الإثنين, 18 نيسان/أبريل 2016 20:07

عزيز سباهي ..لاوقت للهزل

بين عزيز سباهي وبيني سرّ ما يحدث للمندائيين هذه الايام، ومسرة ما قاله الشريف المرتضى بحق هلال الصابي، شاعر المندائيين البغداديين.
كان ابو سعد، قد علمني صناعة الصبر وصياغة التعبير، يوم ضمتنا وآخرين، لاول مرة، قبل نيف واربعين سنة، حجرة طينية، في سجن نقرة السلمان شيدت من قبل النزلاء واتخذت كدار سرية "للطباعة والنشر" وكان يقول لي وانا استنسخ النشرة اليومية من بين يديه في منتصف الليل ان الصبر وحسن الصياغة يغيضان الخصم، لاسترشد بهذه الوصية الى السبب الذي يجعل من المندائيين عرضة لحملة بربرية ارهابية طائفية، ملاحقة وقتلا وتهجيرا، حيث غرز المندائيون اصولهم ومهاراتهم في تربة العراق في صبر اسطوري لا مثيل له، وانشغلوا بمهنة وفن المصوغات فجرَدوا منها موضوعا يتصل بحب الحياة وانسيابها وجماليات السلم الاهلي القائم على تعددية العبادة والاعتقاد والبشَرة والرأي.
عزيز سباهي طويل القامة، كان، آنذاك، يقول لنا بهمس، نحن في حال لا وقت فيه للهزل.. كان ينحني كثيرا حتى يدس نفسه من ستارة باب الحجرة الناصي الى باحة ضيقة مكتظة بالحاجيات، يجلس، ثم يلصق اذنه في جهاز الترانسيستر لتتوزع يداه بين الجهاز، يضبط مؤشراته على الاذاعات المطلوبة، وبين القلم، يسجل فيه على ورق ابيض مخطط الاخبار والتعليقات، نتلقفها منه لنعيد كتابتها وفق توجيهاته، ثم لا يلبث ان يلاحق، شؤونا تفصيلية لأكثر من الف نزيل تصلح ان تكون مادة للنشر والتعبئة والتوعية والصبر. كان صبره يتبدى في عنايته الحاذقة بالكتابة، إذ عُرف بانه صاحب افضل يراع تخط الحروف والسطور، وقد حاولت مرارا ان اتتبع طريقته في صناعة هذه الاناقة الساحرة غير ان الصبر سرعان ما يخذلني، وكنت اعلل النفس لتأويل هذه المفارقة بالقول:
الصابئة تعلموا من مهنة الصياغة الصبر على البلوى
وليس ثمة مبالغة في القول بان"البلوى" التي يتعرض لها، الآن، مندائيو العراق تختزل في ذاتها مشروع تدمير العراق.. المشروع الذي يتخفى تحت ضجيج شعارات المقاومة والتحرير وحماية المقدسات والاسلام وحقوق المذاهب، فقد عبرت اعمال التنكيل والتضييق ضد المندائيين وعائلاتهم ومصالحهم وحقوقهم الدينية كل حدود السياسة والاخلاق والقيم، وخلقت ترسيما خطرا لمستقبل هذه الطائفة التي احتلت مكانا بارزا في اللوحة التاريخية لسكان وادي الرافدين، الامر الذي عبر عنه الشريف المرتضى وهو يخاطب المندائي البغدادي الشاعر هلال الصابي بالقول:
وانك من اناس ما رأينا لهم إلا الرئاسة والجلالة
وعزيز سبـاهي، ايضا، من اولئك الأناس الذين تغير عليهم الضواري في حاضر العراق العاصف، فلهم مجد الصبر والابداع.. ولأبي سعد العمر المديد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*هذا المقال عن الراحل الحبيب عزيز سباهي كتبته قبل حوالي عقد من السنين بعنوان: المندائي الباسق.

بأحتفال مهيب اقامته الجمعية المندائية في ستوكهولم أحتفاءً بذكرى فقيد العراق المناضل
، الفنان والمؤرخ الوطني الجليل عزيز سباهي وذلك مساء السبت التاسع عشر من
آذار وبحضور نوعي وكمي كبير من منظمات المجتمع المدني العراقية والمندائية حيث
إكتض المكان المخصص للاحتفالية مما تطلب منا تجيهيز مقاعد اضافية على عجل
لتتسع الحضور ، وعند الساعة السابعة مساءً أبتدأ عريف الحفل الاستاذ صلاح جبار عوفي الاحتفالية
مرحباً بالحضور وموضحاً وجود نشاطين الاول الأحتفاء بفقيد الحركة
الوطنية العراقية وفقيد طائفة الصابئة المندائيين والنشاط الاخر
مخصص لتكريم الرعيل الاول من (معلمين ، مدرسين وأساتذة جامعيين ) ممن بلغوا سن الثمانين فأكثر تقديراً من طائفتنا لهذه النخبة اللامعة من ابنائها .
ثم تناوبت عريفة الحفل الثانيه الشاعرة ثناء السام داعية الحضور للوقوف دقيقة حداد على روح
الفقيد وأرواح شهداء الحركة الوطنية العراقية بعدها دُعي الاستاذ فاضل ناهي لألقاء كلمة
الهيئة الادارية للجمعية ، الذي أكد فيها على استمرار نهج الجمعية بأحياء ذكرى الكتاب
الأدباء ، والفنانين والمبدعين العراقيين والمندائيين كما شكر الحضور منظمات وافراد دعم
جمعيتنا ،ثم عرج على فقيد العراق قائلاً انه قامة عراقية قلّ نظيرها بالعطاء والانجاز نذر
سبعين عاماً من حياته للنضال من أجل وطن حرٌ وشعب سعيد ينعم بالعدالة الاجتماعية .
بعدها قُرأت برقية نعي الاستاذ فؤاد معصوم رئيس الجمهورية العراقية ونعي اللجنة
المركزية للحزب الشيوعي العراقي ثم عُرض فلم وثائقي يتحدث عن اهم محطات الراحل عزيز سباهي من أعداد وإخراج الاستاذ
عدي حزام عيّال وانتاج الجمعية المندائية في ستوكهولم ، بعدها دُعيَّ الباحث الاقتصادي
ورئيس تحرير مجلة الثقافة الجديدة وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي
الدكتور صالح ياسر متحدثاً عن مسيرة الفقيد النضالية (( كان ابو سعد إنموذجاً للمناضل
الذي كرس كل طاقاته لخدمة قضايا النضال الوطني والديمقراطي والحزبي ، وتحمله كل ما
يتطلب ذلك من تضحيات وسجون وتعذيب وإختفاء وغربة فقد بلغ مجموع سنوات سجنه
وابعاده سبعة عشر عاماً ، قضى بعضاً منها في سجن (نقرة السلمان ) الرهيب ، كذلك اعتقاله
في شباط 1961 واستمر معتقلاً حتى داهمه انقلاب 8 شباط وهو في السجن ليتعرض بعدها
للتعذيب على ايدي جلاوزة هذا النقلاب وحرسهم اللاقومي المسعور واستمر اعتقاله لاحقاً
لعدة سنوات ليطلق سراحه بعد نكسة حزيران 1967 ، ويعاود نشاطه السياسي والثقافي
طيلة السبعينات ). بعده القيت كلمة منظمة الحزب الشيوعي العراقي ( كفاح محمد الذهبي) بعدها قدم
الدكتور صلاح السام قصيدة بعنوان " يادار أهلي" قال فيها مقدماً ( يبو سعود الوطن يرثيك
عزيز الاهل يسباهي
أرشيف الحزب بو سعود...حزبك بيك متباهي) بعدها كانت كلمة لجمعية زيوا المندائية تحدث
فيها الاستاذ المهندس سلام غريب ، ثم جاء دور الباحث والكاتب الدكتور عقيل الناصري
ليتحدث عن محطات في ذكرى الفقيد في الجزائر ، حيث عملا سوياً
بعدها جاء دور الشخصية التقدمية
المعروفة سعدي جبار مكلف (( المقيم في إستراليا )) خص احتفاليتنا بقصيدة شعبية القاها
الاستاذ صلاح جبار عوفي " ما أرثي عزيز ، الموت يخسه الموت ... منهو الجفنه ومنهو الحمل تابوت " . ( اصول الصابئة المندائيين) .. واحد من مؤلفات الباحث عزيز سباهي ..
وهو من اهم المؤلفات التي صدرت عن المندائية .. قدم الاستاذ فوزي صبار قراءات عن الكتاب .
حينما تتحدث عائلة الفقيدعن عَلمٍ من أعلامها ، اويتحدث الشقيق عن شقيقه ، الذي قاسمه
الفقر والمعانات والاضطهاد والملاحقات ، فبالتأكيد للكلمات طعم أخر ، قدم الاستاذ المهندس
والباحث المعروف عبد الإله سباهي أبو صبحي (الضيف العزيز القادم من الدنمارك هو
وزوجته الكريمة السيدة كوثر الشيخ ) متحدثاً عن محطات من حياة الفقيد ، ومسيرته
النضالية الطويلة التي أمتدت لسبعون عام ، كرستها عائلة سباهي والفقيد لخدمة قضية
الشعب العراقي ، ثم نقلنا لذكريات ووقفات مشرفة للفقيد ، تحدث والعبرات لاتفارقه ، انه
تاريخ ثري للفقيد والعائلة ككل . بعد حديث الذكريات ، جاء دور الاستاذ المهندس يحيى
الشيخ فرج أبو أدم ، ليلقي كلمة أسرة الفقيد ، كلمات من ذهب ، سطّرها ولده زياد وفاءً
لوالده الراحل واصفاً كلام الفقيد قبل أيام من يوم الرحيل . ثم قدمنا قصيدة للأستاذ المهندس
فهيم عيسى السليم فديوية خصها لحفلنا هذا . وأقتربت ساعات الختام حيث ختمها الاستاذ
صلاح جبار عوفي بالكلمات ((هنيئاً لك فقيدنا الراحل عزيز سباهي ، بهذا التاريخ المُشرّف
، الذي لايمكن أختصاره بساعتين ، فهو تاريخ طويل ، أزدحم بالكثير من المنجزات
النضالية والفكرية والثقافية والاجتماعية ، وحتى المندائية في البحث والتأليف ، فكلها
جعلت منك علماً عراقياً بأستحقاق ، علم تجانست الوانهُ ، الوطنية والانسانية والمندائية ،
الفكرية والفنية ، بلون واحد جميل ، أسمه عزيز سباهي .. وهنا يكمن سر إعتزاز من تعرّف
عليك ، أو من رافقك مسيرتك الوطنية ، او عمل معك ، او تعرف عليك وصادقك .. أما
الاعتزاز المتميز لابناء طائفتك بك ،فلأنك أعطيت الهويتين ، هويتك الوطنية الانسانية وهويتك المندائية ، لتؤكد بذلك ، أن الشيوعي ، هو أول من يهتم ، ويحافظ على تقاليد وتراث شعبه بكل أطيافه وألوانه .
فنكرر ، هنيئاً لك أيها الرجل الكبير يا ( صاحب المواهب المتعددة ) ، ايتها القامة العراقية
الشامخة ، فأنك لن تمت ، وستبقى خالداً ، والخالدون أحياء مدى الدهر))

 

مشهد رقم1 / كنت صبياً بستينات القرن الماضي بمرحلة الدراسة المتوسطة ... خرج إبن عمي الشهيد ستار خضير من (ديوانية) دارنا الواقعة، في بغداد بمحلة الصالحية منطقة بستان البيجات بعد فض الإجتماع الحزبي مع رفاقه وكما يبدو من الكادر المتقدم بالحزب وخروجهم من الدار واحدا واحدا ، وهو يبحث عني أو أحد من إخوتي داخل الدار مناديا ... خالد أكَدر أكلفك، فرِحتُ وأشرتُ له فورا بالإيجاب فأخبرني تاخذ هاذي الرسالة المهمة (ظرف مغلق)، تندل بيت عمك (أبو حميد) حيدر صكَر في منطقة حسون أغا (وهي مجاورة لمنطقتنا)، قلت طبعا نعم ، فوصف لي دارا مجاورة لبيت عمنا هناك، فتذهب الى تلك الدار المعنية ولا تسلم الرسالة هذه لأحد إلا لشخص إسمه عزيز سباهي وتتأكد منه قبل تسليمه الرسالة، هل عرفت الدار وهل فهمت، أجبته رأسا بأني أعرفه كون نفس الدار يسكن صديقي الحميم عاطف عبد الشيخ ، قال نعم جيد ... يالله سبع خذ الظرف وإذهب الآن وأنا بإنتظارك ، ذهبت وأديت المهمة بنجاح حيث سلمت الظرف لأبي سعد شخصياً مع ابتسامة شكر طيبة مُعبّرة منه وعدت مسرعا لأطمئن العزيز أبو مي ففرح وشكرني وغادر دارنا بهمة وحذر وهدوء كعادته

