطارات إلى بعضها بالحبال بشكل جيد وبسرعة ، أخذ ذلك منا ساعة ونصف من العمل الدؤوب حتى أصبح الكلك جاهزا" لعبور النهر . وكالمعتاد يجب وضع الحمولة على الكلك ويصعد الأنصار تباعا" وعلى وجبات حسب حجم الكلك وتحمله وهم يواصلون الجذف بالأيدي للمساعدة في حركته نحو الطرف الثاني للنهر بأسرع وقت . 

تم عبورنا الى الضفة الأخرى من النهر بسرعة وعلى ثلاث وجبات ، الشمس سبق وأشرقت قبل أكثر من ساعة وهذا يضعنا في موقع خطير جدا" ومكشوف أمام دوريات السمتيات التركية التي عادة ما تجوب المنطقة بعد شروق الشمس .

بعد مسيرة اكثر من ساعة في طرق جبلية معقدة كان في أنتظارنا رفاق الطريق من الأنصار بموقعهم داخل الأراضي التركية ومهمتهم استقبال الأنصار الجدد القادمين من سوريا وقيادة مفارزهم الى مواقع الأنصار المتقدمة والتي تبعد مسيرة عدة أيام أخرى سيرا" على الأقدام .  

هذه هي محطتنا الأولى المسماة محطة ( ابو حربي ) وهي احدى محطات الطريق التابعة للحزب لأسقبال القادمين الجدد وسبق وان تغير أسم المفرزة من مفرزة النقل إلى مفرزة الطريق بسبب تنوع  المهام وأصبح لدى مفرزة الطريق مقر شبه دائم في أحدى ممرات سفح جبل گلي كورتك التركي ، وهو عبارة عن شكفته ( مغارة ) بسيطة لا تسع لأكثر من عشرة افراد . والكثير من الأنصار يتذكرون تلك المحطة الجميلة التي تقع في سفح الجبل وكيف كان يجري استقبالهم وفي بعض الأحيان تجري حفلات ترفيهية بسيطة لهم. وبعد يوم أو يومين من الاستراحة يتم مرافقتهم من بعض رفاق المحطة نفسها وإرسالهم إلى قواعد الأنصار من خلال المرور بموقع كيشان ومقر الفوج الثالث للأنصار ومن ثم قاطع بهدينان والقواطع الأخرى .

لا يمكن تصور فرحتنا ونحن نلتقي بمن يستطيع أن يتكلم معنا من الرفاق ويجيب على أسئلتنا . سمعنا صوت الرفاق أبو وسن وتبعه صوت أبو أفكار وأبو آذار ، بعدها شاهدنا أبو هدى ورفاق آخرين . لا يمكن وصف مشاعرنا في تلك اللحظات الرائعة ونحن نرى هؤلاء الأبطال وهم يعيشون في هذه المحطة الجبلية النائية وخطورتها لأشهر طويلة ، وبسرعة تمت تهيئة بطانيات للجلوس وعملوا الشاي ، ووضعوا أمامنا خبزاً وشوربة عدس وهو طعام الأنصار المفضل والمتوفر في مثل هذه المواقع ... صحيح كنا نشعر بعطش وجوع وتعب ، لكن وجود أشخاص يمكن التفاهم معهم شيء كبير بالنسبة لنا في مثل تلك الظروف . وعرفنا فيما بعد أن المجموعة الموجودة في تلك المحطة تسكن في خيمة نصبت في مكان مموه بشكل جيد .

 بعد كل هذا الجهد والأنهاك  لليلة الماضية وتناول الخبز والشوربة والشاي صباحا" كان بأنتظارنا اللحم المشوي لبزن ( 3 ) صغير لوجبة الغذاء أعده الأنصار في هذا الموقع الجبلي المعزول والخالي من اي حياة ولا تسكنه غير الحيوانات المتوحشة ، سحب احد الأنصار في الموقع مديته من حزامه وبدأ يدلكها بلحاء شجرة الجوز وبصخرة قريبة منها ، ساعده آخرين على نحره وعلق على غصن شجرة بجانب عين الماء ، وبسبب الجوع تم تقطيعه بسرعة وتوزيعه على الرفاق لكل واحد كمية من اللحم يشويها بطريقته الخاصة . تحركت مجموعة من الرفاق لجمع الحطب وإشعال النار استعدادا" لشوي اللحم ، لا يوجد حل آخر سوى الشواء على طريقة البيشمرگة (7) ، لا وجود لاساليب التحضر في وسط الجبال  ، تعلمنا كيف نستعمل قطع أغصان الأشجار الغضة وإزالة الأوراق منها لجعلها بمثابة شيش طويل لغرز اللحم ، كانت وجبة دسمة أمدتنا  بكثير من الراحة والطاقة تبعها عدة أقداح من الشاي الزنكين وتمددت اجساد عدد من الرفاق على الارض بعد تعب عملية الاكل ودسامة الغذاء وثقل الهضم. 