مشهد رقم2 / أيام الحرس القومي السوداء الحالكة بحقبة البعث الأولى ، إنتشر خبر بين الأهل والعمام مفاده نيّة تسفير إبن العم أبو ظافر (المناضل النقيب المتقاعد جبار خضير الحيدر - من الضباط الأحرار والشقيق الأكبر للشهيد ستار خضير) من سجن رقم 1 الى سجن نقرة السلمان عن طريق محطة قطار البصرة بمنطقة السكك بالكرخ، فهبّت عوائلنا من بيت الحيدر وباقي الأقارب والمندائيين والمعارف الطيبيين ليودعوا أبو ظافر ورفيقه المناضل الأستاذ عزيز سباهي ... لإراهما وبكل ألم وحرقة وهما مقيدان في كلبجة واحدة كما أتذكر وكأنهما تؤمان لا يتفارقان وسط حشد من الشرطة والأمن والإنضباطية مما حزّ في نفسي ، مع هذا ورغم تألمي لكني سررت بفخر حينها حيث لم أنسى تلك الإبتسامة التي تبعث على الأمل يوماً والمعنويات الشجاعة العالية من كل من البطلين المناضلين أبو سعد له الذكر العطر وأبو ظافر له الصحة والعمر المديد

مشهد رقم3 / في بداية الثمانينات من القرن الماضي كنا أنا وأخي د.موفق نعمل بجامعة سطيف بالجزائر والتي تبعد حوالي الخمس ساعات عن العاصمة الجزائر وكان علينا يوما الذهاب مساءا الى العاصمة على أن نقضي بعض الحاجات والأوراق الرسمية بالصباح لنعود بعدها الى مكان اقامتنا وكنا قد رتبنا أمور قضاء ليلتنا هناك عند بعض الأصدقاء الفلسطينيين ، وعلمنا بأن بيت الفقيد الراحل الأستاذ عزيز سباهي وعائلته الطيبة بنفس ذلك الحي بالعاصمة (حيث كان يعمل أستاذا بمعهد عالي هناك)، فعزمنا على زيارتهم لا سيما وقد اتصل اصدقائنا بهم (وهم أصدقائهم أيضا) ليفاجئونهم بأننا ضيوفهم فألحوا علينا بزيارتهم ، فزرناهم بذلك المساء لشرب الشاي عندهم فرحبوا بنا أيما ترحاب لا سيما وهم كانوا قد عاشروا لفترة ما بالجزائر شقيقي موفق وتولدت علاقة محبة ومودة رائعة أخوية بينه وبينهم فقضينا سهرة ودية طيبة رائعة قلّبنا مواجعنا وتذكرنا الأهل وبغداد والأصدقاء وأحاديثنا كانت لا تخلو من المواضيع السياسية وظروف العراق الصعبة والحرب الدائرة، وكانوا حينها فائقي الكرم وحسن الضيافة

مشهد رقم4 / بعد وصولنا أنا وعائلتي من ليبيا الى كندا 1997 كان الأستاذ المؤرخ والباحث عزيز سباهي قد أصدر كتابه المشوق (إصول الصابئة المندائيين) وعمل له المندائيون وباقي أبناء الجالية العراقية الطيبون أمسية ثقافية بمناسبة صدور كتابه المذكور في قاعة حكومية جميلة كبيرة بتورونتو تليق به ، وكانت محاضرته مفيدة غنية بحثية بحته وعلمية رصينة وإلقاءه كما أذكر كان هادئا ودودا موسوعيا وقد تحمل بكل صبر وتفهّم بعد إنتهاء المحاضرة أسألتنا كباحث علمي وأجاب عليها بكل ترحاب وتوضيح وترافقه إبتسامته الودودة المعهودة ، مؤكداً في مجال بحثه هذا بعد سؤال قد طرح عليه مفاده ، ما مستقبل المندائيين في وضعنا الشائك الحالي وبظل أي وضع سيتم تأمين مستقبلهم وإستمراريتهم، فأجاب لا مستقبل لهم كما لغيرهم من المكونات العراقية الأصيلة إلا بظل نظام إشتراكي مدني يحميهم ويحفظ لهم كرامتهم ويصون حقوقهم الثقافية والدينية

مشهد رقم5 / في أحد التجمعات المندائية الصيفية لشمال أميركا، كان الفقيد أبو سعد سعيدا جدا عند جلوس بعض المهتمين بكتاباته وأنا منهم سوية معه لنناقش كتابه الرائع الصادر حديثا حينها حول إصول الصابئة المندائيين ونقاط بلوغ النهاية لبحثه هذا من دون الإستمرار أبعد من ذلك، فكنت ألح عليه وأترجاه بأن يحاول أن يستمر في بحثه ليكمل جزء لاحق لما تضمنه كتابه المشوّق ذاك وليصل الى أبعد مما وصل اليه في بحثه حيث توقفه عند ذلك يجعل القاريء متشوق جداً للتوغل أبعد لمعرفة خفايا ما قبل شعوب البحر الميت وتاريخهم!؟
فأجابني بكل إهتمام وثقة كباحث علمي أمين يعتمد أسس البحث الرصين مستندا على المصادر الموثوقة لتلك الحقبة وما قبلها وأخبرني بأنه لم يجد تلك المصادر العلمية الواضحة الرصينة ليستند عليها للتوغل في بحثه بشكل أقدم ما قبل تلك الحقبة ولهذا السبب قد توقف هناك ولم يجرأ على الذهاب أعمق ، فزاد إعجابي برده وبه لإمانته العلمية كباحث رصين لا يعتمد على هشاشة وفرضيات غير علمية بما يكتبه وإنما على كتب علمية وبحوث رصينة، ففرح بكلامي هذا وقدر اهتمامي بالموضوع وتقييمي له ولكتابه بهذا الشأن، وكان فرِحا متواضعاً ودوداً كعادته دائماً

هذه أهم المحطات التي تذكرني بهذه القامة الشامخة أستاذنا الكبير المناضل عزيز سباهي، وأنا يزيدني فخراً وأنا أتذكر تلك المشاهد بتواضع وإعتزاز جعلتني أُعجَب بشخصيته تلك إضافة لتواصلي ومواضبتي لتتبع ما كان ينشره هنا وهناك من مواضيع سياسية وإقتصادية وزراعية وتاريخية ونضالية مُشرِفة، وأكثر ما أعتز به بأن الفقيد كان متابعاً جيداً لنشاطات تيارنا الديمقراطي في كندا من أجل العراق المدني الديمقراطي وشعبه، مباركاً لتأسيسه حينها مثمناً نهوضنا بمستواه

مجداً وخلوداً فقيدنا العزيز أبا سعد، المفكر والمناضل المبدأي النقي والباحث الرصين

الإثنين, 08 شباط/فبراير 2016 06:29

وداعا عزيز سباهي

بحزن بالغ ينعي ابناء الصابئة المندائيون ، وثقافتهم الوطنية، الباحث والصحفي والفنان عزيز سباهي ، الذي فقدنا فيه واحدا من ابرز كتابنا العراقيين الذين تجسدت في كتاباتهم وبحوثهم روح شعبنا الحية ، وتاريخه الطويل ، المليء بتضحيات مبدعينا ، المفتوح ابدا على مستقبل الانسان الذي حمله الراحل محبة في القلب ، وأفقا في العينين ، وجدلا متواصلا من الافكار .


عزيز سباهي ، كبيرا كان في ساحات الحرية ، وفي معارك شعبنا ، وكان ، في اللحظات العصيبة من تاريخ العراق ،يتعالى على الجراح ، في كل دعواته الانسانية الراقية في دفن الاحقاد ، كان يدعوا الى التوحد في الوطن ، في تصميم ثابت، على الاستمرار في الطريق نفسه ، طريق الحرية ، التي ظل هاجسه حتى اللحظات الاخيرة ، مستنطقا دلالاته، مقتربا منه رغم منفاه البعيدة ، مؤكدا ان حقيقتنا هي حقيقة شعبنا التي لايمكن ان تحجبها عن اعيننا ابدا اوهام الفاشية والطائفية المقيتة وثقافتهما القائمة على التدجين والقمع والغاء الآخر. فحقيقتنا ، هي التي نستمد منها يقيننا الحاضر واحلامنا القادمة ، وشرطنا التاريخي .
نعرف جميعا ، اصدقاء واحباء ، هنا وهناك، كم عانى هذا المناضل القدير في عقود عمره الطويلة . منذ ايام الشباب الاول، في الاربعينات من القرن الماضي ، في سيره العاصف على خطى والده الشاعر سباهي ، وعلى خطى الفكر الماركسي ، الذي ذهب اليه بحزم في يقظته الواعية ، فبقي شامخ الرأس، متجاوزا كل الآلام ، يواصل سيره في الطريق نفسه، طريق الحرية. وكان ، في هذا الطريق نفسه ، وهو يودع الشهيد تلو الشهيد من رفاق عمره ، واولهم كان اخيه المناضل صبيح سباهي ، الذي قطع جسده الفاشيست عام 1963، فسقط بشرف وكبرياء وشجاعة ، وهو بعمر الزهور في ساحة الحرية ، دفاعا عن شرف الكلمة ، التي كان يكتم اسرارها في مطابع حزبه السرية .


ربما لايكون للكلام الآن ، مهما كان بليغا ، مكان هنا، تماما مثل الدمع ، الذي يكاد يصبح ، مثل هذه اللحظات ، على عمق ما فيه من مشاعر انسانية ، استذكار لواحدا ممن صنعوا الذاكرة الثقافية المندائية الحديثة . انه انسان وضع قلمه وفكره منذ تلك اللحظة التي قرر فيها الالتزام بحركة شعبه، ليكون في قلب المعركة ، من اجل حرية الكلمة ، ونشر الثقافة التقدمية ، فظل يراعه حاضرا ابدا في المقالة النقدية ، والبحث والمعرفة والتاريخ بعدد من المؤلفات ، في الزراعة والعمل النقابي والسياسي ، واصول الديانة المندائية ، متوجا بثلاثيته الخالدة عن تاريخ الحزب الشيوعي العراقي.، فقد كان لكل من عرفه عن كثب، كتلة ابداع لاتتوقف لحظة ، فقد كان ذهنه الوقّاد ، وذهنه الثاقب ، يجوب في رحاب الثقافة ، وهو ينهل من ينابيع المعرفة الانسانية اينما كانت .
فكل ما تبقى لنا الان ، هو ، ان نكتب كلمات في توديع الراحلين ، وننتظر الكلمات الجديدة ، كي نودع من سيرحل غدا . لم يتبق لنا حتى كلمات جديدة ، لقد جفّ كل شيء ، الكره وحده ، هو من يعلمنا الانتظار، فالوطن الذي ناضلنا من اجل حريته، مرصودة حريته للقتل، يغدو فيه الشجعان ، الاكثر تجاسرا على الكلام ، في فوهة النار والاغتيالات ، حالمون بهناء العيش ، حالمون بالخلاص من المذبحة المفتوحة التي تحصد المئات كل يوم ، وتستنزف المشاعر وترمي المرء في بئر من تبلد الحسّ ، ماؤه اليأس من كل مصادر الرجاء ، والمناضلون لاجل مثلهم تبقى احلامهم نزهة في مناطق ممنوعة. وكان الراحل عزيز سباهي ، اكثر من يعلم ان المرء يظل اسير احلامه ما دام تواقّا الى الحرية .


انه بيننا وسيظل لامحالة، خالدا، فهو لن يرحل ، وهل يمكن للتاريخ ان يرحل؟ هل يمكن لرمز لحركة شعب ان يرحل ؟ لن يرحل الحلم بعراق ديمقراطي ، كما كان يراه ، عراق بعيد عن غزارة الدم الذي يشق في ارضه الرخوة مجاري الى محيطه. هل يرحل من هوعائدا بيننا كلما تهيجت انفسنا الى النضال من اجل الحرية ؟ بكلماته ، ومواقفه ، التي كانت وستظل تاجا ارفع من الكلمات ولا امارة أليق به منها.فالكلام الذي كتبه قلمه ، وريشته التي خطت باسلوب النسخ والثلث ، اجمل العبارات والاشعار، يستطيع ان يغطي غيابنا جميعا ، الان في محنتنا الاليمة التي نعيشها ونحن في الشتات ، او في المستقبل الذي نحلم به .
ننافح بالكلمة حد السيف، ونقول في غيابه، بان الكلمات هي التي تبقى، ونحن نعرف اننا كائنات من كلام، لهذا لانستطيع ان نصمت طويلا، وحتى حين يكون الجرح مفتوحا واليد على القلب تمنعه من السقوط، فاننا سنقول كلاما ينتصر للانسان وحريته . فمنذ البداية ، ومع هذا الانسان ، انتصرنا للكلمة ورفضنا الدم.
تودعك المحبة يا عزيز سباهي، وكنت سيدا من رعاتها
ويودعك الوفاء، وكنت من سادة بيته
يودعك النقاء، وانت الانسان الذي عرف كيف يحيا البراءة والصدق تحت عباءة النضال من اجل الحرية

 

نشرت في وجهة نظر
الأحد, 23 شباط/فبراير 2014 05:13

المندائي الباسق

 بين عزيز سباهي وبيني سرّ ما يحدث للمندائيين هذه الايام، ومسرة ما قاله الشريف المرتضى بحق هلال الصابي، شاعر المندائيين البغداديين. 

فقد كان هذا المندائي الباسق، يوم ضمتنا وآخرين، لاول مرة، قبل نيف واربعين سنة، حجرة طينية، في سجن نقرة السلمان شيدت من قبل النزلاء واتخذت كدار سرية “للطباعة والنشر” قد علمني صناعة الصبر وصياغة العبارة، وكان يقول لي وانا استنسخ النشرة اليومية من بين يديه في منتصف الليل ان الصبر وحسن الصياغة يغيضان الخصم، لاسترشد بهذه الوصية الى السبب الذي يجعل من المندائيين عرضة لحملة بربرية ارهابية طائفية، ملاحقة وقتلا وتهجيرا.. حيث غرز المندائيون اصولهم واسمهم في تربة العراق في صبر اسطوري لا مثيل له، وانشغلوا بمهنة وفن المصوغات فجرَدوا منها موضوعا يتصل بحب الحياة وانسيابها وجماليات السلم الاهلي القائم على تعددية العبادة والاعتقاد والبشَرة والرأي. 

عزيز سباهي طويل القامة، وكان ينحني كثيرا حتى يدس نفسه من ستارة باب الحجرة الناصي الى باحة ضيقة مكتضة بالحاجيات، يجلس، ثم يلصق اذنه في جهاز الترانسيستر لتتوزع يداه بين الجهاز، يضبط مؤشراته على الاذاعات المطلوبة، وبين القلم، يسجل فيه على ورق ابيض مخطط الاخبار والتعليقات، نتلقفها منه لنعيد كتابتها وفق توجيهاته، ثم لا يلبث ان يلاحق، شؤونا تفصيلية لأكثر من الف نزيل تصلح ان تكون مادة للنشر والتعبئة والتوعية والصبر. كان صبره يتبدى في عنايته الحاذقة بالكتابة، إذ عُرف بانه صاحب افضل يراع تخط الحروف والسطور، وقد حاولت مرارا ان اتتبع طريقته في صناعة هذه الاناقة الساحرة غير ان الصبر سرعان ما يخذلني، وكنت اعلل النفس لتأويل هذه المفارقة بالقول: 

الصابئة تعلموا من مهنة الصياغة الصبر على البلوى. 

وليس ثمة مبالغة في القول بان”البلوى” التي يتعرض لها، الآن، مندائيو العراق تختزل في ذاتها مشروع تدمير العراق..المشروع الذي يتخفى تحت ضجيج شعارات المقاومة والتحرير وحماية المقدسات والاسلام وحقوق المذاهب، فقد عبرت اعمال التنكيل والتضييق ضد المندائيين وعائلاتهم ومصالحهم وحقوقهم الدينية كل حدود السياسة والاخلاق والقيم، وخلقت ترسيما خطيرا لمستقبل هذه الطائفة التي احتلت مكانا بارزا في اللوحة التاريخية لسكان وادي الرافدين، الامر الذي عبر عنه الشريف المرتضى وهو يخاطب المندائي البغدادي الشاعر هلال الصابي بالقول: 

وانك من اناس ما راينا لهم إلا الرئاسة والجلالة. 

وعزيز سبـاهي، ايضا، من اولئك الأناس الذين تغير عليهم الضواري في حاضر العراق العاصف، فلهم مجد الصبر والابداع..ولأبي سعد العمر المديد.

 

 

أقامت جمعية الثقافة المندائية في أربيل ندوة استضافت فيها الاستاذ الدكتور يوسف قوزي صاحب ترجمة كتاب الكنزاربا المقدس عند المندائيين ، المحاضرة موسومة بعنوان (نشأة اللغة المندائية ولمحة عن تراثهم الأدبي ) ،ركز الدكتور يوسف قوزي على الجانب اللغوي الأكاديمي وخصص له الجانب الأكبر من المحاضرة ثم عرج على كتبهم ودواوينهم ولم يتحدث عن الجانب الديني الا لماما حيث أكد على عدم إعطاء الجانب الديني  في الحديث حرصاً على عدم التشعب . 

يقول الدكتور يوسف أنٓ الكلمة المندائية هي كلمة مركبة وفيها إدغام وخصوصا في استبدال الحاء الى هاء ويسأل مستفهما من اين جاءت ذلك ولماذا ؟ لا يدري ، ويؤكد أن الحروف وحركاتها قد ورثوها من الأكدية والسومرية ، وان اول ظهور للغتهم المندائية هي في ميسان على المسكوكات ، لقد ظهرت الآرامية في القرن الثاني عشر ق.م وتعددت من بعدها اللهجات وتفرعت اللغات ، وان المندائية فرع منها لكن الكلمة مركبة ما معنى ان الدكتور يوسف يريد ان يقول ان اللغة المندائية ليست من جذر واحد ، ثم قال لا ادري لماذا كتابهم الكنزاربا من جزأين اليمين واليسار ، ويستمر ويقول يكاد يفقد المندائيون لغتهم الأصلية ولم يتحدث بها في العراق الا القليل وحديثهم غير متقن ، وهناك في ايران يتحدثون المندائية ولكنهم يتحدثونها بلهجة قديمة إيرانية تكاد تكون غير مفهومة ، ويقول لقد ضاع الكثير من تراثهم ولم يستطيعوا الى اليوم بتدوين ما فقدوه بسبب جهلم باللغة ، ثم يقول ان للغة السريانية تأثير كبير على المندائية حتى انه ذكر جملة موجودة في الكنزاربا (أنا سرياني ....) .  

‏‫ثم جاءت مداخلتي بعد انتهاء الاستاذ المحاضر : إن اول ظهور للغة المندائية بشكل موثق هو ظهورها على المسكوكات النقدية في منطقة الكرخة التي تأسست سنة ١٦٥ ق.م ثم استمرت وظهرت دولة ميسان وظهرت فيه مسكوكات كثيرة لحين سقوط دولة ميسان على يد القائد اردشير سنة ٢٢٣ م وظهور اللغة على مسكوكات الكرخة يعطي دليلا على وجود المندائيين وبأعداد غير قليلة بدليل سك تلك المسكوكات بهذه اللغة ،لكنها لغة وليست ابجدية ناضجة مكتملة لان هذا النضج والاكتمال ما اكتمل الا بدولة ميسان حيث ظهرت الأبجدية المندائية بشكلها الموجود حاليا ، وقلتُ انني اجهل اللغة المندائة وغير دارس لها لذلك لا أستطيع معرفة حقيقة الامر لحركاتها وجذر كلماتها وهو عيب نتحمل وزره ، إن التدوين يأتي متأخراً عن ظهور الأفكار ونضجها وبما أن المندائيين قد دونوا تراثهم الديني وأصول طقوسهم في القرون التي سبقت الميلاد ( وكما يقول الاستاذ عزيز سباهي / أصول .....،ان المندائيين قد استقرت طقوسهم واكتملت في القرن الخامس عشر قبل الميلاد وهذه الطقوس هي نفسها المتبعة في يومنا هذا ، يعني  هذا سبقهم في التاريخ ، إن وجود حرف او كلمة سريانية بين ثنايا اللغة المندائية لا يعني ان اللغة المندائية غير نقية وأكدت ُ ان اللغة المندائية هي بنت الآرامية وهي لهجة من لهجاتها أسوة ببقية اللغات الاخرى ثم استشهدتُ بقول الاستاذ عزيز سباهي ان إنجيل توما قد كتب بلغة اقرب الى اللغة المندائية بل وهو متأثر بها كثيرا ، حيث ذهب بعض المستشرقين يقولون  أن الذي كتب إنجيل توما هو مندائي ثم اعتنق المسيحية بعد ذلك مما يعطي المندائية السبق في التاريخ .

 اما ما يتعلق بكتابنا المقدس وكيف انه يتكون من جزأين الأيمن والأيسر فأشرت ُ أن المندائية تنظر الى الحياة وخلقها والإنسان  بأنها دائرة مكتملة ومتصلة وليست خطا مستقيما يبدأبنقطة وينتهي بها بل الحياة تبدأ بخلق الكون والإنسان لذلك جاءت التراتيل مصاحبة لهذا الخلق وهذا ما يمثله الجانب الأيمن من الكتاب المقدس  ثم تستعد النشمثا للرجوع الى باريها فتصاحبها  التراتيل والأدعية للعروج وهو ما يمثله الجانب الأيسر . نعم تتعرض لغتنا المندائية الى خطر الانقراض وضياع الكثير من كتبنا وسببه نحن ،  آخذا بنظر الاعتبار قلة عدد المندائيين  وضعف مواردهم وتشتتهم في ارض الله الواسعة ، لقد  حرص الدكتور يوسف على إظهار ما يهدد المندائية لغة وتراثا وعلى ديانتهم بالتالي فهو الاستاذ البارع المختص ، ثم استمرت مداخلات الحضور فكانت ندوة ناجحة ومفيدة رغم الحضور المبتسرللمندائيين فيها .                                                   

الخميس, 05 أيلول/سبتمبر 2013 18:15

ترجمة مقارنة

 

ترجمة مقارنة

ورد في التسبيح الأول من الكتاب الأول (يسار) من گنزا ربا ــ بغداد ــ

ولطالما استشهد به البعض في حالات الوفاة ، ما يلي :

قال الحي وهو مستوٍ على عرشه بين أنواره :

ليكن الموت من نصيب أهل الدنيا

إن آدم عاش ألف عام

فليخرج من جسده قبل أن يشيخ

وقبل أن توهنه الأسقام

ـــ ونفذ الصوت

نحن نسميه الحق ، وأنتم تسمونه الموت .

ـــ كل من لعنه وضع أمام نفسه ستة وستين معثرا.

ـــ الحي هو الذي يرى ، وهو الذي أمر أمرا ، فامتثل صورييل ، 

وصار يخلص نشماثا من الجسد ، ويصعد بها إلى الواحد الأحد (؟) . 

لا تقبل لديه شفاعة ولا قربان ، ولا يستبدل إنسان بإنسان .

 

 

مةرةي مشابة

النص المندائي مع الترجمة

هةش هييا وفرةش هييا وعتيب هييا

تأملت الحياة وأدركت الحياة ، والحياة جالسة

بزيوة ربة ديلهون ذ،فشايهون امريا قوم

في ضياءها الخاص بها ، وقالت : لنقم

 نيق،س ق،سة ذموتة بةلمة هةهو ذبيشيا

بفرض قضاء الموت على عالم الأشرار هذا

وبدةورة هةهو ذ،فشيا تةقلةتة وكولخح هوسرة،

والدار هذه ذات المعاصي العظيمة و كلها نقصان .

امينطول ذادةم بر اللإ ذشنيا هةويا ذقرولح

لأن آدم قد صار ابن ألف سنة  لهذا  سنطلبه

 و،فقونح من لإجرخح

ونخرجه  من  جسده ،

دلةنيقوش ودلةنيهسوك ودلةنيقمون مينخح

قبل أن يشيخ  وقبل أن  يهرم ، وقبل  أن  يقوم  ضده

بنخح زوطيا وشيطوةتة بنخفيش نيبودلح

ابناؤه الصبية  ويسببون  له  إهانة  كبيرة .