 في هذا الموقع كهوف عديدة منتشرة على جوانب الجبال اضافة الى العديد من الكبرات المصنوعة من سيقان واغصان الاشجار وهي اماكن نوم واستراحة الأنصار وهم في طريقهم لمواقع الأنصار في العمق العراقي .. وبعد ذلك جاء أحد رفاق الموقع  ليقول ....

 

ـ  رفاق امامكم مسيرة طويلة وشاقة وسط طبيعة قاسية وقلة في المياه عليكم أخذ قسطا" كبيرا" من النوم والراحة والتزود بالأكل والماء من الأن وستغادرون في الرابعة عصر يوم غد لتواصلوا المسيرة طول الليل وعلى ضوء القمر . قضينا طوال اليوم نقوم بالواجبات الأنصارية ، النزول الى النهر وجمع المياه ، تحضير الخبز وخبزه بالتنور لليوم الثاني ، تنظيف السلاح وتزيته ، تنظيم الحراسات اليومية والليلية ، التأكد ان كل شئ على ما يرام للمشوار القادم . ويعد العشاء دخلنا في نوم عميق حتى صباح اليوم التالي لنواصل رحلتنا الصعبة نحو الوطن .

يتبع في الحلقة الثانية

نشرت في وجهة نظر

عربي فرحان جوال الخميسي، سجل حافل من النضالات والنشاطات السياسية. وذاكرة حيوية من المعلومات، والاسماء. الحديث معه يقود عبر مسارات عديدة، كان من خلالها معاصرا لعدد من الاسماء، وشاهدا على احداث وصفحات بارزة في تاريخ شعبنا العراقي. ولد عام 1927، في ارياف قضاء قلعة صالح، محافظة العمارة لعائلة فقيرة، وكان ابوه يمتهن حرفة الحدادة والنجارة. درس في الكلية العسكرية العراقية أعوام 1946 - 1949، ثم انهى مدرسة المشاة البريطانية سنة 1954، وكلية الاركان العراقية سنة 1959، والجامعة المستنصرية - كلية القانون والسياسة سنة 1976. بعد تخرجه من الكلية العسكرية العراقية، برتبة ملازم عمل في وحدات الجيش المختلفة في صنف المشاة، خاصة في المنطقة الجنوبية من العراق (الفرقة الاولى) تحت امرة عدد من قادة الجيش العراقي انذاك منهم، العقيد الركن وفيق عارف والمقدم الركن عبد الوهاب الشواف والمقدم ابراهيم حسين الجبوري وغيرهم. وعمل معلما (امر فصيل) في مدرسة الصنائع العسكرية في بغداد سنة 1952 حتى منتصف سنة 1954. ثم معلما اقدم لدورات الضباط بمدرسة الاسلحة الخفيفة في معسكر الوشاش بغداد سنة 1955، وصار مفتش تدريب الجيش في مديرية التدريب العسكري بوزارة الدفاع. وبعد تخرجه من كلية الاركان عمل ضابط ركن الحركات الثالث لمقر لواء المشاة الخامس عشر والاستخبارات لموقع البصرة العسكري سنة 1958 – 1959.