هةيزاك قيريويا ولإقدويا وزارزويا وشادرويا

بعد ذلك استدعت  وأمرت  وحزمّت

هييا ربيا قةدمةييا لصةورعيل شارويا

الحياة العظمى الأولى «صاورئيل ـ شارويا» (المحرر) ،

ولقةمةمير زيوة ذشاريا ودةبةر روهيا

أو «قماميرـ زيوا» ، الذي يحرر ويحمل الأرواح

ونيشمةتة من لإجرة وموتة نيتيقريا بةلمة

والأنفس من الجسد . يسمونه في العالم «الموت»<!--[if !supportFootnotes]-->[1]<!--[endif]-->

وكوشطة نيتقريا عل ذياديا ذياديلح كول مةن

و «كُشطا» يسميه العارفون الذين يعرفونه .   كل  من

ذميتقيل ذلةييطلح لموتة سةييم لقودةمح

يزل  ويلعن  «الموت»  يضع  أمامه

شيتين وشيت تيقلةتة امينطول ذموتة

ست وستون عثرة . ولأن «الموت»

ميقريا قريا وملإقوديا ملإقةد

مستدعى استدعاءاً  ومأمور أمراً

وشادوريا مشادةر وشودة لة،سيب

ومرسل ارسالاً فهو لا يأخذ رشوة

وقوربة، لةمقةبيل وءنيش بعنيش لةمهةليف .

ولا يقبل قرباناً ، ولا يبدل إنساناً بإنسان .

الدكتور صباح خليل مال الله

لندن

 

[1]<!--[endif]-->  إشارة إلى قمامير ـ زيوا الذي هو بنفس الوقت صاورئيل ، ويرد أيضاً في كتاب يحيى النص 33 ؛ ( أو)  أحد معاني حرف الواو مثلما نقول ذجةطيل لةبوخح ولعمح : من قتل أباه أو أمه .

 الديمقراطيه نهجٌ ومنهجٌ ونظامٌ ، هي بالضد من الأنظمة الإستبدادية والشمولية أيا كانت منابعها الفكري                     

 إن العوائقَ في طريقِ إنتهاج البناء الديمقراطي سماتُها كثيره ومعالمها واضحة ؛ فمن سمات الوضع في بلادنا هو إنَّ هناك خللا في إستقلالية قراره السياسي ومنهجه الاقتصادي وإنَّ معركة القيم الإنسانية الوطنية قائمةٌ بلا تكافؤ ضد سياسات وأفكار وممارسات سلاطين وملوك الطائفية والمذهبية وضد إرهاب فلولِ البعث الفاشي والمتحالفين معه ، من القاعدة، وقوى الإرهاب الآخرى .

 الديمقراطية : غايتُها وضعُ حدٍ للإرهاب في بلادنا  ، وضمانِ حقوقِ الناس جميعاً  ،وبلا تمييزٍ وإنتهاج طريقِ نبذ العنف بكلِّ أشكاله وتلاوينه  ،وتبنّـي مبدأ السلم والحوار  ،وتفاعل الآراء بعيداً عن التناحر والإقتتال  ، بعيدا عن المصالح ذات الأُفق الضيق للأفراد والجماعات  ،والإستناد إلى الدستور في كل خطوات العمليه السياسيه ومسارات الحياة في المجتمع   العراقي والتآخي بين  جميعِ المكونات السياسية ،والدينية، والقومية  ، وضمان حقوقها التي كفلها لها الدستور   

 من المعروف إنَّ للديمقراطية موقفَها الجريء ضد النهج الجبان لطلقاتِ كاتماتِ الصوت والرصاصات الغادره الصفراء للمتوحشي أصحاب قيم الرذيله والمتعطشين لسفك دماء أبناء شعبنا .

 إضافة إلى ذلك  : إنَّ الديمقراطية تُريد سحق البُنى القاتمة للفكر اليميني الرجعي والُـبنى السوداء للفكر البعثي الفاشي والفكر التكفيري وبمختلف مسمياتها وعناوينها ؛ ولذا فمن البديهي أن تكون الديمقراطية والديمقراطيين الخطر الأكبر على ديمومة إستمرار نهج هـؤلاءِ فيعاودوها بكل الوسائل والسبل ، هو أحد جوانب حالة عراق اليوم ، فكيف والحال هذه أن تكون الظروف مؤاتية لبناء مؤسسات الديمقراطيه لاسيما وإن الديمقراطية تُـريدُ قطعَ الطريق لمسارات العنف والترهيب والتخويف والموت المجاني . 

         دولة العراق اليوم هي دولةُ ميليشيات يحتضنها قادة الدولة بهذا الشكل أو ذاك ،وهذا الشكل للدولة يتعارض بالكامل مع   الديمقراطيه وآفاق بنائها . 

 معالم التطبيق السليم للبناء الديمقراطي يكون في فعلين أساسيين مشروطين لزاما وهما.

الفعل الأول  : هو حسن النية ونزاهة التوجه لإنتخابات ديمقراطيه  ،كما هي الإنتخابات في البلدان الاوربيه وكما هي آلياتها وإنَّ حُسن النية هذا له دلائله ، وهذه الدلائل تتحدد في مسؤليتين اثنين وهما .

   المسؤليّه الأخلاقية  ، والمسؤليّة التاريخية .

 المسؤليّه الأخلاقية  لأي طرفٍ مشاركٍ في العملية الإنتخابية تتحددُ حصراً في أنَّ تحركه بين أوساط الناس أن يكون حضارياً ؛ بمعنى أن يكونَ بعيداً عن الممارسات والأفعال ذاتِ الطابع الذي ترفضه الأعراف والأخلاق ، ومباديء السير  في الطريق الديمقراطي والذي لا يُسيء إلى شخصية الآخر وسمعته وكيانه ، أي  أن لكلِّ طرفٍ الحق في طرح سيرته الذاتيه ومزاياه وقدراته وخصائصه،  وبرنامجه الإنتخابي فقط لاغير ، ومرفوض قطعا الطعن بالآخر بشكلٍ منافٍ لواقع أخلاق الآخر ومكانته ، مثلا  : ان طرفاً  ،يقولُ إنَّ الآخر  [اباحي وغيرَ نظيفٍ إجتماعياً وأنه ضد الدين وقيمه  ] وأوصاف أُخرى لانريدُ ذكرها ، .

ان مثل هذا  السلوك مدانٌ ومعادٍ للآخر ، وبشكلٍ سافر ومعادٍ للتوجه النزيه للإنتخابات .

وإستنادا لمفاهيم ونظريات العالم الكبير سيجموند فرويد مؤسس علم الطب النفسي الحديث ، ان هكذا سلوك عدائي سافر لايستند باي شكلٍ للأخلاق الرشيدة الصحيحة ،  بل إنه يعكسُ خللاً في شخصيات هؤلاءِ ومواقفِهم وسيرتهم ، إنهم في هذا السياق  ،إنما يُريدون لصق هذه التهم والأوصاف بالآخر؛ لإبعاد الشبهات عنهم ،  إنَّ مايطرحونه هو واقعَ شخصيتهم ،وهم في هذا السلوك يفضحون أنفسَهم ويعكسون النية غيرَ الصادقةِ التي يحملونها في التوجه نحو البناء الديمقراطي الصحيح  بل انهم يؤسسون منهجا خاصا بهم لنسف طريق التوجه نحو الديمقراطية ، وهم غير جديرين لهذه المسؤلية التاريخية الكبيرة وغير قادرين على تحمل اعبائها وغير مستوفين لشروطها    .

   وفيما يخص الفعل الثاني المشروط لزاما للبناء الديمقراطي فهو لايجوز إستخدام أساليب وممارسات تتضاد مع توفير المناخ الصحيح لسياقات الحريه الشخصيه للناس في إختيار ممثليهم بقناعاتهم ، لا أن تُفرض عليهم كتابة أسماءٍ دون أُخرى مستغلين عدم معرفة الكثير بالآلية الإنتخابية ، وكيف يكونُ الإنتخاب ، بل ويصل الأمر إلى حد الإنابة عن الناس في كتابة الأسماء ! وليس هذا من مباديء الديمقراطية  حتماً 

نحن نسعى إلى إقرار نظامٍ إنتخابي عادلٍ ، مستوفياً لشروطه الصحيحة والتي ليس فيها غبنا لأحد  مهما كان إنتمائه ؛ نحن نُريدُ تأسيساً صحيحاً  قانونيا بغض النظر عمن يفوز . المهم هو التداول السلمي ضمن الآليات الصحيحه وليس فرض نظامٍ يُؤسَسُ لسلبِ حقِ الآخر ، ويُعطي الشرعية للتسلط والهيمنة المعادية للديمقراطية  .

ان الذين يغضون النظر عن هذا الإتجاه المُدان ، ويباركون هذا المسعى وهذا التوجه ويدافعون عنه منطلقين من فهمٍ غير سليم ومن تصوراتٍ مقلوبةٍ على رأسِها ، فهم والحالة هذه قد جانبوا الصواب ، وان التاريخ سيقول كلمته فيهم يوما ..................

 

ولنا معكم حلقة اخر

نشرت في وجهة نظر
السبت, 27 نيسان/أبريل 2013 20:34

عزيز سباهي والشيوعيون الأبدييون!

علمت من الصديق الدكتور حسام صالح جبر مؤخراً بان الصديق عزيز سباهي مريض وفي حالة حرجة، قلقت عليه وتداعت في نفسي ذكريات كثيرة! كنت رفيقاً له في الحزب الشيوعي العراقي، أو بالأحرى كان قبل ما يقرب من أربعين عاماً يقود خليتنا الصغيرة في هذا الحزب الذي كان في عقدي الخمسينات والستينات كبيراً ( وإذا مشى يهز الأرض ) وقد جمعتنا أنشطة حزبية مختلفة ولسنين عديدة ثم تفرقت بنا السبل فكراً وأرضاً ومنذ زمن طويل أيضاً!


تجاوز عزيز الثانية والثمانين من العمر، دخل قبل أيام مستشفى جراحة القلب في كندا، وكان رجاؤه الوحيد من طبيبه أن يصلح قلبه بما يكفي ولو لأسابيع قليلة لينهي الجزء الثالث من كتابه الضخم عن تاريخ الحزب الشيوعي العراقي! وبعد أن تمت العملية الجراحية بنجاح قال له الطبيب إنه قد زرع في قلبه شرايين تكفي ليكتب بها تاريخ الحركة الشيوعية العالمية كلها! لكني أعتقد أن عزيز نفسه يعرف أن كتابة تاريخ الحزب الشيوعي العراقي وحده يقتضي شرايين من الفولاذ لا يعرفها أطباء العالم!
فالحزب الشيوعي العراقي لا يحمل فوق كتفيه أحزان ماضية وحسب بل ثقلاً كبيراً من أحزان العراق كله! لقد كان لا عباً رئيسياً في المسيرة الانقلابية أو التحديثية للعراق، وقد تألق على طريق الآلام التي سار عليها مثقفون ومبدعون كثيرون منهم من غادره لأحزان أخرى، ومنهم من بقي في المواقع الحالية وهؤلاء يشكلون الجانب الحساس أو الواعي من جسد الحزب الذي ترهل فترة وترشق فترة أخرى وهم من ينتظر منهم قول كلمة الحق والموضوعية في حجم مسؤوليته حول ما مضى أو ما آل إليه العرق اليوم!
لقد خاض سباهي غمار كتابة تاريخ الشيوعيين العراقيين هذا الذي ظل موضع نزاع وخلافات وأحجام وتلكؤ ومماطلة من قادة بارزين تعاقبوا على مراكز القرار في الحزب وكانوا لا يريدون الخوض أو حتى مقاربة مفاصل أساسية فيه ربما لأن بعضهم كان متورطاً بمواقف سابقة غامضة أو مشبوهة أو مدانة ولا يريدها أن تعكر مزاجه بينما هو كان يتربع على رأس الهرم الحزبي!