 لنبدأ مع قراء "طريق الشعب " من ملابسات اعتقالك عدة مرات وفي عهود مختلفة؟

 ـ في 4/7/1959 احلت على التقاعد لأسباب سياسية، وفي 31/12/1959 القي علي القبض وفي اليوم التالي صدر الحكم بالحبس لمدة سنة ونصف من قبل المجلس العرفي العسكري الاول والارسال الى سجن العماره ومن ثم سجن نقرة السلمان، اطلق سراحي من سجن نقرة السلمان بعد قضاء مدة الحكم كاملة. بعد ذلك عملت مديرا لادارة شركة المقاولات والحفريات (قطاع خاص) في الفترة 1961-1963 في ناحية التحرير (آل بدير) قضاء عفك – الديوانيه. بعد انقلاب 8 شباط الاسود 1963 وفشل المقاومة في محلة الشواكه - الكرخ- بغداد لجأت الى ايران وتم اعتقالي هناك في سجن (باغ مهران). وفي 1/1/1964 تم تسليمي الى السلطات العراقية، وجرى ارسالي الى سجن رقم واحد بلا تحقيق او تهمة وبلا مذكرة توقيف، ثم ارسالي معتقلا الى سجن نقرة السلمان حتى حزيران سنة 1967. حيث في 5/6/1967 جرت محاكمتي امام المحكمة العسكرية بموقع البصرة وصدر الحكم علي بالحبس لمدة سنتين لأسباب سياسية، واطلق سراحي شكليا لاحتساب مدة التوقيف، وارسلت مخفورا الى بغداد حيث اودعت الموقف ثانية بصفة "مُحتجز". وفي 21/6/1967 اطلق سراحي من الاحتجاز، واشتغلت في اعمال حرة وفي مجالات شتى منها مهنة الصياغه.

وهل يمكن ان نتحدث باختصار عن نشاطك السياسي الذي كان سببا في كل هذه الاعتقالات؟

ـ منذ سنة 1942 كنت اطلع عن قرب على الافكار التقدمية من خلال مصاحبتي العناصر السياسية المثقفة من أبناء جيلي واقاربي، ومنهم المناضلون الراحلون سميع جاني وجبار عبود لفته وعبد الله علق وخضير عبود لفته وحميد شلتاغ وزياد يحيى، وكنت حينذاك بمقتبل العمر وشاركت بمظاهرات وانتفاضة الوثبة سنة 1948 ومظاهرات سنة 1952 ومظاهرات سنة 1956، وخلال خدمتي العسكرية وتحديدا من سنة 1949 لغاية 1951، كنت ضمن جماعة العقيد ابراهيم حسين الجبوري (الخال كما كان يكنى) وأتذكر من المجموعة الملازم الاول سعيد كاظم مطر والملازم الاول عباس الدجيلي والرئيس احمد يحيى، وحتى اندلاع ثورة 14 تموز حيث نشطت كثيرا في حماية الثورة ومساندة الكادر الحزبي العامل بالبصرة انذاك اذكر منهم سلطان ملا علي وحميد بخش وحميد الحكيم وجاسم مطير وغيرهم، وقد تحملت مسؤوليات جساماً منها اطلاق سراح سكرتير الحزب الشيوعي الاردني فؤاد نصار مع اربعة من رفاقه الذين كانوا قد لجؤوا الى العراق بعد الثورة والقي القبض عليهم، وكذلك القيت القبض شخصيا على العقيد الركن عبد الغني الراوي وأرسلته مخفورا الى بغداد بأمر القيادة العامة حينذاك (الزعيم عبد الكريم قاسم) وهناك الكثير الكثير من الاعمال والنشاطات التي قمت بها لصالح الحزب الشيوعي العراقي المجيد.

باعتبارك من ضباط الجيش العراقي الذي كان له الدور الأساس في قيام ونجاح ثورة 14 تموز 1958، كيف تنظرون الى ذلك الدور من موقعكم أنذاك؟

ـ لا شك ان الجيش العراقي، وهو المنفذ الفعلي لثورة 14 تموز 1958 كونه القوة المسلحة النظامية التي تمتلك وسيلة الفرض التي نجحت في تغيير نظام الحكم من نظام ملكي وحكم عميل الى نظام جمهوري متحرر، الا اني اعتقد ان من اسباب نجاح الثورة هي وجود عدد من القادة الضباط الاكفاء الوطنيين على رأس وحداتهم العسكرية ممن يتمتعون بقدر مناسب من الاحساس السياسي الوطني والتقدمي منضوين تحت منظمة وطنية سرية هي منظمة الضباط الاحرار، ومؤمنين بعدالة قضيتهم التي هي قضية الشعب العراقي كله، وطالما خاضت جماهير هذا الشعب انتفاضات متعددة ومواجهات دامية مع قوات الشرطه المواليه للسلطة على مرآى ومسمع من هؤلاء الضباط الوطنيين من اجل اهداف مشروعة في الحياة الحرة وضمان كرامة الانسان. ومما أود ذكره ان جماهير الشعب العراقي وبكل انتماءاته وعلى مدى سنوات طويلة قامت بسلسلة من الانتفاضات واعطت التضحيات الغالية وقد تمكنت من خلالها فرض سيطرتها على الشارع العراقي وشلت معظم مرافق الدولة، الا انها عجزت عن تسلم مقاليد الحكم وخلع الحكام مما اعطت الفرصة للحكام العودة ثانية لمراكزهم والتنكيل بقادة الانتفاضات وبشدة، وكان على الطلائع السياسية ان تسلك سلوكا مغايرا بالاستفادة من تلك التجارب والعبر وهذا ما حدث يوم الرابع عشر من تموز، حينما تولى الجيش تنفيذ المهمة واستلام الحكم قهرا وباقل الخسائر.

وما هي باعتقادكم الاسباب الميدانية لنجاح ثورة الرابع عشر من تموز؟

ـ في البدء لابد من التنويه بان ثورة 14 تموز لم تكن بنت يومها ولم تكن حدثا آنيا طارئاً بل هي نتيجة كم هائل من التراكمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الموضوعية، ومن عوامل الفقر والحاجة والعوز والمعاناة لفئات كبيرة من الطبقتين الوسطى والفقيرة، وتراكم الفساد الاداري والمالي المستشريين بدوائر ومؤسسات الدولة، هذه كانت جميعها سببا مباشرا لتحولات نوعية ضمن ظروف الثورة ومسارها التاريخي حيث حدثت وكان لابد ان تحدث. وباعتقادي ان نجاح ثورة 14 تموز ميدانيا يعود الى خطة العمل للسيطرة على بغداد العاصمة وعصب الحياة للدولة انذاك، واهم ما احتوته واتصفت به الخطة كان:

 

ـ دقتها وبساطتها من حيث الأهداف والواجبات وتخصيص القطعات لكل هدف والدلالة اليها.

 

ـ اعطاء قيادة الوحدات للضباط من ذوي الكفاءات والمنتمين للتنظيم وابعاد المشكوك في ولائهم باية وسيلة ممكنة.

 

ـ اشراك الجماهير الشعبية لإسناد الثورة عن طريق اطلاع احزاب الاتحاد الوطني عليها وقبل مدة من موعد التنفيذ.

 

ـ تعاون بعض الضباط في موقع الوحدات العسكرية خارج بغداد للسيطرة على القطعات والامرين المعادين ومنع تحركاتهم.

ـ تعاون معاون امر فوج الحرس الملكي المقدم طه البامرني مع الثوار ليلة التنفيذ عندما رفض تحريك القطعات.

ـ بُعد نظر قيادة الثورة والطلب مسبقا من بعض الجهات الدولية والحكومات للاعتراف بالجمهورية ومساندتها حال انبثاقها.

عند اندلاع ثورة 14 تموز، ما هو دور الضابط العراقي عربي فرحان؟

ـ صبيحة يوم الثورة كنت أتمتع بإجازة التخرج من كلية الأركان، وكانت اجازتي بدأت قبل خمسة ايام من الثورة، وحال إعلان الثورة، التحقت بمقر لواء المشاة العشرين لآمره العقيد عبد اللطيف الدراجي الذي اتخذ من مبنى الثكنة الشمالية مقرا له. وفي يوم 17/7/1958 صدر أمر تعييني بمقر موقع البصرة العسكري وقد باشرت بوظيفتي في 18 تموز 1958.

وكيف انتهى بك المطاف مقيما في نيوزيلانده؟

ـ في سنة 1971 صدر امر تعييني بمنصب مدير اعاشة وفنادق مديرية سكك الحديد الجمهورية العراقية العامة ضمن اعادة المفصولين السياسيين، ومن ثم جرى ابعادي الى محطة الصينية- الصحراوية في الشمال الشرقي من تكريت. وفي سنة 1976 صدر امر احالتي على التقاعد. بعد ذلك زاولت مهنة المحاماة ومارستها امام مختلف المحاكم وبكافة درجاتها من سنة 1976 حتى سنة 1996. في نهاية سنة 1996 هاجرت الى نيوزيلانده بطريقة ما حيث كنت في حينها ممنوعا من السفر.