أعتقد إن ما دعا عزيز لخوض هذه المغامرة هو ليس حسمه للجدل المرير حول هذه الخطوة وهي ضرورية فعلاً، ولا حبه للظهور أو المنفعة المادية، فهو زاهد متقشف تتسم حياته باللطف والبساطة ( وعادة سينتفع من الكتاب ناشر معروف حتى لو كتبوا على الغلاف "لمصلحة عوائل شهداء الحزب ") إنما هو تكوينه الداخلي المرهف الخاص فهو شاعري المزاج فنان في بداياته ومنبثق من الديانة المندائية وهي ديانة أصيلة أقدم من الإسلام تقوم على جريان الماء وعلى النداوة والنور وحب النظافة وتطهير الذات، كما هو مؤمن عميق متبتل بالشيوعية وليس لديه ذرة شك أن الشيوعية هي الفكرة الأعظم في الكون وإن الشيوعيين العراقيين كانوا وما زالوا صفوة المناضلين وأن حلمهم في بناء الشيوعية في العراق وفي العالم وإن مني بنكسات وانهيارات وهزائم لكنه في النهاية سيتحقق لا محالة! وإن شجرة آدم لم تبق خضراء لآلاف السنين على ضفاف القرنة إلا بانتظار الشيوعيين العراقيين ليلحقوا بها كل نخيل العراق وبرتقاله وأعنابه ونسائه السمراوات اللدنات ويكونوا الجنة الموعودة فوق الأرض وتحت الشمس! وإن كل ما قام به الشيوعيون من أعمال وما قدموه من تضحيات وما سفحوه من آلام سيذكره الناس الذين سيولدون في الأزمان القادمة ويقيموا من أجله نصباً يناطح الكواكب ويؤدوا حوله كل طقوس الوفاء والعرفان بالجميل! لقد كان عزيز بهذه الكتابة الطوية التفصيلية يسرد حلمه الخاص وأمله الأكبر و يسمعه هو حكاية مشوقة من نفسه مع الآخرين! وبذا تظل الشيوعية له ولناسه توقاً وظمئاً مشبوباً إلى الأبد!
عزيز سباهي كما عرفته عن قرب لسنوات طويلة ينتمي لشريحة من الشيوعيين يمكن أن ندعوهم بالشيوعيين الأبديين! البعض يسميهم بالمخضرين، آخرون يسمونهم بالعتيقين أو المزمنين وخميرة الثورة الدائمة ثمة عراقيون يسمونهم بالعامية بالمسلكيين ويقصدون سلك الموظفين أو الحرس القديم ولكني أفضل تسمية عزيز ومن معه بالأبديين لأن لهم باصرة فكرية وقوة تخييل وتصور لا يستهان بها! فهم يعتقدون أنهم يمتلكون حلماً هائلاً وضميراً أكبر منه يستطيع أن يستوعبه ويمتد به من بدء ظهور الحياة البشرية على الأرض وقيام فردوس المشاعية البدائية ( تقابله في الأديان الجنة وسعادة آدم وحواء الذين طردا منها بسبب إدعاء خطيئتهما) وحتى وصول الإنسان ربما بعد مائة عام أو ألف عام للحياة الشيوعية المتألقة الحرة السعيدة ( والتي تقابلها في الأديان عودة آدم وحواء وذريتهما للجنة بعد توبتهما وطاعتهما للرب ) الشيوعيون الأبدييون يعتقدون أنهم الجسر الذي ينحنى لخطى الجموع الهادرة وهي تخب الخطى عليه في مسيرتها نحوا المستقبل الوضاء، وهم الأفق المنير العطر الذي يربط ظلمات الدنيا بالفجر التاريخي الباهر، وهم يؤمنون بالشيوعية وقادتها ورموزها وكتبها أيمان المتعبد بدينه وربه ونبيه واليوم الآخر! و يتصفون بالثبات على الفكرة والثبات على الموقف لحد كبير، لا يتزحزحون عنه مهما لاقوا من اضطهاد وأذى! عزيز سباهي سجن في العهد الملكي عشر سنوات قضاها في نقرة السلمان معزولاً مع رفاقه عن العالم تحيطهم صحراء السماوة وذئابها وأفاعيها وشرطتها ورمالها، وفي العهد الجمهوري سجنه قاسم أيضاً سنوات أخرى امتدت حتى انقلاب البعث الدموي في 1963 وقد حاول الحرس القومي في بغداد جلبه من الموصل لإعدامه في بغداد بعد أن أعدموا شقيقه صبيح عامل المطبعة الشيوعي في مذابحهم الشهيرة ولكن رئيس سجن الموصل رفض تسليمه امتثالاً لعادة عشائرية لديه تقضي بعدم جواز تسليم رجل يعرف إنه سيقتل! كل ذلك لم يجعله يتخلى عن فكرته على العكس زاد في إصراره عليها واليوم وقد انعطف التاريخ انعطافته الحاسمة الكبرى وأطاح بالاتحاد السوفيتي القلعة الأمامية الكبرى للشيوعية مع منظومتها المتراصة الطويلة خلفه، وراحت الزلازل الأيدلوجية تترى والبراكين الفكرية تقذف حممها والدماء تغلى والنظريات تتصادم وتتفجر وتتكشف حقائق وتنقلب مفاهيم وتتهتك مواقف وتنهار صروح فإن عزيز سباهي وغيره من الشيوعيين الأبديين ظلوا ثابتين على قناعاتهم الأولى بل صاروا أكثر عناداً وتمسكاً بها من ذي قبل وحجتهم في كل ما جرى إن الخلل في التطبيق وليس في النظرية وإن العلة في الرجال والمنفذين وليس في الخطة الشيوعية الأساسية بل هم ربما يعكسون المقولة الشيوعية المعروفة معتقدين بأن النظرية خضراء والحياة رمادية! محرمين الشك على أنفسهم وأتباعهم محورين مقولة ديكارت إلى (أنا شيوعي إذاً أنا موجود)!

هذا لا يعني أن الشيوعيين الأبديين غير أذكياء أو تعوزهم النباهة على العكس فكثير منهم قد عرف ببراعته ونجاحه بل وتفوقه في ميدانه الفكري أو العمل وبحوث عزيز سباهي في المسألة الزراعية أو الاقتصادية كانت جادة ومفيدة وتلقى ترحيباً وثناءً من المختصين!
ربما سبب هذه الرؤية التي قد نراها متحجرة أو جامدة هو أن الشيوعيين الأبديين يسكنون داخل الفكرة لا خارجها لذا من الصعب أو المستحيل عليهم أن يروا الفكرة على حقيقتها أو حجمها وكثافتها بين الأفكار والنظريات الأخرى، بل هم لا يرون من الحياة نفسها إلا ما يتعلق ببقايا نبض الفكرة في رحابها الواسعة!
إنهم يستمرئون آلامهم وعذاباتهم بل يحبونها لا لأنهم مازوشيين مولعين بتعذيب أنفسهم كما يحلوا للبعض وصمهم بل لأنهم يجدون أن من صميم الفكرة ومن طقوس منشأها تحمل الألم والعناء والصبر الجميل على البلوى ومجابهة التحديات ( يمكن الرجوع لحياة ماركس الذي اختار العذاب لنفسه ولعائلته في بيته الفقير البارد الرطب في لندن وهو الذي كان بإمكانه أن يعيش ثرياً منعماً ) أتذكر من الشيوعيين الأبديين الممثلة الرائدة الصديقة(زينب) لقد ضحت هذه الممثلة القديرة الجريئة بشهرتها وبيتها في العراق وخشبة المسرح التي كانت تحن إليها حنين فاختة لسدرة البيت وسكنت المنافي متمسكة بحزبها وفكرتها. كان السرطان ينهش أحشاءها وهي تبتسم وتقول ( أنا سعيدة سأموت وأنا شيوعية )، والفنان رشاد حاتم، كان ذا موهبة تشكيلية كبيرة لم يكن يشكوا من ثقل جدران السجن على صدره وإنما من ثقلها على فرشاته ولوحته، قال له فهد مؤسس الحزب وكان سجيناً معه (ادفع الجدران بعيداً عنك وسترى الأفق البعيد وترسم) بالطبع كانت نصيحة إرادوية كديدن فهد لم تجد نفعاً مع فنان يريد التجربة الخاصة والملاحظة البصرية الحقيقية والألوان والقماش والحرية.رشاد حاتم افتدى الحزب للأسف ليس فقط بروحه بل بقدراته الفنية الكبيرة التي يشهد لها فنانون حداثويون حتى اليوم، زرته في السبعينات في بيته في الكاظمية مع مجموعة من أعضاء خلية كانت تعمل في وسط الفنانين وقد صور هذا اللقاء وحواراته في فلم وثائقي مؤثر لا أدري أين هو الآن. كان في الرمق الأخير وما كان منشغلاً بلوحاتة القليلة النادرة بل كان يسأل عن آخر أخبار الحزب والحركة الشيوعية !كان شيوعياً أبدياً نقياً نقاء فجر الكاظمية على شاطئ دجلة في لوحته! وغير بعيد عنه أبن محلته أيضاً الأديب والصحفي إبراهيم الحريري الذي يظل شيوعياً أبدياً حتى داخل اللحظة العابرة، فهو جاد لا بد أن تحمل ابتسامته شيئاً من رصانة الأبدية.إنه روائي جيد قرأت له عمليين روائيين متميزين لكنه لم يشأ مواصلة الكتابة الروائية وجد متعته وراحته في رفد جريدة الحزب بمقالاته المركزة، بعد سقوط نظام صدام ترك عيشه الرغيد في كندا والتحق بالحزب الشيوعي في بغداد، هو مازال يعتقد إنه يستطيع حمل الطبقة العاملة العراقية على كتفيه المنهكين ليصعد بها جبل النظرية ويضعها في الجنة التي على قمته! كنت أراه يأتي لوزارة الثقافة في بغداد على دراجة هوائية بوجه غير حليق وثياب خشنة يتعمد فيها عدم الأناقة بينما يصل الوزير الشيوعي بسيارة مارسيدس وموكب وحراسة. ربما كان الوزير طالباً في المتوسطة لم يسمع بالشيوعية عندما كان الحريري منفياً في بدرة بسبب الشيوعية! الشيوعي الأبدي لا يفكر كم أعطى وكم أخذ بل إنه يفرح إذا أعطى أكثر مما أخذ! آرا خاجادور كان عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي قارب التسعين من عمره فهو من رعيل فهد ( على خلاف مع الحزب الآن ربما بسبب الموقف من نظام صدام وربما بسبب الموقف من الإمبريالية الأمريكية والرجعية والإقطاع إلخ..) إنه يتجاهل آلام شيخوخته، ومتطلبات رعاية نفسه وينهمك بكتابة مقالات طويلة عن الشيوعية البكر النقية وعن هموم ومواصفات الحركة النقابية العراقية المطلوبة ويوزعها عبر الانترنيت كأنه ما يزال ذلك النقابي النشيط في محطة السكك الحديد في منطقة الشالجية! أهم خصال الشيوعي الأبدي إنه ربما يسمع بدبيب نملة على ثوب بروليتاري لكنه لا يسمع هدير عجلات الزمن الأكثر هديراً ودهساً من كل قطارات الشالجية!