ما هي بتقديرك أهم العبر التي تراها من العلامات الفارقة لثورة الرابع عشر من تموز في ذكراها الخمسينية؟

ـ اعتقد ان اهم ما خرجت به هذه الثورة هو تلاحم الجيش والشعب في تفجيرها ونجاحها واستمرارها حتى يوم انقلاب 8 شباط الاسود، وارى من وجهة نظري الشخصية ان الثورة ما كان يقدر لها النجاح الا بمؤازرة الجماهير الشعبية لها عن وعي وإدراك عن طريق الوحدة السياسية لمجموع ابناء الشعب العراقي المتمثل بجبهة الاتحاد الوطني للاحزاب السياسية، والثورة لم تكن لتسقط الا بعد ان تخلت تلك القوى عن المشاركة الفعلية فيها وهذا ما خططت له الامبريالية العالمية وحلفاؤها في المنطقة.

نشرت في وجهة نظر

برع صابئة العراق في صناعة مصوغات المعادن الثمينة كالذهب والفضة وتوارثوها أبا عن جد، فكانت أعمالهم كلوحات مشاهير الفنانين يقتفى أثرها، لكن الغزو الأميركي للعراق وتردي الوضع الأمني دفع معظمهم للانتقال والرحيل خوفا على حياتهم. 

يقول صائغ الذهب غضبان مناتي السهيري إن أسماء الصاغة الصابئة الذين أجادوا التعامل بمهارة مع الذهب والفضة أمثال زهرون وفرحان الخميسي وحرج مدلول وخالد مال الله تجعلنا نحن الصاغة نقف احتراما للمهارة والخبرة والفن الذي لا يضاهى أبدا في الصياغة واختيار أساليبها ونقشاتها المزركشة. 

ويضيف السهيري الذي ما زال يتعامل مع هذا المعدن الثمين في محله في شارع النهر التجاري أنه لم يسبق أن تعامل صائغ مع الفضة خاصة مثلما تعامل معها المرحوم زهرون الذي أقام ومات وبرع في فنه الذي لا يضاهيه أحد فيه في مدينة العمارة بجنوب العراق، فهو الوحيد الذي كان يجيد نقش المينا في الفضة, مشبها أعماله بلوحات كبار الفنانين.

ويعتقد الصائغ الشاب حسان الذي مازال في طريقه لتعلم المهنة عن جده أن الصابئة شعب صغير وصبور وتعلم من تقلب الأحوال ومن الاضطهاد أن ينزوي على نفسه فاختار التعامل مع أكثر المعادن ندرة عند البشر. 

الصبر والتأمل -يضيف حسان- هما فقط من قاد الصابئة إلى هذه المهنة التي تحولت في ظل الظروف الحالية في العراق إلى مصدر خطر كبير على حياة من تبقى منهم في بغداد حتى الآن.

جذور تاريخية

الدكتور رعد الناشئ صابئي يعمل مدرسا للفنون التشكيلية في معهد الفنون الجميلة ببغداد يستعرض الجذور التاريخية لهذا الشعب الصغير الذي تقدر عدده بـ65 ألف نسمة حسب إحصاء عام 1975 ولم يتبق منهم سوى 12 ألفا في جميع أنحاء العراق حاليا حيث هاجر معظمهم إلى أوروبا. 

يقول الناشئ إن الصابئة شعب هاجر من أورشليم سنة 70 ميلادية بعد أن تعرض للاضطهاد هناك، فعاد إلى موطنه الأصلي الذي كان غادره قبل ذلك وهو وادي الرافدين. 

ويوضح الناشئ الذي يملك دائرة معارف متكاملة عن أبناء شعبه الصغير وهو يتحدث عن العلاقة بين الذهب والصابئة وعن تسمية الصابئة في الأصول التاريخية إن هذه التسمية جاءت من الفعل الآرامي القديم سبا أو صبا ويعني الغاطس في الماء أو الذي يرتمي في الماء, وهي تسمية تفسر العلاقة بين الصابئة والماء. 

ويلفت إلى أن الصابئة لا تعرف مهنة أكثر قدما من التعامل مع الذهب, حتى إن تسمية المندائية المرتبطة بالصابئة المندائيين تدل هي الأخرى على النقاء والصفاء الذي هو من الصفات التي يتصف بها الذهب، فالمندائية تعني فيما تعنيه أيضا العالم والعارف بدين الحق. 

نزوح مزدوج

وتتسم حياة الصابئة بالترحال فنحو 44 عائلة كانت تسكن مدينة السليمانية وكذلك العوائل الـ12 التي هاجرت إلى أربيل هربا من المعاناة والقتل والسلب بسبب تعاملها مع الذهب, اختارت مهنة الأجداد فبرعت في أسواق منطقة كردستان العراق. 

وعن رغبة النزوح الدائم يقول مازن عبد الله إن الصابئة بحكم تخصصهم بصناعة الذهب وحملهم خزينتهم أينما ذهبوا، فهم هدف دائم للصوص وقطاع الطرق الذين نشطوا مع الانفلات الأمني في العراق وفي بغداد بشكل خاص، فكان أن قتل واختطف واختفى وسرق العديد من الصاغة الصابئة ما اضطرهم إلى الهرب إلى الدول المجاورة كسوريا والأردن أو إلى أوروبا, فيما اختار آخرون شمال العراق مكانا لإقامتهم الجديدة وربما الدائمة.

غير أن الشيخ طاعن مداح (72 عاما) اعتبر أن لا وطن للصابئة سوى العراق، فهو البلد الوحيد الذي يشقه نهران عظيمان هما دجلة والفرات وتتوزع فوق أرضه الأهوار، مشيرا إلى ارتباط الصابئي بالماء في حالات التعميد الثلاث، وهي تعميد الطفل بعد الولادة وطلب المغفرة من الله وطقوس العبادة. 

 

نشرت في وجهة نظر
الثلاثاء, 16 نيسان/أبريل 2013 00:36

مابين الأجداد والأحفاد

 عندما استكملت بريطانيا احتلال العراق بين عامي 1914_1918 أعلنت على لسان الجنرال مود أنها جاءت محررة لا فاتحة, وكان العراق في تلك الفترة يعاني من مظاهر التخلف في مختلف مناحي الحياة, حتى أن الانكليز أنفسهم قد فوجئوا أن بغداد التي هي عاصمة الخلافة الاسلامية وصاحبة التاريخ العريق بمثابة قرية كبيرة (كما وصفوها)هم أنفسهم, والسبب كما هو معروف أن الاحتلال العثماني لم يقدم شيئا للشعب العراقي, بل كان همه جمع الضرائب وتجنيد العراقيين للخدمة في الجيش العثماني, وأدى ذلك الى حدوث شرخ كبير في العلاقة مابين الشعب والسلطات الحاكمة آنذاك, وعلى هذا الاساس استبشر العراقيون بما هو جديد !!!!

ولم يواجه الانكليز مقاومة عند دخولهم العراق إلا من الجيش العثماني, وبعد انكسار الجيش العثماني في معركة سلمان باك, انفتحت الأبواب أمام الانكليزلدخول بغداد في 11_3_1917, ولم يكن في بغداد شوارعاً غير شارع الرشيد والذي كان يسمى ( جادة خليل باشا)نسبة الى اسم الوالي آنذاك, فاستعرض الانكليز جيشهم في الشارع المذكور.

وبعد مرور ثلاث سنوات على الوجود البريطاني, لم يلاحظ العراقيون أي تغيير على أوضاعهم, فبدأت بذور التذمر والتمرد ضد الانكليز, وكانت الثورة تنتظر الشرارة الاولى ضد الاحتلال, وكان اعتقال الشيخ شعلان أبو الجون في الرميثة بمثابة هذه الشرارة, فقد قام عدد من أبناء عشيرته بالدخول الى مخفر الرميثة وقتلوا عدداً من الحرس وأطلقوا سراح الشيخ شعلان, وعمت الثورة منطقة الفرات الأوسط بعد حزيران 1920.