الشيوعيون الأبدييون أقرب لنساك ورهبان ومتصوفة في صوامع متباعدة، تشتعل في أعماقهم نار هادئة متواصلة تستقي زيتها مما تحلل في الأرض من رفات الأحياء والأموات! ومن أحبار الكتب القديمة المقروءة منها وغير المقروءة! يتحملون أن تكون أعمارهم احتضاراً طويلاً في مخاض ميلاد أملهم من أجل الدنيا ومن أجل الناس لكنهم لا يتحملون أن تولد فكرتهم ذاتها من جديد فذلك هو الاغتراب القاتل لهم وذلك هو الموت الحقيقي! لا يريدون أن يعرفوا أن الأفكار تولد خارج صوامعهم كما البنين والبنات يراهقون معاً ويتمازجون معاً، ويختلط النسل والذرية وتتفتح الحياة في كل يوم بألف فكرة وألف نهج وألف ساحة وطريق! بعضهم يقبع في حجرته بين غبار الكتب لكثرة ما هو غارق في لجة نفسه لا يسمع استغاثة المؤلفين وهم يريدون الخروج من كتبهم وقد ضاقت بهم وأصبحوا ينقضونها ويكرهونها ويحتاجون لمساعدة تلامذتهم لإنقاذهم ويطلقون الصرخات دون جدوى !
عشرات بل مئات من الشيوعيين العراقيين رايتهم أو سمعت عنهم تخلوا عن عوائلهم وأبنائهم وعن مواهبهم وطاقاتهم الإبداعية بل وعن ثرواتهم (ثمة أثرياء أنقياء ركلوا ثرواتهم والتحقوا بركب الشيوعية كأمل في أن تكون الثروة للجميع ) فلم يلقوا غير الملاحقات والسجون والتعذيب بينما ازداد الفقر والحرمان والألم وشمل للجميع! وتظل جنة الشيوعية تبتعد أكثر فأكثر فكانوا يعانون ويحتضرون وكل سعادتهم ونشوتهم أن أنهم سيموتون وهم شيوعيون!لقد صار حلمهم بالشيوعية تعويضاً عن الشيوعية ذاتها! إنهم كالمتدينين المنصهرين بمقدساتهم وكالعشاق الذاهلين الذائبين في أحبتهم! لم يقفوا مرة ليتلمسوا قلوبهم أو عقولهم كم تلقت من طعنات وضربات أو كم هي عن قصد أو غير قصد سددت من طعنات أو تسببت بويلات ؟ أو يتلمسوا فكرتهم هل هي حقيقة أم وهم؟ ماء أم سراب ؟ ممكنة التحقق أم مستحيلة؟ طريق إلى الكينونة والهوية أم إلى الهاوية ؟

شيوعيون أبدييون أزليون قادمون من مختلف قوميات العراق وأديانه ومذاهبه ( كان الحزب الشيوعي العراقي بوتقة صهر الجميع المتنوع ليخرجهم جميعاً سبيكة أخرى، ربما بالزي الموحد وإلى حين أيضاً، فما أن بردت بوتقته وارتخت أبوابه حتى عاد الكثيرون إلى آصالهم وجذورهم وقومياتهم وأديانهم وطوائفهم وعشائرهم وعنعناتهم)
التقيت عزيز سباهي عام 1969، يومها رٌحلت من إحدى منظمات الحزب للعمل في تنظيم الأدباء والصحفيين فوجدته هو الرفيق المجهول الذي قادتني إليه ورقة الترحيل كما تقود كتب التنجيم باحثاً عن حظه، وجدته في علاوي الحلة قريباً من سينما بغداد على ما أتذكر، يقف أمامي بقامته الطويلة ووجهه البيضوي الأسمر وابتسامته الحزينة على الدوام ( لم أجده يوماً ضاحكاً فرحاً كطفل إلا هو يحدثني قبل حوالي ربع قرن في الجزائر عن سهرة في التلفزيون شاهد فيها وردة الجزائرية في حفلة تغني باقة من أغانيها من ألحان بليغ حمدي ربما كان أمثال هذه الفرحة الصغيرة هي ما يقتات عليه في حياته في المنافي العديدة التي تنقل بينها ) كان يعمل آنذاك رئيساً لقسم الدراسات الاقتصادية في جريدة الثورة، ومثلما كان هو يعرف أن هذه الجريدة ناطقة باسم حزب البعث الحاكم كانوا هم يعرفون به كادراً شيوعياً.كان قادة البعث في تلك الأيام يدعون أنهم يريدون بدء عهد جديد من التعاون مع الشيوعيين وبناء دولة تقدمية ومجتمع جديد، لكنهم في الواقع كانوا يعذبون ويقتلون الشيوعيين من كلا التنظيمين اللجنة المركزية والقيادة المركزية وأصدقاءهم في أقبية سجونهم في قصر النهاية وغيرها من السجون السرية والتي هي بيوت وقصور عادية حورت من الداخل كمعتقلات وأقبية رهيبة للتعذيب والتصفيات الجسدية، وقد بدأت تتكاثر في العراق في عهدهم أكثر من دكاكين القصابين في أزمان بداية الجفاف وذبح الماشية!

كانت خليتنا تعمل آنذاك ضمن خطة الحزب لإعادة بناء تنظيماته بين الصحفيين والكتاب والفنانين بعد الاضطهاد والسحق الطويلين خاصة إثر انقلاب شباط عام 63. كان العمل صعباً ثم أضحى مستحيلاً تقريباً في ظل اعتقال وقتل أعضاء الحزب ومرشحيه وأصدقائه وإسقاطهم سياسياً في القواعد الحزبية والذي شمل حتى من يتجاوب مع الشيوعيين أو يتعاطف معهم بينما أبقوا على سكرتير وأعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية والكوادر المحيطة بها بل تركوا بعضهم يظهر بشكل علني متجولاً في شارع أبي نؤاس أو ملقياً محاضرات في المعهد الثقافي السوفيتي أو مطلقاً مقابلات صحفية أو حاضراً احتفالات مئوية لينين في السفارة السوفيتية وقرع كؤوس الأنخاب حتى مع ممثلي البعث المتدثرين بالماركسية آنذاك (اغتال صدام منهم من يعتقد إنه يعمل في الخط العسكري كعضوي اللجنة المركزية ستار خضير وشاكر محمود والكادر المتقدم محمد الخضري وآخرين كثيرين ) وبعد أن حطم صدام قيادة تنظيم القيادة المركزية الشيوعي وسحق كوادره وأعضاءه بهمجيته ووحشيته البعث المعهودتين كانت المهمة الكبرى المطروحة أمامه آنذاك التفاوض من أجل جبهة وطنية ( قال إنها ستناضل حتى آخر بعثي ضد الإمبريالية والصهيونية وتبني العراق على أسس تقدمية واشتراكية ) لكن حواره الحقيقي كان هو ذلك الذي أوكله للجلادين وأدواتهم المتطورة في التعذيب و(بعضها كان يستورد من الدول الاشتراكية) وبين رفاقنا المساكين في أقبية التعذيب وعلى طاولات قلع الأظافر والصعقات الكهربائية، كان صدام يشرف بنفسه على حفلات التعذيب ويغنيها بتوجيهاته القيمة! كل ذلك دعا الحزب عام 1970 لوقف الاجتماعات الخلوية وجعل النشاط الحزبي يقوم على الصلة الفردية وقد بقيت صلتي بعزيز في تلك الفترة وثيقة. كان آنذاك يركز لا على العمل وشكليته بل على جدواه ووضوحه والمضي به دون تجاهل الأخطار المحدقة أو محاولة تحديها بطرق عنترية فارغة وقد ظل محافظاً على دقة مواعيده معنا كخلية مفرقة رغم صعوبة الظروف. أتذكر إنني في عام 1970 نشرت في مجلة ألف باء الأسبوعية تحقيقاً واسعاً عن الدروايش بعنوان "الدراويش أشباح تبحث في دمها عن الحقيقة" أظهرهم بالعديد من الصور الملونة التي غطت غلافي المجلة وهم يخترقون بالسيوف بطونهم ونحورهم وأحشاءهم حتى تخرج من الطرف الآخر دون أن تحمل قطرة دم، لكن أخطر ما تطرق إليه التحقيق أو تورط فيه هو حديثه عن أساليبهم البشعة في استغلال الدين وممارساتهم السرية الجنسية الشاذة مع الغلمان والحيوانات إضافة لتخفى بعضهم في هيئات نساء لدخول البيوت ومخالطة النساء في حياتهن الخاصة! وقد لامني عزيز سباهي بصفته مسؤولي الحزبي على هذا التحقيق لأنه برأيه يصرف أنظار الناس بهذا الدم المزيف عن دماء حقيقية ينزفها رفاقنا الشيوعيون في سجون البعثيين ولم يقتنع بقولي له إنني أفضح دعاة الفكر المثالي من أجل فكرنا المادي! لكن حين هددني الدراويش بالقتل لما لحق بهم من هذا التحقيق الذي انتشر حيث صارت المجلة تباع في السوق السوداء بأضعاف سعرها وقف سباهي بجانبي ووجهني للخلاص من هذا المأزق الذي زججت نفسي فيه دون أن أدرك توازن قواي مع دولة يحكم الدراويش جانبها المعتم غير المرئي! كان معروفاً آنذاك إن عزة الدوري درويشاً وكما يقال مسؤول خط الدراويش في حزب البعث ومجلس قيادة الثورة ( تطور فيما بعد إلى انقلاب ديني داخل حزب البعث وحملة إيمانية شملت العراق كله حتى سقوط البعث فبعثت بالموجات الإرهابية والتدميرية الجارية الآن من غلاة ومتعصبي الطائفتين السنية والشيعية!)

كان سباهي مهما تمسك بالعقل البارد حريصاً على اللمسة الإنسانية التي رايتها للأسف ضعيفة أو معدومة لدى كثيرين من الكوادر والقياديين الشيوعيين ممن عملت أو عشت معهم في لا حق الأيام ( لكن كثير من الشيوعيين تمسكوا بها ودفعوا ثمنها، قال لي أحدهم ممن تركوا الحزب : لا شيء يلوث الروح ويفقدها نقاءها كرذاذ أفواه القياديين الحزبيين الأدعياء المتبجحين) بعد انهيار ما سمي بالجبهة الوطنية والقومية التقدمية وخروجنا أو هروبنا من العراق وجدته في الجزائر فواصلنا العمل سوية في قيادة تنظيم الحزب في الجزائر وقد اختار هو العمل في مجال البحوث والدراسات فكتب الكثير من البحوث والمقالات كان يوقعها باسم نصير الكاظمي خشية أن يلحق الأذى بابنه سعد الذي لم يستطع إخراجه من العراق وبقي أشبه برهينة لدى البعثيين وإن كان يعيش في بيت عمه عبد الإله!
بعد أن خرجت أنا من الحزب الشيوعي واخترت التفكير الحر والموقف الحر وعدم الانخراط بأي تنظيم والانصراف للكتابة سمعت إن عزيز رفيقي القديم قد امتعض مما أتخذت من فكر ومسار جديدين وقد أعطيته الحق في ذلك فالشيوعي الأبدي يحرص على صف الشيوعيين ويريده قوياً متراصاً لا يقبل أن يقلق أحد فيه أو يتململ أو يترك الركب فيتخلخل وينهار.
والشيوعي الأبدي إذ يحكم على نفسه بالسجن المؤبد داخل الفكرة مع الآشغال الشاقة طبعاً فإنه لا يقبل بأقل من السجن العادي للآخرين داخل الفكرة التي لا يدري كم هي مغلقة ومستحيلة! لكنني خابرت عزيز حين جاء إلى السويد بزيارة لإلقاء محاضرة في النادي المندائي في لوند فوجدته ذلك الصديق الذي يبقى دافئ القلب والروح مهما تلبدت الأيام والأرض والنفوس بالصقيع والظلام! وحين عاد إلى كندا وصلني منه كتابه المترجم ( مستقبل الرأسمالية : لستر ثورو ) حاملاً إهداءه العذب بخطه الجميل الذي عرف به!

كان عزيز سباهي في مطلع شبابه رساماً وخطاطاً بارعاً لكنه في مسيرته بين السجون حيث الحصول على الفرشاة والقماش والألوان صعب أو مستحيل، أو قد يبدو ترفاً برجوازياً أهمل موهبته الفنية كرشاد حاتم وتعلم الإنجليزية بديلاً عن الرسم ليترجم بها كتباً عن المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية وينشرها بعد إطلاق سراحه مسلسلة في جريدة النور التي كان يرأس تحريرها جلال الطالباني!
قد يبدو للبعض أن الحياة لا تحتاج الشيوعيين الأبديين! فغيابهم لن يعطلها أو يؤخرها أو حتى لن يغير في إيقاعها لكن وجودهم جميل بلا شك فهم يجترحون محاولات بشر طيبين ليكونوا ملائكة! المتصوفة ينطلقون من الفكر الغيبي والمثالي إلى رحاب ملائكي وأثيري والشيوعيون الأبديون ينطلقون من الحالة المادية إلى فضاء ملائكي أو أثيري! ويصعب الجزم أيهم عانى أكثر لكن معاناة الشيوعيين الأبديين والشيوعيين عموماً كانت مثقلة بكل جور الحكام وسجونهم وسياطهم ومشانقهم! يتهم البعض الشيوعيين بجرائم قتل وسحل لو راجع المنصفون التاريخ بموضوعية سيجدون أن الشيوعيين لم يرتكبوها أو في الأقل إن قياداتهم لم تأمر بها ولم تقرها! إن جناية الشيوعيين بحق أنفسهم وبحق مجتمعهم تنحصر في كونهم طرحوا وبإصرار ولجاجة طريقاً للتغير هو المستحيل بعينه فبددوا طاقاتهم وطاقات شعبهم واستفزوا الأعداء فافترسوهم وافترسوا الناس ومستقبلهم معهم!