وفي خان ضاري كان المشهد الاخر من الثورة, حيث حدثت مشادة بين المرحوم الشيخ ضاري والضابط الانكليزي (لجمن) حيث قام الشيخ ضاري بقتل الضابط الانكليزي المذكور, وامتدت الثورة الى غرب وشمال العراق.

في تلك الفترة انتشرت المقاومة المسلحة كالنار في الهشيم الى كل أرجاء العراق, وحملت الهوية العراقية بكل معنى الكلمة, إذ لم تجير تلك الثورة الى طائفة أو فئة سياسية, بل كانت ثورة وطنية طالبت بالحرية للعراق ولبناء دولة عراقية مستقلة.

ولو درسنا ظروف العراق في تلك الفترة لوجدنا أن التخلف والفقر قد كان في أعلى درجاته, ومع ذلك كان الوعي الوطني هو القاسم المشترك الأعظم بين كل العراقيين, وكانت المقاومة من البصرة والرارنجية والرميثة والنجف الأشرف الى الفلوجة والرمادي والموصل وتلعفر, ومع أن تلك الثورة كانت قد أخمدت, إلا أن نتائجها كانت واضحة, حيث تم اختيار الملك فيصل الأول ملكاً للعراق في آب 1921, وبدأ العراقيون يقطفون ثمار ثورتهم, وخلال سنوات قليلة أصبح العراق دولة مستقلة وعضو في عصبة الأمم (عام 1932).

هذا ماقدمه الأجداد لأحفادهم, ولم يرفعوا اي شعار طائفي, ولم نسمع أن العراقيون قتلوا بعضهم بعضاً, ولم نسمع أن رؤوساً قطعت, أو أن جثثاً عراقية طفت في نهر دجلة أو الفرات.

أما اليوم وبلادنا تمر في أسوأ حال في عصرها الحديث, نقول للأحفاد:أين دوركم التاريخي؟؟

ان الأحداث التي تجري الان في العراق ليست تاريخاً إنما حاضراً....وهل يعقل أن تكون مستقبلاً؟

ان عراقنا الذي بناه الأجداد لايحق للأحفاد تفكيكه, لأن التاريخ سيسجل على هذا الجيل مايفعله, اذ أن مكونات الشعب العراقي لم تتغير, ولكن الذي تغير هو الأجندات الاجنبية التي دست أنفها في الشأن العراقي, ومزقت وحدته الوطنية.

انها دعوة مخلصة للنخب السياسية لوضع مصلحة الوطن فوق كل المصالح للحفاظ على وحدة شعبنا لنكون خير خلف لخير سلف.

ولو رجعنا لتاريخ العراق السياسي منذ تأسيس الدولة العراقية, لوجدنا أن كل التنظيمات السياسية والأحزاب والجمعيات قد تأسست على أساس سياسي وطني, حيث لايسمع بالنشاط السياسي للأحزاب والجمعيات الطائفية.

ليس هذا دفاعاً عن العهد الملكي, ولكن الحقائق يجب أن تقال, ومع ذلك, نجد أن التجربة قد نجحت, وإن شابها الكثير من الخروقات التي قامت بها بعض الحكومات آنذاك, مثل حكومة نوري السعيد التي خرقت الدستور في فترات عديدة وعرضت الكثير من الحركات السياسية الوطنية الى المطاردة والاعتقال, وكانت هذه الخروقات أحد أسباب سقوط النظام الملكي في 14 تموز 1958.

ان سياسة التهميش والاستئثار بالسلطة لم تحقق للعراق شيئاً,بل ان المطلوب أن يكون لكل مواطن صوت مهما اختلف مع الاخرين بشرط واحد هو نبذ العنف, وهو الطريق السليم لبناء دولة عراقية حديثة تستفيد, وتفيد كل ابنائها بغض النظر عن الطائفة أو الدين أو الانتماء القومي, ولكل مواطن حقوقه على أن لايتجاوز حقوق الاخرين.

وأخيراً فان على الأحفاد أن يفكروا بشكل سليم بمصلحة ومستقبل العراق, اذ ليس من المعقول أن أجدادنا اتفقوا على بناء دولة العراق في أوائل القرن العشرين, ويقوم الأحفاد في القرن الواحد والعشرين بتهديمها.

نشرت في وجهة نظر
الصفحة 1 من 3