الشيوعيون الأبدييون بطبيعتهم وبنهجهم المكتسب طهرانيون يفهمون النقاء على إنه وضوء للصلاة والحج والإنجاب لذلك فإن غالبيتهم غير راضين على تحلف حزبهم في بغداد مع الأمريكان لكنهم كأي متعبدين متبتلين لا تطاوعهم قلوبهم على المجاهرة في الخلاف بل هم يظلون يدعمون حزبهم ويأملون أن يجد يوماً طريقة علمية ديالكتيكية لبناء سفينة نوح يجمع فيها العراقيين ويعبر بهم الطوفان!


الشيوعيون الأبديون لا يستطيعون أن يعطوا مثالاً أو دروساً في النظرية التي أضحت متحجرة وعقيمة معهم أو بدونهم، بل هم يقدمون مثالاً في إصرار الإنسان على حلم كبير وأمل كبير وعالم آخر غير عالمنا المثقل بالاستغلال والحروب والضلالات الأخرى !

ربما كل منهم يغني بيت الشاعر المجهول على لحنه الخاص : (منى إن تحققت تكن أحسن المنى __وإلا فقد عشنا بها زمناً رغدا) ولكن عيش الشيوعين على كل حال لم يكن رغدا!
إنهم ليسوا عزاء عن خيبات وهزائم الماضي حيث لا يجدي أي عزاء أو مواساة ولا مثالاً حزيناً على حلم في العدالة انطوى غارقاً بالدماء والرماد ولكن كأناس يمكن أن يكون نقاؤهم وصدقهم نموذجاً يمكن أن يحتذى من قبل مفكرين حيويين ورادعاً للمفسدين ومخربي الحياة والروح! قد تكون الحكمة العامة أو الفكر النظري والتطبيقي قد فسد لدي الشيوعيين لكن خبرتهم الروحية والعاطفية يمكن أن تظل منهلاً للشرفاء والطيبين في عالمنا الملء بالشرور والمفاسد! عزيز سباهي في ما كتب من تاريخ لحزبه لا بد إنه يدرك أعمق من كل هذه الخواطر لذلك فهو يمس الكثير مما كان قديماً من المحرمات الحزبية بإضاءة جريئة !
يمكن القول إنه رغم ثقل أفكاره أو جسامة النظرية التي يعتنقها والتي لم تعد تتسع لها الأبواب أو هي تبدوا ضمن أفكار الزمن الذي مضى بزهوه وفتنته وبهائه القديم ما يزال هو يستطيع أن يمر في المحافل الصحفية وفي رحاب قلوب المثقفين بيسر النسمات، ليس فقط لمنجزه الصامت والقابل للنقاش في الفكر والصحافة كجندي مجهول بل لأنه أيضاً كان يحترم نفسه كمثقف أولاً ولم يلمس أحد منها تدخلاً حزبياً فظاً أو مؤذياً في مجري العملية الثقافية في بغداد أو المنافي، كان يتحلى بالتواضع ونكران الذات فهو مع كل ما قدم للشيوعية والشيوعيين في العراق لم يقل إنه الشيوعي الأبدي أو الشيوعي الأول أو الأخير!

عزيز سباهي لم يحظر مهرجاناً ولا تكريماً في بغداد، بينما كرم من هم ليسوا بقامته، وذلك لا يثير في نفسه أسى على العكس هو وكما أتذكره يهتم كثيراً بنيل المثقف لحقه ومكانته

هو الآن عضو بسيط في الحزب بين شيوعيين استمروا مع تعرجات طريق الحزب الطويل دون أن يمتلكوا وعيه أو تجربته وبين شيوعيين موسميين يأتون الحزب كالبقالين وفق الأجواء السياسة والفصول الملائمة (بعضهم الآن يكتب عن الأدب وزعامة التنظيمات الأدبية بتبجح وادعاء) وبين انتهازيين قادمين مع الفرص المواتية وبين شيوعيين جدد يافعين أبرياء ربا هم الآن نواة الحزب وصلبه الحقيقي والذين يعول عليهم في التجديد والتغيير وهم لا يعرفون عزيز وربما غير مكترثين بتجربته وآلامه القديمة وبين محترفين قدامى منخرطين في سلالم الحزب حالياً صعوداً ونزولاً لهم وللناس مزاياهم وعليهم وعلى الناس مثالبهم، ولكن مهما اختلفت معهم ومهما كان الرأي بأن ما يجري اليوم في العراق هو في جانب كبير منه من غرس حزب أتى بفكرة مستحيلة للعراق سدت مجرى التاريخ بعنفوانها وطيشها وجنونها لكن لا يسعك إلا أن تسجل لهم مأثرة العمل في العراق عبر غلواء الجهل والتخلف والعاصفة الدينية المتحجرة وعاصفة الدين السياسي برأسي الأفعى الإرهاب المسلط من التكفيريين السنة والميليشيات الطائفية الشيعية المسعورة !

ما تركه عزيز وغيره من الشيوعيين الأبديين من أبديتهم البعيدة للواقع الراهن خيط نور هو في الظروف الحالكة أكثر سطوعاً من نار عفوية غامضة أوقدت في صحراء البدو في شتاء قارس. إنها شعلة نار مقصودة واعية تعرف الصحراء وتعرف قبائلها و ليلها البهيم الطويل، وتبشرنا بكل صدق بأن فجر الإنسان العراقي الحقيقي قادم رغم كل النكسات والظلمات

نشرت في وجهة نظر

لم يفاجئ انقلاب 8 شباط 1963 احداً، فقد كانت كل الشواهد تدل على ان البلاد ستواجه احداثاً خطيرة، وان قوى مختلفة داخلية وخارجية كانت تعد العدة للاطاحة بحكومة عبد الكريم قاسم، وتصفية الحزب الشيوعي العراقي، اكثر من هذا فان معلومات وردت من مصادر مختلفة ذات صلة ذاتها بهذه القوى، حددت الجهات التي تتأمر للاطاحة بالحكم، واسمت من كان يتحرك في هذا الاطار، وذهبت حتى الى تحديد المكان الذي ستنطلق منه المؤامرة، والوقت الذي ستحدث فيه.

منذ ان فشلت محاولة حزب البعث لاغتيال عبد الكريم قاسم في 7 تشرين الاول 1959 عند رأس القرية، في شارع الرشيد، وحزب البعث ظل يحيك المؤامرة تلو الاخرى للاطاحة بالحكم سواء بالقضاء على رئيس الوزراء، ام بانقلاب عسكري يطيح بالحكم، ينهض به مناصروه وحدهم، او بالتعاون مع قوى اخرى، قومية ومحافظة وغيرها والتقت مساعيه هذه بما كانت تديره الدوائر الامريكية وعملاؤها في العراق والبلدان المجاورة له، وبما كانت تسعى اليه، من جانبها الجمهورية العربية المتحدة وبالمساعي الحميمة لشركات النفط العاملة في العراق للتخلص من حكم قاسم، لاسيما بعد اصدار القانون رقم 80 الذي انتزع منها كل الاراضي التي لم تستثمرها، بعد، حتى ذلك الحين، التي تؤلف 5،99 من المئة من مجموع مساحة البلاد التي كانت تدخل ضمن امتيازها.

وقد خدمت هذا النشاط جملة تطورات سياسية في البلاد عملت على عزل عبد الكريم قاسم عن القوى الوطنية التي كانت تسانده، وقللت كثيراً من الدعم الشعبي الذي كان يتمتع به في اشهر الثورة الاولى، فقد تسببت سياسة الحكومة تجاه الحياة الحزبية وما اقترن بها من مناورات و تضييقات، في انحدار هيبة الحكم، وفي هبوط فرص الجماهير في العمل السياسي، وقدراتها في الدفاع عن استقلال البلاد ومكاسب الثورة. كما تسببت سياسات عبد الكريم قاسم في التنكر لحقوق الجماهير النقابية والاجتماعية في تزايد صلافة القوى الرجعية وتجاوزاتها وحرمان الجماهير من وسائلها لتنظيم نفسها للدفاع عن حقوقها، وبالتالي الدفاع عن الحكم وجاءت الحرب التي شنتها الحكومة ضد الشعب الكردي، ولتضعف كثيراً من قدرات الحكومة العسكرية، وتزيد في اعبائها المالية في وقت كانت تعاني فيه من ضغط شركات النفط وسياساتها في خفض الانتاج، ولتشغل الحكم عما كان يدبر له، وزادت مشكلة الكويت ومطالبة عبد الكريم قاسم به، والتي اثارها دون تحسب كاف، من التعقيدات السياسية التي كان يواجهها واعطت الدوائر البريطانية ذريعة لاستقدام قواتها وتحشيدها قريباً من الحدود العراقية.

في آخر رسالة يكتبها سكرتير الحزب الشيوعي العراقي، حسين أحمد الرضي، الى اللجان المنطقية والمحلية للحزب، بعنوان "ملاحظات أولية"، قال بشأن انقلاب شباط: "إن انقلاب (الردة) في 8 شباط، قد بدأ فكرياً وسياسياً واقتصادياً، منذ اواسط 1959، حينما تصرف قاسم بما يشبه الاستسلام للقوى السوداء التي أخذت تسترجع المواقع واحداً بعد آخر، في الجيش والدولة وفي الحياة الاقتصادية والمجتمع. ومنذ ذلك الحين، فإن الخط البياني لتفاقم التهديد الرجعي. وتفاقم أخطار الردة قد تموّج لعدة فترات، صعوداً ونزولاً. ولكن كخط عام بقي يتصاعد. وفي 8 شباط 1963 اسقطت الرجعية الفاشية السوداء حكم قاسم واستولت على الحكم".
"جئنا بقطار أمريكي"

وحين يعلن علي صالح السعدي أمين القيادة القطرية لحزب البعث في العراق في ذلك الحين: "إننا جئنا الى السلطة بقطار أمريكي"، فلنتذكر ان هذا القطار قد تحرك منذ منتصف 1959 في هذا الاتجاه، بعد ان هاله تعاظم قوة الحزب الشيوعي العراقي يومذاك. وسواء ادرك الذين نفذوا الانقلاب في بغداد وأعوانهم في القاهرة وغيرها، أنهم ساروا في سكة هذا القطار، وفي الاتجاه الذي سار فيه، وان بعضهم قد امتطاه فعلاً، انهم ينفذون إرادة غيرهم، او لم يدرك الاحياء منهم هذه الحقيقة بعد، فإن الشواهد صارت تتكاثر بما لايدع سبيلاً للمكابرة.

"تقول الورقة التي اعدتها وزارة الخارجية الامريكية في 15 نيسان 1959 تحت عنوان: الوضع في العراق السياسة التي يتعيّن على الولايات المتحدة ان تسلكها لتحول دون سيطرة الشيوعية على البلاد من بعض ما تقول: "العلاقات الودية ما بين الولايات المتحدة والجمهورية العربية المتحدة، الحملة الفعّالة التي ينهض بها ناصر ضد الشيوعيين المحليين والاتحاد السوفييتي، اليقظة الناشئة لدى العرب تجاه الشيوعية الدولية – كل هذه تطورات ما كانت لتبدو قبل عام، وهي تعود بمنافع سياسية عظيمة من وجهة نظرنا، ثم تعود الورقة لتقول تحت عنوان فرعي: (تشجيع ناصر في حملته ضد الشيوعية في العراق "وفي الوقت الذي لم نربط فيه مباشرة ما بين حملة ناصر الراهنة ضد الشيوعية، والخطوات التي اتخذناها لمساعدة مصر، فمما لا شك فيه ان ناصر يعرف ان الخطوات التي اتخذناها انما هي علامة على استحساننا للحملة الجارية، وأنها تشجيع على جهوده المعادية للشيوعية"... "وسنواصل هذه السياسة، وندعمها بخطوات يمكن ان نتخذها من حين لاخر بطريقتنا الخاصة للمشاركة في الحصيلة"
وتعود الدوائر الأمريكية المعنية لتقول بعد عام: "ان مواقف حكومة قاسم تجاه الدول الغربية، قد تحسنت تدريجياً بعد ان كانت عدائية. ولكن هذا الاتجاه قابل لان ينقلب فجأة. وفي الوقت الذي يمكن ان يتواصل، إلا انه من غير الممكن ان يسير بعيداً جداً" ولهذا تولت "الطرائق الخاصة" لكي تدفع بالامور الى "السير بعيدا"ً ودون رجعة.
لقد ضعفت كثيراً حكومة عبد الكريم قاسم، ولم يبق من وزرائها الذين دخلوها في يوم الثورة احد سوى رئيسهم. وانعزل هو عن جميع القوى السياسية الوطنية التي وقفت مع الثورة يوم اندلاعها. وفي العامين الآخرين دخل في حرب منهكة مع القوى القومية الكردية. وعلى هذا باتت الظروف مناسبة تماماً لما يبغي التأمر عليه.
قبل ان ينتهي عام 1961 كانت القيادة القطرية لحزب البعث في العراق قد قررت رسمياً العمل لاسقاط حكم قاسم.. وفي أواخر ايار 1962 دعت القيادة القومية للحزب المذكور. في اجتماع عقدته في حمص، البعثيين العراقيين الى الإعداد لانقلاب في العراق يطيح بحكم قاسم فتألف لهذا الغرض مجلس عسكري لوضع خطة العمل والسعي لتنفيذها في اللحظة المناسبة.

واستعدت حركة القوميين العرب، التي تتحرك بأوامر من مصر، من جانبها للعمل في هذا الاتجاه، واعدت عسكرييها للانقضاض على عبد الكريم قاسم، ووضعت لهذا الغرض خطة لاغتياله في نادي الضباط في بغداد في اول ايام عيد الفطر المصادف ليوم 25 شباط من عام 1963. كما أعدت لحركة تقوم بها الدبابات التي يقودها الضابط القومي جابر حسن حداد، وخطة لعملية أخرى تستند الى دبابات كتلتي صبحي عبدالحميد من القوميين الناصريين وعبدالهادي الراوي، القومي الاسلامي وذهبت مجلة (الطليعة) التي كان يصدرها القوميون العرب، في 16 كانون الثاني 1963، الى الحديث عن "شيء قد يحدث في المستقبل".
وكان العسكريون المحافظون، على اختلاف ولاءاتهم، يتهيأون الى ضم قواهم الى كل من يقدم على عمل. وحين انحصر الفعل على البعث والقوميين العرب، استعدوا للسير وراء أي منهما. ومع ان هذين التنظيمين، كانا قد اتفقا، في بادئ الأمر، على العمل سوية، ودخلا في ما عُرف بـ"الجبهة القومية" إلا ان القوميين العرب خرجوا عن الجبهة المذكورة بسبب الخلاف ما بين البعثيين والناصريين في سوريا، وبات كل من التنظيمين يعمل بمفرده، ويسابق الآخر لتنفيذ خطته. ولعلّ هذا الوضع في صفوف القوى القومية هو ما دفع الاجتماع الكامل للجنة المركزية للحزب الشيوعي في اواخر ايلول 1962، الى القول بأن "الجبهة غير المقدسة التي وقفت موقف العداء من الحزب والشعب هي التي تفتت، وبدأت تظهر وتتعمق ثانية عزلة القوى الرجعية وعميلة الاستعمار". ومع ذلك، فإن الطرفين، رغم خلافاتهما، دخلا في اتفاق ضمني بينهما، يقضي بأن يدعم أحدهما الآخر حال قيامه بحركة ما. لكن هذا الاتفاق الضمني لم يحل دون ان يعمل هذا الطرف للايقاع بالطرف الثاني للتخلص من منافسته.

لا تكشف الوثائق الرسمية الامريكية المنشورة حول العلاقات بالعراق عن كامل الارتباطات التي اقامتها وكالة المخابرات المركزية الامريكية. وغيرها من الدوائر ذات العلاقة بعناصر متنفذة في حزب البعث ممن كان لهم دور مؤثر في انقلاب شباط. ذلك لان واضعيها تحاشوا ان يوردوا كل شيء. لكن شواهد وتصريحات كثيرة توضح بعضا من اشكال الارتباطات هذه.

قاسم على علم بتحركات المتآمرين

لم تكن تحركات المتآمرين تخفى على عبد الكريم قاسم او على الحزب الشيوعي العراقي. فقد كانت مصادر كلا الطرفين تتابع هذه التحركات بانتباه. فقد كانت عيون قاسم تتباع نشاط القوى السياسية القومية، والضباط القوميين، رغم ان اجهزة قاسم الامنية كانت تتستر احياناً على هذه النشاطات. ولا تقدم معلوماتها الكاملة عنها.

وبناء على المعلومات التي تلقاها قاسم، احال المقدم جابر حسن حداد على التقاعد في 6 تشرين الثاني 1962، واعتقل المنسق السياسي لحركة القوميين العرب، نايف حواتمة. الا ان هذا الاجراء قد اصاب المتآمرين من القوميين العرب، ولم يمس البعثيين. وقد كشفت المستندات التي عثر عليها في وزارة الدفاع بعد انقلاب 8 شباط ان الملازم جابر علي، احد البعثيين المشاركين في التحضير للانقلاب، كان يزود عبد الكريم قاسم بمعلومات عن نشاط العناصر القومية والبعثيين في الجيش. ويؤكد علي السعدي هذا الموضوع ويقول: "اذا كان عبد الكريم قاسم قد فوجئ بتوقيت الانقلاب، فإن ذلك يعود الى مرض وغياب الملازم جابر علي عن بغداد منذ اكثر من اسبوع، ولهذا لم يخبره بساعة الصفر". كذلك كانت مصادر الحزب الشيوعي العراقي تنبئ الحزب بتحركات المتآمرين وبدقة، وهو بدوره كان يبلغ عبد الكريم قاسم بها. وكان من بين ما بلغه، نبأ الانقلاب الذي جرى فعلا في 8 شباط 1963 .

كان الانقلابيون قد مهدوا لانقلابهم بعقد تحالف مؤقت وشفوي مع الحركة القومية الكردية، التي كانت آنذاك في حرب مع الحكومة, وكانوا يريدون من هذا التحالف انهاك الحكم، وابعاد كثير من القطاعات العسكرية غير الموالية لهم الى المناطق الكردية. وكان يجري عن قصد، التواطؤ مع الدوائر العسكرية المعنية لابعاد العناصر اليسارية في الجيش الى كردستان، لتتعذر مشاركتهم في مواجهة الانقلاب حين يحدث، ولضمان انشغال الحزب الشيوعي العراقي في العمل لوقف الحرب وضمان حلها حلا سلمياً. كذلك مهد الانقلابيون لانقلابهم بإضراب طلابي واسع في كليات الجامعة وفي المدارس الثانوية في بغداد لاشغال اجهزة الحكم به من جانب، وإشغال منظمات الحزب الشيوعي بمتابعة الاضراب والانصراف عن متابعة تحضيراتهم للانقلاب، وقد نجحوا كثيرا في ذلك، ويكفي ان نشير هنا الى ان سكرتارية اللجنة المركزية للحزب عقدت خلال ايام الاضراب اربعة اجتماعات خلال ما يقرب من اسبوع واحد (في الفترة ما بين 29/12/62 و7/1/63) كرسته لبحث تطورات هذا الاضراب، وموقف المنظمات الشيوعية الطلابية منه. كل هذا يجري في الوقت الذي كان فيه الانقلابيون يكثفون من جهودهم استعدادا للانقلاب.

منذ صيف 1962، بدأت منظمات الحزب الشيوعي العراقي تتلقى من مركز الحزب توجيهات تدعو الى اليقظة واتخاذ اقصى درجات الحذر لمواجهة ما تدبره الاحزاب القومية من عمليات انقلابية. وكانت هذه الاحزاب، سواء بدافع ضروراتها الخاصة وحاجتها الى تدقيق وتضبيط خططها، او لمجرد اجراء التدريبات الضرورية على الخطة الانقلابية التي توصلت اليها، كانت تعيد وتكرر انذاراتها الى اعضائها ومؤيديها، وتحدد مواعيد جديدة لتحركاتها. مقابل هذا كان الحزب الشيوعي يكرر تبليغاته وتوجيهاته الخاصة الى منظماته، كما يكرر تسريب معلوماته الى قاسم. هل كانت هذه الحالة قد حدثت مصادفة، وعادت بالنفع على الانقلابيين، ام ان جهات ذات تجربة ودراية بسايكولوجية الجماهير في حالة كهذه قد اوحت للانقلابيين بهذه الممارسة؟ مهما كان الامر، فإن تكرار الانذارات والتوجيهات المضادة قد اوجدت حالة من فتور الهمة والخدر في اللحظة المناسبة. زد على ذلك. فإن قيادة الحزب الشيوعي قد اضاعت وقتا ثمينا وطويلا في الانصراف الى تصفية المشاكل في المكتب السياسي. كذلك كان الحزب الشيوعي قد ظل يلتزم بالدفاع عن حكومة قاسم باعتبارها "حكومة وطنية" في الوقت الذي كانت فيه هذه "الحكومة الوطنية" تواصل مقابلة منظمات الحزب والجماهير التي تلتف حوله بصنوف من التنكيل والاضطهاد. ولم تعد الاساليب النضالية التي ظل الحزب يلتزم بها قادرة على وقف هذا الاضطهاد. لذلك فقدت جماهيره الحافز الداخلي القوي للدفاع عن هذه الحكومة. ان تكرار الانذارات من جانب، وحالة الانتظار السلبي التي وجدت الجماهير التي تلتف حول الحزب نفسها فيها. والتزام سياسة الدفاع الدائم التي لم تقترن بمحاولات التعرض والهجوم، اوجدت لدى هذه الجماهير حالة من الخدر واللا أبالية، استغلها الانقلابيون لتمرير انقلابهم.

في مطلع عام 1963 . تلقى الحزب الشيوعي معلومات تشير الى ان حزب البعث اعد خطة لانقلاب عسكري ينطلق تنفيذها من كتيبة الدبابات التابعة للفرقة الرابعة المدرعة في (ابو غريب). وهي لا تبعد عن بغداد الا عشرين كيلومترا فقط. وكان يقود هذه الكتيبة يومئذ العقيد خالد الهاشمي، عضو المكتب العسكري لحزب البعث، واحد واضعي الخطة. وكان ضباط الصف الشيوعيون في الكتيبة يتابعون تحركات الضباط البعثيين في الكتيبة وفي الفرقة عامة. وقد سارع الحزب الشيوعي الى اصدار بيان في 3/1/1963 يحذر قاسم من الانقلاب، ومن تحول الكتيبة المذكورة الى وكر للمتآمرين. وكان عبد الكريم قاسم قد بلغته، بدوره، معلومات خاصة تؤكد نفس الشيء إذاك استدعى قائد الفرقة المدرعة عبد الجبار السعدي، وآمر كتيبة الدبابات المعنية خالد الهاشمي، ولدى المقابلة، ارتعب هذا الاخير، وافضى بما عنده. وقدم لقاسم كشفا بأسماء ضباط الكتيبة واتجاهاتهم السياسية. واعترف بوجود 3000 قطعة سلاح في الكتيبة لا يعرف عنها شيء حينئذ، امره قاسم بإرجاع الاسلحة الى مخازنها، والالتزام بإفراغ الدبابات بعد كل عملية تدريب من ماء التبريد ومن عتادها الحي. كذلك عمد قاسم الى احالة ثمانين ضابطا على التقاعد يشك في ضلوعهم في التآمر، واعتقل صالح مهدي عماش، احد اركان الانقلاب المنتظر، واعد قوائم اخرى بإحالة ضباط على التقاعد، إذ ذاك قرر حزب البعث واعوانه التعجيل بالانقلاب. وتحدد صباح الجمـعة المصادف 8 شباط 1963 . وفي 4 شباط تلقى حزب البعث ضربة اخرى، تمثلت باعتقال امينه القطري علي صالح السعدي، وكريم شنتاف، عضو المكتب السياسي الا انه سار قدما في تنفيذ خطته التي تقوم على السيطرة على دبابات الكتيبة وتحريك بعضها برغم خلوها من العتاد، للاستيلاء على مرسلات اذاعة بغداد في (ابو غريب) ايضا. وتحريك اربع دبابات باتجاه وزارة الدفاع واثنتين باتجاه دار الاذاعة في الصالحية، وارسال بعض الدبابات الى الحبانية للتزود بالعتاد والعودة الى بغداد، وقصف معسكر الرشيد وتعطيل حركة الطيران فيه. وكانت اشارة التحرك لتنفيذ الانقلاب اغتيال العقيد الركن الشيوعي جلال الاوقاتي، آمر القوة الجوية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
* مقتطفات من الفصل 23 من "عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي"- الجزء الثاني. وهي تتعلق بما سبق الانقلاب، وما تضمن الفصل المذكور اشارات اليه.

نشرت في وجهة نظر
الصفحة 1 من 3